إصدارات

التوارد المقصود

دكتور/ سلطان سعد القحطاني

صدرت دراسة نقدية عن قسم اللغة العربية في جامعة القاهرة، سنة 1423/2003، تحت إشراف أستاذين كبيرين في عالم الثقافة والأكاديمية في مجال النقد الأدبي، بعنوان(النقد بين النظر الأخلاقي والنظر الفني، حتى نهاية القرن الرابع) وعندما أحيلت إليّ هذه الدراسة لتحكيمها بعد أن سجلت ضدها شكوى بأنها مسروقة…
لم أستوعب هذا الخبر،لعلمي المسبق لسمعتهما العلمية، وخاصة أن أحدهما قد عمل في إحدى الجامعات السعودية العريقة واطلع على الأدب والنقد السعوديين، وهما – ولا شك جزء من الأدب العربي-، ودهشت  عندما قرأت مقدمة الطالبة، صاحبة الرسالة، من الشكر المفرط لهذين العلمين على ما قدماه من فكر وتوجيه أكاديمي عرف عنهما، وخاصة الدكتور/ جابر عصفور، أستاذ النقد الأدبي في جامعة القاهرة، وزميله  الدكتور/ عبد الحكيم راضي، في رسالة علمية أشرفا عليها وناقشتها لجنة علمية اختاراها؛ وراجعت الرسالة أكثر من مرة، لعلي أجد عذراً لصد هذه الفرية عن جامعة من أقدم لجامعات العربية تتلمذنا على أيدي أساتذتها في اللغة والأدب، حاضراً وغائباً،سواء في جامعة الملك سعود، أو ما قرأناه من نثرهم وبحوثهم العلمية، وممن زاملناهم وزاملونا فيما بعد،وبصرف النظر عن دقة العنوان من عدمه،إلا أنه مجتزأ بتصرف عن عنوان بحث علمي سابق عليه، للدكتور/ محمد مريسي الحارثي، سبق هذا البحث بخمس سنوات، عنوانه(الاتجاه الأخلاقي في النقد العربي، حتى نهاية القرن السابع الهجري) ، صدر البحث عن النادي الأدبي في مكة المكرمة، سنة 1409/1989، ومن باب أولى أن يكون البحث الثاني مستقى من البحث الأول، في القرون الأربعة الأولى، وهذا أمر معروف في عالم النقد الأدبي لو كان الموضوع في غير التطابق المطروق من قبل، فيما لم يطرقه الباحث الأول،  هناك أمور لا نستطيع غض النظر عنها للأمانة العلمية سنوضحها في ثنايا هذا التقرير، مقارنة بالصفحات، لم ترجع الباحثة إلى الدكتور الحارثي إلا أربع مرات، مما يدل على أنها قرأت البحث أكثر من مرة، وليقيني أن أساتذتها تنازلوا فقرءوا الكتاب، وليس من المعقول أن تتطابق هذه الآراء- بصرف النظر عن الصياغة، في بعض الأحوال – والرجوع إلى النصوص المطروقة في المصادر متعددة الطبعات، وفي أحيان أخرى نقلاً عن مراجع أخرى، – وفي كل الأحوال- النصوص واحدة في معظم الرسالة؛ وهناك الكثير من التجنيات على الباحثين الذين سبقوها في هذا المجال، مع العلم أنها أشارت إليهم في المقدمة، لكنها قللت من شأن بحوثهم دون أن تثبت ذلك في البحث؛ ولنأخذ البحث من أوله لعلنا نجد لها ولأستاذيها العذر فيما ذهبوا  إليه:

ذكرت الباحثة في مقدمتها، أن هذا الموضوع لم يبحث من قبل سوى من ثلاثة باحثين، أحدهم الدكتور محمد مريسي الحارثي، ودراسة الدكتور الحارثي أول دراسة ظهرت حول هذا الموضوع، وقد أشرت إلى تاريخ صدورها من قبل، تليها دراسة نجوى صابر(النقد الأخلاقي، أصوله وتطبيقاته) بيروت 1990، ثم دراسة الدكتور/ غسان إسماعيل عبد الخالق( الأحلاق في النقد العربي، من القرن الثالث حتى القرن السادس)، بيروت 1999وتشير الباحثة إلى أن هذه الدراسات الثلاث- على تخصصها في النقد الأخلاقي- إلا أنها تركت الكثير من القضايا النقدية دونما إشارة أو تحليل، وتركت أيضاً أنصار أنصار هذا الاتجاه وبيان أهم القضايا التي شغلتهم… كما تشير إلى أن هذه الدراسات لم تخرج بالنقد الأخلاقي من دائرة النقد العربي القديم إلى غيره من النقد الغربي أو الحديث، ص2.

ولأنني معني بدراسة وتحقيق هذه الدراسة مقارنة بدراسة الدكتور/ محمد مريس الحارثي، فأود في البداية أن أشير إلى أن دراسة الدكتور الحارثي معنية بالاتجاه الأخلاقي في النقد العربي القديم، ومحددة بسبعة القرون الأولى الهجرية، وأشير- أيضاً- إلى نقطتين مهمتين: الأولى، أن الدكتور الحارثي ذكر أنصار كل تيار، من اللغويين، ومن الكتاب، وممن انحازوا لشاعر ضد الآخر تبعاً لمن ألف في نصرة شاعر وأو ضده، وسنأتي هذه التفاصيل في دراسة هذا الموضوع.

الثانية، أن الدكتور الحارثي ذكر النقاد القدامى من غير العرب، ثم المعاصرين، فقد ذكر آراء( أفلاطون)، وآراء تلميذه من بعد( أرسطو)، وآراء( هوراس) ومن المعاصرين( رينيه ويليك، ووأستن وايرن،وفيليب سدني، وريتشاردز) وغيرهم من النقاد العرب في دراساتهم الحديثة، ومنهم أستاذك الدكتور/ جابر عصفور، ومحمود الربيعي، ونسيب نشاوي، ومحمد غنيمي هلال، وروز غريب؛ ومن باب ذكر الشيء بضده، ذكر هذه الآراء بين الأخلاقي والفني، ص13-16؛

فكيف لباحثة لدرجة الدكتوراه أن تتجاهل هذه الجهود، وهي تعرفها جيداً؟؟!!، ولنطمئن أكثر سنقوم بإثبات النص الذي كتبه الدكتور الحارثي، وأشار إلى ذلك عندما قارن بين رأي (أفلاطون) ورأي تلميذه( أرسطو)، وبالرغم من أن الدراسة محددة بالأخلاق، فقد أور رأي كل منهما حول الأخلاق، ليكشف بالضد عن ضده، وتحدث عن هذا الخلاف بين منهج أفلاطون الأخلاقي، ومنهج تلميذه أرسطو الفني، وخروج أرسطو على منهج أستاذه، وهذا ما أنكرته الباحثة في دراستها، لنبين أكثر نورد رأي الباحثة أولاً، ثم رأي الدكتور الحارثي ثانياً،  في كل مراحل مراجعة هذين البحثين:

= تقول الباحثة: ” ومن ناحية أخرى فإنه لا توجد محاولة تجمع بين الاتجاه الفني والموقف الأخلاقي في النقد في دراسة واحدة، تجمع بين الرأي والرأي الآخر، حتى تتميز القضايا المبهمة،والتي كانت كنتيجة أو رد فعل لبعض المواقف…”ص2المقدمة، ومع ما في هذه العبارة الأخيرة من اضطراب، إلا أن التجني فيها أكثر.

“أما الدكتور الحارثي فيؤكد على جواب الضد والمغايرة، ويورد الرأي والرأي الآخر، ليتضح الهدف المحدد من دراسته في النقد الأخلاقي؛ فيرد آراء أصحاب المدرسة الجمالية، فيما عرف فيما بعد( الفن للفن) مقابل المدرسة الأخلاقية، منذ أفلاطون، وضده أرسطو، إلى الدكتور برادلي، الذي يؤكد على حرية الشعر، من حيث هو شعر لا يرتبط بالنواحي الأخلاقية، ولا المعتقدات….” ص15 .

ومن هذه المقارنات التي مهد بها الدكتور الحارثي للفرق بين الأخلاقي والفني في النقد – بصفة عامة والعربي بصفة خاص في العصر الحديث- يتحول إلى  النقد العربي القديم، ويناقش آراء النقاد القدامى، من لغويين وكتاب وشعراء ومؤرخي أدب، فيما اختلفوا فيه حول الأخلاقي والفني؛ وبناء عليه يتضح بطلان هذا الادعاء غير المبرر بشواهد علمية، أضف إلى ذلك أن الباحثة لم تأت بجديد، حتى في تعريفها للأخلاق في المعاجم اللغوية، ففي الوقت الذي عرفت الأخلاق عند الفراء في كتابه( معاني القرآن الكريم) والأزهري في كتابه( تهذيب اللغة)، عرف الدكتور الحارثي الأخلاق عند ابن منظور في معجمه( لسان العرب)، وذكرت تعريف ابن مسكويه ورأيه في  هذه المسألة في كتاب( تهذيب الأخلاق)ص5، وقد ذكر الدكتور الحارثي آراء ابن مسكويه في فصول كثيرة في كتابه، من أشهرها ص95؛ وتدلل الباحثة على رأيها بعدد من آراء الفلاسفة، مثل الراغب الأصفهاني(ت502)، وهذا متأخر عن خطة البحث، ولكن لا بأس لوذكرته لتدليل فقط،.

وعندما نصل إلى الصفحة20، نجد الباحثة تورد  آراء الخلفاء في الشعر، وتؤكد على رأي عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه) فيه، فتقول: ” وكانت نظرتهم إلى الشعر مستمدة من الاتجاه الديني الذي وضع أسسه القرآن الكريم في آيات سورة الشعراء وطبقه رسول الله( ص) في قبوله للشعر ورفضه وتوجيهه وتهذيبه وتقويمه” ، وتذكر قول النقاد في ذلك، مثل الجاحظ وابن رشيق، تقول عن ابن رشيق يقول: ” وكان أنقد أهل زمانه للشعر وأنفذهم فيه معرفة” ص20، وعن موقف عمر من  الشعر يتحدث الدكتور الحارثي، بعد أن استشهد بقول ابن رشيق : ” وقد ارتبطت أحكامه النقدية بالمعيار الأخلاقي ارتباطاً وثيقاً، فكان يوظف المعيار الأخلاقي مجرداً عن أية اعتبارات فنية أخرى تعطي الشعر قيمة أدبية” ص63.

أما المصدر عند الباحثين فواحد( العمدة) ج1، 33.

تقول الباحثة: ” وقد تبدى المعيار الأخلاقي عند الفاروق في مواقف كثيرة تروى عنه، من ذلك قوله:- أرووا من الشعر أعفه، ومن الأحاديث أحسنها…”ص21 ؛ونجد في رسالة الباحثة التشابه، والتطابق، والتحريف، والتصرف في نص الدكتور الحارثي، ففي النص الذي بعث به عمر إلى أبي موسى الأشعري، وأثبته ابن رشيق في كتابه( العمدة) تستشهد بالنص الذي استشهد به الحارثي من قبل، نفس الصفحة والجزء والطبعة،ج1،ص28،و في أحيان أخرى نفس المصدر، لكن من مرجع آخر.

تقول الباحثة: وقال في رسالة بعث بها إلى أبي موسى الأشعري” مر من قبلك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب” ص21. ونجد نفس المصدر في كتاب الدكتور الحارثي، حيث يقول: وقد تشكل المعيار الأخلاقي المجرد عند عمر في مواقف كثيرة، فقد كتب إلى أبي موسى الشعري” مر من قبلك بتعلم الشعر، فإنه يدل على معالي الأخلاق، وصواب الرأي، ومعرفة الأنساب” ص63، وإن تغيرت الصيغة في كل من النصين، إلا أن المعنى واحد، مع توسع الدكتور الحارثي في الشرح، أضف إلى ذلك أن المصدر مطروق، وليس في اللاحق جديد، وعنوان البحث واحد في كلا الحالتين، ومدار البحث حول ( الأخلاق). وفي نص آخر تقول الباحثة عن عمر: ونتيجة لهذا الإلحاح المتكرر على النظر الأخلاقي في الشعر تمخضت لديه بعض النظرات النقدية التي ينحى فيها منحى أخلاقياً وفنياً معاً، وتظهر هذه الاتجاهات في قوله عن زهير: “كان لا يعاظل بين الكلام ، ولا يتبع وحشيه، ولا يمدح الرجل إلا بما فيه” 21؛ والمعنى يتكرر عند الدكتور الحارثي من قبل، حيث يقول: ” وقد ربط الاعتبارات الذوقية في نقده بنظرته الأخلاقية كما مر  في موقفه من شعر زهير بن أبي سلمى، حين أشار إلى أهمية ائتلاف الألفاظ والبعد عن الغرابه والتعقيد وإبراز التجربة في صورة معتدلة يألفها الذوق ولا يجهد في تتبعها” 68.

ونجد الفرق في تنظير بعض المقولات عند الباحثة وإجمالها عند الدكتور الحارثي، فتقول حول هذا لموضوع:  ” وتحتوي هذه المقولة( تعني مقولة عمر) على اتجاهين، فني: ويظهر في قوله: لا يعاظل بين الكلام ولا يتبع وحشيه، وأخلاقي ويظهر في قوله: لا يمدح الرجل إلا بما فيه” ص22، ونجد هذه المقولة مجملة عند الدكتور الحارثي، حيث يقول: ” وقد وجد في مديح زهير بن أبي سلمى ما يناسب نظرته حول مفهوم المديح في نظره، لأنه كان لا يتبع حوشي الكلام، ولا يعاظل بينه ولا يقول إلا ما يعرف، ولا يمتدح الرجل إلا بما فيه” ص66، وقد نقلت الباحثة من نفس المصدر الذي نقل منه الدكتور الحارثي( طبقات فحول الشعراء، لابن سلام، تحقيق محمود محمد شاكر، دار المدني بالقاهرة، ج1، ص63. ولا أعتقد أن باحثاً عرف أصول البحث العلمي يقع في خطأ كهذا، ولا مشرفاً أكاديمياً يقر مثل هذا الخطأ، وما فائدة بحث يكرر من بحوث سابقة!!. ومثل هذا التكرار روحاً في بعض الأحيان ونصا في أخرى، تقول الباحثة:” وكما كان عمر ينشد الصدق في المدح، كذلك كان يطلب الاقتصاد في الهجاء وعدم الإقذاع، وكان يعاقب على الهجاء الذي يكون في هجاء مسلم بدون ذنب، ومن ذلك: عندما هجا الحطيئة الزبرقان بقوله:

( دع المكارم لا ترحل لبغيتها      واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي)

قيل: لما بلغ الزبرقان قول الحطيئة( دع المكارم) استعدى عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقال: يا أمير المؤمنين: إنه هجاني، فحبسه الفاروق….”ص23، ونجد الدكتور الحارثي يقول: “ومع أن عمر قد ذكر بعض الخصائص الشكلية التي تميز بها شعر زهير في ألفاظه وتراكيبه إلا أنه ربط تلك الخصائص بمبدأ الاعتدال والصدق. أما نظرته لشعر الهجاء فإن هناك موقفين مشهورين وقفهما عمر من غرض الهجاء، كشف فيهما عن نظرة أخلاقية متطورة في نقد الشعر عنده.

فقد هجا الحطيئة الزبرقان بن بدر بقصيدته التي جاء فيها:

( دع لمكارم لا ترحل لبغيتها      واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي)

وموقف عمر من هذا نابع من إدراكه لما للهجاء من أثر سيء على أخلاق الناس، وخطر كبير على سنن الإسلام، أضف إلى ذلك  معرفة عمر باتجاه الشاعر الذي غلب عليه الهجاء فحاول عمر أن يحد من ذلك في نفس الشاعر، كما حاول أن يقلل من أهمية بعض القيم الأدبية التي لازمت شعر الهجاء أو توجيهها أخلاقياً يتفق مع منهج الدين الإسلامي القويم…”ص66. ولعل التطابق في روح نص الباحثة مع روح نص الدكتور الحارثي، والاستقاء من مصدر واحد في قضية واحدة يظهرلنا في النصوص التي نقوم بمقارنتها وتحليلها، فنجد الباحثة تقول في نص عن عمر بن الخطاب، إلحاقا لما ذكرته عن الجانب الأخلاقي عنده: ” وقد فعل مثل هذا مع النجاشي الشاعر، عندما هجا بني العجلان قوم تميم بن أبي مقبل، مما يدل على إدراكه خطورة هذا الهجاء في إذكاء نار الفتنة بين العرب بعد أن أخمدها الإسلام، ويزداد هذا الوعي نضجاً ووضوحاً في الخبر الذي يروى عنه مع الحطيئة، عندما أطلق الفاروق الحطيئة من حبسه، قال: إياك والهجاء المقذع، وقال: وما المقذع يا أمير المؤمنين؟، قال: المقذع أن تقول هؤلاء أفضل من هؤلاء وأشرف، وتبني شعراً على مدح لقوم، وذم لمن تعاديهم، فقال: أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني بمذاهب الشعر”ص23.  وفي هذا السياق يذكر الدكتور الحارثي قصة النجاشي مع بني العجلان، فيقول: ” ويؤيد ذلك موقف عمر من هجاء النجاشي لبني العجلان، فقد روي أن بني العجلان كانوا يفخرون بهذا الاسم لقصة كانت لصاحبه؟؟، في تعجيل قرى الضيف، إلى أن هجاهم به النجاشي فضجروا منه، وسُبُّوا به، واستعدوا عليه عمر بن الخطاب…، فقالوا: يا أمير المؤمنين هجانا، وحاول أن يغير مسار الهجاء” ص 67-68 لكنهم ألحوا كما ألح الزبرقان، وفصل حسان ين ثابت في الأمر، كما فعل في أمر الحطيئة مع الزبرقان. ونخرج من هذا التحليل بنقطتين:

الأولى، أن مصدر الباحثين واحد، والأسبق الدكتور الحارثي.( ديوان الحطيئة)ص49-50، عند الباحثة، ص44-53، عند الدكتور الحارثي.

الثانية، اتفاق النصين- عند الحطيئة والنجاشي، في موضع( الصدق والكذب) والحكم الذي صدر بحقهما من ناقد ، وشاعر ناقد للشعر( حسان)، واتفاق الفكرة عند الباحثين؛ وإذا انتقلنا إلى الخلفاء الراشدين من بعد عمر نجد الباحثة تؤكد على تمسكهم بمبادئ النقد الأخلاقي  والتأكيد عليه، تقول: ” وبذا نما هذا التوجه الأخلاقي في النقد، والذي وضع أسسه القرآن الكريم وأرسى معالمه النبي( ص)، وبلور مفهومه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في تمييز الشعر الإسلامي عن الشعر الجاهلي وطبعه بطابع خاص، ولفت النظر إلى أهمية المعيار الأخلاقي في نقد الشعر” ص24؛ ويقابل هذا النص نص للدكتور الحارثي  في هذا المجال، حيث يقول: ” إن هذا الطرح المتميز للاتجاه الأخلاقي في النقد والذي توسع في بلورة مفهومه ورسم معالمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد استطاع أن يحقق شيئاً من التوازن الملموس من الوجهتين النظرية والعملية. فقد حاول هذا الاتجاه أن يجعل للشعر الإسلامي طابعاً متميزاً ومستقلاً عن طابع الشعر الجاهلي، كما حاول أن يطور مفهومه ودوره في النقد وفق منهج الفكر الإسلامي الصحيح” ص69. لا أظن أن هناك شك في عدم تطابق هذين النصين، وإن حاولت الباحثة المراوغة من النقل المباشر إلى صياغة مختلفة. وحول موضوع الشعر الأخلاقي والفني عند عمر،تقول الباحثة عن الصحابة الذين تأثروا بهذا التوجه النقدي ومحاولتهم توجيه الشعر وجهة فنية أخلاقية:

” ويزداد هذا المفهوم عمقاً وتأصيلاً الذي بعض الصحابة إذ كانت مهمة هؤلاء رعاية الأخلاق الإسلامية في مجالات الحياة المتعددة، وعلى الرغم من أن وقفاتهم الأخلاقية تجاه الشعر ونقده كانت سريعة ومقتضبة وفي مواقف محدودة جداً، فإن تأثيرها في إبراز الاتجاه الأخلاقي في الشعر كان واضحاً وملموساً، من هؤلاء عبد الله بن عباس إمام المفسرين وهو صحابي جليل، كان يسمع الشعر ويتمثل به،ويحث على تعلم الشعر الجاهلي،وكان ينظر إليه نظرة نفعية تعليمية، ويستعين به على تفسير القرآن الكريم،وروي عنه قوله: ” إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله فلم تعرفوه، فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوان العرب،” وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعراً”ص24. وحول هذا المفهوم النقدي عند الخلفاء والعلماء في العصور التي تلت عصر عمر وتسامح الخلفاء عن الشعر الأخلاقي، وظهور بيئة العلماء والمفسرين يقول الدكتور الحارثي: ” فمنذ خلافة هشام بن عبد الملك لم يعد للمقياس الديني ذلك الاهتمام الذي كان يحظى به عند سلفه من الخلفاء، وقد كانت هناك بيئة أخرى اهتمت برعاية الاتجاه الأخلاقي في الشعر غير بيئة الخلفاء وهي بيئة العلماء والمفسرين، واهتمام هذه البيئة بالأخلاق أمر طبعي، إذ كانت مهمة هؤلاء العلماء رعاية الأخلاق في مجالات الحياة المتعددة، وقد  جاءت وقفاتهم الأخلاقية في نقد الشعر سريعة وفي مواقف محدودة جداً. فعبد الله بن عباس كان يسمع الأشعار ويتمثل بها، ويحث على تعلمها خاصة الشعر الجاهلي الذي قد عفي عنه، وقد سئل( هل الشعر من رفث القول؟…وقال: إنما ارفث عند النساء…)، وروي عنه قوله:” إذا قرأتم شيئاً من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في إشعار العرب فإن الشعر ديوان العرب” وكان إذا سئل عن شيء من القرآن أنشد فيه شعراً” ص75. وبالرغم من الحذف والزيادة عند الباحثين في النص المصدر، إلا أن المحصلة واحدة في المصدر المنقول منه، في النص الخاص بالباحث،فقد نقل الدكتور الحارثي من كتاب ابن رشيق( العمدة)ج1، ص30، ونقلت الباحثة من نفس المصدر. وعند الحديث عن موقف الفقهاء من الشعر، تقول الباحثة: ” إذا ما انتقلنا إلى موقف الفقهاء من الشعر والشعراء نجد لديهم تعميقاً للاتجاه الأخلاقي، وتشديداً في مهمة الشاعر الأخلاقية، وكان موقفهم أقرب إلى تأصيل العلاقة بين الشعر والأخلاق،وكان الشعر عندهم يقبل أو يرفض استناداً إلى قيم أخلاقية دينية، دون سعي منهم إلى تأصيل اتجاه نقدي أخلاقي من خلال نقد الشعر، لكنهم كانوا يرتكزون في قبول الشاعر أو شعره من خلال تأصيله ودعوته للمثل والقيم والفضائل الأخلاقية” ص30؛وفي مقابل هذا النص نجد نص الدكتور الحارثي، يقول: ”  بين الفقهاء والمفسرون وجهة النظر الدينية في قول الشعر والاستماع إليه والتمثل به، وحفظه ، وروايته، وكان الشعر يقبل عندهم أو يرفض على أساس ديني بحت، إذ لم يكن همهم تأصيل اتجاه أخلاقي من خلال الشعر، وإنما كان همهم تأصيل الثل والفضائل التي ينبغي أن يكتسبها الإنسان المسلم” ص76؛ ومن حيث موقف الفقهاء تقول الباحثة: ” ..لذلك نجد الإمام الشافعي، يذكر حكم شهادة الشعراء في كلام يحسن أن نسوقه لأنه يكشف عن رأي الفقهاء في ذلك، يقول: ” الشعر كلام حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام، غير إنه كلام باق سائر، فذلك فضله على الكلام، فمن كان من الشعراء لا يعرف بنقص المسلمين وأذاهم والإكثار من ذلك، ولا بأن يمدح فيكثر الكذب لم ترد شهادته” ص30، وفي هذا الصدد يذكر الدكتور الحارثي رأي الشافعي من ضمن مجموعة آراء للفقهاء في هذا الشأن، يقول: ” … وكذلك فعل الشافعي فرد شهادة الشاعر الهجاء الذي يثير بين الناس الضغائن وأسباب القطيعة كما رد شهادة الشاعر الذي شبب بامرأة بعينها ليست مما يحل له وطؤها حين شبب…” ص76، هذان النصان متفقان روحا، وقد عبر كل من الباحثين بطريقته الخاصة.

وفي موضوع عن المتكلمين تقول الباحثة: ” وكانت هناك طائفة من المتكلمين أمثال بشر بن المعتمر والنظام والرماني والباقلاني، قد أسهمت بطريق مباشر وغير مباشر في تنمية الاتجاه الأخلاقي من خلال الدفاع عن قضايا العقيدة الإسلامية والمثل الأخلاقية متابعتها عند الشعراء، مما أسهم بشكل مباشر في ظهور مصطلح( الزندقة) التي كان يرمى بها الشعراء عندما يتجاوزون حدودهم في الخروج على الأخلاق والقيم الإسلامية والعقيدة…” ص32. وحول هذا الموضوع تحدث الدكتور الحارثي، قائلاً: ” ويبدو أن ملامح الاتجاه الأخلاقي في النقد بدأت تتشكل بصورة واضحة من خلال بعض الكتب التي تناولت نظم القرآن ومجازه ومعانيه، من أمثال كتاب معاني القرآن للفراء، ومجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى، وكذلك الكتب التي تناولت إعجاز القرآن؛ من أمثال كتاب إعجاز القرآن للرماني، كتاب إعجاز القرآن للخطابي، وقد مثل كتاب إعجاز القرآن لأبي بكر محمد بن الطيب الباقلاني مرحلة متطورة لمفهوم الاتجاه الأخلاقي في النقد، ص78.

ويضيف الدكتور الحارثي: فكشف بذلك بعض عيوب الشعر في صوره ومعانيه، وعلى هذا وظف الباقلاني الاتجاه الأخلاقي في النقد لتحقيق غاية دينية حددها سلفاً…..ص89، وكانت الرقابة الأخلاقية تؤدي دورها في متابعة الشعراء الذين يجاهرون بالمعصية والفسق والزندقة…”ص80. ونجد هذه النصوص تختلف في ظاهرها ، لكنها متفقة في باطنها، من حيث معالجة الموضوع عند المتكلمين ضد الخروج على القيم والأخلاقية والمجاهرة بالفسق. وتعود بنا الباحثة إلى العصر الأموي فتذكر دور الخليفة معاوية بن أبي سفيان في ميله إلى الأخلاق، فتقول: ” ..نجد للخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان بعض المقولات التي حاول فيها أن ينهج منهج عمر في توضيح الغاية الخلقية والتربوية للشعر، إذ يقول لعبد الرحمن الحكم!!، بن أبي العاص ، لما رآه معجباً بالشعر: ” لقد رأيتك تعجب بالشعر، فغذا فعلت،فإياك والتشبيب بالنساء فتعر الشريفة، وترمي العفيفة، وتقر على نفسك بالفضيحة،وإياك والهجاء،فإنك تحنق به كريماً، وتستثير به لئماً، وإياك والمدح، فإنه كسب الوقاح وطعمة السؤال،ولكن افخر بمفاخر قومك، وقل من الأمثال ما تزين به نفسك، وشعرك، وتؤدب به غيرك”، وتعلق الباحثة على خطاب معاوية، فتقول: ”  هذه الوصية نابعة من إدراكه لأهمية الشعر، ودور الشاعر في التأثير على الناس، وقد تناول فيها أقطاب موضوعات الشعر التي يمكن أن يتجاوز فيها الشاعر غاية الشعر التربوية والأخلاقية،فيفسد بالشعر أكثر مما يصلح وهي الغزل، الهجاء، المدح، ووضع له ضوابط تضبطه عندما يطرق مثل هذه الموضوعات، من أهم هذه الضوابط أن يلتزم جانب الصدق، والأمانة، والاقتصاد فيها حتى لا يبث بشعره هذه الفتنة والقلق بين الناس”ص46 ولعل الدكتور الحارثي قد عالج هذه القضية عند معاوية مثلما عالجها عند غيره من قبل، فيقول: وقد اهتم معاوية بن أبي سفيان بالفكرة الأخلاقية في الشعر وقال لعبد الرحمن بن أبي الحكم بن العاص لما رآه مهتماً بالشعر معجباً به: ” قد رأيتك تعجب بالشعر……..،ويعلق على ذلك بقوله: ” فللشعر عند معاوية رسالة إنسانية نبيلة. فقد رأى أن الفكرة الأخلاقية هي مادة الشعر السياسية التي ينبغي أن يصرف الشاعر وكده وهمه لاستجلابها، ولهذا نهى في النص السابق عن الفحش والتعهر في الغزل، والإقذاع في الهجاء، والمبالغة والكذب والنفاق في المدح، ورأى أن أغراض الشعر الثلاثة التي ذكرها فيها من المغريات ما يجلب الضرر والأذى للشاعر والمتلقي على حد سواء”ص70

وفي هذا الصدد تقول الباحثة: ” وتمثل هذه النظرات الأخلاقية التي تضمنها هذا الخبر تطوراً وتأكيداً لما وجدناه عند رسول الله( ص) ومن بعده الفاروق عمر بن الخطاب…”ص46، وفي المقابل يقول الدكتور الحارثي: ” وقد حاول معاوية أن يترسم خطى عمر في توجيه ذلك الهجاء وجهة أخلاقية حيث أخذ يفسر الشعر تفسيراً بعيداً عن مقصد الشاعر ومراده،ة كما كان يفعل عمر في تفسير هجاء النجاشي لبني العجلان” ص71. تقول الباحثة في نفس المجال عن عبد الملك بن مروان: “فاهتم عبد الملك بن مروان اهتماما شديدا بالشعر، ودعا إلى مجالسة فحول الشعراء، وفتح أبواب قصره أمام كل أديب، واستمع إلى ما يدور من حوله من مناقشات حول الشعر والشعراء،….. وموقفه في توجيه الشعراء وجهة أخلاقية نفعية” ص47. ويقول الدكتور الحارثي: “أما عبد الملك بن مروان فقد كان أكثر خلفاء بني أمية اهتماماً بالشعر في مجالسه….”ص71.

تقول الباحثة: “ويؤكد عبد الملك  على هذه المعاني الأخلاقية في المدح أو الرثاء حتى مع شعراء غير مسلمين كالأخطل، فقد دخل الأخطل على عبد الملك، وقال له: يا أمير المؤمنين قد امتدحتك، فاستمع مني، فقال:  إن كنت شبهتني بالعقرب والأسد، فلا حاجة لي بمدحك، وإن كنت قلت كما قالت أخت بني الشريد لأخيها صخر، فهات، فقال الأخطل: وما قالت يا أمير المؤمنين؟ قال هي التي تقول:

فما بلغت كف امرئ متناول      بها المجد إلا حيث ما نلت أطول، وأنشده الأخطل بيتين قالهما فيهما:

إذا مت مات العرف وانقطع الندى             من الناس إلا في قليل مصرد

ورُدَّت أكف السائلين وأمسكوا                    من الدنيا بخلف مجددِ

فلما انشده الأخطل البيتين الذين قالهما فيه وفيها من المعاني السامية ما فيهما أعجب بهما لما فيهما من المعاني  الأخلاقية في الشعر.49-50. ويذكر الدكتور الحارثي،: ” ولكنه في المقابل قد قرب الأخطل النصراني وجعله شاعره المفضل، وهذا لا يلغي دور عبد الملك في توجيه الشعر وجهة تربوية….”ص73. وفي مكان آخر تقول الباحثة: ” هذه اللمحات النقدية التي وجدناها عند عمر بن الخطاب ومن بعده معاوية ثم عبد الملك  لم تستثمر في تنمية هذا الاتجاه لدى الخلفاء من بعد، بل أخذت تتوارى شيئاً فشيئاً، باستثناء عمر بن عبد العزيز، لكنه  على الرغم من أنه رفع من شأن المعيار الأخلاقي في الشعر، فلم يسهم في تنميته، لأنه أوصد الأبواب في وجوه الشعراء ولم يقبل مديحهم وإطراءهم، ورفضهم ولم يدخلهم عليه ومن الشعراء الذين وفدوا عليه عمر بن أبي ربيعة، والفرزدق والأخطل، وجميل بن معمر، وجرير…..” ص51.

يقول الدكتور الحارثي: ” على أن هذا الاتجاه الأخلاقي في النقد والذي كان يتمتع به عبد الملك بن مروان لم نجد له صدى كبيراً عند من جاء بعده من خلفاء بني أمية، إلا إذا استثنينا عمر بن عبد العزيز الذي أعاد للاتجاه الأخلاقي في الشعر اعتباره من خلال موقفه من شعر المديح، إذ كان يطلب من الشعراء أن يتقوا الله ولا يقولوا إلا حقاً، وقصته في ذلك مشهورة مع عمر بن أبي ربيعة والفرزدق، والأخطل، والأحوص، وجميل بن معمر، وجرير…….”ص74. وفي موضوع الفرق الإسلامية ، من الأمويين والشيعة والخوارج والمعتزلة، وغيرهم تورد الباحثة في الصفحات 54-55-56، – بتعبيرها هي- ما أورده الدكتور الحارثي،في  صفحة80 وما بعدها.

تقول الباحثة: “أما الأصمعي- وهو تلميذ أبي ‘مر بن العلاء- فق برز المعيار الديني الخلقي عنده في أكثر من موقف، كان لا ينشد ولا يفسر ما كان فيه ذكر الأنواء، لقول رسول الله(ص): ” إذا ذكرت النجوم فامسكوا”، …وكان لا يفسر ولا ينشد شعراً فيه هجاء وتعقب على هذا القول: ” هذا تأكيد بين للاتجاه الأخلاقي في نقد الشعر عند الأصمعي، وتوثقت هذه الصلة بين النظرة الأخلاقية والشعر في عدة مواقف له إذ كان يرفع من شأن الشعر الذي يحتوي على أمثال وحكم،ومن ذلك إعجابه الشديد ببيت الحطيئة الذي يقول فيه:

من يفعل الخير  لا يعد جوازيه       لا يذهب العرف بين الله والناس.ص60.

أما الدكتور الحارثي، فيقول: ” أما الأصمعي فكان يتحرج من رواية شعر الهجاء، فعن أبي حاتم قال: سمعت الأصمعي يقول: تسعة أعشار شعر الفرزدق سرقة، وكان يكابر وأما جرير فما علمته سرق إلا نصف بيت، قال: ولا أدري ولعله وافق شيء شيئاً قلت: وما هو؟ فقال: هجاء، ولم يخبرنا به” . وروى المبرد( أن الأصمعي كان لا ينشد ولا يفسر ما كان فيه ذكر للأنواء لقول رسول الله( ص): ” إذا ذكرت الأنواء فامسكوا…..” وكان لا يفسِّر شعراً فيه هجاء، وكان لا يفسر شعرا يوافق تفسيره شيئاً من القرآن)، ويعقب الحارثي على هذه النصوص بقوله: ” وقد توثقت الصلة بين الشعر والأخلاق عند الأصمعي في مواقف أخرى. فقد استحسن شعراً للحطيئة وعلق عليه بقوله: ” أفسد مثل هذا الشعر الحسن بهجاء الناس وكثرة الطمع”، وذكر الدكتور الحارثي بيت الحطيئة التي ذكرته الباحثة في الحاشية. ص82-83؛ وما يزال الحديث عن الأصمعي بين الباحثة والدكتور الحارثي، فتقول الباحثة : ” وكان الأصمعي يعجب بشعر الحطيئة، لكنه يرى أنه أفسده بالهجاء وكثرة الطمع”ص60. وتقول في مكان آخر:” وكان يقول: ” لم أجد في شعر شاعر بيتاً أوله مثل، وآخره مثل إلا ثلاثة أبيات” وذكر بيت الحطيئة السابق وبيتاً لامرئ القيس.” ص61؛ وفي نفس السياق يذكر الدكتور الحارثي: ” وكان يقول( يعني الأصمعي)، لم أجد في شعر شاعر بيتاً أوله مثل وآخره مثل ألا ثلاثة أبيات منها بيت الحطيئة…..، وبيتان لامرئ القيس” ص83؛ وذكر الدكتور الحارثي بيتي امرئ القيس في الحاشية، وكل من الباحثين نقل من نفس المصدر في العقد الفريد لابن عبد ربه، ج3، ص136. وتقول الباحثة: ” أضف إلى ذلك أن له اختيارات يبغي من ورائها الأساس التربوي الخلقي فلم يضمنها إلا الشعر الجيد قيماً وخلقاً وفناً،أعني اختياراته التي سماها الأصمعيات”ص61؛ ويقول الدكتور الحارثي: ” يضاف إلى ذلك أن الأصمعي كان من أصحاب الاختيارات الشعرية  التي قامت على أساس تربوي….” ص83. عما يخص ليونة الشعر في الإسلام تقول الباحثة: ” أما ما يروى عنه من قوله:طريق الشعر ، إذا أدخلته في باب الخير لان، ألا ترى أن حسان بن ثابت، كان عَلاً في الجاهلية والإسلام، فلما دخل شعره في باب الخير من مراثي رسول الله( ص)، وحمزة وجعفر رضوان الله عليهم، لان شعره، وطريق الشعر هي طريق الفحول مثل امرئ القيس، وزهير، والنابغة من صفات الديار والرحْل والبهاء والمديح، والتشبيب بالنساء، وصفة الحُمُر والخيل والحروب الافتخار فإذا أدخلته في باب الخير لان” ص16، حول هذا الموضوع تتفق الباحثة مع الدكتور الحارثي في تفسير الدكتور الحارثي لرأي الدكتور إحسان عباس، وقد رجعت إلى بعض ما ذكر حول هذه الجزئية في كتابه، ص113.

أما عن المبرد، في كتابه( الكامل) فتذكر رأيه في الشعر، عندما يقول: ” وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبه،، وأحسن منه ما أصاب به الحقيقة ونبه فيه بفطنته……”، وتعقب الباحثة على نص المبرد، بقولها: “حتى عندما اختار من أشعار المحدثين في كتابه كانت غايته من الاختيار تربوية خلقية…” ص64؛ يذكر الدكتور الحارثي نفس النص، ويعقب عليه بقوله: ”   وقد أشار المبرد إلى بعض ما يرد ويطرح من شعر أبي نواس، مما يألفه المجان، ومما جمع فيه أبو نواس بين الكفر واللحن، وأنكر على أبي نواس جرأته ومجاهرته بالعصيان.”ص85.

و تورد الباحثة موقف ابن الأنباري في رسالته التي بعث بها إلى عبد الله بن المعتز، وهي رسالة طويلة ملخصها عتاب ابن الأنباري على عبد الله بن المعتز الذي يسمح بإنشاد شعر أبي نواس في مجلسه، ويحذر ابن الأنباري من تمادي هذا اللون الماجن من الشعر عند الشباب وأصحاب الضعف العقدي، وانتشار ذكر الجنس بين الشباب، والتغني بهذه الأشعار بين العامة.  وتعقب الباحثة على هذه الرسالة بقولها: ”  هذه الرسالة تظهر الغاية الأخلاقية من الشعر، أو على الأقل ألا يدعو الشعر إلى الرذيلة، ونقص القيم الإسلامية، ويدرك ابن الأنباري دور الشعر المهم في جانب التربية وتأثيره على المتلقي…..”66؛ ويورد الدكتور الحارثي هذه الرسالة كاملة، من نفس المصدر الذي نقلت منه الباحثة بعد، ويعقب على الرسالة بقوله: ” وهذه الرسالة عندما تناولت شعر أبي نواس في المجون إنما مثلت بهذا وجهة النظر الدينية البحتة التي نبهت بل وحذرت من خطورة إشاعة هذا اللون من الشعر على أخلاق الناس ومعتقداتهم،فقد تدفع اللذة الهابطة….” ص92.

وحول ابن قتيبة تقول الباحثة: ” ويتابع الغاية الأخلاقية فيقول:  وهذه عيون الأخبار نظمتها، جمعت لك  منها ما جمعت في هذا الكتاب لتأخذ نفسك، بأحسنها…..” 67. ويقول الدكتور الحارثي: ” وكان ابن قتيبة يرى أن للشعر غاية خلقية، وقد حرص على إبراز هذه الغاية في كتابه عيون الأخبار؛ عندما تحدث عن طبيعة المادة العلمية والأدبية التي جمعها في هذا الكتاب فقال:” جمعت لك منها ما جمعت في هذا الكتاب لتأخذ نفسك بأحسنها، وتقومها بثقافها، وتخلصها من مساوئ الأخلاق…..”85. تقول الباحثة عن النقد الأخلاقي عند ابن قتيبة: ” ونجده في مواضع أخرى من كتاباته يعيب الأشعار الخارجة عن الذوق والحياء، فقال عن امرئ القيس: ” يعاب عليه تصريحه بالزنا والدبيب إلى حرم الناس، والشعراء تتوقى ذلك في الشعر، وإن فعلته” ص68.

ويقول الدكتور الحارثي: ” أما فيما يتصل بأحكامه النقدية التي ربطها بالأخلاق؛ فقد عاب على امرئ القيس” تصريحه بالزنا والدبيب إلى حرم الناس، والشعراء تتوقى ذلك في الشعر وإن فعلته” ص86.  وتضيف الباحثة بقولها: ” وقد برز اهتمامه بالمعنى الحكمي والأخلاقي في الشعر عند معالجته لقضية اللفظ والمعنى”ص68. وفي المقابل يقول الدكتور الحارثي: ” وقد أكد ابن قتيبة اهتمامه بالفكرة الأخلاقية في الشعر في معالجته لقضية اللفظ والمعنى” 86. ونجد الباحثة في حديثها عن ابن طباطبا، تقول: ” كذلك نجد ابن طباطبا يتكئ على المثل الأخلاقية للعرب في توضيح مهمة الشعر عندهم،وكيفية إبداعه، وأن الوظيفة الاجتماعية للشعر عند العرب هي أهم غاياته،،،”ص68. وقد نقلت كلام ابن طباطبا من كتاب ( عيار الشعر لابن طباطبا، 15-16) والدكتور الحارثي نقل من نفس المصدر، صفحة20، مع اختلاف التحقيق.، وفي هذا الصدد يقول الدكتور الحارثي: ” فلقد تنامى الاتجاه الأخلاقي عند ابن طباطبا الذي ربط القيم الجمالية للشعر بالمعاني التي تتحقق باستئناس العقل بصوابها” ص86.، وتقول عن مطلب الصدق عند ابن طباطبا: ” وأخيراً يركز على جانب الصدق في إبراز هذه الخصال والجوانب المادية والمعنوية….”ص69. نجد الدكتور الحارثي يقول: ” ولعل إلحاح ابن طباطبا على مبدأ الصدق في الشعر قد عمق نظرته الأخلاقية في النقد” ص25. وفي الحديث عن منهج الباقلاني في النقد في كتابه( إعجاز القرآن)، وتقول الباحثة: ”  هذا المعيار – وإن لم يكن خلقياً- انطلق منه للحكم بإعجاز القرآن أو هو وجه من أوجه التباين الإلهي والبيان البشري…..”71؛ وحول هذا المنهج يقول الدكتور الحارثي: ” وقد كانت مقاييسه النقدية جاهزة قبل أن يلج إلى الموازنة، حيث حدد غايته في كشف القصور والنقص الذي يعتور أساليب المشاهير من الشعراء، وبيان ما فيها من خلل وتفاوت وتكلف وتعسف في نظمها، ليخلص من ذلك إلى أن الشعر الذي يعد رأس الفنون القولية عند العرب لا يرقى إلى مستوى نظم القرآن الذي يختلف عن سائر النظوم” ص78. وتقول الباحثة في سياق هذا الموضوع: ” ثم تطرق لتوضيح هذا المعيار من التفاوت من خلال قصيدتي امرئ القيس والبحتري ، وأجرى عليهما تحليلاً تفصيلياً يكشف عيوبهما…”ص72. وفي المقابل يقول الدكتور الحارثي: ” وأقام دراسته في الإعجاز على مبدأ الموازنات بين أساليب العرب المثالية في شعرهم ونثرهم، وبلاغة القرآن الكريم في نظمه جملة. ثم اختار من الشعر للموازنة ما اتفق العرب على مثاليته في صحة نظمه، وجودة بلاغته، وسلامة مقصده،فأقام الموازنة على معلقة امرئ القيس، ولامية البحتري… ليحقق من موازنته تميز القرآن في نظمه وخصائص أسلوبه، وتفوقه على أساليب الشعر المثالية في نظر جمهرة النقاد ومتذوقي الشعر…”ص78. وإذا انتقلنا إلى الجزء الخاص بالنقد الفني، نجد الباحثة تورد رأيا لابن أبي عتيق ذكره الأصفهاني، تقول: ”  ولابد هنا من الإشارة إلى مقولة نقدية قديمة أثبتها أبو الفرج لابن أبي عتيق حول شعر ابن أبي ربيعة أرجِّح  أن لها دوراً مهماً في توجيه النظر إلى الخصائص الفنية في الشعر لا إلى قيم أخلاقية، على الرغم من أن ابن أبي عتيق كان من الفقهاء غير أنه كان يميل إلى تذوق الأدب تذوقاً فنياً لا أخلاقياً…”ص94. يقول الدكتور الحارثي: “ولعل ابن أبي عتيق كان يمثل بداية المرحلة في قضية عزل الدين عن الشعر، فقد استحسن شعر عمر بن أبي ربيعة، وقدمه على شعر الحارث بن خالد المخزومي لقوة تأثير شعر عمر على النفوس وإيقاعها في المعاصي. فجعل إباحية عمر مناط الجودة في شعره في قوله: ” لشعر عمر بن أبي ربيعة، نوطة في القلب، وعلوق في النفس، ودرك للحاجة ليست لشعر…”، ص111-112. وحول هذه القضية الفنية في الشعر تقول الباحثة: “هذه الملاحظات التي أبداها ابن أبي عتيق على شعر عمر، وبين صفات أشعر قريش تدخل في صميم المعالجة الفنية للشعر، ولعلها أثرت في أصحاب هذا الاتجاه فيما بعد. ولأن الدكتور الحارثي يعالج قضية الأخلاق في النقد العربي القديم، فيقول: ” فهذا الموقف الدفاعي عن شعر عمر ما هو إلا نتيجة ما حام حول شعره من مآخذ أخلاقية دارت حول  إفساد شعر عمر للنساء” ص112.

وحول قضية الفن والأخلاق، تقول الباحثة عن رد عبد الله بن المعتز على ابن الأنبا ري، حول الرسالة التي بعث بها ابن الأنباري إليه يستنكر فيها سماحه لسماع شعر أبي نواس في مجلسه: ” فكان رد ابن لمعتز عليه واضحاً في أنه لو طبقنا مقاييس الأخلاق والدين على الشعر لنفينا أكثره، ووقف من شعر أبي نواس موقفا دفاعياً، وأظهر انحيازه إلى القيمة الفنية والجمالية الكامنة في الشعر…..”ص98-99. يقول الدكتور الحارثي: ” فقد وقف ابن المعتز من شعر أبي نواس موقفاً دفاعياً، متخذاً الفصل بين الدين والشعر أساساً في دفاعه، حيث كان يستنشد شعر أبي نواس في المجون ويعجب به، وقد رد على رسالة ابن الأنباري التي سبقت الإشارة إليها، بقوله:  ولم يؤسس الشعر بانيه على أن يكون المبرز ميدانه من اقتصر على الصدق………” ص117. وحول كتاب أبي بكر الصولي، تقول الباحثة: ” وألف الصولي كتابيه( أخبار أبي تمام ) و( أخبار البحتري)،ليرد الشبهة عن الشعراء المحدثين الذين جاء رفض شعرهم من قبل اللغويين والرواة…….،ولعل من أبرز مواقفه التي تبرز هذا الاتجاه الفني عنده رأيه في الفصل بين الدين والشعر، في معرض الدفاع عن التهمة التي اتهم بها أبو تمام في قول الصولي: وقد ادعى قوم عليه الكفر بل حققوه، وجعلوا ذلك سبباً للطعن على شعره وتقبيح حسنه، وما ظننت أن كفراً ينقص من شعر، ولا أن إيماناً يزيد فيه”ص102-103. وعلى هذا الأساس يقول الدكتور الحارثي: ” أما أبو بكر الصولي فقد فصل بين الدين والشعر من خلال الفصل بين معتقد الشاعر وشعره، وذلك في رده على من عاب شعر أبي تمام بكفره، ولعله تأثر ابن المعتز في تناول هذه القضية حيث قال في دفاعه عن أبي تمام: وقد ادعى قوم عليه الكفر بل حققوه……”ص118.  وتقول الباحثة عن  أبي هلال العسكري: ” ويتابع أبو هلال  قضية تأكيد الصدق الفني في الشعر وعدم مطالبة الشاعر بالصدق الواقعي، وذلك بنقله عن بعض الفلاسفة: ” قيل لبعض الفلاسفة: فلان يكذب في شعره، فقال: يراد من الشاعر حسن الكلام، والصدق يراد من الأنبياء” ص110. وفي هذا الشأن يقول الدكتور الحارثي: ” وقد تكرر موقف التباين بين أمر الدين وأمر الشعر في وظيفتيهما عند أبي هلال العسكري. فالشعر الجاهلي الذي هو أقوى الشعر وأفحله في نظره بني أكثره على أضداد الفضائل، وهذ الذي سوغ للإسلاميين الوقوع في مثل ذلك، لأنه لا يراد من الشعر إلا حسن اللفظ وجودة المعنى. وقد نقل عن بعض الفلاسفة أنه قيل له: فلان يكذب في شعره…….” ص123.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق