الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | اللهث وراء دمعة

اللهث وراء دمعة

عبد الجليل ولد حموية *

شربتُ قنينة ماء تنفيذا لتعاليم مقال علمي، مضمونه عدم القدرة على ذرف الدموع راجع إلى عدة أسباب من بينها جفاف الجسم من السوائل. عوض أن تمتلئ عيني دموعا تريحني من سحابة الحزن المكتظة بها سمائي، امتلأت مثانتي البولية. أضيف السعي بين المرحاض وغرفة النوم إلى لائحة همومي، تحولت إلى جرذ يسكن دورة المياة، ” ماقدو فيل زادوه فيلة “، كنت أصارع قحولة الجسد وجفاف عواطفه، ثم انضافت مهمة التخلص من فائض السائل البولي. كبرت صخرة المعاناة وصارت جبلا شامخا ينهك كاهلِي، ويعذب ذاتي المتشظية بؤساً، حزناً وكآبة.
استحضرتُ جميع المواقف الحزينة، موت الأقارب، فراق الأحبة، لوعة الحب، دموع الأم، ضعف درعها الحامي مع تعاقب الأيام، عرق جبين الأب، تقمصه لدور الرجل الحديدي مرغما، الوقوف مكتوف اليدين أمام احتراق الأصدقاء، تنهدات آخر الليل، المستقبل المجهول، خوف العواطف من حب عابر، ألم الختان، رهاب الحقنة الطبية والنوم مرتاح البال…لم أفلح في انزال دمعة واحدة، ربما تحولتُ الى سلحفاة! لم يسبق لي أن شاهدت واحدة تبكي بالرغم من تحملها ثقل صدفتها، وقصر أطرافها المعيق للحركة، فهي تحمد الله على مصيبتها الأزلية و تمر ببطء. يذكرني وضعها بنظرة الفقير إلى الغني المغتصب وحمده لله كحل أخير ليتعايش مع نكبته.
شربتُ أسطول جعة كما أخبرني صديقي السكير”زوربا المغربي”، لَعلني أحصل على فرصة البكاء كغيري من البشر. ثملت حتى اختفى تأثير الجاذبية، صرت ريشة تتراقص بها الرياح، تتمايل مع حركة الكرة الأرضية، وتقلد حركة الغيم في السماء بتموجات غريبة، هل ذُرفت الدمعة ؟
لم تنزل قطرة واحدة، منعها شح هذا الجسد. أمضيت الليل في المرحاض أنفذ رغبات جِهازي البولي مرة أخرى. أتحاور مع الجرذان من وراء حجاب الأرضية الفسيفسائية تارة، وأكتب اسمي بلغات مختلفة تارة أخرى. لطالما أخبرتني أمي أن الدموع تغسل العين/الجسد من شوائب الحياة وبشاعتها، لكنها نسيتْ تعليمي كيفية إخراجها.. تزورني صورة أمي تَدمع وهي تقطع البصل. جربتُ الأمر أيضا، لكن البصل انتهى قبل أن تتشكل دمعة واحدة في الجسد الجاف. دمعة يتيمة كافية لِتحريري من أغلال الجفاف العاطفي الذي أتخَبط فيه، دمعة أغلى من دمعة الحورية المفتاح لإكسير الحياة في الأسطورة. الفرق بيني وبين الحرية أنها حظيت بجَسد نصفه سمكة، وأنا حظيت بِجسد يسكنه حمار.
ما الحل..؟ جربت كل شيء لعل الدمع يرأف لحالي وينهمر شتاءً يملح خدودي القاحلة، ويمتلئ فمي المدمر الفارغ من الابتسامة بملوحته لعله يحيي البياض في ظلمته القاتمة. ويعيد تشكيل حروف السعادة داخل جسد يعيش غارقا في جبِ حزن بلا قاع.
جربت محلولا صنعته بمعرفتي الكيميائية المنعدمة. بيضة تمساح، قليل من دموع طفل يبكي بلا سبب، بعض الخيبة والبؤس، فاكهة وحيدة بين الأشواك وذكريات تُبكي السلحفاة. تجرعت السائل، انتظرت نتائجه، انهمرت قيئا عوض البكاء. كم كانت خيبتي قاحلة كالبيداء!؟ لا ماء ولا سراب..
كما يغسل المطر الوجود من بقايا الحياة القاتمة، يغسل الدمع الذات من رواسبها، قول حكيم قاله أحدهم بعدما اغتسل بالدمع و اختفت علامات الجفاف من وجهه.
في يوم زارني شيطان الشعر، أمرت له بطلعة ذهبية كي يوحي إلي بقصيدة انتهجها سبيلا للوصول إلى البكاء-الراحة. أدميت حروفي على ورقة، شكلتُ آلامي أبياتا، لم أتعثر في الوزن لأن الهدف لم يكن إرضاء القراء أسوة بشعراء الشعرية بدون حليب. عندما ألقيت القصيدة على المرآة تشظت قطعا صغيرة، ارتفع صوت نحيب جمهور توهمته، بللتُ الورقة بالكلمات، سمعت أنين اللغة تستعطفني أن أتوقف عن تحويل مشاعري جمل رثاء. تحسست مقلتاي، وجدتهما أكثر جفافا من وجه عجوز نسيها ملك الموت. ما هذا الكفر بحق السماء…؟
من المعقول أن تكون الغدد المسؤولة عن إفراز سائل الدمع قد شاخت؟ كم هو صعب العيش وسط جفاف المشاعر!؟ قبر يمشي فوق الأرض، تمثال آلهة بؤس يتحرك، جثة تائهة بين الموت والحياة، مسرحية مكبث تتقمص حياةً بشرية، ما الذي وقع بالضبط؟ لماذا يشَكلونني على أهوائهم؟ نفس السؤال جَنن حمار بوريدان. لو تُركت له حرية الاختيار لهرب بعيدا منهم، ومزق عباءة فأر التجارب، هو حمار لكنه ليس قرد سيرك ليصبر على نظرات الآخرين. لو كانت لديه القدرة على البكاء لنحب كثيرا، آه كم يشبهني المسكين، حتى هو يعاني ربما من جفاف الدمع.
نبشت في تاريخ العائلة الحزين لعلني أجد ذكرى تزلزل كياني، وترديني في يَم دموع. مات جدي عندما كنت ملاكا شيطانا، أطارد الجن، أتحرش بالغيب، أمضغ النواميس وأبْصقها، أجرب أي شيء لأكتشف كم أنا غريب عن الوجود. ما إن تسرب الخبر إلى سمعي حتى خنقتني غيمة سوداء، قَتمت مشاعري، حَركت غدد إفراز الدموع، قبل أن تتشكل أول قطرة، اصطدمت برشوة والدي التي أخرجتني من الحزن إلى السعادة. لماذا اخترت يا والدي لحظة معانقتي لدمعتي الحبيبة لتظهر حبك لابنك؟ فوت علي والدي لحظة تاريخية أخرى…
حتى الرجوع إلى الماضي جاف وقاحل كحاضري، فارغ من غسيل الذات الصحي. كل معاناة الطفولة كنت أتخطاها بجملة ملعونة طُبعت في ذهني “الرجل لا يبكي”. نعم الرجل آلة صنع في الصين، لعنة الإنسانية على تقاليد تحرم الانسان من انسانيته، تمزق السبيل بينه وبين ذاته البشرية الرقيقة، المليئة بالمشاعر والأحاسيس. تجعل منه صنما جامدا يكبت رَغباته ليخرج إلى الوجود “رجلا” وحش.
أمضيت الليل كله أطارد الدمع المقدس إلى أن وقعت في غيبوبة لم يشرق الصبح بعدها، وصوت جدي يحُفني من كل جانب، يدفيني، يعيدني إلى الأحلام الجميلة، ملائكي أكثر من صوت فيروز، “عندما تكبر يا ولدي ستندم انك كبرت”
يحولني صوته البلبلي إلى فراشة منقوشة في كبد السماء، تدغدغها الشمس، ولا تستيقظ…

*كاتب مغربي 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

كيلّا: رواية الأديب الأردني أسعد العزوني

الإهداء: إلى كل من لم يدخل سوق الإستسلام ولم يفرط بالحقوق (أسعد).  – أريد أن أفهم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *