ثقافة السرد

رَحِيْقُ الجُمَّيْز**

بقلم/ فكري داود*

الجميز يقرُص البطن يا ولد.
– يقول جدي -.
إياك وأكله على اللحم، يعني وأنت على لحم بطنك…، فاهم؟
– هكذا يُكمل محذرا –

تجري بي قدماي، فوق خط الجسر الرفيع، الموازي للنهر يسارا، والفاصل بينه، وبين أرض منخفضة يميناً، يوازي انخفاضها تقريباً، انخفاض منسوب الماء.
تتبادل خطواتي الجري، متخطية على الجانبين، بقايا أعواد البوص، منزوعة الشواشي الخضراء، بفعل بهائم الطريق، وسجادة الحشائش الرفيعة الخشنة، أركل دون قصد، بعض ضفاضع مخضرة الهيئة، أو فئران عابرة، أو…
على حافة الشاطيء بين البوص، تتباعد شجيرات من كازوارينا أو توت، وصفصافات تتعمد جذوعها الميل صوب الماء.
إلى البقعة المقصودة – والمأهولة – أصلُ؛ بعض حجرات منفصلة متقاربة، أو متصلة، قوامها طوب أخضر، لم تزره الحُمْرة، وأسقُف هزيلة، من فروع وجريد نخل، يعلوها قش وحطب و…
وسط البقعة المأهولة، وبالقرب من البئر، تقبُع الجميزة العتيقة، متضخمة الجذع، مترامية الفروع.
إلى البئر ينزل خرطوم ماكينة الري، يعلو صوتها مثيرة غبرة من الدخان، فتبدو كحيوان أسطوري، تسحب ماء البئر، لِتَصُبَّهُ في مجرى طينيّ قديم، يسير متلوياً، مُتَسَحِّباً بين الحقول القريبة، كثعبان ثمل.
على خُطاي يحثُّ الرفاقُ الخَطَو.
صعوبة كبيرة تصيب قدرتنا، على التفريق بين أسماء، وهيئات صغارٍ يصعب حصرهم، يخرجون كديدان عملاقة، من الحجرات الواطئة…
قال جدي ذات مرة:
حتى آباؤهم وأمهاتهم، يصعب لأي غريب عن البقعة، التفريق بينهم، فلا تُعرف امرأة مَن مِن الرجال هذه، أو رجل مَن مِن النساء هذا …
تباين كبير يعتري النساء، سواء في الأحجام أو الأطوال، أو حتى السِّحْنَات وألوان البشرات، فيما يحتل النحول والسُمرة كل الرجال، فيبدون وكأنهم رجل واحد، محروق الجلد، جاحظ العينين، تم استنساخه على عَجَلٍ.
تشذ البنت زينة، عن جنس البنات، والآباء والأمهات؛ طول ممدود، ووجه كوجه بِرَام لبن رائب، وحبتان من برتقال صغير، فوق صدرها ترتجفان، عند كل قفزة لها، كرجفات حبَّات الجميز أول نضوجها، إذا ما لفحتها نسمة هواء، جريئة بعض الشيء.
خبطاتٌ لطيفة تروح وتجيء، داخل قفص صدري, حال وقوع عينيّ، على حبتي برتقالها، إذا ما زارتهما الرجفات، وعلى حبتي عينيها الزرقاوين، المسكونتين بموج البحر، …، ألمح – أو هكذا أتصور -، حُمرةً خَجْلَى، تسري تحت بشرتها البيضاء، فيصيب اللسان عجزٌ عن الكلام.
في وجوه كل ساكني المكان، لا يغيب صنيع شمس الغيطان، وثمة تساؤل ما يبدو صعبا:
من أين جاءت البنت زينة بتلك الملامح؟
و…
وكيف أمكن لهذه الكتل اللحمية من الصغار، العيش داخل تلك الجحور؟

على جذع الجميزة العتيقة، تحاول أقدامنا الصعود، بصعوبة بالغة يتحقق المراد، ينطلق كلُّ منا إلى فَرْعِة، ذلك الذي تمت تسميته، إبَّان الزيارات الأولى للجميزة.
حبَّات الجميز خضراء متباينة الأحجام، على جسد كل فرع تنتشر، تقتطف بعضها الأيدي، نقاط بيضاء كلبن لزج ينداح، من موضع فصل الحبة عن أمها، وكأنها دمعات ساخنة على فراقهما، الذي بات أبدياً، يلامس لساني ذلك الموضع، الناشع بالنقاط لبنية اللون، يرتد لساني سريعا إلى فمي, كطائر أفزعته مفارقة العش، مرارة شديدة تحتل طرفه، إثر ملامسته للنقاط.
يطول الانتظار، مزيد من الحبَّات الخضراء، يزيد الانتشار حول أجساد الفروع، دون أن تتنازل الحبَّات القديمة، عن حقها في استمرار الاخضرار، طعم الحبات به (مزازة)، يمكن للأفواه استساغتها لوقت قصير، سرعان ما تتبدد، ويحل محلها المِلال.
– قال جدي:
اختم الجميز يا عبيط.
– أختم؟!
– نعم اختم.
– كيف؟
– بحد سكين صغير، أو موسى، أو حتى مسمار.
– انفتح فاهي فتح البلهاء.
– أضاف دون نفاذ صبر:
اجرح يا ولد، اجرح الثمرة، و…
واتركها لأيام أو لأسبوع و …
– ثم…؟
– ثم لا شيء يا ولد.
اختم أولاً وأنت تعرف.

فوق خط الجسر الرفيع، يأخذني التقافز بين الرفاق، إلى بقعة سكن المتشابهين نصل، إلى الفروع نتطاير، كريش في مهب الريح، ختَمَ الولد حلمي بحد موسي قديم، وختم عادل بسن (قرن الغزال) الخاص بأبيه، فيما اتخذتُ من ظُفْر إبهامي، خاتما لا شبيه له.
للعبة آدابُها، فلا يعتلي أحدُ فرع رفيقه، تحت أي ظرف، تماما كما هو الحال، في مسألة البنات، فلا أحد يرمي نظرة، نحو بنت رفيقه، أي محبوبته، أو يحاول الاقتراب – هذا عُرف اللعبة -.
لم يُقلع بعد صندوق صدري، عن دقه المضطرب، عند كل رؤية للبنت زينة، وثمة تطور غريب، طرأ على هذا الدق، إذ امتد حدوثه، ليشمل أيضاً أوقات التَّذَكُّر، أو مرور اسمها على طرف أي لسان.
وماذا بعد؟!
وماذا بعد أيضاً فيك أيها الفرع ؟ – فرعي –
للمرة الثالثة، وبعد كل ختمة، لم يقع بصري على…

يمر اليوم في إثر اليوم، يستحيل لون ثمرات الجميز، على فروع الأصدقاء إلى ورديّ، يخالطه لون البرتقال، مع كِبَرٍ ملموسٍ في الحجم، وطراوة في البدن، وداخل الأفواه تصب الثمرة رحيقا مختوما، كالعسل هو أو التين الناضج.
وماذا بعد؟!
ماذا دهاك أيها الفرع – فرعي -؟
منذ أيَّام، وعقب آخر خَتْمة لي، لم يقع بصري على أية ثمرة.
أين ذهبتْ الثمرات، بخاتم ظُفري المميز؟
أكياس الرفاق ملأى بثمارهم، ليس بينها ثمرة واحدة، من ثمرات فرعي، يخلّف الختم بعد بضعة أيام خدشا مميزا، تميزه آلة الختم وطريقته، يظل الأثر كنُدْبَه في الخد، يشي بكيفية حدوثه.
في داخلي غَليُ الماء، مِرْجَلي يوشك أن يُفَجِّر إناءه،…
راحت عيوني إلى الرفاق، خواتمهم المميزة داخل أكياسهم، شاهد على براءتهم، إلى صغار البُقعة المأهولة تحوّل نظري؛ شعورهم منفوشة، خرقهم على أجسادهم بالية، عيونهم متسخة، يسكنها جبن مَن لا يقوى، على اعتلاء فروعنا، ها هي آلات الختم في جيوبنا، وعصي من غاب الستار شبيه الخيزران بأيدينا…
بداخلي قدر هائل من التفجير، و رغبة عارمة في الانتقام، نُذر شر تلوح لهم …
و لماذا فرعي؟
رمت أبصارهم نظرات وجِلة نحوها، نحو زينة.
ثمة عودة للخفقات والخفقان، كاد سؤال لاإرادي ينفلت:
أنتِ يا…؟
اعتراها صمت مُحَبَّب.
كررت عيناي دون كلمة:
أنتِِ…؟
هزهزت رأسها في رفق، وكأنها تقول:
ومن سواي تعتريها الجرأة، يعتريها الحب، حُب جميزات فرعك الناضج؟!
نسمهً باردة، هَبَّتْ على أديم الأرض، تهللت أسارير كل الطيور، و الزروع، سلَّمْتُ ظهري لعينيها، وتبادلتْ قدماى (الرَّمح)، فوق جسر العودة الرفيع، فيما يُراقِصُ عصفورُ قلبي حمائمَ الحنين.
——-
*قاص وروائي وباحث مصري.
** الجميز: شجرة عشوائية تكثر بريف مصر، تنتج ثمارا موسمية لذيذة، تشبة التين.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق