الثلاثاء , نوفمبر 21 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | كيلّا: رواية الأديب الأردني أسعد العزوني

كيلّا: رواية الأديب الأردني أسعد العزوني

الإهداء: إلى كل من لم يدخل سوق الإستسلام ولم يفرط بالحقوق (أسعد). 

– أريد أن أفهم الى متى ستظلون هكذا ، تتصورون أنكم الأنقى في كل شىء؟
سأل جونين مسؤول مستعمرة “كيلّا” الاسرائيلية التي تقرر بناؤها في هضبة الجولان السورية عشية مؤتمر مدريد.

إنتابت نيشكا نوبة من الغضب عند سماعها هذا السؤال ولكنها آثرت الصمت كي لا تثير مشكلة يصعب حلها خاصة وأن جونين وكافة سكان هذه المستعمرة من اليهود السوفييت الذين لم يمض على مغادرتهم الاتحاد السوفييتي ووصولهم الى الأرض المحتلة سوى شهر!

– عزيزي جونين لنتحدث عن أمور أخرى أكثر جدوى من هذا الموضوع!

قالت له بغنج واضح!
ضحك جونين بسخرية ورمقها بنظرة ملؤها الاشتياق للجنس وقال:

– نيشكا !نيشكا! لقد قبل العرب وجودكم بينهم ! ووافقوا على الجلوس معكم في مدريد! لماذا تتخذون هذه المواقف السخيفة؟

أشعلت نيشكا سيجارتين ناولت احداهما لجونين وأخذت تتعامل مع الثانية كأنها شىء آخر غير السيجارة لتثير شهوته تجاهها وتدفعه للهجوم عليها بطريقة أخرى بدلا من هذا الهجوم ! وقالت بنفس الغنج الأنثوي والشبق المثير:

– جونين ! نحن لسنا سياسيين ! نحن بشر عاديون، دعنا نتمتع بوقتنا هذه الليلة ! وغمزت له بعينها اليسرى.

– غريب أمرك ياعزيزتي نيشكا ! ألا تسمعين رئيس وزرائكم شامير وهو يتهجم على العرب ! أنظري الى شاشة التلفاز ، دعينا نتابع وقائع
جلسات المؤتمر.

كان شامير وقتها يلقي كلمته ، ويتهجم على العرب عامة ويصفهم بأنهم أناس إرهابيون متخلفون يفتقدون الانسانية والديمقراطية.
كانت نيشكا عضوا نشطا ، وعنصرا فعالا في جهاز الموساد ولهذا تم فرزها من قبل المسؤولين للاقامة في مستعمرة” كيلّا” لمراقبة الوضع . وتزويد المسؤولين بتقارير متتابعة عن تصرفات العائلات اليهودية السوفييتية التى تقرر اسكانها في هذه المستعمرة. اضافة الى الارتباط عاطفيا بجونين لاغرائه والايقاع به حتى يستطيع إقناع أخويه الثريين اللذين استقرا في الولايات المتحدة الأمريكية ورفضا المجىء الى الأراضي المحتلة.
كانت نيشكا على علم مسبق بنفسية جونين اليهودي السوفييتي الشيوعي حتى العظم ،ومع هذا قبلت المهمة لكونه يبدو عليه أنه فحل لا يجاريه أي يهودي آخر تعاملت معه !

لقد أثارها جونين بتعديه على اليهود وإتهامه لهم بالاستعلاء ، وكذلك على إسحق شامير الذي تكن له إحتراما خاصا بسبب مواقفه التشنجية تجاه العرب!

ولكنها مع ذلك أصرت على غلق باب النقاش في هذا الموضوع.
– إسمع ياجونين ! لقد جئت للاقامة معك هنا بمحض إختياري لسبب واحد ، إنك فذ في معاملة النساء! خاصة وأنك شاب ولم تتزوج ! أرجوك أن لا تفسد علينا هذه الليلة!

وعلى الفور سكبت كأسي فودكا فاخرة وقدمت أحدهما اليه بعد أن أحتست منه رشفة وتركت عليه آثار أحمر شفاهها الفاقع!
– إشرب !إشرب ياحبيبي جونين ! قالت له وتناولت كأسها وأحدثت صوتا رنانا عن طريق ملامسة الكأسين بعنف.
إحتسى جونين كأسه دفعة واحدة ! ورمقها بنظرة فحولية جعلها تشعر بشىء من الرطوبة وتنهض سريعا لتعود اليه ليس كحالتها الأولى ، بل كعارضة أزياء داخلية.
بحلق جونين فيها وأحدث صفيرا قويا ووقف لمعانقتها ، ولكنها هربت منه وسحبت فيش الكهرباء لينقطع البث التلفزيوني ثم صرخت:

– حبيبي جونين ! حبيبي جونين! لتتذوق الآن طعم اسرائيل! إسرائيل التى جئت إليها بمحض إرادتك ! إنني أنا إسرائيل ! وضحكت الى حد القهقهة بفعل الفودكا التى احتستها!

لم يتأثر جونين بقطع فيش التلفزيون لأن جل همه أصبح في أن يلتهمها وبعد ذلك سيكون لكل حادث حديث!
إبتسم لها جونين ، وتناول كأس الفودكا الثاني وأفرغه في جوفه دفعة واحدة، وقال:

– أحبك يا اسرائيل! أحبك حتى النخاع!
ووضع ذراعيه المفتولين حول خصرها ، وشد عليه بقوة وأخذ يلثم شفتيها.
لم تتحمل نيشكا ضغط ذراعيه القوتين فصرخت بأعلى صوتها. ضحك جونين في سره.
وقال لنفسه بعد أن أبعد ذراعيه عن خصرها:
– يبدو أن اسرائيل أخذت تصرخ بسبب انهيار الشيوعيه عندنا وهيمنة والولايات المتحدة على العالم!
– ما بك ياجونين إقترب! ضمني ولكن ليس بعنف! أرجوك ترفق بي!
قالت له وعيناها تغليان شوقا اليه.
– سأضمك !سأضمك بحنان فعظمك أصبح طريا على مايبدو!
قال لها وضحك بخبث!
لم تفهم نيشكا ما قصده جونين ، وربما فهمت ذلك ، ولكنها آثرت تجنب أي صراع قد ينشب بينهما يسبب افساد خطة الموساد لاجتذابه ومن ثم إجتذاب أخوية الثريين في الولايات المتحدة!

– جونين ! تذكر أنني أنثى ! ضعيفة البنية ! أما أنتم معشر الرجال فأقوياء خشنون!

قالت له ذلك وإقتربت منه!

– هيا ياجونين! لم اعد احتمل بعدك عني ! هيا التهمني كما يلتهم الحوت السمك!
قالت له بتوسل وبصوت كأنه صادر من جثة روحها صعدت الى السماء للتو!
تناول جونين كأس الفودكا ! وأشعل سيجارا ونفث دخانه في وجهها وانقض عليها كما ينقض النسر الجارح على فريسته الضعيفة !
لم تصرخ نيشكا هذه المرة! بل ولم تئن ، مع أن جونين الذي يعرف خلفيتها جيدا عن طريق أحد أصدقائه ،مارس الضغط على خصرها بعنف.

– جونين ! جونين! لقد ملكتني! افعل بي ما تريد! أنا طوع أمرك وبين ذراعيك القويتين!
قالت له وهي في حالة يرثى لها من شدة شبقها الجنسي ،ورغبتها الشديدة في جعله يتعلق بها لتنفيذ المخطط المرسوم!
بالرغم من أن جونين تناول عدة كؤوس من الفودكا الا أنه ما يزال قوي الأعصاب،وذلك حسب خبرته في العمل في مجال الاستخبارات والتجسس في الكي.جي.بي السوفييتية!
– بل أنا الذي طوع أمرك يا حياتي! أنت التى ستفعلين بي ما تشائين هذه الليلة!
قال لها بحنان رقيق!
– هذه الليلة فقط ياجونين؟ سألته بخبث.

فهم جونين ما ترنو اليه وتدارك الموقف ورد عليها بخبث أيضا:
– بل كل ليلة يا حياتي! كل ليلة، سأنذر نفسي في الليل لك! لك وحدك!

– في الليل فقط؟ قالت له بخبث أيضا وتوقفت قليلا واستطردت:
– والنهار ؟ ماذا ستفعل في النهار يا حياتي؟

حاول جونين أن يحاربها بنفس أسلوبها فقال لها:
– في النهار سأخدم اسرائيل يا حياتي !

إبتسمت نيشكا وتحسست ثدييها وقربتهما من فم جونين وقالت:

– أريدك معي ولي في الليل والنهار ! ولا أريد أن تغيب عني لحظة واحدة مفهوم؟

إبتسم جونين لها بخبث وقال :
– وسأكون في النهار أيضا ! ولكن ألا تملين مني ؟

– لا!لا ! لن أمل منك ! فأنت الوحيد الذي حركت قلبي بعنف ! قالت له وأرتمت فوقه على الأريكة الطويلة بالقرب من المدفأة التى أصبح وجودها في الغرفة لا لزوم له.
كان الجو في الخارج باردا ، فدرجة الحرارة منخفضة جدا ، والمطر ينهمر على سفوح هضبة الجولان حيث تقع مستعمرة “كيلّا” ، بينما غدا جو الغرفة حارا بفعل تأثير المدفأة، وآهات جونين ونيشكا الملتهبة.
– نيشكا ! حبيبتي ، دعينا نطفىء المدفأة ،فآهاتك تغني عنها وكما ترين فان العرق يتصبب من جسمي !
قال لها جونين ويده تعبث بمفاتنها.
– كما تريد حبيبي جونين ! كما تريد! حقا لا داعي للمدفأة ، فأنفاسك تحرق جسدي.

ردت عليه نيشكا،وبحركة من رجلها اليسرى أفطأت المدفأة ، اختفت الآهات بسبب العناق الطويل بينهما ولكن حركات الأرجل واليدين كانت تنبىء عن معركة حامية ولكن من نوع آخر .
استمرا على هذه الحالة قرابة الساعة ، لم تفارق الشفاه بعضها الى قليلا لالتقاط الأنفاس فقط ، ولكن الأرجل واليدين كانت في حركة مستمرة ، وإن لم تكن متناسقة .

– جونين ! دعنا ننزل على الأرض ! فالأريكة متعبة جدا.
قالت له بصوت مذبوح :
– ولماذا الأرض؟ أليست غرفة النوم أفضل ؟ انها مجهزة بكل شيء! وصلت اليوم صباحا وتم تركيبها.
حاولت نيشكا التظاهر بعدم معرفتها بالأمر فسألته باستغراب:

– وهل أنت مهم في اسرائيل الى هذه الدرجة؟

أراد جونين أن يصفعها ولكنه لم يفعل ، وتظاهر هو الآخر بالبلاهة حين قال:
– يبدو أنني مهم فعلا ! هيا ! هيا بنا الى غرفة النوم لنتذوق طعم اسرائيل الحقيقي.

تظاهرت نيشكا بعدم القدرة على القيام. فحملها جونين بين
ذراعيه ولثم شفتيها ودخل بها غرفة النوم وألقاها على السرير، وأدار
شريط المسجل، وأخذت الموسيقى الهادئة تتسلل الى كافة أرجاء البيت الخشبي.
– جونين ، هيا نرقص! فالليل طويل ، وأنا أجيد الرقص!
قالت له نيشكا وهي تعبث بثدييها.

ظن جونين أن هذه محاولة منها لاثارته، وأراد أن يفوت الفرصة عليها بأن وافق وأخذا يرقصان رقصا بطيئا يكاد جسداهما أن يدخل الواحد منهما في الآخر !
– جونين ! هل تحبني؟
– طبعا نيشكا! إنني أحبك !
– وماذا تحب فيّ ؟
– هذه الهضاب!

كان جونين يهزأ من تمسك شامير بهضبة الجولان ، ولكن نيشكا لم تفهم ما قصده لأنه أخذ يتحسس ثدييها!

– جونين هل تحب اسرائيل؟
– طبعا ، والا لما جئت اليها .
– ولماذا لا يحبها أخواك؟ سألته بخبث وغنج :
– إنهما أحرار ! أجابها وزم شفتيه.

شعرت نيشكا بالندم لأنها تسرعت بهذا السؤال وحاولت تغيير الموضوع

– جونين سأرقص لك رقصا شرقيا كي تتمتع أكثر!

قالت له ، ووضعت ىشريطا آخر في المسجل كانت قد أحضرته خصيصا معها!
– كما تريدين يا حياتي فانا طوع أمرك ! أجابها وأصابعه تعبث بمفاتنها!

أخذت نيشكا تتلوى كما الأفعى على أنغام الأغنية التى يبثها المسجل :

– إسرائيل أنت الأمل يا أرض الميعاد !
– ليهنأ اليهود هنا ليهنأوا بأرض أجدادهم!
– يا يهود العالم هيا ! تعالوا الى هنا !
– المسجد لنا !
– كم أنت يا أرض الميعاد جميلة!
– وكم أنتم أيها اليهود أوفياء !
– هبوا فنحن في خطر!

كظم جونين غيظه عند سماعه هذا الشريط ، وإستغرق يبحلق في مفاتن نيشكا وهي تتلوى أمامهم.

كان جونين في موسكو بفعل نشاطه مع ال كي.جي.بي زير نساء ويتمتع بخبرة واسعة في المجال ، وكان يؤمن ( بأنه اذا أردت أن تكون المرأة طوع أمرك فعليك مضاجعتها جنسيا واشباع رغباتها في هذا المجال).
– كفى يا نيشكا ، كفى ! تعالي نمارس رقصنا الخاص بنا !
قال لها بعد أن حملها بين ذراعيه وألقاها على السرير بحنان ! لم تمانع نيشكا بذلك ظنا منها أنها أدت دورها جيدا باسماعه شريط أغنية اسرائيل!

تحول جونين في تلك اللحظة من رجل أدمي الى وحش كاسر ولكن ليس كوحوش الغابات، بل كوحوش الليل التي تنال إعجاب النساء في مثل هذه اللحظات.

علت الآهات بينهما ، وتصاعدت حرارة الأنفاس لنصف ساعة وجدت نيشكا نفسها غائبة عن الوعي لفترة ! بينما جونين يتوثب كالأسد الذي لم تشبعه فريسته!

قضى جونين ما تبقى من الليل ساهرا يفكر في مصيره ! فهو لم يختر طريق الهجرة ، بل هي التى فرضت عليه ! صحيح أنه كان يود الخروج من الاتحاد السوفييتي ، ولكن ليس الى اسرائيل لكي يصبح مسؤولا عن مستوطنة في هضبة الجولان تضم مئة شخص بين طفل وشيخ وإمرأة !

كان جل طموحه هو الالتحاق بأخوية الثريين اللذين تمكنا من الخروج مبكرا من الاتحاد السوفييتي بعد أن هربا أموالهما وثرواتهما الطائلة بطريقة معينة عن طريق إحدى المجموعات اليهودية الأمريكية. ولكنه فشل في ذلك هو شخصيا عندما فتحت الهجرة أبوابها على مصراعيها!

حاول كثيرا ، ولكنه فشل بسبب تغيير نظم الهجرة وخطوط الطيران ، ولكنه إهتدى الى طريقة وهي إستغلال نيشكا التى وضعت لتكون له طعما يصطادونه من خلالها ،أن تكون هي طعمهم أيضا الذي يستطيع من خلالها الوصول الى ما تريد وتمكينه من تنفيذ مخططه.

– طاب صباحك يا جونين!
– قالت نيشكا بعد أن إستيقظ من نومه.
– طاب صباحك يا نيشكا ! يا أحلى نيشكا !
– رد عليها جونين وإبتسم ابتسامة صفراء.
– هيا يا جونين قم لنأخذ دوشا من الماء الساخن ونتناول فطورنا !
– قالت له نيشكا بغنج زائد.

نهضا الاثنان ناحية الحمام وأخذا دوشا ساخنا بعض الشيء ، وتبادلا قبلات حارة ثم خرجا الى الصالون ليجد جونين الافطار جاهزا!

– اجلس يا حبيبي ، اجلس لنتناول طعام الافطار سويا ومن ثم نخرج ، يبدو أن الجو دافىء في الخارج.
قالت له ومسحت بيدها اليمنى على شنباته.

– تفضل ! هذه اللقمة لك ! قالت نيشكا بعد أن وضعت اللقمة في فمه .

– شكرا لك ! إنك ماهرة في صنع الطعام ! أليس كذلك ! وتوقف قليلا وأردف:
– لا انك ماهرة في كل شىء على ما يبدو.
ومد يده ليتناول شيئا من السجق المقلي.

– ها ! هل أعجبتك ؟ لقد جربتني في الفراش وفي المطبخ ، ألا أصلح زوجة لك ؟
سألته نيشكا بخبث.

دارت الدنيا بجونين ! شرد قليلا وأجاب بحنكة بالغة:
– وهل تظنين أنني سأجد أمهر منك يا حياتي ؟

شعرت نيشكا بالغبطة والفرح لهذا الجواب وأخذته على محمل الجد ، وسألته بعد أن قدمت له كوب الشاء الساخن:
– ها ! لم تقل ما هو أكثر شيء أعجبك فيّ ؟

ضحك جونين بعد أن أشعل سيجارة وقال :

– الهضاب ! هذه الهضاب يا حياتي !

ظنت نيشكا أنه يعني ثدييها فاخذتها النشوة من جديد وقامت بحركة أنثوية بارعة وأظهرت جزءا منهما !

ضحك جونين في سره وقال :

– إنها ليست الهضاب التى أعنيها ! إنها هذه الهضاب التى تتمسكون بها
ولكنكم ستخرجون منها فأميركا لم تعد تنظر اليكم على أنكم عصاها السحرية ضد العرب ! !
إنتبهت نيشكا اليه وهو يحدث نفسه فحاولت إخراجه من هذه الحالة:

– حبيبي جونين ! ما بك شاردا كأنك تحدث نفسك !
– لا ! يا حياتي ! إنني أفكر بالهضاب ! بهذه الهضاب الجميلة التى تمسكين بها !

كانت نيشكا في تلك اللحظة تداعب ثدييها للفت نظره من جيد ، وتأكد لها أنه فعلا يعنيهما تبسمت وقالت بغنج أنثوي:

– جونين ! جونين ! كم أنت رائع ! حقا إنك أروع رجل عرفته في حياتي!
حاول جونين أن يداعبها بخبث:
– أعرف ذلك يا حياتي ! أعرف ! ألست روسيا ؟ وتوقف قليلا وقال:
– ربما تكونين قد تعرفت على رجل أميركي أليس كذلك؟
– بلى ! لقد تعرفت على أحدهم ! ولكنه لم يعجبني ! إنه بارد ! بارد! أما أنتم الشرقيون…

لم تكمل قولها بل أشارت الى شنبه وامسكته واخذت تداعبه.

تذكر جونين انه لم يقرأ الجريدة ، فتخلص منها وتناول الجريدة
ثم ألقى على عناوين صفحتها الأولى نظرة جعلت الدم يفور في عروقه ! كانت العناوين مثيرة وهي تتحدث عن الجلسة الافتتاحية الأولى لمؤتمر مدريد.

كان المانشيت الرئيسي بخط أحمر نافر يقول:

– بدأ العرب حربهم الفعلية على اسرائيل!
– العرب تحولوا مئة وثمانين درجة وقبلوا الجلوس مع اليهود ! إنها الحرب.
– شامير يفضح العرب في المؤتمر ويصفهم بالديكتاتوريين والارهابيين.
– أمريكا تخلت عن إسرائيل بعد أن سيطرت على حقول النفط العربية !
أما العنوان الخامس فهو الذي أثار حنق جونين جدا اذ قال:

– حرب الخليج صفقة بين العرب والأمريكيين والضحية اسرائيل!

أشعل جونين سيجارة وقال مخاطبا نيشكا:

-نيشكا!هل تظنين أنكم صادقون؟
أحست نيشكا بأن جبلا من الثلج قد تدحرج عليها وأخذها بين ثناياه ولم تستطع الاجابة ! لكن جونين صرخ بوجهها :

– ماذا تريدون من العرب ؟ ماذا تريدون من الأمريكيين؟
وتوقف قليلا وتابع:
– ها هم العرب جميعا موافقون على وجودكم بينهم !

وأراد أن يكمل لكن نيشكا قاطعته بنفس الحدية :

– والأميركان ! قلها ياجونين ! قلها !

– ماذا بهم الأمريكان ؟ لقد دعموكم على أكمل وجه !
– كانوا بحاجة الينا ! نعم ! كنا الشرطي الذي ينفذ ما يريده الضابط الأمريكي!
ولكن الأحداث في روسيا وحرب الخليج جعلنا عبئا على الأمريكيين.

قالت ذلك وأخذت تبكي ظنا منها أن جونين سيأخذها في أحضانه . لكن جونين لم يفعل ذلك وتركها تبكي وقال:

– إن وجود إسرائيل كان لمصلحة ! وإستمراريتها لمصلحة ! وكذلك فان
مدريد هو لمصلحة أيضا ! ألم تفهموها ؟
– إننا نفهم كل شىء يا حبيبي !
– إلا هذه !

إنفعلت نيشكا وأخذت تتخبط بكلامها وقالت أشياء ما كان يجب عليها أن
تقولها:

– لقد أسهمنا في تحطيم الشيوعية التى صنعناها بأيدينا من أجل شىء واحد
ألا وهو إحضاركم أنتم اليهود الى اسرائيل لكي نتوسع وأقسم بالرب أننا سنحطم أميركا أيضا !

ضحك جونين وقال:
– من أجل يهودها أيضا لاحضارهم الى هنا ؟
– لا ! بل من أجل أن يدفع الأمريكان الثمن !
– أي ثمن ؟
– ثمن مقايضة اسرائيل بالنفط العربي !
– كيف ذلك ؟
أحست نيشكا أن ثورة جونين قد إنطفأت وأرادت أن تهادنه قليلا
حتى توضح له الموقف برمته!
– إسمع يا جونين! إن النفط العربي في نظر الأمريكان كنز أغلى من ذهب الاتحاد السوفييتي ! فالصراع الاقتصادي الذي خلقته اليابان أخذ يؤثر على إقتصاد الأمريكيين ! وكذلك الوحدة الأوروبية أصبحت تؤرق مضاجع البيت الأبيض ! فجاءت أزمة الخليج التى خطط لها جيدا لتضع كل الأوراق في أدراج البيت الأبيض !

– كيف ذلك ؟ سأل جونين بخبث !
– ألم تر أن الجميع شارك في حرب الخليج ؟!

وتوقفت قليلا ثم قالت:
– حتى نحن في اسرائيل شاركنا فيها.

ذهل جونين من قولها وواصل خبثه معها فسألها:

– كيف شاركتم فيها بالله عليك ؟
انتفضت نيشكا كاللبؤة التي أحست أن أحد أبنائها في خطر وقالت:

– بصمتنا عن العار !
ضحك جونين وقال بدهشة:

– أي عار هذا الذي تتحدثين عنه ؟

واصلت نيشكا ثورتها وقالت:
– كنا في السابق عندما تطلق على المستعمرات قذيفة كاتيوشا واحدة
نسير أسرابا من الطائرات لقصف المخيمات الفلسطينية.
– وما علاقة هذا بذاك؟ سألها جونين بنفس خبثه السابق !
– ألم تتساقط الصواريخ العراقية على اسرائيل ؟
– بلى ! أجابها جونين .
– ولكننا لم نرد عليها !
– نعم ! لم تردوا .
– ألم تسأل عن سبب هذا الصمت المخزي من جانب اسرائيل ؟
– لا ! إن هذا الأمر لم يخطر ببالي .

أحس جونين أنه أمام صاحب قرار في الكنيست وليس عضوة في الموساد
جاءت لتلعب عليه لعبة قذرة من أجل أخوية الثريين في أمريكا . فواصل جرها أكثر فأكثر:

– قولي لي ما هو السبب يا حياتي ؟
– لقد طلب منا الأميركان أن لا نرد ! ولو كنا نعلم ما يخفيه بوش تجاهنا لقمنا بالرد !

ضحك جونين بسخرية وقال:

– هكذا اذا ؟
– نعم ! وليعلم رجالات البيت الأبيض أن اليهود سوف لن يسكتوا على هذه الخيانة العظمى لليهود .
أقتنع جونين أنه جاء الى المكان الخطأ ، ولكنه يعلم مسبقا أن القرار لم يكن من صنعه ! بل من صنع الأمريكيين الذين عملوا على منع يهود الاتحاد السوفييتي من التوجه الى الولايات المتحدة ، وأجبروهم على التوجه الى اسرائيل.
أحست نيشكا بالتعب من شدة انفعالاتها ، وكذلك لاحظت أن جونين شارد الذهن ، فأرادت تغيير الموضوع.

– سأصنع القهوة جونين لنشربها ثم نخرج الى سفح الجبل فالشمس على ما يبدو دافئة هذا اليوم !
نظر جونين اليها نظرة محيرة وقال:
– شكرا إنني أحس فعلا أنني بحاجة الى فنجان من القهوة يهديء أعصابي!
لفت قول جونين هذا نظر نيشكا فقالت بغنج مزيف:

– وما الذي يثير أعصابك يا حبيبي ؟
– الأمريكان ! الأمريكان يا حياتي ؟

رد عليها جونين.

أحست نيشكا بالرضا وأنتشت أن جونين يكره الأمريكيين أيضا وتوجهت الى المطبخ لاعداد القهوة

لم تمض خمس دقائق حتى عادت نيشكا بالقهوة ووضعتها على الطاولة واستأذنت جونين لتعود اليه بعد لحظات وقد وضعت أحمر الشفاة على شفتيها وبدلت ثوب النوم بآخر أكثر شفافية من السابق .
تحركت مشاعر الرجولة عند جونين وأحدث صفيرا ونهض ليحملها ويجلسها بالقرب منه بعد أن أشبعت لثما وتقبيلا.

أيقنت نيشكا أن النقاش السابق لم يغير جونين من ناحيتها على الأقل ، والا لما قام وحملها وقبلها وأجلسها بالقرب منه !

– هيا لنشرب القهوة ونخرج قليلا ثم نعود فأنا مازلت أغلي من الداخل !
قالت له وغمزته بعينها اليسرى ثم ناولته فنجانه بعد أن أشعلت له سيجارة
من عندها.
أخذا يرتشفان القهوة ويتبادلان الابتسامات واللمسات الخفيفة . وبعد أن
ازداد إطمئنانها اليه قالت:
– جونين! أنا لا أدعي أنني أفهم بالسياسة ولكني أخاف على شعبي !
بهت جونين لقولها وسألها باستغراب :
– ممن ؟
– العرب ! العرب! يا جونين ! إنهم كثيرون ونحن قلة !

ضحك جونين وقال:
– أنتم قليلون وهم كثيرون ؟ كم حربا قامت في المنطقة وإنتصرتم فيها ؟
– لم ننتصر نحن يا حبيبي ! صدقني لم ننتصر ! لقد كانت أمريكا هي التى
تنتصر لنا !

ردت عليه نيشكا بخبث واضح.
– كيف ذلك يا نيشكا با الله عليك ؟

سألها جونين بخبث أيضا!

– كانت تمدنا بالمال والسلاح وتقف معنا في محافل الأمم المتحدة ضد العرب .

وتوقفت عن الكلام وركزت بنظراتها على وجه جونين لترصد تعابير وجهه ولكنه أفسد علهيا خطتها عندما تناول قهوته وأخذ يرتشف ما تبقى منه
فتابعت:
– واليوم ها هو بوش يحرمنا من الدولارات والدعم ويضغط علينا !
وتساءلت أيضا:
– أليس هذا ظلما لليهود ؟
لم ينبس جونين بنت شفة ، بل إكتفى بالنظر اليها والتركيز على مفاتنها التى لم يخف فستانها الشفاف ، شيئا منها .

حاولت نيشكا إخراجه من صمته وأخذت تداعبه بغنج ودلال:
– ما بك يا حبيبي ؟. مالي أراك شارد الذهن!
وضحكت ثم قالت :
– إنني أسمح بذلك اذا كنت تفكر بجمالي فقط ! أما اذا كنت تفكر بأشياء أخرى فلن أغفر لك .

هو جونين رأسه وتناول سيجارا وأشعله وقال :

– نيشكا ! أتمنى أن تفهموا الوضع العالمي الجديد بعد إنهيار الشيوعية !

– وماذا يمهنا في ذلك ؟
إبتسم جونين إبتسامة صفراء وقال بتمعن:

– جئتم في الوضع الغلط ، وستتأثرون بالوضع الغلط ! هل تفهمين
وأراد أن تتحدث لكنه قال :

– والآن هيا نتجول خارج البيت فالشمس دافئة!
لم تمانع نيشكا في ذلك ، وأسرعت لتبديل ملابسها الشفافة ببدلة جينز وخرجا.

كانت الشمس في هذا اليوم تشوي وتبعث الدفء في كل الأشياء خاصة وأن الليلة الماضية كانت ليلة ممطرة إرتوت الأرض من مطرها الغزير بعد إنقضاء أسبوع لم تنزل فيه نقطة ماء واحدة!

– ما أروع الشمس عندكم يانيشكا ! ما أروع الشرق لكه!
قال جونين ووضع ذراعه اليمنى على خصرها وأخذ يدغدغها !

أحست نيشكا بأن تيارا كهربائيا قد سرى في جسمها الغض فقالت بغنج :

– جونين أرجو أن لا أكون قد تطفلت عليك اذا طلبت المبيت عندكم هذه الليلة أيضا.
لم يمانع جونين قبول هذه الدعوى بل رحب بها وقال ضاحكا:

– على الرحب والسعة.
– شكرا ! وسوف نسهر حتى الصباح ! قالت نيشكا والفرحة بادية عليها .

كانت الأرض التى إختيرت لكي تكون مسرح مستوطنة “كيلّا: منبسطة وتحيط بها بعض الهضاب ولكنها مع ذلك تتمتع بحضور الشمس طوال اليوم!

ساد صمت ليس بالقصير بسبب انشعالهما ببعض اللثمات والقبلات ومرت سيارة أحد المستوطنين القدماء الذين يقطنون مستوطنة أخرى قريبة من مستوطنة “كيلّا” الحديثة وقال بعد أن اقترب منهما:

– السلام للجميع .

قفزت نيشكا مذعورة لدى سماعها هذا وبدون ارادة منها بصقت في الهواء باتجاه السيارة التى مرت مسرعة ! ذهل جونين من تصرفها الأحمق هذا وقال:

– انكم ياحبيبتي لا تريدون السلام ! انكم عنصريون ! أليس كذلك؟
– جونين ! صرخت نيشكا بلطف وقالت:
– ماذا تقول ؟ نحن لا نريد السلام ؟ نحن عنصريون؟
– بكل أسف يا نيشكا نعم ! انكم لا تريدون السلام ! قال لها بهدوء زائد.
– كيف ذلك ؟ سألته بتحفز
-إن شامير هو الذي اعترف بذلك.
– متى وأين ؟
– أثناء افتتاح مؤتمر مدريد!

– لم أسمعه يقول ذلك !
– بلى لقد قال ذلك ولكنك لم تتابعي كلمته!
وتوقف قليلا وأخذ نفسا من سيجارة ونفث دخانه في وجهها وقال :
– ان خطابه كان وثيقة تاريخية يعترف فيها على الملأ أنكم كذلك!
– يا الهي ! هل أنت يهودي جونين ؟ أشك في ذلك !
– قالت له باستغراب وتابعت:
– بالتأكيد انك مسيحي ! ولكني أتمنى أن لا تكون كذلك ! فقد أحببتك من
اعماق قلبي .

– نيشكا ! إنني يهودي الأب والأم والجدة والجد ! ولكني متنور!
– ولكنك تكره اليهود !
– أنا لا أكره اليهود ولكني اكره طريقتهم في التعامل مع الأحداث!

قال لها وشد على يدها !

– أخ ! أذيتني ياجونين ! صرخت بدلع .
– إسمعي يانيشكا ! قال جونين واستطرد:

إن حكومة الليكود على مايبدو مصصمة على عدم ترك التزمت والتعصب!

– من قال لك ذلك ؟ هل قابلت أحدا من العرب أو اليهود الخونة؟
سألته بحدة؟
– لم أقابل أحدا ! ثقي بأنني لم أقابل أحدا ، وهذا ما أفكر به وبحضورك أنت

قال لها بهدوء وتققف قليلا ثم تابع :
– إن أحد النصوص في فقرات خطاب شامير يقول ( إن جميع اليهود
يتعلقون بصهيون ) أليس كذلك؟
– نعم ! وماذا في ذلك؟

– أرجو أن تسمحي لي بمتابعة سرد ملاحظاتي على هذا الخطاب الكارثة
واذا كان لديك تعليق فليكن عندما أنهي كلامي ! قال جونين وقد بدى الحزم
عليه.
– تفضل ياحبيبي ! تفضل ! قالت نيشكا وهي تغلي من الداخل.

– لقد قال شامير بأن اليهود ملاحقون في كل أنحاء العالم ! وهذا غير صحيح! وقال أيضا أن اليهود ظلوا في حالة ترحال لمدة تزيد على ألفي عام ! وقال أيضا وهو متجهم الوجه ( إن كل الدول التى حط فيها اليهود كانت مجرد محطات مؤقتة يتوقفون فيها ثم ينتقلون منها الى اسرائيل وهذا أيضا زيف واضح) . وهذا أيضا ( إن مقولة لن أنساك يا اسرائيل لم تفارق ذهن أي يهودي وهذا أيضا يحتاج الى تصحيح) ! . لا اخفي عليك يا حياتي أن شاميركم هذا يعتبر أن الزمن قد توقف عند حدود مملكتي داوود وسليمان اللتين قامتا قبل أكثر من ألفي عام كما تدعون ،ولم تعمرا اكثر من سبعين عاما إثر الحرب الأهلية بينهما حيث إندثرتا !

توقف جونين عن الكلام واستغلت نيشكا ذلك حيث قالت:
– وأين الخطأ يا حبيبي في هذا ؟!

ضحك جونين وقال لها بسخرية :

– بل قولي أين الصح! فاليهود يسيطرون على كل المراكز الحساسة في العالم وجلهم صانع قرار! واليهود في بعض الولايات المتحدة يسيطرون عليها ويمنعون الطلاب المسيحيين من الصلاة وتلاوة الانجيل أيام الآحاد ! واليهود ليس كلهم راغبون في المجىء الى هنا ! والا لما هاجر بعضهم الى الولايات المتحدة والغرب بعد خروجهم من الاتحاد السوفييي والدول الشيوعية قبل الانهيار الأخير!
أيقنت نيشكا أنها أمام رجل عقائدي يخفي في ذاكرته أشياء كثيرة ولهذا أحست بالهزيمة وحاولت تغيير دفة النقاش:

– جونين ! هل لك بأن تخبرني كيف تتصرف الفتاة في موسكو على السرير خاصة وأن الثلج يجثم على الأبواب ؟ قالت له بخبث!

ضحك جونين في سره ، وقال على سمع منها :

– ساخبرك عن ذلك في الليل ، وتوقف قليلا وأخذ يداعب خصلات شعرها الأشقر الذهبي الطويل وقال:
– بصراحة يا نيشكا إن خطاب شامير كان عبارة عن صفعة قوية للتاريخ والجغرافيا والبشرية بأجمعها!
– كيف ذلك يا حبيبي ؟ سألته .
– عندما اعتبر شامير أن دول العالم ما هي الا محطات لليهود فانه اساء الى العالم أجمع بما في ذلك الدولة المضيفة إسبانيا ! إضافة الى أن شامير قد ناقض نفسه وأساء لليهود الذين نجحوا في إجبار الفاتيكان لاصدار وثيقة تنص على براءة الأجيال اليهودية الحالية من صلب المسيح ! أليس كذلك ؟

ذهلت نيشكا لهذا الكلام وقالت له بضحك خبيث:
– على رسلك يا رجل ! على رسلك ! فأنا لست مؤرخة ولا رجل دين ! أنا لم أخلق الا للحب ! أرجوك حدثني عن الحب فقط!

ضحك جونين الى حد القهقة وقال والانتصار باد عليه :

– حبيبتي نيشكا أن الحب في الليل ! أما النهار فهو للتثقيف!
أحست نيشكا أنه أسقط في يدها وأن جونين قد سيطر عليها وأيقنت أن لا مجال للتعامل مع جونين في الأمور السياسية، ولهذا تركت له الحبل على الغارب والتصقت به ووضعت هي الأخرى يدها على خصره وقالت له في محاولة لكسبه حتى يتسنى لها رؤية مسؤوليها في تل أبيب.

– جونين ! إنك لست حبيبي فقط ! بل معلمي أيضا!
دهش لهذا الكلام وأيقن أنها تدبر له أمرا . ولكنه لم يعلق على قولها بل اكتفى بالصمت وقال : لنفسه:
– مهما يكن فسوف أحقق مآربي وأثبت لك أنني يهودي أخبث منكم أنتم معشر اليهود هنا.
لم يستمر صمتهما طويلا اذ قطعه صوت طائرتين حربيتين من طراز أف 16 مرتا فوق رأسيهما باتجاه لبنان.

تهلل وجه نيشكا وأبتسمت وقالت تحدث نفسها :
– هذه هي اللغة التى يفهما العرب ! وهذه هي طريقة التفاوض التى تليق بهم !
تنبه جونين اليها وهي تحدث نفسها بصوت غير مسومع وقال ساخرا:

– يبدو أنك تغنين ! ولكن لنفسك ! أليس كذلك؟

ضحكت نيشكا وقالت بنشوة واضحة:

– لا! لا ياجونين إنني لا أغني بل أناجي هاتين الطائرتين!
لم يفهم جونين ما تعنيه نيشكا من هذا الكلام فهز رأسه وقال :
– عجيب!

استمرت نيشكا بضكاتها وقالت متسائلة :
– ما هو العجيب في الأمر يا حبيبي؟
– مناجاة الطائرات !
أحست نيشكا أن جونين لم يفهم سر الطائرات فأرادت أن توضحه

له بعد أن وضعت يدها اليمنى بيده اليسرى عليها وقالت:

– إن هاتين الطائرتين متوجهتان الى لبنان!
– الى لبنان صرخ جونين؟
– نعم الى لبنان ، وماذا في ذلك؟
– لقصف أهداف محددة!
– في هذا الوقت بالذات؟

أرادت نيشكا أن تلعب مع جونين لعبة الكلمات لابعاده عن جوهر الموضوع حين قالت:
– نعم ! إنها الظهر ، والجو صاف وستكون الأهداف واضحة.

هز جونين رأسه بحسرة :
– يجلسون معكم في مدريد ! ويعترفون بوجودكم وتقتلون أطفالهم ونساءهم؟

شدت نيشكا على يد جونين وقالت والابتسامة تعلو شفتيها:
– صدقني ! صدقني يا جونين أن هذه هي اللغة الوحيدة التى يفهمها العرب!
أرجوك أن تصدقني أن ما نقوم به الآن هو السبيل الوحيد للحفاظ على اسرائيل!

شعر جونين بالضيق من قولها وأراد أن يسحب يده من يدها ولكنها شدت على يده أكثر فقال :
– إنها الحرب ! إنكم تعلنون عليهم الحرب ! وهم يرومون السلام ! كيف ذلك بالله عليك!

ضحكت نيشكا من هذا الكلام وقالت :
– إسمع يا جونين ! إن الحرب هي السلام بالنسبة لنا ! أما السلام الذي يريده العرب فهو الحرب بالنسبة لاسرائيل! وتوقفت قليلا ثم تنهدت وقالت :

– الله! الله! كم كانت تلك الأيام رائعة !
لم يعجب جونين ما تقوله نيشكا فسألها:

– أية أيام يا عزيزتي
– الأيام التى كانت الاذاعات العربية تهدد اسرائيل وتتوعدها!
– كيف ذلك با الله عليك!

ضحكت نيشكا الى حد القهقهة وقالت :

– في تلك الأيام كنا في اسرائيل نحس بالنشوة عند سماعنا اذاعات العراق وسوريا ومصر وهي تهدد اسرائيل، وكنا نجمع الاعانات والهبات ونضحك على العالم ! وتوقفت قليلا ونظرت الى الجو وقالت :

– أما هذه الأيام فقد تغير الحال، لقد أصبح العرب يغنون للسلام علانية ! حتى أن الفلسطينيين أصبحوا يريدون السلام! مهزلة أنها مهزلة ويجب على اسرائيل أن تفتعل أزمة مع سوريا لترد لها الصاع صاعين وتنهي مهزلة مدريد!

ضرب جونين الأرض بقدمه وقال:
– إن هذا المنطق هو المهزلة بحد ذاته ! إنكم تخالفون كل قوانين الطبيعة البشرية.
– كيف ذلك يا عزيزتي جونين؟ سألته نيشكا بسخرية :
أحس جونين أن نيشكا تسخر منه لكنه ادرك أيضا أنها تشعر بالهزيمة أمامه وأيقن أن إحكام الطوق عليها أمر لا بد منه.
– إن السلام المطروح هذه الأيام هو السلام الأميركي ! هل تفهمين؟

وقعت هذه الكلمات في نفس نيشكا مثل وقوع ثلج جبل الشيخ على رأسها فأحست بالذعر وقالت بإنكسار:

– صحيح ! وهذا مصدر خوفنا ! ليتنا.. وأرادت أن تكمل لكن الدموع سقطت من عينيها فأرادت أن تمسحها دون أن يشعر جونين بها.

لم يفت ذلك على جونين الذي أحس بالنشوة ومنع نيشكا من مسح دموعها وتولى ذلك بنفسه نكاية بها وقال :

– ليتكم ماذا يانيشكا؟

– ليتنا لم نسع الى إنهيار الشيوعية في بلادكم يا جونين؟

قالت له بإختناق في صوتها.

أراد جونين مجاراتها وأظهر نفسه كأنه لا يعرف عن هذا الموضوع شيئا!
فقال :
– ولماذا شاركتم في ذلك؟
– ضحك علينا الأميركان ! لقد ضحكوا علينا ! ضحكوا علينا ! وأخذت تبكي ، فأراد جونين تهدئة الموضوع لأنهم أقتربوا من مستعمرة أخرى فقال لها في محاولة لوقف دموعها:
– عزيزتي نيشكا دعينا نجلس هنا قليلا فوق هذه الكومة من الحجارة!
كان جونين يقصد إيذاء نيشكا ولكن بطريقة غير مباشرة وذلك في إشارة منه الى الانتفاضة التى كانت الحجارة سلاحها الرئيسي. ومع ذلك فقد فهمت نيشكا ما عناه جونين بسبب ضحكة بدرت منه دون أن يحاول كبتها. ولكنها لم تحرك ساكنا .
جلس الاثنان و،خذ جونين يسمح دموعها وأقترب منها حتى أصبح ملاصقا لها. أحست نيشكا بالراحة بعض الشىء لأن جونين أقترب منها وقالت له بصوت غنوج:
– جونين ! هل تحبني؟
ضحك جونين وأشعل سيجارا ونفث دخانه في وجهها وقال :
– لا ! لا…………

أراد أن يكمل لكنها صرخت بوجهه قائلة:
– لماذا لا تحبني؟
واصل جونين ضحكه ونفث دخان السيجارة في وجهها وقال :

– أنا لم أقل ذلك ! بل أردت أن أقول أنني لا أحبك فقط بل أعشقك ! وعلى
استعداد لتنفيذ كل ما تطلبينه مني !

شعرت نيشكا بأنها ملكت الدنيا بأسرها فقالت له باضطراب ونشوة في نفس الوقت:
– صحيح ؟ صحيح؟
– أطلبي ما تشائين يا حياتي ؟ أطلبي . أجابها وعيناه تعلمعان .

وضعت نيشكا يدها على رقبة جونين وقالت:
– طلب واحد ! لي عندك طلب واحد! ولكن ليس الآن.

أيقن جونين أنها ستطلب منه السفر الى الولايات المتحدة لاقناع اخوية بالحضور الى اسرائيل وقال لنفسه:
– لن أخيب ظنك ! سأسفر ! نعم سأسافر ولكني لن أعود !

لاحظت نيشكا الشرود على جونين فقالت له:
– ماذا بك يا حبيبي! هل تحدث نفسك؟

– نعم ! نعم ! أجابها وتوقف قليلا ثم إستطرد:
– قبل خمسة عشر عاما التقيت عرافة غجرية خارج الاتحاد السوفييتي وألحت علي بأن تكشف طالعي ، بداية رفضت ذلك لعدم ثقتي بأمثالها ولكنها نادتني بإسمي علما بأنها لم ترني قبل ذلك ! شدني هذا الموقف وأذعنت لها.

ضحكت نيشكا وقالت بلهفة:
– وماذا أخبرتك يا حبيبي؟
– بالتفصيل! نعم أخبرني عن كل شىء بالتفصيل ! وتوقف قليلا واعاد إشعال السيجارة ونفث دخانه في وجهها وإستطرد:

– لقد أخبرتني أنني بعدة مدة طويلة سألتقي بحسناء فاتنة وعلى جبل مرتفع ، أراد أن يكمل ولكنها قاطعته بلهفة:

– ها! وماذا بعد ؟
– وأخبرتني بأن الفاتنة ستحبني حبا جما ! ليس لشىء بل لشخصي وسنتزوج وسننجب بنتين وولدا!

تنهدت نيشكا وأشعلت سيجارة وقالت:
– شكرا لك أيها الرب!

أيقن جونين أن نيشكا قد سبحت في بحر من الخيال الوردي وأراد أن يغرقها عندما ضمها الى صدره وأخذ يقبلها بحرارة ! وبعد ذلك قاما من على كومة الحجارة وانتقلا الى مكان آمن يشكل حاجزا بينهم وبين المارة.

– اجلس هنا ياحبيبي ! اجلس فانا مشتاقة اليك جدا !
وتنهدت ثم قالت :
– شكرا للرب وللعرافة الغجرية ! وأشعلت سيجارة.
– جونين ! أليس بين الغجر يهودا؟

ضحك جونين الى حد القهقهة وقال :
– تبا لكم ! حتى الغجر تريدون احضارهم الى هنا على أنهم يهود؟

أدركت نيشكا أنها ستفسد الجو بطريقتها هذه فأرادت أن تغير الموضوع كليا.

– حبيبي جونين ! لنتمتع في هذا الجو المشمس ! أني مشتاقة اليك ! ولا أستطيع الانتظار حتى الليل ! وغمزته بعينها اليسرى ومدت يدها وأخذت تفك أزرار قميصه.

لم يفوت جونين الفرصة وفك بيده اليمنى زر بنطالها الجينز وألقيا بجسديهما على الأرض التى تغطيها الحشائش الخضراء ، ولم يعكر صفو مزاجهما سوى عودة الطائرتين اللتين مرتا فوق رأسيهما قبل نصف ساعة!

– تبا لكما ! قال جونين.
لم تعلق نيشكا على ذلك ، بل آثرت الصمت ونظرت الى ساعتها فاذا بها تشير الى الواحدة ظهرا.

أيقنت أنها متأخرة عن الموعد بعض الشىء ، ولكنها متأكدة أن الوقت لم يحن بعد للاجتماع.
كان ذلك الاجتماع قد تقرر عقده في المستعمرة القريبة منهم وقد وجهت اليها الدعوة رسميا للحضور برفقة جونين ولكنها لم تخبره حسب التعليمات.
– هيا ! هيا يا جونين ! انني جائعة ! قالت له بتودد.
– وأنا أيضا !
انني أكاد أموت جوعا !
رد عليها جونين.

نهض الاثنان ورتبا هدومهما وتبادلا بعض القبلات وقالت نيشكا :
– سنتناول غداءنا في المستعمرة القريبة! ما قولك؟
– هل تعرفين أحدا هناك !
– بالطبع ! فهم يهود سوفييت، وقد مكثت عندهم أسبوعا!

أجابته والابتسامة تعلو شفتيها!

لم يمانع جونين هذه الدعوة، لحاجة في نفسه.

كانت المسافة بينهما وبين تلك المستعمرة لا تتجاوز الكيلو متر الواحد حيث تجثم فوق الربوة المرتفعة بعض الشىء والمنبسطة الى حد ما !

تأبطت نيشكا ذراعه ومشت معه مزهوة تتخيل رؤية مسوؤليها القائمين على الحفل وهي تتأبط ذراع ذلك الشاب القوي والوسيم كما تخيلت الفرحة التى ستقابلهم بها!

لم يتخيل جونين أن هذه الرحلة مخطط لها ! بل لم يدر بخلده تماما ما سوف يرى ويسمع.

إقتربا كثيرا من المستعمرة التى كانت عبارة عن ثلاثين بيتا خشبيا تتوسطها سارية لعلم اسرائيل وبعض العبارات العنصرية .
وصلا الباب ورحب بهما الحراس، وأخطأ أحدهم عندما قال لها :

– آنسة نيشكا ! إن السيد يتسحاق تومي بإنتظارك!
ذهلت نيشكا لدى سماعها ذلك الحارس الغبي وتداركت الموقف وقالت له بعد أن غمزته .
– عفوا أيها السيد ! إنني لست المعنية !
فهم الحارس معنى قولها وتقدم بحركة مرسومة وقال لجونين :
– أرجوك أيها السيد! سامحني بحق الرب!
– لا عليك أيها السيد ! لا عليك ! أجابه جونين.

واصلت نيشكا وجونين سيرهما واتجها الى القاعة المخصصة للاجتماع .

وجدا جمعا غفيرا من أهالي تلك المستعمرة والمستعمرات الأخرى .و كانت
القاعة مليئة باللافتات المنددة بالسلام وبمؤتمر مدريد وبالولايات المتحدة.
– ما هذا بحق الرب يا نيشكا ! سألها جونين بهمس.
– أصمت ! إنه إجتماع للتنديد بالضغوط الأميركية على اسرائيل!

أجابته بهمس ، وجلسا على مقعدين متجاورين ينتظران مع الحضور الضيوف المتحدثين!

لم تمر لحظة حتى جلس بالقرب من نيشكا رجل وسيم لا يتجاوز عمره الأربعين عاما ، وحياها وهمس بأذنها:

– نريدك غدا الساعة العاشرة في تل أبيب لأمر هام ! بنيامين سيكون في
انتظارك ، وبحركة سريعة أشارت له بيدها للانصراف دون أن يلحظ جونين شيئا!
مرت خمس دقائق واذا بمجموعة الرجال والنساء يدخلون القاعة ويحدثون ضجة كبيرة!
كان الرجال ملتحين ويضعون على رؤوسهم قبعات صغيرة ! أما السيدات
فالبرغم من برودة الجو بعض الشىء فقد كن يرتدين فساتين قصيرة.
جلس أحدهم وهو حاخام مشهور بالتطرف على المقعهد البارز خلف
الطاولة الكبيرة وجلس آخر على يمينه وإمرأة على يساره أما الباقون فقد
جلسوا في المقاعد الأولى.
عزف السلام الاسرائيلي ووقف الجميع ينشدون ويهتفون بحدة ، وبعد ذلك جلسوا وخيم الوجود على وجه الحاخام الذي اذداد تجهما فوق تجهم ، مسح بيده اليمني على لحيته الطويلة وتنحنح ثم تلقت يمنة ويسرة وتسمرت عيناه في وجوه الجالسين أمامه وقال بنبرة خشنة:

– يا أبناء يهود الحاضرين . اليوم هو يوم الامتحان العسير مع أعداء اليهود الذين ما يزالون يتربصون بنا لذبحنا وتشريدنا ، كما ذبحونا وشردونا في الأزمان الغابرة ، ولكننا معشر يهود – واقولها نيابة عن جميع المخلصين – لن نلين أمام ضغوطهم ، ولن نهزم ، ولن نرضخ لضغوطهم!
كانت لهجته تزداد تحديا إثر كل كلمة ينطق بها ، وكان وجهه يزداد تجهما إثر كل حرف يتفوه به ! وكانت يداه تتحركان كما اتفق وكأنه جهاز روموت آلي يعبث به يد جاهل في علومه.

وأثناء هذا التهجم والهجوم على غير اليهود قدمت له المرأة الشقراء التي تجلس على يساره إبريق ماء ذلقه في جوفه دفعة واحدة ، ثم مسح بيده اليمنى على لحيته وتابع خطابه :

– إنني أكرر نيابة عن المخلصين في الشعب اليهودي أننا سوف لن نستسلم لجهودهم الخبيثة الرامية الى إجبارنا على التنازل للعرب عن أي شبر من أرض اسرائيل أو هضبة الجولان ! وأننا سوف لن نكرر خطأنا الذي إرتكبناه

في سيناء مقابل ما سمي بصلح مع المصريين لم يفدنا بشىء خاصة وأن
الأمم المتحدة ، هذا المبنى الذي يضم كافة اعداء اليهود ، والذي تمت
المصادقة فيه على قرار يساوي الصهيونية

بالعنصرية ! هذا المبني سيتربع على عرشه مسؤول مصري جلبته أميركا ليصبح سوطا تلسع به ظهورنا؟.
توقف الحاخام المتجهم الوجه قليلا وأخذ يهمس أذن من يجلس على يمينه ثم استطرد قائلا:
-ان اسرائيل لا تخاف من الأمريكيين !وسوف لن أذيع سرا اذا ما قلت أننا مثل ما نجحنا في عملية انهيار الشيوعية وجعل الاتحاد السوفييتي الذي خرجتم منه سالمين دولة عاى غرار دول العالم الثالث ،لأنه وقف مع العرب وزودهم بالأسلحة ،وصوت لصالحهم في الأمم المتحدة ضد اسرائيل ،فاننا قادرون على تفكيك الولايات المتحدة واضعافها!

لم يدر ذلك الحاخام بنفسه الا وهو واقفا يصرخ بأعلى صوته:

-ليفهم بوش وبيكر أننا قادرون على ذلك،وسوف نشعلها حربا عالمية ثالثة تدمر العالم بأسره وتمتد من هذه المنطقة وتمر بأوروبا وامريكا واليابان وتنتهي بالصين.

ذهل الحاضرون من هوزل ما رأوا ويسمعون ،وأخذوا يتهامسون فيما بينهم دون أن يسمعهح الحاخام المنفعل ،وبعد ذلك أخذت الهمسات تعلو لكن السيدة التي تجلس على يسار الحاخام المتطرف جذبته من طرف جاكيتته العسكرية وأجلسته دون أن يراها أحد وانبرت هي قائلة بهدوء مصطنع:

– إن وضع اسرائيل اليوم حرج وصعب ! ووضع الشعب اليهودي يكتنفه الغموض ليس داخل اسرائيل فحسب ! بل في الولايات المتحدة نفسها ! إن المعلومات التى تصلنا تفيد بأن أبناء شعبنا هناك يتعرضون لضغوط شديدة عليهم لسحب تأييدهم لاسرائيل ! ومنعهم من مساعدتها ماديا وسياسيا!
توقفت تلك المرأة عن الكلام قليلا ثم تابعت:

– والآن أترككم معم السيد الحاخام.
مسح الحاخام بيده اليمنى على لحيته الطويلة وتنحنح ثم قال بنفس طريقته السابقة:
– إن الولايات المتحدة قد أعلنت الحرب على اسرائيل ! لقد سيطرت على العالم العربي ونفطه وتريد بعد ذلك أن تسيطر على الشعب اليهودي ذلك الشعب الانساني الديمقراطي الذي حافظ على مصالح الأميركيين في هذه المنطقة لمدة تزيد على الأربعين عاما ! والآن يريد بوش أن يكافئنا بالضغط علينا وإجبارنا أن نسلم رقابنا الى العرب بحجة النظام العالمي الجديد الذي تتزعمه أميركا ! وبحجة إعطاء فرصة للسلام!

توقف الحاخام قليلا ونظر في وجوه الجالسين في الصف الأول الذين أبدوا إستحسانهم لما قال ثم أستطرد:
– أي سلام هذا الذي يريده بوش؟ أي سلام هذا الذي يحتم على اسرائيل تسليم هضبة الجولان التى نجتمع اليوم على أرضها للعرب ؟ أسلام هذا الذي يجبرنا على تسليم يهودا والسامرة للعرب لإقامة دول فلسطينية.

هدأ الحاخام من لهجته قليلا وقال :

– هل تعرفون ماذا تعني دولة فلسطينية ؟ إنها نهاية اسرائيل ! نعم أؤكد لكم أنها نهاية اسرائيل ! فهذا الشعب الذي لا تعرفونه أسوأ شعب في التاريخ! إنه ينافسنا منذ أن بعث الرب موسى نبيا ! وكما تعرفون فإنهم يحاربوننا منذ أربع سنوات بالحجارة ! نعم بالحجارة أيها اليهود ! وتريد أميركا ان تصنع لهم دولة ليجلبوا الصواريخ من الصين ومن كوبا وربما يعقدون مع البيت الأبيض صفقة تسليحية ضخمة يكون ثمنها دمار اسرائيل.

إن المخلصين من أبناء الشعب اليهودي أمثال السيد شامير وغيره لن
يسمحوا لعرفات أن يحضر الصواريخ والمدافع الى يهودا والسامرة لقتل اليهود!

وكما نهض في المرة الأولى دون وعي منه كاد أن يفعلها ثانية هذه المرة ، ولكن السيدة التى تجلس على يساره جذبته من طرف بنطاله وتابع:

– لقد دمر بوش سمعة وشرف اسرائيل، ولكننا لن نسمح له بالاستمرار في
مخططه الشيطاني اللاسامي ! لقد ضغط بوش على اسرائيل ومنعها من الرد على صدام حسين أثناء حرب الخليج عندما حاول هذا العربي المجنون تدمير
اسرائيل! إن بوش يعلل وقتها أن قيام اسرائيل بالرد على صواريخ صدام
حسين سوف يفشل خطة التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لتحقيق
مصالحها الشخصية فقط!!

ضحك الحاخام المتطرف ضحكة صفراء وقال متسائلا بهدوء:

– ولكن هل تعتقدون بأن اسرائيل لم تنتقم ؟ لقد قمنا بإنزال ضربة صاعقة
داخل بغداد نفسها وقتلنا آلاف النساء والأطفال في ضربة واحدة!

وبعدها صرخ الحاخام مدوية وقال :

– ان خطأنا أننا لم نعلن أننا نحن الذين تفذنا الضربة !
كانت نيشكا تستمع الى خطاب الحاخام وهي في قمة نشوتها ، وكانت تبدو من شدة الفرح وكأنها بين أحضان جونين على السرير ، بينما كان جونين يغلي من داخله من شدة الغضب لما يسمعه!
كانت الدعاية الصهيونية في الاتحاد السوفييتي على غير هذه الصورة!
فاسرائيل كانت حسب هذه الدعاية جنة موعودة ، ولهذا فقد شعر جونين بأنه
خان بلاده الأصلية التى ولد وترعرع فيها وتسلم فيها منصبا مهما في ال كي.جي.بي وأخذ يعمل لصالح اسرائيل!

لم يرق له الجلوس حتى آخر المحاضرة الجهنمية ،فأراد الإنصراف لكن
نيشكا تمسكت به وتوسلت ابليه أن يستمر حتى النهاية وهمست في أنه :

– من أجلي يا جونين أن تسمر حتى النهاية ! سأمتعك هذه الليلة بشكل لم تحلم به.

أراد جونين أن يستأذنها للحظة كي يخرج قليلا لكنها لم تدعه يتحرك حيث أخبرته أن الحاخام يريد أن يتعرف عليه كونه مسؤول مستوطنة “كيلّا”.
أسقط في يد جونين ولعن في سره اليوم الذي أعلن فيه أنه يهودي.

إستمر الحاخام في تهجمه على العرب والأميركيين وتطرق الى الصين وكوبا ولم يسلم منه حتى الفاتيكان حيث كال للبابا أبشع التهم والصفات حين قال:

– أنني لأعجب كيف لم تصل طائرات إسرائيل الى ذلك الوكر النجس الذي
يسمونه الفاتيكان ، لنقتل ذلك الرجل الخرف الذي يسمونه عندهم البابا.!

بدى الانهاك على الحاخام الذي قضى ساعتين في محاكمة البشرية من
أقصى الأرض الى أقصاها ولم يعد قادرا على الكلام ! وعند ذلك تقدم الحاخام
الآخر الجالس على يساره ناحية الميكرفون وقال:
– أيها الأخوة ! لقد نجاكم الرب من ظلم الشيوعية في الاتحاد السوفييتي
فأسألوه أن ينجيكم من غدر الولايات المتحدة ! ولتكن صلاتكم الدئمة للرب
بأن يوفق المخلصين في اسرائيل للتصدي للولايات المتحدة العدو اللدود
لليهود والسامية!

صفق الحاضرون وخاصة من كانوا في الصف الأول من الحاخامات
وأبتهجوا كثيرا لما سمعوه ، أما الباقون فلم تظهر عليهم البهجة لأنهم أدركوا
أنهم أخطأوا بمغادرة الاتحاد السوفييتي!

– لم يوفقنا الرب أبدا ! قالت واحدة لزوجها!
– ضحكوا علينا ! أجابها.
– بدل العسل واللبن الذي وعدنا فيه ها نحن نتجرع السم الزعاف.

قال آخر :
-لماذا لم يسكنونا في تل أبيب ؟ سأل واحد جاره.
– لنكون خط الدفاع الأول ؟ أجابه.
– لماذا لم يسكن معنا شامير يا ترى ؟ قال ضاحكا بسخرية!

وقبل أن يهم الجالسون بالانصراف تقدمت السيدة التى تجلس على يسار

الحاخام وقالت بلطف زائد:
– يتشرف السيد الحاخام بدعوة مسؤولي المستوطنات لحفل الغذاء الآن!

ضحكت نيشكا وشدت بيدها على خصر جونين وقالت بغنج:
– أرجوك يا جونين أن تذكرني أمام الحاخام!
لم يجب جونين ، بل أكتفى بابتسامة صفراء وتحرك الى حيث قاعة الاجتماعات والطعام.
لم يطل إجتماع الحاخام بهم بل أكتفى ببعض الكلمات التى شدد على
الحرص على مراقبة المستوطنين عن أية حالة شاذة تحصل بينهم كأن يهاجم أحدهم سياسة اسرائيل أو يتذمر من العيش فيها أو أن يظهر بينهم من هو غير يهودي.

وبعد ذلك دعاهم الى طعام الغذاء الذي لم يتناوله معهم ، ببل إكتفى هو
والسيدة التى كانت تجلس يساره بماعون واحد وأخذاه معهما الى غرفة
مجاورة.

كان جونين جائعا فالتهم صحنه وتناول قطعة من الحلوى وأخذ يتحدث مع الآخرين الذين كان الخوف والهلع يسيطر عليهم ، وبينما هم يخوضون مع بعضهم في النقاش سمعوا صراخا وآهات أنثوية حادة!

توجهت أذانهم ناحية مصدر هذه الآهات وتذكروا بأن الحاخام والسيدة قد دخلا تلك الغرفة بعد ذلك الهجوم الكاسح على العالم بأسره.

علت الهمهمات ، وإزدادت التعليقات فيما بينهم ، ثم غادروا القاعة كل الى بيته ومستوطنته !

وقف جونين يحترق من الداخل ! ماذا يفعل بنفسه ! هل هو الغباء ؟ هل هو القدر ؟ أسئلة كثيرة بدأت تتطاحن في نفسه ولكنه لم يجد لها جوابا واحدا يشفي غليله.
وبينما هو عاجز عن الاجابة عليها إستقر رأيه على مسايرة التيار حتى يحصل على ما يريد !

إبتسم لنفسه، وقال يحدثها:
– يبدو يا جونين أنك نسيت أنك يهودي!
هم بالتحرك خارج القاعة ! واذا بنيشكا تركض نحوه فاتحة

ذراعيها وضمته الى صدرها تقبله بحرارة وعنف!

– هيا يا حبيبي كيف وجدت المحاضرة ؟ سألته بغنج!
لم يفكر جونين في هذا السؤال ، بل أجابها على الفور :
– أكثر من رائع ّ هكذا يجب أن يكون الرجال ! قال ذلك وضحك
– ما بك تضحك يا حبيبي؟
– هل تعرفين ماذا فعل الحاخام بعد المحاضرة ؟ سألها بخبث ؟؟
– من أين لي أن أعرف ! لقد كنت في الخارج !
– لقد دخل مع السيدة غرفة مجاورة و……….

وأراد أن يكمل لكنها قاطعته بضحكة ملؤوها الغنج والدلال:
– مارس الحب معها أليس كذلك؟
– نعم !
– وماذا في ذلك ؟ قالت نيشكا ! وتوقفت قليلا تتنهد بعنف ثم استطردت :
– إن الحب هو أسمى ما في الوجود ! أسرع ! أسرع لنمارس الحب!
– هيا بنا ! فالطريق طويلة ! والجو بارد هذا المساء.

ضحكت نيشكا وسألته بخبث:
– وهل سنذهب مشيا على الأقدام ؟
– بالطبع ، فليس لدينا سيارة ! قال لها جونين ببراءة

واصلت نيشكا ضحكتها وقالت بشيء من النشوة والافتخار:
– السيارة تنتظرنا في الخارج ! تذكر أنك حبيب نيشكا أيها السيد!

كانت السيارة تنتظرهما خارج القاعة ، وما أن دلفا منها حتى أشار لهما سائق السيارة بالصعود!

صعد الاثنان في المقعد الخلفي وبدلا من أن تجلس نيشكا بشكل طبيعي
أرتمت على حضن جونين تقبله وتحرقه بأنفاسها الحارة!
لم يحرك السائق ساكنا بل أكتفى بالقيادة بسرعة فائقة رغم المطبات الكثيرة في الطريق الوعرة التى تربط بين مستعمرة كيلا والمستعمرة الأخرى .

دخلت السيارة في المستعمرة وتوقفت عند منزل جونين ونزل الاثنان منها .وقفل السائق عائدا من حيث أتى وهو يتذكر المشهد الذي رآه بين نيشكا وجونين.

دخلت نيشكا وجونين البيت ! وأشعلا المدفأة ! ثم دخلا غرفة النوم وعلت الآهات بينهما ، وغاص جونين في أعماقها.

أدارت نيشكا محرك سيارتها تمام الساعة الثامنة صباحا ! كان المطر
ينهمر بشدة والريح تعبث في زخاته يمنة ويسرة وتلفح الوجوه من شدة البرد!

إلا أنها كانت تشعر بنشوة دافئة من الداخل لسببين الأول هو حرارة اللقاء
الذي جمعهما في الليلة الماضية ، والثاني موقفها أمام مسؤوليها في تل أبيب حين تستعرض معهم إنجازاتها مع جونين.

كانت السيارة تسير على مهل لكن نيشكا كانت تحرك في ذاكرتها عشرات الصور إبتداء من تعرفها المدبر على جونين ولقاءاتها الجنسية معه وزواجها المنتظر منه وما الى ذلك من خيالات كانت تطمح أن تصبح حقيقة!

وصلت نيشكا تل أبيب وأوقفت السيارة قرب مبنى في ( رمات غان ) احدى
ضواحيها ونزلت فيها.

ولحسن حظها كان المصعد يرقد في الدور الأرضي ففتحته وصعدت فيه الى الدول الثالث ، ودون أن تنتظر جوابا من السكرتيرة الحسناء التى تجلس خلف مكتب فخم غمزتها ودخلت مكتب المسؤول الذي كان يترأس إجتماعا لبعض عناصر الموساد المنتشرين في المستوطنات التى أقيمت للمهاجرين السوفييت !
حيتهم جميعا ، وأقتربت من المسؤول وحضنته أمامهم وقبلته ثم جلست بالقرب منه.
رحب المسؤول بها وقدمها اليهم على أنها خطيبته وطلب منهم فض الإجتماع على أن يلتقي معهم الساعة الثامنة من صباح اليوم التالي.
– اهلا بك نيشكا ! رحب بها من جديد !
– أهلا بك سيدي ! ردت عليه ، وناولته تقريرا كانت قد أعدته في

الليلة الماضية بعد أن غرق جونين في الأحلام الدافئة والنوم.
أخذ المسؤول يقلب صفحات التقرير الذي كان مكتوبا بخط واضح وجميل وكان يحدث نوعا من الصفير أثناء القراءة.

– برافو ! برافو! نيشكا ! إنجاز عظيم ! قال لها والنشوة بادية على وجهه.
– لا أستحق هذا الشكر ياسيدي ! فأنا تلميذتك المطيعة ! ثم أشعلت سيجارة وتابعت:
– أعتقد أنني أستحق مكافاة ! لقد كان صعبا في البداية ! وقد شككت في أن
يكون يهوديا كبعض الذين جاؤوا الى هذه الأرض هربا من الموت!

إبتسم المسؤول إبتسامة عريضة وقال بعد أن أشعل سيجارا:

– لقد وعدتك بها ، ولن أخلف وعدي!
– شكرا ! أجابته بدلع.

أخذ المسؤول نفسا من سيجارته ونفثه في الهواء وقال:

– الخطوة التالية تعتمد على تقريرك الثاني ، وبعدها سنمنحه جواز سفر
ونطلب منه السفر الى الولايات المتحدة حيث أخويه ليقنعهما على الأقل
باستثمار أموالهما في اسرائيل………

وأراد أن يكمل لكنها قاطعته ضاحكة:
– عندها سأصبح زوجته يا سيدي!

ذهل المسؤول لسماعه هذا الكلام وسر لهذا الانجاز الهائل في هذا الوقت القصير وقال باستغراب:
– هل أحبك يا نيشكا ؟
– لقد جن بي! ردت عليه وهي تضحك حتى القهقهة.

أحدث المسؤول صفيرا قويا وقال :
– رائع ! رائع ! يا نيشكا ! أنت عظيمة سآمر بصرف المكافأة لك فورا ! خمسة آلاف شيكل ! تكفي؟

تنهدت نيشكا وحضنته بقوة وقالت:
– أنت معلمي الذي حفظت نظرياته عن ظهر قلب ! أشكرك جدا.
– لا تشكريني نيشكا! بل أشكري اسرائيل! أجابها.

نظرت نيشكا الى ساعتها وهمت بالانصراف لكن المسؤول طلب منها أن تتأخر.

– نيشكا ! كنت أود أن تقضي هذه الليلة معي ! ولكن تقريرك الرائع غير خطتي ولكني سأكتفي بتناول الغداء معك!
– موافقة ! هيا بنا الى المطعم ! قالت له.

وعلى الفور غادرا المبنى وركبا سيارته وتوجها الى أقرب مطعم وأختارا طاولة في احدى الزوايا وأشار المسؤول للجرسون الذي تقدم ناحيتهما وحياهما وناولهما قائمتي الطعام ، ولكنهما إنشغلا بالقبلات وطلبا منه أن يحضر لهما طبق اليوم!

إنصرف الجرسون وعاد بعد قليل ووضع الطعام على الطاولة وعاد من حيث أتى.

تناولا طعامهما على عجل وغادرا المطعم الى نفس المبني لتأخذ نيشكا
مكافأتها وتعود الى مستعمرة كيلا.

أخذت نيشكا المكافأة وقدمت الشكر للمسؤول على طريقتها الخاصة ،
وانطلقت بسيارتها الى أقرب سوبرماركت في تل أبيب!

كان السوبرماركت الذي دخلته يحتوي على بضاعة فاخرة من كل الأصناف!
وكان مشهورا بارتفاع أسعار بضاعته ، ولكن ذلك لم يثنيها عن شراء الكثير منه ودفع ما يقارب الألفي شيكل ثمنا للفودكا والنقانق والعطورات والكافيار وربطات العنق والمكسرات وما الى ذلك ، ووضعتها في السيارة وانطلقت بسرعة حيث توقف المطر وكان الجو صحوا دافئا.

لم تنقطع الأمطار عن مستوطنة كيلا طيلة النهار ، بل استمرت حتى وقت متأخر الأمر الذي اضطر جونين للمكوث في البيت خوفا من المطر شأنه شأن العائلات الأخرى التى كتب عليها أن تسكن في هذه الهضاب.

وصلت نيشكا المستوطنة وهي تغلي نشوة واشتياقا لجونين لأنها حققت
وستحقق الكثير عن طريقه دون علم نها أنه هو الفائز في النهاية.

– أهلا نيشكا ! رحب بها جونين!

– أهلا بك حبيبي ! قالت نيشكا ووضعت الهدايا جانبا وارتمت في أحضانه تقبله.

– قلقت عليك.

ضحكت نيشكا وخلعت سترتها ورمتها جانبا وقالت :
– صدق ظني ! ولكن غصب عني يا حياتي!
– أين ذهبت ؟
– ذهبت للاطمئنان على أبي وأمي.
— وأين هما ؟
– في تل أبيب.
– وكيف حالهما؟
– بخير ! مشتاقون لك!
– وهل يعرفانني ؟
– من كثرة ما ذكرتك أمامهما !
– على كل حال أشكرهما !
– لا شكر على واجب.

همت نيشكا للقيام بعرض الهدايا أمام جونين ولكنه جذبها وأخذ يقبلها
وارتمى الاثنان على الأريكة لعدة دقائق.

– جونين ! أرجوك أن تحتفظ بهذا للمستقبل ! قالت نيشكا ونهضت وأخذت
تناوله العطور والفستق وما الى ذلك من الهدايا.
– ما هذا نيشكا؟
– إنه لك حبيبي.

– ومن أين أتيت به؟
– سحبت من رصيدي في البنك مبلغا وإشتريت بجزء منه شيئا لك.
هز جونين رأسه وأراد أن يقول شيئا لكنها ناولته زجاجتين من الفودكا!

– هاك يا حبيبي ! هذا هو مشروبكم المفضل.
– بحق السماء إنك رائعة نيشكا هل هذا متوفر عندكم؟
– بالطبع حبيبي ! كل شىء متوفر عندنا.

وعلى الفور نهض جونين وفتح واحدة وأخذ يسكب له ولها ويتبادلان القبلات الحارة!
– هيا ! هيا جونين لنحضر العشاء فأنا جائعة !

نهض جونين ودخل مع نيشكا المطبخ وأخذا يحضران طعام العشاء ! وبعد نصف ساعة كان كل شيء جاهزا .
جلس الاثنان على الطاولة وتناولا عشاءهما وتفرغا للعشاء الآخر.

بعد أن فرغا من ممارسة الحب عادا الى الصالة الدافئة . يتجاذبان أطراف الحديث.
– أسمع جونين ! غدا سآخذك في جولة تشمل جميع أنحاء اسرائيل لترى
بنفسك كل شىء.
– وأين سننام؟
– كما تريد ! إذا صادفنا الليل في مدينة فسننام في الفندق . أما اذا كنا ضيوفا
في مستوطنة فسيكون من الأفضل لنا أن ننام فيها.
– كما تريدين ! لنخلد الى النوم اذا!

نهض الاثنان الى غرفة النوم وتبادلا عدة قبلات ثم غرقا كل في أحلامه الخاصة ! وفي الصباح استيقظا وتناولا افطارهما مع كأسين من الفودكا ثم انطلقا بالسيارة.

كان الجو صحوا والشمس تطل على استحياء بين الغيوم الداكنة ومرا على عدة مستوطنات في الجولان اختلفت الأوضاع فيها ! فبعضها متحفز جدا للاقامة والبعض الآخر يحن الى العودة الى الاتحاد السوفييتي.

كانت آخر محطة لهما في ذلك اليوم في منطقة جبل الكرمل ، وكان سكانها يعقدون اجتماعا لمناقشة الوضع الحالي خاصة ما ستكون عليه مرحلة ما بعد مدريد.

كانت الاختلافات واضحة بين مؤيد له ومعارض ! فالمؤيدون حبذوا
اشتراك اسرائيل حتى النهاية لوضع حد للحرب ، أما المعارضون فكانوا يتلفظون ألفاظا نابية حول العرب والولايات المتحدة وينادون بضرورة قطع العلاقات مع الولايات المتحدة والاتجاه نحو الفئة الصفراء اليابان والصين لدعمهما ضد الولايات المتحدة.

وأثناء النقاش دوت صفارات الانذار في المنطقة فهرع الجميع الى
الملاجىء خائفين يتملكهم الذعر!

– لقد شن العرب الحرب علينا ! ان مؤتمر مدريد خداعة ! فال أحد المعارضين للصلح مع العرب !
– لا بل أن الولايات المتحدة هي التى شنت هذه الحرب . فالعرب لا يجرؤون على ذلك خاصة بعد أن تناهي الى علمهم كمية الأسلحة والصواريخ التى زودتنا بها المانيا الشرقية قبيل انهيارها !

رد عليه آخر:
– تبا لكم ! إن الرب هو الذي شن هذه الحرب عليكم لغضبه منكم!
قال أحد المؤيدين لمؤتمر مدريد دون أن يسمعه أحدا!
– كانت الحالة في الماضي لا تطاق ! فمسؤولو المنطقة لم يهدأوا وهم
يتصلون بتل أبيب حول ما ذا كان لزاما عليهم أن يرتدوا الكمامات الكيماوية أم لا .

وفي نهاية المطاف تبين أن هناك خللا في أجهزة الانذار ليس الا .

ذهل جونين من هذا المشهد ! وخزنه في ذاكرته وأيقن أن البقاء في هذه الأرض مستحيل لطبيعة هذا الشعب الذي تم تجميعه من هنا وهناك.

لم تعلق نيشكا على ذلك ، بل إكتفت بالقول لجونين:
– في هذا الجو الممطر لا بد وأن يحدث مثل هذا الخلل في الأجهزة.

رجع الجميع كل الى بيته وطلبت نيشكا إخلاء غرفة في إحدى البيوت لها ولجونين كي يقضيا ليلتهما ثم يغادرا في الصباح !

كانت نيشكا تهدف من وراء هذه الرحلة أن تشحن جونين بحب اسرائيل حتى يصبح هو الآخر عنصرا فعالا من أجلها . وكانت الغرفة في بيت مسؤول أعزب ولهذا لم يكن صعبا بالنسبة له أن يوافق على طلب نيشكا ،خاصة وأن الموساد يجمعهما معا.

كان جونين حائرا ! فما كان يسمعه وينادي به في موسكو بالنسبة لاسرائيل شيء ! وما يلمسه على الطبيعة شيء آخر ! بدى عليه التوتر ، ولكن نيشكا عملت على تهدئة الأمور له عندما دخلت المطبخ وحضرت العشاء وأحضرت زجاجة من الفودكا وجلست بالقرب منه لتناول العشاء والفودكا.

وأثناء تناولهما العشاء جاءت نشرة الأخبار في التلفاز وكان أول خبر فيها يفيد بأن إسحق شامير سيضرب بعرض الحائط دعوة بوش للمفاوضات في واشنطن بسبب بعدها ،وأنه يصر على أن تعقد المباحثات الثنائية في القدس
والدول العربية أو في دولة قريبة من المنطقة دون اشراف الولايات المتحدة!

– هل هذا معقول!
– وما هو هذا الشيء الذي تتحدث عنه؟
– رفض شامير لدعوة بوش!
– إنه طبيعي جدا !
– كيف ذلك؟
– لقد باعنا الأمريكان لقاء النفط العربي!

ضحك جونين وتناول كأسا من الفودكا وأفرغه في جوفه دفعة واحدة ، وقال :
– أنتم أحرار فيما تفعلون ، ولكنكم ستندمون !
– لن نندم ! ردت عليه نيشكا بحدة!
– إنها أمريكا نيشكا!
– لا يهم !

ضحك جونين الى حد القهقهة وقال :
– ها أنتم تتمردون على أسيادكم ! وفي هذا نهايتكم.
– مخطيء من يظن ذلك ! ردت عليه بتحد واضح.
– إن حرب الخليج ليست بعيدة!

– هناك فرق !
– ما هو ؟
– أولا بالنسبة لحرب الخليج فهي خطة مدروسة لتنفيذ ما يحدث هذه الأيام !
– وثانيا؟
– ثانيا ! اسرائيل ليست كغيرها!
– كيف ؟
– أمريكا لا تستطيع فرض ظر اقتصادي علينا ولا تستطيع جر العالم لشن الحرب علينا ! والأمم المتحدة كذلك !
– وبعد ذلك ؟
– اذا ما حدث خلل في أي وضع فإننا سنهدم الهيكل على رؤوس الجميع!

وقد سبق وقلت ذلك لك مرارا !

– وإذا ما أصر بوش على موعد المفاوضات؟
– ليصبر ! لن نذهب.
– واذا ما ذهب العرب !
– ليذهبوا ، إنهم مختلفون!

ضحكت نيشكا الى حد القهقهة وأضافت

– الجوكر معنا !
– ماذا تعنين؟
– إتصل بالكي.جي.بي بموسكو وهم يخبرونك ! والآن دعنا ننام فأمامنا
مشوار طويل ! غدا سنذهب الى تل أبيب!

أذعن جونين لها ونهض الى السرير بعدها ليجدها عارية حتى من ورقة التوت.
نزع جونين هو الاخر ملابسه وأرتمى فوقها.

إستيقظت نيشكا قبل جونين وتوجهت على الفور الى المطبخ وأعدت طعام الإفطار ثم أيقظته وأخذت معه دشا دافئا وبعد ذلك جلسا يتناولان طعام الإفطار.

– كم أنت رائع جونين ! قالت له نيشكا مداعبة !
– أشكرك جدا
– أتمنى لو كنت أعرفك منذ زمن !
– كنت ستتعبين !
– لماذا ؟
– لأنني كنت دائم الإنهماك في العمل ، ثم…!
– ثم ماذا يا حبيبي ؟
– كنت سأضمك للحزب الشيوعي !
– اذا كان فيه مصلحة لاسرائيل فلم لا ؟

ضحك جونين بخبث وقال لها:

– إنك يهودية بحق يا نيشكا .
– وأتمنى أن تكون كذلك يا حبيبي!
– إنني يهودي يا نيشكا ! قال جونين ببلاهة متعمدة ثم نظر اليها وأضاف:

– وإلا لما جئت ال هنا .

إبتمست نيشكا بخبث ظاهر وقالت :
– أريد أن أسألك وأرجو أن تجيبني بصراحة!
– أسألي ما بدا لك .
– لو خيرت في موسكو بين الذههاب الى أمريكا حيث أخويك الثريين وبين مجيئك الى اسرائيل ماذا كنت تختار ؟

أحس جونين أن هذا السؤال فخ له فأراد أن يخترع جوابا يرضيها ويفوت عليها الفرصة.

شرد قليلا وأشعل سيجارا كي يوهمها بعدم التفكير وأخذ منه نفسا ونفث
دخانه في وجهها وقال بلهجة الواثق:

– إسمعي يا نيشكا ! لقد كان بإماكن أخوتي أن يهرباني الى أمريكا ! فهما
قادران كما تعرفين ! ولكني أنا رفضت وأنا نادم الآن؟

وقع هذا الكلام على نيشكا كصخر حطه الله من أعلى قمة جبل الكرمل
فقالت بحدة:
– نادم ؟ على ماذا نادم؟

أيقن جونين أنها بلعت الطعم فأسرع دون تفكير بالقول:
– نادم على عدم الذهاب الى الولا يات المتحدة وإقناع اخوتي بالمجيء
بملايينهما وإستثمارها في اسرائيل!

أحست نيشكا بالنشوة لدى سماعها كلام جونين فقالت:
– أستطيع الآن أن أبصم بالعشرة أنك يهودي العقل والدين ! ولك مني وعد !
ووعد الحر دين أسعى لك للحصول على جواز سفر لكي تذهب الى
أمريكا وتقنع أخويك الثريين للحضور الى اسرائيل.
تظاهر جوين باللامبالاة من قولها وقال بفتور:
– لا تعدي بشىء لا تستطيعين فعله ! فالأمر ليس بيدك!
شعرت نيشكا بأنه طعنها في كرامتها فقالت دون أن تعي :
– أقسم بالرب لو لم يوافقوا على طلبي هذا لهاجرت من هذا البلد اللعين!
لم يعلق جونين بشىء على ما بدر منها وتظاهر باعادة إشعال سيجاره .
وبعد ذلك طلب منها أن تجهز نفسها للذهاب الى تل أبيب.

إمتقع وجه نيشكا وأحست بأن جونين يتهمها بعدم القدرة على طلب جواز سفر لجونين ، وأصبح جل همها أن تقنعه بذلك! فأخذت تتوسل اليه بأن يصدقها فيما تقول:
– جونين ! جونين ! أرجوك صدقني ! صدقني هذه المرة وسترى بنفسك!
– أرى ماذا ؟
– أنني قادرة.

لم يكترث جوين لقولها وأراد أن يبتزها بواسطة نفسها.
– جونين ! أقسم بالرب أنني قادرة ! قادرة!

إستهوت جونين حالة نيشكا النفسية وأحب أن يواصل اللعبة معها:
– نيشكا ! إنني أحبك سواء حصلت لي على جواز السفر أم لا ! وسأتزوجك
حتى لو لم تستطيعي الوفاء بقسمك!

إشتعلت نيشكا من الداخل خاصة بعد سماعها كلمتي الحب والزواج!
– لنقم الآن يا جونين ! اليوم ستحصل على جواز السفر ! أوراقك جاهزة؟
مرة أخرى لم يكترث جونين لها وأراد أن يبتزها بواسطة نفسها:
– عزيزتي نيشكا ! لنؤجل الموضوع بعد استكمال جولتنا في أرضنا الحبيبة اسرائيل ! فربما إقتنعت بأنك لن تستطيعي فعل شيء ! وعلى كل حال كل أوراقي الثبوتية جاهزة!

إزدادت النار إشتعالا داخل نيشكا بعد أن سمعت جونين يقول أرضنا الحبيبة اسرائيل ، فنهضت وهي تهدد وتتوعد الى المرآة وتقول:

– سترى بنفسك يا جونين ! ستضعه في جيبك اليوم ! لن أكون نيشكا إن لم يحدث ذلك.

أيقن جونين أنها صادقة ولكنه لم يظهر لها إقتناعه بكلامها وإنتظر حتى إرتدت ملابسها ووضعت مكياجها وقال :

– أنت الخاسرة ! فإذا حصلت على جواز سفر اليوم فسيتأخر زواجنا أما اذا لم أحصل فسنتزوج هذا الأسبوع؟

تفجرت الفرحة داخل نيشكا لسماعها كلمة زواج فردت عليه :
– لم يعد الزواج يهمني ! إن كل ما يجول بخاطري هو أن أثبت أمامك من أنا !

خرج الإثنان من البيت وتوجها الى السيارة! كان الجو باردا وينذر بمطر
غزير ، ركبا السيار وأدارت نيشكا محركها وأعطتها المجال لتسرع
كالبرق حتى يصلا الى مقر الموساد في رمات غان حيث يقبع مسؤولها
هناك ! وكان جل خوفها أن لا تجده في مكتبه ّ ولحسن حظيها وجدته وقد أدار محرك سيارته للتو خارج المكتب للذهاب الى تل أبيب بناء على مكاملة مهمة !
– سيد بنيامين ! أرجوك إنزل من السيارة ! قالت له وفرائصها ترتعد !

– نيشكا ! طاب صباحك يا عزيزتي !

قال لها ونزل من السيارة وقبلها.
– أقدم لك السيد جونين ! جونين ! ألا تعرفه؟
تقدم بنيامين خطوتين وانحنى برأسه للأمام وصافح جونين بحرارة.

– أهلا بك سيد جونين في اسرائيل ! أهلا بك !
وتوجه الى نيشكا وقال :
– ما الأمر يا نيشكا أشعر بالقلق من مجيئكما هذه اللحظة!
– لا شىء يدعو للقلق سيد نيامين ! سنتكلم في المكتب فالجو هنا بارد!
صعد الثلاثة الى المكتب وجلس بنيامين خلف مكتبه وطلب القهوة.
– إسمع سيد بنيامين ! إذا كانت أمريكا ستبتزنا عن طريق الضمانات المالية
التى طلبناها منها فاننا قادرون نحن اليهود المخلصون أن نثبت للرئيس
بوش بأننا لسنا مستعدين للتنازل له وللعرب .

ضحك بنيامين وقال :
– نيشكا ! هوني عليك ! الأمر ليس بهذه البساطة ، إننا حقا محتاجون لهذه
الضمانات خاصة وأن يهود الولايات المتحدة قد أداروا ظهورهم الى
اسرائيل!
– هنا مربط الفرس!
– كيف ؟
– ربما لا تعرف أن للسيد جونين أخوين في الولايات المتحدة وهما أثرياء ويستطيعان اذا ما أقنعهما بالحضور الى هنا بأموالهما أن يسهما بجزء من احتياجات إسرائيل.

– ربما يكون ذلك ! ولكن السيد شامير لم يفلح بإقناع يهود أميركا!

– عندي من سيفعل الكثير وينجح!
– من ؟
– جونين! نعم جونين لقد وعدني !

إنبهر بنيامين لما يسمعه وقال والدهشة بادية عليه :
– حقا ما تقوله نيشكا سيد جونين؟

تلمس جونين جيبه وتخيل أنه يضع جواز سفره فيها وقال بلهجة الواثق:

– قالت الكثير وغاب عنها ما هو أكثر؟
– أفصح رجاء سيد جونين!
– قالت أن أخواي ثريان وإني قادر على إقناعهما ليس بالمساهمة فقط بل بالحضور الى هنا وجلب كل ثروتهما الهائلة ، فهما النسخة الثانية من عائلتي روتشيلد وروكفلر!
ذهل بنيامين لما يسمعه ولكنه تحفز لسماع الجزء الثاني:

– وما الذي غاب عنها يا سيد جونين؟

– غاب عنها أنني كنت مسؤولا كبيرا في الكي. جي .بي وعندي مخزن هائل

من المعلومات عن أثرياء اليهود السوفييت ويهود أوروبا الشرقية ولدي القدرة على إقناع الكثير منهم بفعل الشىء الكثير لأرضنا العزيزة إسرائيل ! حتى لو أدى ذلك الى إبتزازهم أخلاقيا!
حلق بنيامين بأفكاره في عنان السماء وأيقن أن بحضرته كنزا مزدوجا!

– ستكون أنت حصان طروادة بالنسبة لي ياسيدي ! وٍلأزاحم بواسطتك
شارون ! قال لنفسه وأضاف على مسامع جونين:

– نيشكا أرجوك ساعديني بتكريم السيد جونين بما يليق به !
لقطت نيشكا الإشارة وقالت على الفور:

– إن السيد جونين بحاجة الى جواز سفر ! جواز سفر يا سيد بنيامين؟
تهللت أسارير بنيامين وقال مبتسما بلهجة الواثق:

– كل طلباته مجابة ! جواز سفر ! تذكرة على حساب اسرائيل في الدرجةالأولى ! وهناك مفاجأة أخرى أيضا إنني أعدك أن يتشرف السيد جونين بعدعودته غانما بمقابلة السيد شامير ، لأثبت له أن الموساد قادر على صنع المعجزات.

توقف بنيامين قليلا وتناول فنجان قهوته بعد أن أشعل سيجارته وقال
مخاطبا جونين:
– سيد جونين ! أوراقك رجاء!

لم يشأ جونين أن يظهر تلهفه على هذه الفرصة ، بل حاول أن يتمالك
أعصابه ويبدو طبيعيا!

تناول أوراقه وقدمها لبنيامين وقال بجدية:

– أتمنى يا سيد بنيامين أن أحوز على رضاكم!
– أعدك بمنصب هام في جهاز الموساد لدى عودتك ىسيد جونين!

قلب بنيامين الأوراق وتأكد من صحتها وضغط على زر مثبت على الطاولة وعلى الفور دخل شاب أنيق بخطوات ثابتة:
– طوع أمرك سيد بنيامين!

وقف بنيامين وناوله الأوراق وقال بلهجة الأمر:
– بلغهم تحياتي واخبرهم أنني أريده بين يدي بعد ساعة من الآن !
لم ينبس الشاب ببنت شفة ! بل تناول الأوراق على عجل وإنصرف وأغلق الباب خلفه بهدوء!
بدت نيشكا كأنثى الطاووس وأحست بأنها تملك الدنيا بأسرها فها هي تفي
بوعدها لجونين وتتأكد من منزلتها لدى بنيامين ، خاصة وأن عملية جوازات
السفر لليهود الذين قدموا الى اسرائيل من الخارج أصبحت صعبة بسبب
هجرتهم المعاكسة .

– ألم أقل لك جونين أنني أستطيع فعل الكثير!
نظر اليها جونين وقال :
– لقد تاكدت الآن أن اسرائيل قطعة من وهج الرب تضىء الدروب أمام المخلصين من أتباعها.
وقعت هذه الكلمات على مسامع كل من نيشكا وبنيامين وقعا طيبا أضيف الى رصيد جونين عندهما:
– إنك مخلص حقا سيد جونين ! وسأكافئك فور عودتك ولكن إسمح لي لأنني لا أستطيع البوح به لك الآن.
– سيد بنيامين ! إن من يخدم في الكي. جي. بي عشرين سنة يستطيع أن يحقق المعجزات في اسرائيل.!
– بحق السماء أنت رائع سيد جونين ! وأرجوك أن تصدقني اذا ما قت لك أنني حلمت الليلة بأنني كنت تائها في صحراء النقب وسط عتمة الليل وبرد الصحراء القارس وبين وحوشها واذا بوهج من السماء يسقط علي ويضيء الطريق أمامي ويسملني سيفا وحلة صوف!

فهم جونين مغزى ما يقوله بنيامين فأراد أن يتلاعب بالألفاظ عليه :

– إن تفسير هذا الحلم عندي سيد بيامين !
– ما هو ؟ الحقني سيد جونين!
– إن ذلك يدل على إخلاصك وتفانيك في حب اسرائيل الغالية!
– لا! لا! ليس هكذا سيد جونين! ! ان الوهج هو أنت !
وتوقف قليلا وإستطرد دون أن يعي بانه يكشف نفسه أمام جونين:
– إنك أنت الوهج وأنت السيف الذي سأقاتل به أعدائي وأنت حلة الصوف التى ستقيني من أعدائي في الموساد فانا غير مرض عني سيد جونين!

لم يبد جونين أن يعرف بنيامين أنه كشفه ، فوجه الحديث لنيشكا:
-ان السيد بنيامين شاعر ولكنه لم يكتشف نفسه!
– شكرا سيد جونين ! شكرا ! رد عليه بنيامين نيابة عن نيشكا وأضاف :
– قل بحق السماء ! متى تنوي السفر.؟
– وعدتني نيشكا أن نلف بلادنا اسرائيل لأقف بنفسي على كل شىء! وبعدها
سأغادر ! أسبوع واحد بالكثير!

أراد بنيامين أن يتفاخر بنفسه أمام جونين ، فنهض من على مكتبه وناول نيشكا كرتا وقال لها :
– أرجوك ان تقبلي هذا هدية مني ! كل مصاريف رحلتكما على حساب
الموساد ! لا تبخلي على السيد جونين ! خذيه الى كافة الملاهي والمراقص في اسرائيل! ادخلي معه أفخم المطاعم والفنادق ! فقط قدمي هذا الكرت!

– هذا كرم منك سيد بنيامين !

قال جونين بهدوء!

لم تمض ساعة إلا وعاد الشاب ثانية حاملا جواز السفر وقدمه لبنيامين
وانصرف دون ان يفضي بكلمة واحدة!

تهللت أسارير الجميع ! وأيقن بنيامين أنه ملك خاتم سليمان عن طريق تحقيق رغبة جونين.
– تفضل سيد جونين ! تفضل ! هذا جواز سفرك!
فرحت نيشكا أشد الفرح وتقدمت من بنيامين وصافحته وقبلته ! وتقدم
جونين أيضا وصافحه وشكره وقال:
– شكرا لك ! شكرا لنيشكا ! شكرا لاسرائيل!
وعلى الفور غادر الثلاثة المكتب واستقل بنيامين سيارته وكذلك جونين ونيشكا الى تل أبيب ولكن بطريقين مختلفين.
ظنت نيشكا بأن جونين سيقدم لها الشكر لكنه خيب ظنها عندما قال
بخبث :

– لقد اخطأت يا نيشكا !
ذهلت نيشكا لسماعها هذا الكلام وتساءلت:

– بحق من؟

– بحق نفسك!
– كيف ؟

– لقد أخرت زواجنا!

أحست نيشكا بالراحة وقالت ببلاهة:
– كيف ؟

– سأسافر الى أميركا!
– إن سفرك هذا من أجل اسرائيل ، وستعود!
شعر جونين بأن لا فائدة من هذا التلاعب بالمشاعر فحسم الأمر عندما قال:

– سنتزوج !
– بالتأكيد

أسرعت نيشكا بالسيارة وقالت:
– يبدو أن تل أبيب تشهد حدثا ما وأرجو أن لا يفوتني ذلك!
– عسى أن يكون خيرا !
– خيرا بكل تأكيد ! قالت نيشكا ووضعت يدها بيد جونين الذي شد بدوره على يدها بيده وسحبها ليضعها على فخذها ويقول:
– كم أحبك يا نيشكا !

تفجر الدم في عروق نيشكا لدى سماعها كلمة أحبك فتنهدت وقالت له بعد أن وضعت يدها فوق يده:

– وأنا كذلك ! فأنت ضالتي يا جونين!

ساد صمت ليس بالقصير بينما قطعته أصوات مكبرات صوت جاءت من مكان ليس ببعيد.

– ما الأمر يا نيشكا؟
– لا أدري !
– ربما يكون مظاهرة؟
– كل شىء جائز فالولايات المتحدة باعت اليهود مقابل النفط العربي!
أقتربت السيارة من مصدر الأصوات وذهل جونين لمنظر الحشد الذي كان يوحي بشىء ما .

– أنظري يا نيشكا !
– رباه ما الذي أرى؟

– لندع السيارة هنا ونتوجه نا حيتهم مشيا على اقدام.

– فكرة صائبة !

أوقفت نيشكا السيارة في مكان آمن ،ونزلت مع جونين وتوجها ناحية الحشد الغاضب.

كانت الساحة تغص باليهود من كافة الاتجاهات السياسية ،وكان الهدف من تجمعهم هو محادثات السلام التى بدأت في مدريد وقاطعتها اسرائيل في واشنطن في المرحلة الأولى .

كان اليمينيون يهتفون ضد بوش والعرب والولايات المتحدة! أما الطرف الآخر فكان بنادي بإستغلال الفرصة المتاحة والذهاب الى واشنطن.
وكانت يافطات اليمين تقول:

– يا شامير باعنا بوش بحفنة شعير!
– بوش ! بوش! لن تستطيع فرض الاستسلام على اسرائيل!
– القدس عاصمة اسرائيل الأبدية!
– لن نستسلم للضغوط الأمريكية !
– المستوطنات حق من حقوقنا في أرضنا !
– النفط العربي لن يكون ثمنا لاسرائيل!
– العرب مكانهم الطبيعي في الصحراء العربية !

أما اليسار المتحمس للمحادثات فكانت يافطاته:

– لنكن واقعيين مرة واحدة في العمر!
– يا شامير العرب بانتظارك في واشنطن!
– نعم للدولتين.
– لا للاستيطان في الأراضي العربية المحتلة!
– نريد أن نعيش بسلام!
– العرب يريدون السلام وشامير يرفضه!
– شامير كن جريئا وتحدث مع عرفات!
– أولادنا لم يخلقوا للحرب!

أحست نيشكا بالحرج الشديد أمام جونين وحاولت الانسحاب من الساحة لكن جونين أصر على البقاء لحاجة في نفسه!

– جونين إنيي أشعر بالبرد ! هيا لنغادر المكان!
– أفضل البقاء ! أظن أنك نسيت أنني رجل مخابرات سابق!
– لم أنس ! ولكنني أموت من شدة البرد!
– إذهبي الى السيارة وهناك ستشعرين بالدفء!
– هيا معي ! إنني مشتاقة لك!
– لنصبر قليلا.

لم تفلح محاولات نيشكا مع جونين وبقيت معه على مضض لأنها لا تريده أن يرى الوجه الاخر للحياة السياسية في اسرائيل ! ولا تريده أن يرى بأم عينيه أن هناك من يفضل الصلح مع العرب.

– اسمعي يا نيشكا إنني واثق أن تيار السلام سينتصر عليكم!
– جونين ماذا تقول ؟ إنهم رعاع ليس إلا!
– رعاع ؟ الذين يطالبون بإحلال السلام رعاع ؟ إذا ماذا تقولين في ذلك
الشىء الذي يهدد ويتوعد العالم عبر المايكروفون.

كان حاخاما قد اعتلى المنصة في نفس اللحظة يخطب في الجمع

المؤيد لشامير ، وكانت حالته الخطابية تنذر عن قرب انفجاره.

– لقد أظهرت أميركا وجهها القبيح و أتضح لليهود قذارة أوروبا بأسرها ! لم يعد خافيا على اليهود نوايا الفاتيكان! وقد تأكدنا من موقف هيئة الأمم المتحدة خاصة بعد انتخاب المسيحي العربي من مصر التى أجبرنا على الصلح معها في كامب ديفيد رئيسا لذلك المبنى المتعفن في الولايات المتحدة! لقد كان من الأجدر بهؤلاء الكلاب أن يعينوا يهوديا رئيسا للأمم المتحدة ! لا أن ينتخبوا مسيحيا عربيا من مصر !

وتابع:هل تعرفون ماذا يعني هذا معشر اليهود؟ إنه الطلقة في جسم اسرائيل ! ولكن ذلك لن يحصل ! سوف نقلب الطاولة عليهم ! إننا ضد الولايات المتحدة ! ضد أوروبا ! ضد الفاتيكان ! ضد الأمم المتحدة ! وسوف لن تكون هناك علاقات حسن جوار مع العرب المنحطين ! وحدودنا معهم أينما يقف الجندي الاسرائيلي.

أحس جونين بالقرف لدى سماعه هذا الكلام وأراد أن يقاطعه لكن نيشكا منعته من ذلك وأخذته بعيدا.

كان في الجانب الآخر صوت هادىء حزين يتحدث الى جمع غفير من
الرجال والسيدات تبدو عليهم سمات الوقار والهدوء!

– ما الذي يريده شامير منا ! لقد أثبت العرب انهم راغبون بالصلح معنا!

وهاهو عرفات يعرض الجلوس معه ! ولكن شامير يرفض بوقاحة! لقد آن الآوان أن نعيش مع العرب بسلام كما كنا في السابق ! لنعط العرب حقوقهم ونحتفظ نحن بحقوقنا ! القوة ليست كل شىء في الحياة إنها فرصتنا للتحدث مع العرب وأن نتفق معهم على صيغة وجود مناسبة!

شعر جونين بالارتياح لكن نيشكا أحست بالغثيان !
– ما بك يانيشكا ؟
– لا شىء ! لا شىء .
– أراك متعبة؟
– إنهم الكلاب ! هؤلاء يهود الولايات المتحدة وأوروبا ! إنهم دعاة السلام مع العرب!
– السلام جميل.
– لا أحبه ! فهو سم زعاف بالنسبة لنا !

تظاهرت نيشكا بالانهيار لتجبر جونين على مغادرة هذا التجمع الحاشد.

وقد صدق جونين إدعائها وتوجه معها وهي تستند عليه الى السيارة ، وعند وصولهما أخبرته أنها تحسنت قليلا ولكنها بحاجة الى الراحة بعض الشىء.

صعدا في السيارة وأدارت نيشكا محركها بعنف وتوجهت الى أقرب فندق.

وأوقفت السيارة أمامه ونزلت تتأبط ذراع جونين ووقفا أمام مسؤولة الاستقبال:

– من فضلك يا آنسة غرفة بسريرين !
إبتسمت مسؤولة الاستقبال وقالت:
– على الرحب والسعة! جوازاتكما لو سمحت؟

وعلى الفور تناول جونين جوازه وقدمه لها ثم تناولت نيشكا الكارت الذي أخذته من بنيامين وقدمته لها بابتسامة ذات مغزى !
ذهلت المسؤولة وأعاد ت جواز سفر جونين واحتفظت بالكرت ثم أمرت عاملا ليدلهما على الغرفة.
كانت نيشكا تتأبط ذراع جونين وتمشي بزهو.
– كم هو رائع هذا الفندق جونين!
– يبدو كذلك حبيبتي!

وما هي الا خطوات حتى وصلا باب المصعد الذي كان العامل قد هيأه لهما!
صعد الثلاثة ولم تخجل نيشكا من العامل عندما أمطرت جونين بقبلات حارة.

ذهل العامل من جمالها وجرأتها وقال لنفسه:
– لقد جئنا الى هنا لنعمل قوادين على ما يبدو.

وفي الدور الثالث توقف المصعد وفتح العامل الباب وخرجت نيشكا
وجونين ثم تبعهما العامل وتوجه الجميع الى الغرفة رقم 315!
فتح العامل الباب ودخلها ثم قفل راجعا الى الدور الأرضي ينتظر أوامر جديدة!

– هل أوصلتهما الغرفة 315 يتسحاق ؟سألته مسؤولة الاستقبال.
– نعم ! لقد أوصلتهما!
– شكرا لك!

وعلى الفور رفعت سماعة الهاتف وتحدثت مع فتاه أخرى بصوت خافت:

– أرجو الاهتمام بنزيلي الغرفة 315 مفهوم؟
– مفهوم !

لم تفسح نيشكا المجال لجونين كي يقول شيئا ! وأرادت أن تجبره على
نسيان ما رأى وسمع ! ولكن على طريقتها الخاصة !
– هيا يا جونين ! هيا إنني مشتاقة اليك!

وأخذت تقبله بجنون ما بعده جنون !
– كم أنت رائع يا حبيبي ! كم انت دافىء !
تذكر جونين نفسه ! وبرز صوت داخله يقول:
– جونين ارض غرورها وأنعش جنونها ! لقد قدمت اليك خدمة العمر ! وها هو جواز سفرك في جيبك!

تحرك الدم في عروق جونين وشد بيديه القويتين على خصرها وقال :
– كم أهواك يا قمري !
وأشبعها لثما وتقبيلا ثم قام بعد ذلك بنزع ملابسها بهدوء قطعة قطعة
ولكن بفن الخبير الجيد في شؤون أجساد النساء !

جن جنون نيشكا وقامت بخلع ملابسه بطريقة عشوائية وأرتمت معه على السرير وغابا عن الوعي لساعتين بدت نيشكا منهكة بعد ذلك بينما كان جونين يشعر باللذة المزدوجة!
– أتمنى أن تكوني راضية عني يا حياتي ؟
– كل الرضا يا حبيبي ! أحبك وأحب كل شىء فيك!

وهمت بتقبيله لكن أحدهم كان يطرق الباب فنهضت نيشكا عارية لترى من الطارق.
– سيدتي ! طعام الغذاء.
– لحظة من فضلك! فأنا عارية.

ضحكت مسؤولة الاستقبال التى أحضرت الغذاء لهما وقالت تحدث نفسها:
– وهل ترين أني أرتدي عباءة البدوي أيتها الغبية !

رجعت نيشكا الى جونين وطلبت منه أن يفتح الباب لأنها مضطرة لدخول الحمام !
وعلى الفور ارتدى جونين ثوب النوم الذي كان معلقا وراء الباب كيفما إتفق وتوجه ناحية الباب وفتحه:
– هل تسمح لي بالدخول يا سيدي !
– تفضلي !

دخلت مسؤولة الإستقبال ورمقت جونين بنظرة مجنونة ولمحت منه شيئا
فصرخت :
– أوه !
لقط جونين الإشارة وتناول الغداء ووضعه على الطاولة وأخذ يقبلها بشغف! أحس جونين بحركة في الحمام فتراجع لكن مسؤولة الإستقبال ظلت متشبثة به! خاف جونين من نيشكا وأبعد هذه المتطفلة عنه.

– أحبك يا سيدي ! أنت صنف آخر من الرجال ! أنتظرك في الغرفة 316 الساعة الثانية عشرة! رجاء ! فأنا مشتاقة لك !
– أعدك بذلك ! ولكن أرجوك أن تنصرفي !

كان طعام الغذاء دسما ومعدا خصيصا لجونين ونيشكا ! كان يشمل السمك المقلي والدجاج والكبدة والكافيار.
– هكذا تعامل اسرائيل المخلصين من أبنائها ! قالت نيشكا مبتسمة .
– إنها بركات السيد بنيامين !
– لم تر شيئا حتى الآن!
– شكرا له !

وبعد أن فرغا من طعام الغذاء خلدا للنوم ولم يستيقظ جونين إلا على
طرقات الباب بينما كانت نيشكا تغط في نوم عميق.
نهض جونين على مضض وفتح الباب واذا بمسؤولة الإستقبال مرة أخرى ولكن بشكل فاضح أكثر!

– طاب مساؤك يا سيدي ! لقد صنعت لك القهوة بنفسي!

أراد جونين أن يتمتع بأيامه الباقية في اسرائيل ، فلم يمانع فأدخلها وهو يرمقها بنظرات جنونية.

وضعت القهوة على الطاولة وأرتمت بأحضانه كالمجنونة التى إنتابها الصرع !

– أحبك ! أحبك !
– أجلسي رجاء لنشرب القهوة!

– وأين صديقتك؟
– إنها نائمة !
– أتمنى لها نوما طويلا !

أخذت سانتا تسكب القهوة وتنظر الى جونين الذي لم يكن روب النوم يخفي منه شيئا.

– أتمنى أن ينتصف الليل بسرعة!
– لماذا؟
– هل نسيت وعدك لي ؟
– ………..!
– إنك تخاف منها أليس كذلك ؟

– تقريبا !
– لا تخف عندي الحل !
– ما هو ؟
– المنوم ! لقد أحضرت لك المنوم كي تضعه لها في كوب ماء بعد الحادية عشرة ! إنه قوي التأثير ويستمر لست ساعات متواصلة.

ضحك جونين وقال :
– حسنا فعلت !
وهمت بالوقوف ولكنها تراجعت وقالت :
– أريد شيئا على الحساب!

ظن جونين أنها تريد ان يدفع لها ولكنها نهرته بلطف وقالت:
– تفحصني رجاء! ثم اعطني العربون هنا ! وأشارت الى مكان حساس في جسدها.
وبحركة خفيفة بدت أمامه عارية حتى من ورقة التوت، فإرتعدت فرائص جونين وأراد أن يلتهمها لكنها تمنعت وقالت :

– ليس الآن ! أريد عربونا فقط فقط !

ضمها جونين الى صدره وعبث بمفاتنها قليلا ثم غادرت الغرفة بعد أن تحشمت على طريقتها !

– إنه طعم مختلف ! قال جونين لنفسه.

أشعل سيجاره ! وأخذ نفسا عميقا منها ونفثه في الجو وفوجىء بنيشكا تقف فوق رأسه تستنشق دخان السيجار!

– أهلا نيشكا !
– أين قهوتي !
– ها هي ! إجلسي .

جلست نيشكا على ركبته وأشعل لها سيجارة وأخذت تحتسي القهوة !

– جونين سنسهر الليلة في أرقى ملهى ليلي في تل أبيب !
– أرجوك أن تعفيني هذه الليلة فأنا متعب ! ولكني أعدك غدا.

لم تعترض نيشكا بل فرحت وقالت :
– ليكن ذلك في أورشليم اذا !
– ليكن ذلك !

مرت الساعات كأنها دقائق وبينما هما يتحدثان رن جرس الهاتف فسارع جونين والتقط السماعة!
– سيد جونين حان موعد كوب الماء !
– النمرة غلط يا سيدي هنا الغرفة 315 وليس 350 !

أقفل جونين التلفون ولمعت عيناه وقال :
– إني أحس بالعطش !
– وأنا أيضا ! هلا أحضرت لي كوبا من الماء حبيبي !
نهض جونين الى الثلاجة وسكب لها كوبا بعد أن وضع حبة منوم فيه وقدمه لها .
شربت نيشكا الماء دفعة واحدة وبعد لحظات أحست بالنعاس.
– جونين ! أريد أن أنام !
– وأنا أيضا فمشوارنا غدا سيكون طويلا!
– خذني الى السرير رجاء !

وعلى عجل حملها جونين الى السرير وأغلق الباب وعاد الى الصالة ،
لم تمض عشر دقائق حتى طرق الباب طرقا هادئا منتظما ! نهض جونين
ليفتح الباب ولكنه كاد أن يقع مغشيا عليه من هول ما رأى ! انها سانتا شبه عارية.

دخلت سانتا بعد ان أغلقت الباب وراءها بهدوء ووضعت على الطاولة ما لذ وطاب من أصناف الغذاء والمقويات ، وتسمرت عيناها على جونين الذي كان مبهورا بجمالها- معك حتى الخامسة ! موافق ؟

– موافق؟
وما كاد جونين ينطق بها حتى كنت سانتا قد خلعت القطعة الصغيرة التى كانت تستر جسدها!

– ألا تشعرين بالبرد خاصة ونحن في الشتاء !

ضحكت سانتا ضحكة خفيفة وقالت :
– أبرد في الشتاء ! إن حرارتي تكفي لإذابة ثلوج سيبيريا ياسيدي!

وقامت بخلع روبه ووضعته خلف الباب وقالت :
– لنتحاسب الآن ! فأنا أنتظرك منذ زمن !
– وهل تعرفينني ؟
– أحلم فيك ؟ إن كل شىء فيك يستفزني ! يحرقني!
أخذت سانتا تهمهم بكلمات غير مفهومة وقالت:
– هيا ! الغرفة 316 جاهزة!
– ونحن عاريان؟
– لا أحد ينزل في هذا الجناح !
– هيا بنا !

حمل جونين روبه وطبق العشاء وتبعها.

لم تغادر العاملة التى كلفتها سانتا بتوضيب الغرفة لشىء في نفسها.
وأخفت نفسها خلف الباب.

– أوه ! صوني ماذا تفعلين!قالت سنتا مذهولة!
– كنت على وشك الخروج ولكن….!
– ولكن ماذا ؟

لم تجب صوني بل تصنمت خاصة بعد أن دخل جونين خلف سانتا عاريا ! كانت العاملة صديقة سانتا ولكن سانتا تظاهرت بغير ذلك ومع هذا فلم تتراجع صوني عما يدور في رأسها فأقتربت من جونين وأخذت تتحرش به. نظر جوني الى سانتا مستفسرا ولكنها تظاهرت بعدم النظر اليه الأمر الذي شجع صوني على خلع ملابسها والارتماء في أحضانه.

– غدا سأردها لك يا عاهرة ! فالعقيد شانيا قادم!

سأقوم بنفس الدور القذر الذي تقومين به الآن!
وأقتربت من جونين وقالت بنغج:

– يبدو أنك زير نساء حقا ! أعطها حقها وأصرفها بسرعة!

دخل جونين وصوني غرفة النوم ومارسا الحب وخرجت صوني وفسحت المجال لسانتا التى بدت كاللبؤة الشرسة.

– أشك في أنك يهودي يا سيدي؟
– لماذا ؟
– لأن فحولتك تدل على أنك عربي !
– هل أنت من أنصار السلام مع العرب ؟
– نعم !
– لماذا؟

تمعنت فيه سانتا جيدا وضحكت دون أن تنطق بكلمة.
كانت سانتا جميلة ومثقفة وواعية بكشل مختلف تماما عن نيشكا الأمر
الذي جعل جونين يشعر معها بطعم مختلف .
– كما أنت رائعة ياسانتا ! هل أنت مهاجرة ؟
– نعم !
– من أين أتيت ؟
– من المكان الذي ساندهم وها هم يتنكرون له الآن !
– هل أنت روسية؟
– لا ! أمريكية.
– كيف تشعرين وأنت هنا ؟
– بالقرف ! بالقرف من كل شىء!

قالت ذلك وأحسست بالدموع تنهمر من عينيها!

أيقن جونين أنه أخطأ بفتح الموضوع فقام بمسح دموعها وتقبيلها ثم أرتمى معها على السرير لفترة بسيطة تناولا عشاءهما بعد ذلك ثم تابعا المسيرة حتى الخامسة، وقبل أن يغادر جونين الغرفة ناولها قصاصة من الورقة وقال لها :

– هذا هو عنواني الجديد ! إتصلي أو حاولي المجيء!

قرأت سانتا العنوان وتفتحت أساريرها وقالت :
– بعد أسبوع سأكون هناك!
– وأنا بعد أسبوع أيضا ساكون هناك ! أجابها وأغلق الباب بعد أن خرج.

كان الجو هذا الصباح ممطرا والسماء تعد الأرض بالمزيد من المطر.
نظر جونين من الشباك وأقنع نفسه بتأجيل الذهاب الى القدس بسبب المطر إلا أن نيشكا أصرت على ذلك ، ولم تعط مجالا لجونين بابداء وجهة نظره.

– الجو ممطر هذا اليوم ولا داعي للمغامرة!
– لاتخف ! إنني أعرف الطريق جيدا ! سنذهب عن طريق نابلس.
– ألا تريدين أن نسهر الليلة هنا؟
– وعدتك أن نقضيها في ملهى فاخر في اورشاليم ! ولن أتراجع!
– كما تريدين !
– أريد أن أخبرك بأمر هام ! ألا وهو الحرص من السكان العرب الذي ستمر السيارة في أرضهم!
– أرضهم ؟ هل تقولين أرضهم؟

تنبهت نيشكا لنفسها وأردكت أنها على وشك الدخول في ورطة مع جونين، فحاولت انقاذ الموقف.

– انا قلت أرضهم ؟ أظن أنني أعني شوارعهم وطرقاتهم !

ضحك جونين ملء شدقيه وقال :

– لا فرق بين هذه وتلك يا حبيبتي!
– اعذرني جونين فقد حلمت الليلة حلما بائسا!
– ما هو ؟
– حلمت بأن عصفورا لي كنت أحبه وأحتفظ به لنفسي ، ولكني فوجئت أنني

قد فتحت له القفص فطار !
– أضغاث أحلام ! لا يهمك ! أنها كوابيس الشتاء!
– هل تظن ذلك؟
– بالتأكيد
خرجا من الغرفة معا وتوجها نحو موظفة الاستقبال سانتا التى إستيقظ فيها شيطان المرأة الشرس ، وبدت كلبؤة مسعورة!
– صباح الخير أيتها الآنسة ! قال جونين.
– طاب صباحك يا سيدي .
– نحن نزيلا الغرفة رقم 315!

رمقت سانتا نيشكا بنظرة ذات مغزى وناولتها الكارت وأخذت تبحلق في جونين كأنه مخلوق لم تر مثله من قبل!

لاحظت نيشكا ذلك ولكنها لم تعرها إنتباها ، بل تأبطت ذراع جونين وطلبت منه الانصراف!

أحست سانتا بالاهانة من هذا التصرف ، فعمدت على الفور الى كتابة كلمة أحبك حتى الموت على ورقة وسارعت خلفهما قائلة:
– سيدي ، لقد وقعت منك قصاصة الورق هذه.

فهم جونين مغزى هذه الحركة ، فتوقف ليتناول القصاصة منها ثم وضعها في جيبه.
– شكرا أيتها الآنسة!
– شكرا لك سيدي ! يسرنا إستضافتك مرة أخرى !

إنفجرت نيشكا من الغيظ ولكنها لم تقو على فعل أي شىء لأنها أدركت مدى حضور وقوة شخصية سانتا!

ركبا السيارة ، وأدارت نيشكا محركها بهدوء وقالت:
– جونين ، إنني أحذرك مرة أخرى من الاحتكاك بالسكان العرب فهم خطرون وغدارون!

– لا تخافي !

تحركت السيارة واتجهت الى الشرق حيث قلقيلية التى تبدأ منها حدود الأراضي التى تم احتلالها عام 1967.

خف المطر ! وبدى الجو صحوا ، وكانت الطبيعة جميلة خاصة وأن ثمار أشجار الحمضيات كانت يانعة الصفار حيث موسم قطافها !

كانت الشوارع في المناطق العربية خالية بعض الشىء من جراء فرض حظر التجول على السكان ، ولكن بعض الشوارع لم تخل من فعاليات الانتفاضة.

كان الخوف يتملك نيشكا خشية أن تقع في مصيدة من مصائد الانتفاضة! ولكنها تنفست الصعداء عندما خرجت من حدود تلك المدينة!
– ما بك يا نيشكا ؟

– كنت خائفة .
– ممن ؟
– من الحجارة !
– وهل أصبحت الحجارة تخوف؟
– نعم ! ان حجارة هذه الأرض أصبحت أخطر من أسلحتنا !
– معقول ؟
– صدقني!
– ولكننا لم نتعرض لأذى منهم!
– لأن حظر التجول مفروض عليهم!
– هكذا اذا !

– نعم ! انهم متوحشون !
– لكن سلاحهم الحجارة كما تقولين!
– نعم ! إن الحجارة هي سلاح المتخلفين الهمجين!

أراد جونين أن يحاربها في حديثها عن طريق التهكم عليها لكنه توقف بسبب صرخة منها :

– ما بك يا نيشكا ؟
– السيارة .
– ما بها ؟
– يبدو أنها تعطلت وسط هذه البلدة!
– والعمل ؟
– سأنتظر قوات جيش الدفاع !
– هنا؟
– نعم !
– ولكن الأهالي سيتحركون !

صمتت نيشكا وأخذت تبكي بصمت!

وما هي إلا لحظات وإذا بعجوز من أهالي البلدة يقترب منهما!

– جونين ! أرجوك أقتله ! أقتله ! إنه قادم لذبحنا!
نظر اليه جونين ، فلم يجد معه سلاحا!

– ولكنه لا يحمل سلاحا نيشكا!
– إنه يخفيه ! انني أعرفهم جيدا !
– السلام عليكم ! هل من خدمة نؤديها لكم ؟ سأل العجوز الفلسطيني!

أرتبك جونين قليلا لأنه لا يفهم العربية ، فقال العجوز:
– هل تتحدث الإنجليزية يا سيدي.

ضحك العجوز الفلسطيني وقال :
– قليلا!

أحس جونين بالارتياح وقال له:
– هل من ميكانيكي عندكم؟

أومأ العجوز الفلسطيني برأسه وقال :
– مع أنه مفروض علينا حظر التجول لكنني سأجد لك واحدا ماهرا يحل مشكلتكم.

وقف العجوز الفلسطيني قليلا ثم قال :
– تفضلا الى البيت لتشربا الشاي الساخن وستجدا السيارة جاهزة!

خافت نيشكا بداية الأمر ، لكن جونين أقنعها بتقبل الفكرة ، وبعد صعوبة نزلت وتوجها مع العجوز الى البيت القريب جدا من الشارع العام .

كان باب غرفة الإستقبال مفتوحا ! والشاي مصنوعا لتوه !
جلس الجميع وكان وجه العجوز متهللا عكس وجه نيشكا ! بينما كان جونين جامدا يفكر في الحدث وفيما قالته نيشكا بداية الرحلة.

– أهلا بكم في بيتنا ! يهود ! أليس كذلك؟

رحب بهما العجوز بعد أن سكب لهما الشاي ! وغادر الغرفة الى القسم الثاني من البيت !

وبعد قليل دخل عليهم وطمأنهم بأن إبنه قد ذهب لاصلاح السيارة !

لم تتحدث نيشكا بداية الأمر ، ولم ترد إحتساء الشاي لولا أن ألح عليهما العجوز وأخبرها بفوائده في هذا الجو البارد!

– إشربي يا إبنتي ! إشربي!
– …!
– ماذا بها صديقتك أيها السيد ؟
– خائفة !
– ممن ؟
– منكم؟
– ولماذا؟
– هكذا!

ضحك العجوز ، وقال في نفسه:

– كل يرى الناس بعين طبعه!
– أراك تحدث نفسك أيها الرجل!
– إني مستغرب منكم !
– لماذا؟
– نريد السلام معكم ، وذهبنا وجلسنا معكم في مدريد ، وما يزال وفدنا في واشنطن ينتظر وفدكم وما زلتم تخافون منا !

أحس جونين بطعنة في قلبه ولعن اليوم الذي قدم فيه الى هذه البلاد!

– ما بك أيها السيد؟
– لا شىء يا سيدي لا شىء!

وبينما هما يتحدثان ونيشكا تلتزم الصمت دخل عليهم شاب وحياهم وصافحهم وقبل يد أبيه.

– السيارة جاهزة!

فهمت نيشكا من حركات يديه ما قصد فأرادت أن تعطيه بعض النقود وهمت بالوقوف !
رفض الشاب أخذ النقود كما رفض إنصرافهما!
– أيها السيد قل لصديقتك أن تضع فلوسها في حقيبتها!
فلم أفعل سوى ما أملاه علي ضميري!
ذهل جونين لما سمع وقال لحاجة في نفسه!
– ولكننا يهود أيها السيد!
– وماذا في ذلك ؟ اجلسا فأنتم ضيوفنا اليوم .

أقنع جونين نيشكا بالبقاء وأومأ الشاب لأبيه بالخروج لإحضار طعام الإفطار.
خرج العجوز وبقى الشاب معهما!

– أيها السيد يبدو أنك لست من هنا !
– نعم يا صديقي!
– من أين أنت ؟
– من الإتحاد السوفييتي !
– سابقا !
– ماذا تعني بكلمة سابقا يا عزيزي !
– أعني أِشياء كثيرة ! لقد كان صديقنا !
– كان صديقكم بالأمس ، واليوم؟
– لم يعد الإتحاد السوفييتي كما نعرفه!
– ما حل به؟
– انتهى !
دار حديث طويل بين جونين والشاب أسهم خلاله الشاب في تحليل
الأوضاع في الإتحاد السوفييتي وهجرة اليهود والصفقات التى تمت
والبرويسترويكا وخلص الى أن الإتحاد السوفييتي ينتظر من غورباتشوف أن يعلن وفاته رسميا!

ذهل جونين لما سمع وقال للشاب:

– هل أنت دكتور في الجامعة أم ميكانيكي.
– لا! إنني شيوعي ّ! شيوعي سابق!

أومأ جونين برأسه وأكتفى بإبتسامة خفيفة وأخذ يتحدث مع نيشكا.

– يقول بأنه كان شيوعيا ! مثلي .
– إسأله إذا كان يحب اسرائيل أو يريد القضاء عليها !

لم ينتظر الشاب أن يسأله جونين هذا السؤال ، بل أجابها بنفسه قائلا بعد أن فهم ما قالته لجونين:

– أيتها الآنسة إن العرب يتصفون بالكرم والضيافة وأظنك تعرفين قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام !

دخل جونين على الخط وقال بلهفة:

– من هو إبراهيم هذا ياصديقي!

– إنه أبو الأنبياء ! إنه جدنا وجدهم !

– وما هي قصته ؟
– عندما جاء الى فلسطين ماتت زوجته في الخليل فأراد أن يدفنها ، وعرض شراء مساحة قبر لها لكن أهل الخليل تبرعوا له بقطعة كبيرة من الأرض دون ثمن .لأنهم لا يبيعون أرضهم للغريب.

– نيشكا ! هل هذا صحيح ؟

أومأت نيشكا برأسها وقالت :
– نعم !

دخل العجوز وخلفه زوجته حاملة طبقا يحوي أصنافا خفيفة من الطعام مثل البيض المقلي والزيت والزعتر والجبنة وابريق شاي آخر!
تناول الجميع بمن فيهم نيشكا طعام الإفطار وتحدثوا عن مؤتمر مدريد
وواشنطن وأقتنع جونين بأراء وأفكار الشاب .

لاحظت نيشكا أن بقاء جونين لوقت أطول في مناقشة هذا الشاب العربي سيفسد عليها خطتها .

– لنذهب يا جونين ، لقد أصبح الوقت متأخرا!
نهض جونين وصافح العجوز وابنه وغادر مع نيشكا !

أدارت نيشكا محرك السيارة ولم تنبس ببنت شفة !
لاحظ جونين الوجوم والحيرة على وجهها فسألها:
– ما بك نيشكا ؟
– لا شىء !

– أشكري الرب أنهم لم يذبحوننا قال بخبث .
– …!
– ألم تحذرينني منهم؟
– نعم !
– ولكنهم طيبون ! قدموا لنا طعام الإفطار ! وأصلحوا لنا السيارة مجانا مع أننا يهود!
– انا لا أحبهم حتى لو أعادوا لنا بناء الهيكل ! وصمتت قليلا ثم أردفت:
– هذه مشكلتنا معكم معشر اليهود المهاجرين!
زفر جونين زفرة قوية وقال بحدة :

– ماذا بنا نيشكا ! ألم نؤد لاسرائيل خدمات جليلة ؟ ألم نترك أوطاننا الأصلية ونأتي الى هنا ؟

أحست نيشكا أنها جرحت كرامة جونين فأرادت ترطيب الأجواء وقالت:

– حبيبي جونين ! لقد ذهبت بعيدا ! كل الذي عنيته أنكم لا تعرفون السكان العرب هنا حق المعرفة ؟
لم يجب جونين ! بل أكتفى باشعال سيجارة!

وصلت السيارة حدود القدس واذا بجمهرة غفيرة من المستوطنين والجيش وبعض السكان العرب ! كان الوضع شاذا ، فأثناء سقوط المطر كان المستوطنون يدعمهم الجيش ،يطردون عائلات فلسطينية في بلدة (سلوان) من بيوتهم ليستولوا عليها . كان المنظر مؤذيا للمشاعر الانسانية .

– ما الذي يجري هنا يا نيشكا ؟
– لا شىء!
– كيف تقولين لا شىء وأنا أرى أمامي نساء وشيوخا وأطفالا يطردون من بيوتهم في هذا الجو البارد الماطر؟

– لا عليك يا حبيبي ! لا عليك ! لا بد من حدوث ذلك لضمان أمن اسرائيل !
– أمن اسرائيل ؟
– نعم !
– إنهم يطردونهم من بيوتهم !
– وماذا في ذلك ؟
– أين سينامون ؟
– الصحراء العربية تتسع لهم !
– هل أنت جادة فيما تقولين ؟
– نعم !

شعر جونين بالامتعاض من المنظر الذي يشاهده وأحسن بالقرف من جواب نيشكا.

– نيشكا ! إنهم يضربون العجوز ويمنعونه من الدخول الى بيته !
– بيته ؟ تقول بيته؟
– إذا بيت من يكون ؟
– إنه بيتنا نحن اليهود !
– حقا ؟
– نعم !
– كيف ذلك ؟

– لقد إستولى العرب على أرض إسرائيل ، وها نحن نحررها منهم !
لم يطق جونين ما سمعه من نيشكا ! فحاول النزول من السيارة لاستطلاع الأمر بنفسه !

أرادت نيشكا منعه ولكنه أصر على ذلك ونزل من السيارة
وتوجه الى حيث يتجمهر الناس.

– صباح الخير يا سيدي !
– ماذا تريد أيها السيد ؟
– ما الذي يجري هنا بحق السماء؟
– لماذا تسأل ؟ هل أنت صحفي أميركي؟
– لا سيدي .
– إنك صحفي أميركي بكل تأكيد جئت لتنقل الأخبار الى واشنطن .

ضحك جونين ملء شدقيه وقال:
– إنني يهودي ! يهودي مثلك أيها السيد.
– إذا أنت يهودي أميركي من الذين تمردوا على اسرائيل !
– أقسم لك أنني لا أمت لأمريكا بصلة!
– إذا من أين أنت ؟
– من الاتحاد السوفييتي !
– رحم الله الاتحاد السوفييتي !

قال المستوطن الذي سأله جونين ذلك وبصق على الأرض.

فهم جونين المغزى من هذه الحركة وأراد الاقتراب منه قائلا:
– ولكني قلت لك أنني يهودي يا سيدي! وها أنا في إسرائيل كما ترى!
– أين كنتم طوال سنوات صداقة موسكو للعرب ! لماذا لم تعترضوا على قيام موسكو بإرسال أسلحة الدمار للعرب كي يقتلوا بها اليهود!

لاحظت نيشكا أن هناك توترا بين جونين وذلك المستوطن المسؤول فأسرعت بالتوجه اليهما!

– صباح الخير أيها السيد !
– صباح الخير ! ماذا تريدين ؟ هل أنت صحفية أميركية؟

ضحكت نيشكا وأخرجت الكارت الذي أعطاها أياه بنيامين وناولته له.

تمعن المستوطن في الكارت وإنفرجت أساسيره وأعاده إليها وسألها:
– هل السيد معك ؟

– نعم !

تلمس المستوطن لحيته وإستدار ناحية جونين وقال بخلافه:
– عذرا أيها السيد! حسبتك أمريكيا ! فنحن الآن نتخوف من أميركا أكثر من تخوفنا من كل العرب ! لقد باعنا بوش مقابل النفط العربي!

إمتعض جونين من هذا الكلام وطلب من نيشكا الانصراف:
– ألم أنصحك بألا تنزل من السيارة !
– … !
– هل تأثرت من هذا الموقف ؟ إنهم معذورون ! فمساحة اسرائيل قليلة ولا تستوعب كل يهود العالم ! لا بد من القيام بذلك!
– بماذا يا نيشكا ؟
– بطرد السكان العرب !
– وأين سيذهبون؟
– قلت لك بأن الصحراء العربية واسعة!

تذكر جونين أن فترة بقائه في اسرائيل أصبحت محدودة خاصة بعد
حصوله على جواز السفر، لهذا فلا فائدة تذكر من الاعتراض على مثل هذه التصرفات. وفي الوقت نفسه خاف من إرتداد نيشكا وأن تطلب من بنيامين سحب الجواز منه ومنعه من السفر.

– معكم حق ! معكم حق ! فالصحراء العربية شاسعة!
– هل إقتنعت ؟
– بالتأكيد !

أدارت نيشكا محرك السيارة وإتجهت الى قلب القدس وأوقفتها أمام فندق الملك داوود! وعلى الفور أسرع عامل الفندق وناولته المفتاح لايقافها بعيدا عن الباب .ثم تأبطت ذراع جونين ودخلا معا!

– صباح الخير ! نريد غرفة لليلة واحدة من فضلك ! قالت نيشكا ! وناولت الموظف الكارت!
– على الرحب والسعة يا سيدتي ! حالا!
أشار موظف الاستقبال الى إحدى الموظفات وأمرها أن تأخذ جونين ونيشكا الى الغرفة رقم 480.

توجه الثلاثة الى المصعد ، وصعدوا الى الدور الرابع!

كانت عاملة الفندق تركز عينيها على جونين ! ولكن نيشكا لم تعطها الفرصة للاحتكاك به الأمر الذي ضايقها كثيرا ! وعند باب الغرفة توقف جونين ليفسح
المجال لنيشكا بالدخول ، فإنتهزت العاملة هذه الفرصة وقالت لجونين بهمس:

– ياسيدي ! إسمح لي بأن أقول لك أنني معجبة بك ! هل تسمح لي بقضاء ساعة معك وحدنا؟
إبتسم جونين وقال بهمس أيضا:
– لن أعدك ولكني ساحاول.
دخل جونين بعد أن إنصرفت العاملة وإذا بنيشكا تنتظره في الداخل شبه عارية!
– دعينا نتناول الغداء أولا !

– مشتاقة لك أكثر من شوقي للطعام !
– كما تريدين.

مارس جونين الحب مع نيشكا ولكنه كان ليس كعادته هذه المرة ، خاصة بعد أن ذاق طعم من سانتا وصوني ! وها هي عاملة الفندق أيضا تعرض عليه ذلك.

أحست نيشكا بذلك ولكنها فسرت الموقف بأنه ناجم عن تعب السفر ليس إلا.
– الليلة يا حبيبي سوف تكون أنشط من الآن ! سأطلب الغداء وبعدها ننام!
– إنني جائع جدا وأشعر في الوقت نفسه بتعب شديد!

وعلى الفور تناولت نيشكا الهاتف وطلبت طعام الغداء.

كان جونين شارد الذهن يفكر بفرصة تجمعه مع عاملة الفندق ! لم يطل تفكيره عندما أخرج من جيبه علبة السيجار فوقعت حبات من المنوم الذي كان قد أخذها من سانتا في تل أبيب! ودون أن تلحظ نيشكا ذلك أخفاها في جيبه وأشعل سيجارة. وفي محاولة منه لإشعار نيشكا بأنه ما يزال يحبها إحتضنها وأخذ يقبلها.

دق جرس الباب فنهض على عجل وإذا بعاملة الفندق تقف حاملة الطبق الفاخر.

– اهلا وسهلا! إدخلي وضعيه على الطاولة .
– حاضر يا سيدي.
وضعت العاملة الطعام على الطاولة وسألها جونين:
– متى تكونين مستعدة للجلوس معي.
– متى تشاء .
– بعد ساعة.
– ليكن ذلك ؟
– والآن إنصرفي رجاء!

أغلقت العاملة الباب وجلس جونين ينتظر نيشكا لتناول طعام الغداء.

كان الطعام فاخرا كأنه يقدم لطبقة معينة .

– أنظر يا جونين ! أنظر الى السمك المحمر بالزيت! وهذا الكافيار ! والفودكا!

– هذا كرم بنيامين !
– هل ستخلص له؟
– بكل تأكيد!

بدأ الاثنان في تناول الطعام وإحتساء الفودكا وبعد أن إنتهيا قالت نيشكا :

– إنني أحس بالنعاس من شدة التعب!
– هل ستنامين ؟
– نعم !
– وأنت؟
– سأطلع على هذه الجرائد والمجلات وأنام بعدها!
– لك ذلك.

توقف قليلا وقالت:

– هلا أحضرت لي كوبا من الشاي المثلج! ربما يحتفظون به في الثلاجة هناك!

– بكل سرور.
– نهض جونين من فوره وأخرج من جيبه حبة منوم وسكب الشاي المثلج في الكوب وناوله لنيشكا.
– الله ! كم هو لذيد!

أفرغت نيشكا الكوب في جوفها دفعة واحدة ونهضت الى الفراش وغابت عن الوعي!

أحس جونين بالراحة وتوجه الى الحمام وحلق ذقنه وتعطر وجلس ينتظر العاملة.

لم تمض دقيقتان حتى طرق دق جرس الباب ودخلت فاتنة تستحق أن
تكون ملكة جمال من الدرجة الأولى.
– طاب مساؤك يا سيدي .
– أهلا بك يا…!
– مولا ! إسمي مولا!
– فرصة سعيدة.
– شكرا !
– إجلسي ! تفضلي بالجلوس!

جلست مولا وعيناها مسمرتان في وجه جونين !

– كم أنت رائع يا سيدي ! هل أنت متزوج؟

شرد ذهن جونين بعيدا في هذا التكرار وأخذ يسأل نفسه:
– صحيح أنني وسيم ولكن ليس لهذه الدرجة.
– كل مرة أدخل فيها فندقا يحدث معي نفس الشىء ! هل هو صدفة ؟

لم يتوصل جونين الى إجابة تقنعه فآثر الصمت.

كان موعد نشرة الأخبار في التلفاز قد حان . وعندما أطل المذيع وقرأ أول خبر عن رفض شامير التنازل عن أي أرض بصقت مولا على شاشة التلفاز وقالت:
– تفو عليك يا جبان.

ذهل جونين ولكنه أراد أن يدخل مع مولا من هذا الباب .

– مولا ! آنسة مولا! ما الذي تفعلينه ؟
– لم أفعل شيئا يا سيدي.
– لقد بصقت على شاشة التلفاز.
– لا يا سيدي ! إنما بصقت على شامير!
– لماذا ؟
– لأنه لا يريد السلام!
– وهل تحبين أنت السلام ؟
– طبعا! وهذه فرصتنا للبقاء أحياء بين العرب!

ونظرا لخبرته في مجال الاستخبارات أيقن مؤخرا أنها لا تمثل أي لغز وإن مجيئها اليه ليس إلا للمتعة الجسدية فقط !

– مولا من أين أتيت؟
– من رومانيا!
– هل لك مدة هنا ؟
– خمس سنوات!
– وكيف تنظرين الى الوضع؟
– سىء !
– من أية ناحية ؟

– إنهم لا يعاملوننا على أننا بشر مثلهم!
– ماذا تقولين ؟
– أقول الحقيقة ! ولهذا فإنني أنوي الرحيل!
– الرحيل؟
– نعم يا سيدي!
– إلى أين؟

– إلى الولايات المتحدة!
– كيف؟
– لي أخ هناك وزنه محترم ! سأسافر معه!
– هل معكما جوازات سفر؟
– غدا سنحصل عليها!
– غدا أنت جادة ؟
– بكل تاكيد !

شعرت مولا بأنها أمام ضابط إستخبارات من جهاز الموساد ! وأحست
بالندم لأنها أفضت إليه بهذا الكم الهائل من المعلومات!

– سيدي هل أنا أمام ضابط إستخبارات حقا؟
– !
– أراك لا تجيب!
– نحن في مركب واحد! ووجهتنا واحدة!
– أكيد؟
– صدقيني!

انفرجت أسارير مولا وأخذت تعبث بشاربيه!
– لقد أحببتك من أول نظرة !
– حقا ؟
– ولولا ذلك ما عرضت عليك نفسي!
– وأنا معجب بك أيضا وبجمالك الآخاذ وبجرأتك !

– هيا بنا نمتع أنفسنا فالوقت ضيق!

خلع جونين ملابسه على عجل وتقدم منها وشرع بخلع ملابسها على مهل وهو يمطرها بوابل من القبلات الحارة .

– إنك أقوى من الفودكا!
– فودكا؟ هل تحب الفودكا!
– أنا روسي.
– حقا ؟
– نعم !

أحست مولا بالراحة بعد معرفتها أنه روسي وتأكدت أنه ناقم كغيره من المهاجرين السوفييت على الوضع في اسرائيل! وسلمت نفسها له.

شعر جونين بطعم آخر ولون مختلف وتذكر سانتا.

قضى جونين قرابة الساعتين معها ووجد نفسه خلالهما في عالم آخر ! وبعد أن إنتهيا أشعل جونين شيجارته ونفث دخانها في وجهها وقال:

– أفضل شىء في اسرائيل أنني تعرفت عليك!

ضحكت مولا وتناولت قلما وورقة وكتبت عليها عنوانا وأعطته لجونين !

– هذا عنواني الجديد ! إتصل بي رجاء!

– بل سأحضر إليك!
– حقا ؟
– بالتأكيد!

تنهدت مولا قليلا وقالت:

– لي طلب أرجو أن تنفذه إكراما لي !
– نقود؟
– لا! لا يا سيدي نحن لسنا من هذا النوع!
– إذا ما هو ؟
– لي صديقة رأتك واعجبت بك وتود أن تشرب معك فنجانا من القهوة.

ضحك جونين وقال:

– قولي كأسا من الفودكا!
– هل أنت موافق ؟
– نعم!

وعلى الفور أدارت مولا قرص الهاتف واخبرت صديقتها بموافقته طالبة منها الحضور!

نهض جونين ووضع بعضا من العطر على جسده وأرتدى ملابسه على عجل وسكب ثلاثة أقداح من الفودكا وجلس بالقرب من مولا ! وما هي إلا لحظات حتى قرع جرس الباب!

أسرعت مولا بفتحه لتدخل صديقتها حاملة أقداح القهوة.

– أهلا بك يا…..!
– هانيا ! هانيا! يا سيدي!
تناول جونين فناجين القهوة من يدها ووضع الصينية على الطاولة وحضنها بقوة وأخذ يقبلها بعنف! أحست مولا بالزهو أمام صديقتها هانيا وقالت:

– كما توقعت يا هانيا ! إنه فحل ويستطيع القيام بالواجب!
لم تعلق هانيا بل إستغلت ترحيب جونين بها بهذه الطريقة وأقتربت منه أكثر وأخذت تفك أزرار قميصه ثم بنطاله وتجذبه الى الأريكة.

شعرت مولا بالغيرة فتحركت الأنثى في داخلها أيضا وخلعت ملابسها وجلست على يمين جونين بينما هانيا على يساره وأخذت تداعبه هي الأخرى بشغف ، لم يعترض جونين بل إستسلم لهما وأستأسد عليهما وأرضى غرورهما!

وبعد أن أنهوا نداء الجسد جلس الثلاثة يحتسون الفودكا!

– صدقيني يا هانيا إنه أكثر من رائع !
– إنه خطير يا مولا ! خطير ! وخبير في شؤون النساء!
– لا أكذب عليك إن قلت لك إنني للمرة الأولى أشعر باللذة مع رجل!
ضحكت هانيا وقالت بخبث:

– وسامي! سامي العربي!
– أعني من بني جنسنا ! أما سامي فهو نسخة طبق الأصل عن سليمان صديقك!
– إنهم يقدرون النساء ويحترمونهن! ليس مثل أبناء جنسنا !

أخذت مولا رشفة من الفودكا وقالت لجونين :
– هل لنا بدعوتك لطعام العشاء على حسابنا؟
– بل على حسابي!

– موافقة ! هيا بنا قبل أن تستيقظ نعجتك!

ضحك الثلاثة وأسرعوا بإرتداء ملابسهم وخرجوا الى البوفيه.
– أريد أن أسدي لك نصيحة يا سيد جونين ! قالت هانيا!
– ما هي ؟
– لا تعلق على شيء تراه أو تسمعه ! سنسبقك أولا ثم تأتي الينا طالبا
التعرف بصوت عال ! مفهوم !
– مفهوم!

خرجت مولا وهانيا وكلهما نشوة وجلستا في إحدى زوايا البوفيه ومن ثم تبعهما جونين.

– هل لي بالجدلوس معكما ! قال جونين بصوت مرتفع!
– أهلا بك أيها السيد.

ضحك جونين ، وجلس وأومأ الى النادل.
– عشاء فاخر لثلاثة أيها السيد.

لم يعلق النادل بشىء ، بل إنصرف وغاب قليلا ثم جاء بالعشاء الفاخر ، تناول الجميع العشاء ! وقاموا للرقص على أنغام الموسيقى ، وبعد قليل تذكر جونين نيشكا فأعتذر منهما وعاد الى الغرفة ! كانت نيشكا ما تزال غائبة عن الوعي فأستغل جونين ذلك وأخفى أقداح القهوة والفودكا بعد أن غسلهما بالماء إستقظت نيشكا مبكرا وهي مفعمة بالنشاط بينما كان جونين متعبا بعض
الشىء!
– طاب صباحك يا حبيبي.
– طاب صباحك !
– إني أعتذر لما بدر منى الليلة الماضية ! ولكن صدقني كنت متعبة جدا
وسوف أعوضك الليلة بسهرة حتى الصباح!
دخل الإثنان الى الحمام وأخذا دوشا دافئا وخرجا ، وعلى الفور.
وإحتسى جونين كأسا من الفودكا على الريق بينما طلبت نيشكا طعام الإفطار .

إنشغلت نيشكا وجونين بإرتداء ملابسهما وبعد ذلك أخذت تضع المكياج
على وجهها.

قرع جرس الباب فنهض جونين ليفتحه فوجد مولا حاملة طعام الإفطار.

– صباح الخير يا سيدي.
– صباح الخير.
– هل نمت جيدا !؟ سألته بهمس.
– نعم ولكني مشتاق إليك جدا
– حدد موعدا آخر وأنا على إستعداد ! هل أحضر هانيا معي؟
– هذا الأمر يعود لك!
– سأخبرك فيما بعد .

خرجت مولا وهي تشعر بسعادة فائقة وجلست نيشكا تتناول طعام الافطار مع جونين ! وبعد ذلك خرجا من الفندق ليقوما بجولة شاملة في أنحاء مدينة القدس.

– ستشعر بالسعادة وأنت تتجول في عاصمة اسرائيل الأبدية !
– أتمنى ذلك ! صدقني أتمنى أن لا أرى مشاكل بينكم وبين السكان العرب!

– السكان العرب ؟ سنطردهم إن عاجلا أو آجلا!
– …!
– لنرى الولايات لمتحدة التى أصبحت صديقتهم ماذا ستفعل لهم ! هل تظن أنها ستضغط علينا ؟

– …!
– جونين مالي أراك صامتا؟
– الجو بارد والحديث يفقد الجسم جزءا من الطاقة!

سارت السيارة بهدوء بسبب سقوط زخات من المطر ولم يتحدث جونين بل لاذ بالصمت بينما نيشكا تغمرها سعادة فائقة وتردد أغنية تقول:

– أورشاليم ! أورشاليم ! شلت يميني.
شلت يمني إن نسيتك يا أورشاليم
يا عاصمة الزهور
ومدينة السعادة
ستبقين لنا
إلى الأبد
إلى الأبد

– توقفي هنا رجاء يا نيشكا!

– ما بك يا جونين !
– ما هذا المبنى الذي أراه أمامنا؟
– إنه المسجد الأقصى الذي بناه المسلمون على أنقاض هيكل سليمان.

– هذا هو المسجد الأقصى؟
– نعم ! ولماذا هذه الضجة فيه ؟
– إن جماعتنا يقومون بوضع مكبرات الصوت فوق الهيكل!

– أليس في هذا اعتداء على مشاعر المسلمين؟

– أي مسلمين ؟ عامة المسلمين ألا تخافون منهم؟

ضحكت نيشكا الى حد القهقهة وقالت بإستهزاء:

– هل سمعت آخر خبر ؟
– لا ! ما هو ؟
– لقد حذف مؤتمر داكار الاسلامي كلمة الجهاد ضد اسرائيل ولم يلتفتوا الى رأي عرفات القاضي بالابقاء عليها !
– معقول ؟
– صدقني !

شعر جونين بالامتعاض وقال لنفسه:

– عجيب أمرهم ! مليار مسلم في العالم هكذا حالهم ! واليهود لا يتعدون الخمسة ملايين ويفعلون بهم ما يشاؤون.
– هل تحدث نفسك يا جونين؟
– لا ولكني أود الذهاب الى ( سلوان ) لنرى ماذا حدث؟
– ولم لا؟

تحركت السيارة ووصلت الى سلوان.

– أرجوك توقفي هنا ! توقفي.
– إنها مظاهرة عربية ما لنا ولهم ! ليتظاهروا ويشجبوا!
– من هو ذلك الشخص الذي يتصدر المظاهرة؟
– إنه زعيمهم.
– عرفات ؟
– لا زعيمهم في الداخل!
– من هو ؟

– إنه فيصل الحسيني ! عميل أميركي ! ويطمح في أن تحقق له أمريكا شيئا.

ضحك جونين ملء شدقيه لدى سماعه نيشكا وهي تصف فيصل الحسيني بأنه عميل أميركي .

– أراك تضحك يا حبيبي !
– لا ! لا شىء ! أنظري .
– الى ماذا ؟
– مظاهرة أخرى ! وأشار بيده.

نظرت نيشكا الى حيث أشار جونين وأحسست بالذهول!

– ما بك يا نيشكا ؟
– إنهم يهود !
– يهود ؟
– نعم يهود ! لكنهم عملاء ! أنهم يتظاهرون مع العرب ضد اسرائيل .
– نيشكا ! ما الذي يحصل عندكم ! أرى قسما لا بأس به من اليهود مع العرب!

– لا بأس انها أصول اللعبة الأمريكية .
– وما دخل أمريكا ! في الموضوع!
– إنهم يريدون شق صفوفنا !
– هكذا إذا؟

أحست نيشكا بالصداع بسبب تأثير المظاهرات اليهودية عليها وأرادت

كذلك أن تقطع هذه الرحلة كي لا يرى جونين المزيد من الأحداث التى لا
تريده أن يراها .

– جونين ! لقد عاودني الصداع مرة أخرى ! وأخشى أن أكون حاملا!

وتوقفت قليلا ثم ضحكت وقالت :

– جونين ! أخشى أن يرى ولدنا النور قبل أن نتزوج !

كانت تقصد من وراء ذلك إعادة إختبار عواطف جونين ولكنه فهم
الاشارة وقال:

– وهل ستضعينه بعد أسبوع يا حبيبتي ؟
– ماذا تعنى يا حبيبي؟
– سوف لن أغيب عنك أكثر من من أسبوع ! وسأعود ومعي شقيقاي وملايينهما وسنؤسس شركة سياحية لي ولك!

شعرت نيشكا الارتياح ولكنها أصرت بينهما وبين نفسها على العودة الي الفندق .

– جونين !إني متعبة ! وسنعود الى الفندق ! إني مرهقة !
– لنعد يا حبيبتي ! فإنك بحاجة الى النوم !

ومن أقرب فتحة أستدارت نيشكا بالسيارة وغيرت الطريق الى الفندق.

لم يغب ذلك عن جونين الذي صمم على أن تنام ولساعات طويلة فما أن وصلا الى الفندق حتى وضع لها حبة منوم في كوب ماء ثم غابت عن الوعي .
وعلى الفور أدار جونين قرص التلفون وتحدث مع مولا وطلب منها
الحضور ولكن الى غرفة أخرى . وأخذ يستعد لمجيئها.
قرع باب الجرس ونهض ليفتحه فوجدها على أكمل وجه من جمالها ، لم يتحدثا بل خرج معها وهو يحمل زجاجة الفودكا ! ودخلا الغرفة المجاورة !

– أين نعجتك ياحبيبي ؟
– تحلم بالهيكل .

ضحكت مولا ولم تمهله حتى يعبث بمفاتنها بل رمت بنفسها في أحضانه وقالت :

– هذه آخر مرة سنتقابل هنا !

جلسا على الأريكة وتبادلا القبل الحارة ونزعا ملابسهما ثم حملها جونين الى غرفة النوم وغابا عن الوعي معا.

وبعد أن أنهيا مهمتهما نهضا وأرتديا ملابسهما وأخذا يحتسيان الفودكا.

– كم أحببتك يا جونين ! إنك هدية السماء ! لقد شعرت بالمتعة معك!
– وسامي ؟
– سامي ؟
– ما به !

إنهمرت عيني مولا بالدموع وقالت :

– لقد إعتقله الكلاب منذ إسبوع!

– لماذا ؟
– لأنه مشارك بالانتفاضة!

تأثر جونين لدموعها فقام ومسحها بهدوء وقبلها وقال مواسيا:
– علينا التحلي بالصبر ! فكلنا مصابون !
قرع جرس الباب وحاولت مولا أن تنهض لكي تفتحه لكن جونين منعها
وقام بنفسه وفتحه.
– جونين ، كيف أنت أيها الفحل.

ضحك جونين ملء شدقيه ونفث في وجها دخان سيحاره وقال:
– بخير إنني بخير ومحظوظ !
دخلت هانيا ومعها طعام الغذاء وزجاجة من الفودكا ووضعتها على الطاولة وجلست بأدب هذه المرة .

– هيا لنشرب الفودكا أولا !

سكب جونين الفودكا وأخذ الثلاثة يحتسونها.

– لقد قلت يا جونين أنك محظوظ ! أليس كذلك ؟ قالت هانيا !
– نعم ! قلت ذلك ! جئت الى هنا بنعجة ! فأصبحت أملك بجانبها لبؤتين!
ضحك الثلاثة بعد أن أحدثوا صوتها بكؤوسهم قبل إحتساء الفودكا.
– جونين ! هل تستطيع النوم معي قبل الغداء ؟
ضحكت مولا وقالت :
– يا بنت اللئيمة ! ألم تعديني بأن لا تتعدي عليّ هذه المرة !
– بلى ! وعدتك ! ولكن هل قلت لك صدقيني !
ضحك جونين ملء شدقيه وآثر أن يكون على الحياد!

إقتربت هانيا منه ووضعت يدها على كتفيه وقالت لمولا:
– سيدي القاضي أرجو العطف فأنت قضيتي ! لقد غاب عني سليمان .
– أين هو الآخر ؟ سألها جونين !
– مع سامي!

كانت فرصة لجونين أن يذهب مع هانيا الى السرير قبل أن تنهمر عيونها بالدموع هي الأخرى!

نهض الإثنان وقال جونين لملولا مازحا :
– بعد إذنك أيها القاضي الوقور ! نريد التشاور حول هذه النقطة.

إبتسمت مولا بخبث وقالت :
– أيها المتهمان إن القاضي يود أن يشاهد كل شىء بنفسه قبل إصدار الحكم !

ضحك الثلاثة وغاب جونين وهانيا فوق السرير ولكن صيحاتهما وآهاتهما كانت تنصب في أذني مولا.

– يبدو أن وهجه كوهج الشمس في الصباح يزداد مع إزدياد إرتفاعها حتى تصبح في كبد السماء ! قالت لنفسها ونهضت بعد أن خلعت ملابسها ووضعت مكياجها ثم تحسست مفاتنها وتوجهت الى الغرفة وبيدها كأسا من الفودكا.

كان جونين وهانيا في قمة النشوة ولدى دخول مولا عليهما أصيبا برعشة قوية زادت من نشوتهما !

وضعت مولا الفودكا وأخذت تعبث بمفاتن هانيا التي أصبحت لبؤة شرسة ! وبعدها انتقلت الى جونين وارتمت فوقه بحركة غريزية رهيبة!
لم تتضايق هانيا بل إنتعشت أكثر من ذي قبل وأخذت هي الأخرى تعبث بمفاتن مولا.
وبعد أن أنهى الثلاثة هذا الكرنفال الجنسي الوداعي نهضوا وأرتدوا
ملابسهم وجلسوا لتناول طعام الغداء !
– هاك يا جونين ! هذه الحبة ستجعلك قادرا على أرضاء نعجتك!

ضحك جونين وتناولها منها ووضعها في جوفه وأخذوا يتناولون طعام الغداء.
وبعد الغداء قامت مولا وهانيا بمداعبة جونين وقبلاه ثم إنصرفا.

غادر جونين الغرفة هو الآخر ودخل غرفته ووجد نيشكا نائمة فإستغل
نومها ورمى بنفسه بالقرب منها لينال قسطا من الراحة!!
إستقظت نيشكا قبل جونين نشيطة تتدفق حيوية ! ووقفت أمام المرآة تتفقد أنوثتها التى لم تستغلها بدون إرادة منها لليلتين متواليتين!
– آه ! لقد ضاعت مني ليلتان ! وربما أكون السبب لعن الله الصداع ! ولعن
الأمريكان الذين سببوا فيه.

قاتل لنفسها ذلك وتوجهت الى الحمام لأخذ دش دافىء . أخذت الدوش
وأرتدت ملابسها ووضعت مكياجها وادارت قرص الهاتف لتطلب طعام
الإفطار .

إمتعضت مولا لدى سماعها صوت نيشكا ولكنها لم تيأس اذ أعدت طعام الافطار وحملته بنفسها وصعدت به الى الغرفة . قرعت الجرس فوجدت نيشكا بانتظارها .
– طاب صباحك !
– أهلا وسهلا ! ناوليني طعام الإفطار من فضلك !

لم تسمح نيشكا لمولا بالدخول الى الغرفة ، بل أخذت منها طعام الافطار وأغلقت الباب بصلافة .

وضعت نيشكا طعام علىى الطاولة وأيقظت جونين الذي نهض هو الآخر نشيطا ودخل الى الحمام ليخرج بعد ذلك وجل همه أن يتحدث مع مولا بحجة طلب طعام الافطار ولكن خطته ذهبت أدراج الرياح عندما وجد طعام الافطار جاهزا .
– طاب صباحك حبيبي ! أرجو أن لا تلمني على مرضي المفاجىء
!
– لا يهم ! كيف أصبحت؟
– بخير ! إنني أشعر بنشاط كبير هذا الصباح .
– ما هو برنامج اليوم؟
– في الفندق ! لن أغادر أبدا هذا اليوم ، لأنني لا أريد أن أرى أحدا غيرك .
– ما الذي جرى يا ترى ! قال جونين لنفسه.
– أراك تحدث نفسك يا حبيبي؟
– لا ! لا أحدث نفسي ولكني قلق على أحوال المستعمرة!
– إطمنئن ! إن كيلا بخير كما أنا بخير !

ضحك جونين ومد يده ليأكل . أنهيا طعام الإفطار وأخذ جونين يسكب الفودكا وينظر الى الخارج من الشباك .

– إنها مدينة رائعة ! رائعة يا نيشكا ! ليتنا نقيم هنا !

إمتعضت نيشكا لدى سماعها جونين يقول هذا الكلام ، ولكنها تداركت الموقف كي لا تغضبه وقالت:

– غدا يا حبيبي ستكون كيلا جميلة عندما تزدحم بالسكان ويكون عند كل واحد منهم حوض سباحة.

– هذا ما أفكر فيه ! ولكني سمعت انكم تعانون من شحة المياة.
ضحكت نيشكا وقالت :

– بالنسبة للمياة اطمئن !
– كيف ذلك ؟
– لأنها سنحلها ! نعم سنحلها ! إن هناك تعليمات لوفودنا في واشنطن أن تركز عليها !

– يعني تنوون التفاهم مع العرب ؟
– في المياه ! المياه فقط .
– ماذا تعنين؟
– هناك نهر الليطاني في لبنان ! والنيل في مصر ! ومياه تركيا !
– مياه تركيا ؟
– نعم ! إنها مضمونة ولكن بعد التفاهم مع العرب .
– هكذا اذا ؟
– نعم !

كانت الشمس مشرقة ولكن على إستحياء الأمر الذي منح الجو بعض الدفء!ولهذا تشجعت نيشكا للخروج من الغرفة مع جونين الى الكافتيريا لتناول الشاي بالحليب.

لم يمانع جونين ، بل رحب بهذه الفكر ليس حبا في الشاي بالحليب بل رغبة ملحة لرؤية مولا وهانيا.

خرج الإثنان من الغرفة وتوجها ناحية الكافيتريا وجلسا في إحدى الزوايا ولم تكد نيشكا تطلب الشاي بالحليب حتى لمحتها هانيا وأسرعت الى مولا.

– مولا ! إنه هناك مع نعجته !
– أين ؟
– في الكافيتيريا !
– ماذا يفعلان ؟
– لقد طلبت لتوها الشاي بالحليب!
– كيف ومتى خرجا من الغرفة ! إنني أحاول الاتصال به لأسمع صوته !
– ألم تاخذي لهما طعام الإفطار ؟
– نعم !
– ألم ترينه؟
– كلا !
– لماذا ؟
– لأن نعجته طردتني ولم تسمح لي بالدخول !

إبتسمت هانيا وقالت :

– ماذا تعطيني إن دبرت لك خطة للجلوس معهما.
– لك ما تشائين!
– سنكتب رسالة بالروسية ونذهب اليهما طالبين المساعدة بالترجمة ؟
– وهل تعرفين اللغة الروسية؟
– حق المعرفة؟

وعلى الفور إنهمكت هانيا بكتابة الرسالة وضمنتها جملا غرامية حادة وتوجهت مع مولا الى الكافيتيريا.

– طاب صباحكما.
– أهلا وسهلا ! قالت نيشكا وإمتعضت لرؤيتها .

لم يعيراها إنتباها وتظاهرا بعدم سماعها وقالت مولا بعد أن غمزته:

– أيها السيد ! أأنت روسي ؟
– نعم ! ماذا تريدين ؟
– لقد أرسل لي صديقي رسالة بلغة بلادكم ، وللأسف لا أعرف الروسية ! وكذلك صديقتي.

إنطلت الحيلة على نيشكا ! وقالت بحماس :
– إجلسا معنا حتى يترجمها جونين لكما !
– شكرا جزيلا !

جلستا بالقرب منه وناولته مولا الرسالة وأخذ جونين يقرأ !
– عزيزتي مولا ! كم أحببتك يا درتي الغالية ! وكم أشكرك على حسن ضيافتك لي ! إنني مدين لك…

كانت هانيا تضحك في سرها وتنظر الى نيشكا وتقول لنفسها:
– ما أغباك أيتها النعجة ! ما أغباك ! إنني أعرف الروسية والانجليزية وكذلك العبرية.

أما مولا فكانت تتظاهر بأنها هائمة بما جاء في الرسالة ولكنها في حقيقة الأمر شاردة تفكر في كيفية الالتقاء بجونين !

أنهى جونين الرسالة وأخذ يتحدث مع كل من هانيا ومولا أما نيشكا فكانت تحملق في الرسالة .
– أين تسكنان ؟ سألت مولا.
– في مستوطنة كيلا ! في الجولان ! ردت عليها نيشكا !

وتوقفت قليلا وأستطرت بزهو :
– إن جونين هو المشرف عليها!
– إنها بعيدة أليس كذلك ؟ سألت هانيا ؟
– ليست بعيدة ! أجابت نيشكا.

ستغلت مولا مشاغلة هانيا لنيشكا وقالت لجونين بهمس:
– متى سنلتقي ؟

تظاهر جونين بإشعال سيجارة وقال وخاطبا نيشكا:
– متى سنغادر الى كيلا؟
– غدا صباحا .
– ولماذا لا نغادرها الساعة الثامنة.
– لا أحب السفر ليلا.
– أنني أفضل الثامنة مساء ولكن ما دمت لا تحبين السفر ليلا فلك ذلك!

فهمت مولا ما قصده جونين وإبتسمت بخبث وطلبت من هانيا مغادرة الطاولة بعد ان قالت لها :

– أرجوك يا هانيا إعتني بالغرفة رقم 481 فسيأتينا ضيوف هذه الليلة!

غادرت مولا وهانيا الكافيتيريا دون أن تفهم نيشكا شيئا .
– ماذا فعلت ؟ هل حددت موعدا ؟
– نعم !
– متى وكيف؟
– ما عليك ! المهم أن تجهزي لنا عشاءا فاخرا وتحضريه الى الغرفة رقم 481 في الساعة الثامنة.
– يا لك من شيطانه ! والنعجة؟
– عندي لها الدواء !
– ما هو ؟
– المنوم !
– وهل لديك منه شيئا ؟
– سأحضره اليوم من الصيدلية القريبة!

تحركت غريزة نيشكا وأخذت تداعب جونين!
– تبدو اليوم نشيطا أليس كذلك؟
– لقد نمت جيدا ليلة البارحة.
– لنقم الى الغرفة.
– هيا بنا !

نهضا معا وهي تتأبط ذراعه ودخلا الغرفة ! وسكب جونين قدحا من الفودكا ولكن نيشكا لم تمهله ليحتسيه بل إرتمت في حضنه بعد أن خلعت ملابسها.

– جونين ! إنك مسافر وستغيب عني أسبوعا كاملا! لن أحتمل ذلك!
– ألا تتحملين أسبوعا ؟
– لا خذني معك ! خذني معك ! أرجوك يا جونين.

أخذت نيشكا تقبله بشغف وتعبث بشعر رأسه!

قالت ذلك وبدأت بفك أزرار قميصه ثم بنطاله ودخلا الغرفة ! علا فحيحهما طويلا ثم توقف وأخذا غفوة لم يقطعها سوى جرس الباب.

نهض جونين ليفتحه فوجد مولا حاملة الطعام !
– هاك يا سيدي .

تناول جونين منها الطبق ودست في جيبه علبة صغيرة وقالت له :
– نحن في الغرفة المقابلة في الساعة الثامنة.
– أغلق جونين الباب وراءها ووضع الطعام على الطاولة وتوجه الى غرفة النوم.

نهضت نيشكا ودخلت الحمام واخذت دوشا وجلست بالقرب من جونين وأخذا يتناولا الطعام . وبعد ذلك جلسا يشاهدان التلفاز.

كانت البرامج بالنسبة لجونين مملة اذ كان يعرض قيام المستوطنين بالاستيلاء على عدة منازل في ( سلوان ) وكذلك وضع مكبرات الصوت فوق جدار المسجد الأقصى.

لاحظت نيشكا إمتعاض جونين فأسرعت بإطفائه وجلست تسكب الفودكا لجونين.

– جونين ! ربما يكون معك حق ! فنحن نقامر بمستقبلنا ! فالولايات المتحدة لم تعد معنا !
– من قال ذلك ؟
– كل الظروف تؤكد ذلك!
– ليكن معلوما لديك أنها ستجبر الأمم المتحدة على إلغاء القرار الذي إتخذته عام 1975 والذي نص على مساواة الصهيونية بالعنصرية.
– إنه السم في الدسم !

لم تسيطر نيشكا على إعصابها حين قالت ذلك بغضب ! ولكنها حاولت تدارك الموقف حين قالت:
– لنخرج من الغرفة ونتجول في النفدق.
– لك ذلك.

خرج الإثنان وذهبا الى الساحة حيث حوض السباحة ، وجلسا وطلبت نيشكا قدحين من الشاي ثم قاما الى الكافيتيريا لكنهما لم يجلسا اذ فضلا الذهاب الى المرقص.

كان البرنامج حافلا بالمنوعات التى شملت الأغاني والرقص ، أحست نيشكا بالراحة وتأبطت ذراع جونين.
– هيا ! هيا لنرقص !

نهض جونين معها ولكن عقله مع مولا وهانيا.

وفي الساعة السابعة أحست نيشكا بالدوار في رأسها!
– جونين ! يبدو أنني حامل حقا ؟
– لماذا ؟
– الدوار ! الدوار ! هيا خذني الى الغرفة.

شعر جونين بالراحة وضمن نومها حتى الصباح عندما وضع لها حبة المنوم في كوب الماء.

لم تمض خمس دقائق حتى أصبحت نيشكا تحلم بأنها في كيلا ، وعلى الفور خرج جونين من الغرفة وقرع جرس باب الغرفة رقم 481 .

كانت هانيا وحدها في الغرفة بينما مولا تنتظر حلول الساعة الثامنة وهي حاملة أصناف الطعام الفاخرة!
– جئت مبكرا.
– لقد نامت نعجتي .
ضحكت هانيا وقالت:
– أنا هنا وحدي أغلق الباب!
– أين مولا؟
– تحضر طعام العشاء بنفسها.

كانت هانيا على أحر من الجمر للقاء جونين بمفردها . وقد صدق حدسها بأن جونين سيأتي مبكرا قبل الثامنة ! وعلى الفور سكبت له كأسا من الفودكا وقالت:
– هاك ! إشرب ! كم أنت رائع.

تناول جونين الكأس من يدها وأفرغه في جوفه دفعة واحدة ووضع يديه الإثنتين على رقبة هانيا وقال:
– أنت أصل الفودكا يا هانيا ! أنت روحها.

أخذ يقبلها بعنف كأنه يراها لأول مرة ، وهي لا تقل عنفا عنه ولم يتحركا إلا بعد مضي خمس عشرة دقيقة عندما لم يقويا على الوقوف!
– آه منك أيها الروسي.
– وآه منك أيتها الرومانية.

دخلا غرفة النوم وإرتميا على السرير لا يعيان ما يفعلان وكانت النشوة في قمتها وبعد الانتهاء قبلته هانيا وأرتدت ملابسها وسكبت له كأسا آخر من الفودكا.

وفي تمام الساعة الثامنة قرع جرس الباب

– هل جاء جونين يا هانيا.
– و …..!
ضحكت مولا وقالت :
– أيتها اللئيمة ، كفاك!

دخلت مولا ووضعت الطبق على الطاولة وتوجهت الى السرير فوجدت جونين ملقى على ظهره يدخن السيجار.
– ما الذي فعلته بنا يا رجل ؟ لم نعد نقوى على فراقك!

ضحك جونين وضمها اليه وقبلها بشغف وجذبها الى السرير ، وأخذت تصرخ ليس من الألم بل من النشوة !
وقفت هانيا بالقرب منهما ولم تلمس أحدا منهما بل إكتفت بالمراقبة وإشعال السجاير وإحتساء الفودكا.

وبعد أن إنتهيا ألقت بنفسها بجانب جونين وأخذت تداعبه مع مولا لفترة وجيزة نهض الجميع بعدها لتناول طعام العشاء الذي كان يشمل العسل والدجاج المحمر والكافيار والكبدة المقلية ، لم يمد جونين يده بل تعهدت مولا وهانيا بإطعامه بيديهما .

كان عشاءا رائعا بالنسبة للثلاثة حيث الضحكات والمداعبات والقبلات.
– ما هي أخبار نعجتك ؟
– إنها نائمة ! تقول أنها حامل .
– منك ؟
– ربما ؟
– هل كانت عذراء ؟
– لا أدري.

ضحكت مولا وهانيا الى حد القهقهة ، وبعد الإنتهاء من طعام العشاء قالت مولا:
– لنقض هذه الليلة في المرقص ! هناك فرقة روسية!
– صحيح ؟ قال جونين.
– بالتأكيد .

وعلى الفور أرتدى الجميع ملابسهم ، وتوجهوا الى المرقص ، وكانت الفرقة الروسية قد بدأت فقرتها للتو!

أحس جونين بالحنين لروسيا وحاول الشرود بذهنه ولكن مولا وهانيا قطعتا عليه حبل أفكاره عندما أخذاه عنوة الى الديسكو وبدأ الثلاثة بالرقص حتى منتصف الليل.

غادر الجميع المرقص وعادوا الى الغرفة 481 وأحتسوا الفودكا ودخلوا غرفة النوم ولم يخرجوا منها حتى الساعة الخامسة صباحا.

كان جونين يشعر بالذنب قليلا ولكنه آثر أن ينام الساعات المتبقية بجانب نعجته التى ما زالت تغط في نوم عميق.

وفي الصباح نهضت نيشكا نشيطة كعادتها وطلبت طعام الإفطار ، وأيقظت جونين الذي دخل الى الحمام لأخذ دوش دافىء وجلس بالقرب منها يتناول طعام الإفطار.

وفي الساعة التاسعة غادرا الفندق وأارت نيشكا محرك السيارة. كان الجو صحوا والسماء تعد بشمس دافئة الأمر الذي أضفى على نفسية جونين بعض الإطمئنان.

توقفت السيارة أمام مكتب لحجز التذاكر ونزلت نيشكا وجونين.
– صباح الخير أيتها الآنسة ! قال جونين محييا موظفة المكتب.
– طاب صباحك أيها السيد! ردت عليه .
– من فضلك تذكرة سفر الى لوس أنجلوس.

دخلت نيشكا على الخط وقالت بتلهف.
– ذهاب واياب يا آنسة.
– بالطبع ذهاب وإياب أم ذهاب فقط؟
قال جونين ثم أضاف شىء من التصنع.
– تل أبيب- لوس أنجلوس- تل أبيب.

شعرت نيشكا بالراحة لهذا التأكيد من جانب جونين ومدت يدها الى حقيبتها وتناولت الكارت وقدمته للموظفة.

ذهلت الموظفة لبعض الوقت عندما قرأت الكارت ثم اخذت بعض المعلومات عنه وطلبت جواز سفر جونين ، ولم تمض خمس دقائق إلا وأصبح جونين يضع جواز سفره مع التذكرة في جيبه.

إنصرفت نيشكا وجونين من المكتب ، وأدارت محرك السيارة وإتجهت بها الى كيلا بطريق آخر غير الطريق التي جاؤا منها خشية أن يصادف جونين فعاليات الإنتفاضة.

كانت نيشكا فرحة جدا ومسرورة وتحس أنها قد ملكت الدنيا بأسرها عندما تأكدت أن جونين سوف يعود .وأثناء هذه الفرحة الغامرة أدارت مؤشر الراديو وكان يبث نشرة الأخبار.

– أيتها السيدات والسادة طاب صباحكم – إليكم نشرة الأخبار المفصلة.
– تم ليلة أمس إلغاء القرار الصادر عن هيئة الأمم المتحدة عام 1975 والذي ساوت فيه الصهيونية بالعنصرية وقد صوت الى جانب القرار في الأمم المتحدة 111 صوتا.

– عين الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف أمس أول سفير سوفييتي لدى اسرائيل عقب إستئناف العلاقات الدبلوماسية بينهما في أكتوبر الماضي.

– قامت طائرات سلاح الجو بغارة ضد قواعد المخربين في لبنان.

– السيد إسحق شامير يؤكد رفض إسرائيل مجددا مقايضة الأرض بالسلام ويقول أن العرب لديهم ما يكفيهم من الأرض بينما اليهود عاشوا ألفي سنة بدون أرض.

كانت هذه النشرة بمجملها مصدر سعادة أخرى إضافة لنيشكا ، وأرادت أن تعلق لولا الأغنية العربية التى أعقبت نشرة الأخبار والتى تقول :

( أنا غلطان ومتأسف ) ، شغلتها موسيقاها رغم أنها لم تفهم كلماتها.

– أظن أنها أخبار جيدة يا حبيبتي !
– بالتأكيد ولولا أننا متخوفون من الخبر الأول .
– الخبر الأول ؟
– نعم !
– لماذا؟
– لأنه بمثابة السم في الدسم.

فطن جونين الى أن التذكرة وجواز السفر في جيبه ، وأنه بحكم المسافر الى أميركا بلا عودة ، وتذكر أنه لا حاجة للنقاش مع نيشكا ، ولهذا فضل الحديث معها عن الأحلام المستقبلية.
– إسمعي نيشكا ! ستكون مؤسستنا ضخمة ، وسنحتاج الى موظفات ماهرات وجميلات للعلاقات العامة.
– وبالطبع سأكون أنا رئيستهن ؟
– بالتأكيد حياتي ! بالتأكيد!
– وأنت ستكون المدير العام .

– كما تريدين
– وسيكون من بين أهدافنا جلب اليهود الى إسرائيل للاقامة الدائمة فيها.
– هذا واجبنا.

كانت الغبطة عند نيشكا أكثر مما تتصور وأخذت تسبح في أحلامها بينما جونين يضحك عليها في سره!

وبهذه الطريقة إستطاع جونين أن يتغلب على طول المسافة . وعندما وصلا كانت نيشكا نشيطة ولا تتخيل أن السعادة لغيرها.

– جونين ! هيا بنا نحتفل بهذه المناسبة.
– كيف يا حبيبتي ؟
– على طريقتي الخاصة!
فهم جونين مغزاها ، وأرداد أن يجاريها .دخلا غرفة النوم وضمته الى صدرها وقالت :

– الآن أنا فخورة بك يا حبيبي !
وعلت الصرخات والآهات.وبعد ساعة دخلا الحمام وأخذا دشا دافئا وحضرت نيشكا طعام العشاء بنفسها وخرجت معه الى بيوت المستعمرة التى أصبحت مكتظة بالسكان.

كان الجو في المستعمرة مكهربا فالمستوطنون السوفييت خائفون غاضبون على أوضاعهم المعيشية القذرة.
– ما هذا يا سيد جونين ؟ أين العسل واللبن؟

ذهل جونين لسماع ذلك ولم يستطع الإجابة على هذا السؤال ، ولكن نيشكا تدخلت بطريقة همجية وقالت :
– أسمعوا أيها المهاجرون ! عليكم أن لا تتوقعوا أن الطريق أمامكم مفروشة بالورود ! عليكم التسلح بالأمل فهناك بصيص في نهاية السرداب المظلم وربما تصعب رؤيته في الوقت الحاضر!
– سيد جونين ماذا تقول هذه المرأة؟
أراد جونين أن يجيب ولكنها أشارت عليه بالصمت وقالت بنفس طريقتها السابقة :
– ما الذي تريدونه بالضبط ! كنتم في روسيا لا تجدون لقمة الخبز وأما في اسرائيل فإنكم تشبعون
لم يتحمل جونين هذا الكلام لأنه إعتبره إهانة له قبل أن يكون لمواطنيه المهاجرين فقال:
– يبدو أن نيشكا قد نسيت أننا ضحينا بأشياء كثيرة في سبيل الهجرة الى اسرائيل.
أحست نيشكا بالحرج لأنها جرحت كرامة عشيقها جونين فأرادت أن تعتذر لكن النقاش قد أتسع وإختلط الحابل بالنابل.
خاف جونين من تطور الوضع وأن يكون ذلك سبب عدم سفره فآثر الإنسحاب مع نيشكا.
– نيشكا ما الذي فعلتيه بحق الرب؟
– لم أفعل شيئا ، وعليهم أن يفهموا أن التضحية مطلوبة!
– لقد ضحوا !
– ليس كفاية!
كان الغضب مسيطرا على جونين بسبب موقف نيشكا وأراد أن يفجر الموقف معها لكنه تريث وآثر أن تمضي هذه الليلة على خير .
حاولت نيشكا الاعتذار ولكنه لم يقبله فنام غاضبا . وعند الصباح نهض جونين مبكرا ليجد نيران اللهب تلتهم مستوطنة كيلا . وعلى الفور أسرع الى سيارة نيشكا وأدار محركها وتوجه الى تل أبيب بأقصى سرعة . وبعد ذلك توجه الى مطار اللد حيث قاعة المغادرة مكتظة بالمسافرين الذين كان أغلبهم من المهاجرين السوفييت . أخذ جونين يجول بنظره بين المسافرين عله يجد أحدا يعرفه فلم يفلح.
فصعد الى الطائرة وإذا بسانتا جالسة في أحد المقاعد.

– أهلا بك يا جونين.
– أهلا سانتا .
– لماذا تأخرت ؟
– المسافة بين كيلا والمطار بعيدة.

طارت الطائرة وأحس جونين بالراحة وأخذ يعبث بمفاتن سانتا التى كان قد إلتقاها في أحد فنادق تل أبيب.

كانت الرحلة شيقة بالنسبة لجونين .وما أن هبطت الطائرة في أول مطار

بالولايات المتحدة حتى سارع الى فرع البريد في المطار وأرسل برقية الى بنيامين قال فيها:

شكرا لنيشكا! شكرا لبنيامين! شكرا لاسرائيل! لن أعود إليكم.

جونين -كيلّا

إنتهت

الكويت
كانون أول 1992 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

اللهث وراء دمعة

عبد الجليل ولد حموية * شربتُ قنينة ماء تنفيذا لتعاليم مقال علمي، مضمونه عدم القدرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *