قراءات ودراسات

تسمـــيات الأمازيغييــــن

د. جميـــل حمداوي

المقدمــــة: عرف سكان شمال أفريقيا بتسميات عدة، واختلف حولها الباحثون والدارسون، خاصة حول سبب تلك التسميات، ومن أطلقها على تلك الساكنة. ويعني هذا كله أن أهل تامازغا هم أكثر الأقوام الذين أثاروا الكثير من الأسئلة الإثنوغرافية، والتاريخية، والجغرافية، والثقافية، والدينية، فألفت فيهم كثير من الكتب والدراسات والمؤلفات والمقالات التي تتناول مختلف تجليات الحضارة التي عرفتها تامازغا قديما وحديثا، في مختلف مجالات الحياة، وعلى جميع الأصعدة والمستويات.
إذاً، ما أهم التسميات التي أطقت على سكان شمال أفريقيا؟ و من هم الذين أطلقوها؟ و ما سبب تلك التسميات؟ وما دلالاتها اللغوية والتاريخية والإثنية؟ هذا ما سوف نستكشفه في موضوعنا هذا.

المبحث الأول: تسميـــات الأمازيغييــن

أطلقت تسميات عدة على سكان شمال أفريقيا ، فهناك من سموهم بالبربر، أو الأمازيغ، أو الموريين، أو الأفارقة، أو الليبيين، أو الجلوتيين، أو النوميديين… ويمكن تتبع هذه التسميات على النحو التالي:

المطلب الأول: البــــربـــر

يعد اسم البربر أكثر اقترانا بساكنة شمال أفريقيا، واختلف الدارسون في هذا المصطلح بين العلماء العرب والغربيين. وقد قيل: إن مصطلح البربر، أو بارباروس (BARBAROS) ، أطلقه اليونان على الأجانب، بما فيهم اللاتين وساكنة تامازغا. ثم أخذه الرومان ، فأطلقوه على ساكنة شمال أفريقيا الذين هم خارج نطاق الروم. ومن ثم، لاتقتصر دلالة البربر على الأجنبي فقط، بل تحمل أيضا دلالة قدحية، فهي تدل على الهمجي والمتوحش والعنيف من جهة، وتدل كذلك على الذي يتكلم كلاما غريبا مبهما وغير واضح من جهة أخرى.
و” يعتقد بوسكي (Bosquet) أن الكلمة من أصل لاتيني وتعني (Barbarus) .أي: الشخص الذي لا ثقافة له، والذي ينتمي إلى مجموعة مختلفة من الشعوب المتخلفة التي كانت تعيش خارج نطاق روما.على أن البربر إنما يسمون أنفسهم بالأمازيغ .أي: الأحرار.”
ويقول شارل أندري جوليان(Julien)، في كتابه(تاريخ شمال أفريقيا)، “لم يطلق البربر على أنفسهم هذا الاسم، بل أخذوه من دون أن يروموا استعماله عن الرومان الذين كانوا يعتبرونهم أجانب عن حضارتهم، وينعتونهم بالهمج ((Barbari))، ومنه استعمال العرب كلمة برابر وبرابرة ( مفرد بربري)”.
وقد حافظ العرب على هذا الاسم، كما استعمله الروم ، في أثناء فتوحاتهم لبلدان شمال أفريقيا. وبعد ذلك، تبناه الدارسون الأوروبيون في أبحاثهم ودراستهم، وأخص الكولونياليين والمستمزغين منهم، فكانت دراساتهم تحمل اسم (Berbère). ثم، جاء الدارسون العرب المحدثون والمعاصرون، فاستعملوا المصطلح نفسه بالدلالات نفسها، أو بدلالات بحثية محضة.
ومن جهة أخرى، يرى ابن خلدون أن أول من أطلق اسم البربر هو أفريقش بن قيس بن صيفي حينما غزا شمال أفريقيا، فوصف به جماعة من القوم تتكلم كلاما أعجميا مبهما غير واضح؛ حيث تختلط فيه الأصوات، ولا تكاد تبين . وفي هذا الصدد، يقول ابن خلدون:”إن أفريقش بن قيس بن صيفي، من ملوك التبابعة، لما غزا المغرب وإفريقية، وقتل الملك جرجيس، وبنى المدن والأمصار، وباسمه زعموا سميت إفريقية لما رأى هذا الجيل من الأعاجم، وسمع رطانتهم، ووعى اختلافها وتنوعها تعجب من ذلك، وقال ما أكثر بربرتكم، فسموا بالبربر، والبربرة بلسان العرب هي اختلاط الأصوات غير المفهومة. ومنه يقال بربر الأسد إذا زأر بأصوات غير مفهومة. وأما شعوب هذا الجيل وبطونهم، فان علماء النسب متفقون على أنهم يجمعهم جذمان عظيمان، وهما برنس ومادغيس ، ويلقب مادغيس بالأبتر. فلذلك، يقال لشعوبه البتر، ويقال لشعوب برنس البرانس، وهما معا ابنا بر، وبين النسابين خلاف هل هما لأب واحد، فذكر ابن حزم عن أيوب بن أبي يزيد صاحب الحمار أنهما لأب واحد على ما حدثه عنه يوسف الوراق، وقال سالم بن سليم المطماطي وصابى بن مسرور الكومي وكهلان بن أبي لووهم نسابة البربر أن البرانس بتر، وهم من نسل مازيغ بن كنعان، والبتر بنو بر بن قيس بن غيلان ، وربما نقل ذلك عن أيوب بن أبي يزيد، إلا أن رواية ابن حزم أصح؛ لأنه أوثق. (وأما) شعوب البرانس، فعند النسابين أنهم يجمعهم سبعة أجذام ، وهي أزداجة، ومصمودة، وأوربة، وعجيسة، وكتامة ، وصنهاجة، وأوريغة، وزاد سابق بن سليم وأصحابه لمطة، وهسكورة، وجزولة…”
وقد أورد محمد الشطيبي، في كتابه (الجمان في مختصر أخبار الزمان)، أن أفريقش الحميري هو الذي أطلق اسم البربر على سكان أفريقيا، ويدل هذا الاسم على التوحش في البراري، علما أن البر يدل على اليابسة. وقد يطلق هذا الاسم على بر بن قيس غيلان. وقد قال الطبري: « لم يشك أحد أنهم من بقايا العماليق، ولما ساقهم أفريقش الحميري بأمر نبي الله داود سموا البلاد التي سكنوا بها باسم الذي ساقهم إليها، فلما رآهم أفريقس تبربروا، صار يقول:

تبربرت كنعان لما سقتها ​من بـلاد الضنـك للخصب العجيب
إلى أرض سكنوها ولـقـد ​فازت البربر بالعيش الخصــــــب»
وقال الإمام أبو عمر بن عبد البر صاحب التمهيد في كتاب الأنساب: «البربر من القبط، والقبط هو ولد قبط بن حام بن نوح عليه السلام، أول ما نزل قبط بن حام مصر، وأورث بها بنيه، وهم القبط التي كانت ملوكهم الفراعنة، ومنهم تَنَسَّلَت البربر». وأما تسميتهم البربر، فذلك لما صار ملك مصر لقيس غيلان، كان له ولد يسمى بر فخرج مغاضبا لأبيه وإخوته إلى ناحية المغرب، فقال الناس بربر. أأي: توحش في البراري، فسموا بربرا. وقد ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم في بعض أحاديثه فقال : { إن لي أنصارا، فأنصاري الذين أووا ونصروا، وأنصار ذريتي البربر الذين يأوون ذريتي ويكرمونهم}. وقد كان من جدودهم من يوصيهم بإتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم كالنعمان الحميري، فإنه سكن بالمغرب أربعة عشر ولدا من بنيه وقال : سيبعث نبي كريم اسمه محمد، فآمنوا به ، واتبعوه.
وكذلك قيس غيلان أوصى ولده برا بذلك، ولم تزل الأكابر يتفاخرون بجدهم قيس وببر، ويرون لأنفسهم الفضل بذلك…
ولما كان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واستفتحت مدينة مصر، وكان عليها عمرو بن العاص، فقدم عليه ستة نفر من البربر، محلقين الرؤوس واللحى، فقال لهم عمرو بن العاص : ما الذي جاء بكم؟ قالوا: رغبة في الإسلام، لأن جدودنا قد أوصونا بذلك. فوجههم عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وكتب له عمرو يخبره بما قالوا، فلما وفدوا عليه، وهم لا يعرفون لسان العرب، كلمهم الترجمان على لسان العرب، وقال لهم: من تعرفون؟ فقالوا: نحن بنو مازيغ، فقال عمر لجلسائه: هل سمعتم قط بهؤلاء؟ قال شيخ من قريش: يا أمير المؤمنين، هؤلاء البربر من ذرية قيس غيلان، لما خرج مغاضبا عن أبيه وإخوته، قالوا: بربر .أي: أخذ في البرية؛ فقال لهم عمر: وما علاماتكم في بلادكم؟ قالوا: نكرم الخيل، ونهين النساء، فقال لهم عمر: ألكم أعلام تقتدون بها ؟ قالوا لا، فقال عمر: والله لقد كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه، فنظرت لقلة الجيش وبكيت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر، لا تحزن، فإن الله سيعز هذا الدين بقوم من المغرب، ليس لهم مدائن ولا حصون ولا أسواق ولا علامات يقتدون بها في الطرق. ثم قال عمر: فالحمد لله الذي مَنّ علي برؤيتهم. ثم أحسن لهم عمر وأكرمهم وأجزل حوائجهم، وقدمهم على من سواهم من الجيوش القادمة إليهم، ثم كتب إلى عمرو بن العاص أن اجعلهم على مقدمة المسلمين. وكانوا من أفخاذ مختلفة شتى، ولم يزل المغرب للبربر من أول الزمان إلى آخره، وهو من بحر القُلزُم الخارج من بلاد اليمن إلى بحر الخزر إلى براري السودان .”
ويلاحظ أن التفسيرات” التي ذهب إليها بعض المؤرخين العرب متكلف، ليس له ما يثبته بالاستدلال والمنطق. إن كل ما روي من الأشعار العربية في موضع نسب البربر وإلحقاهم بقائل العرب، من مضرية وقحطانية، لم يكن مبنيا على معرفة مضبوطة؛ وإنما كان صادرا عن رغبات سياسية كانت تراود نفوس العرب والبربر معا.”
وهكذا، تحمل كلمة البربر ، في متخيل ساكنة شمال أفريقيا، دلالات قدحية؛ إذ تحيل هذه الكلمة على الجهل، والتوحش، والتطرف، والتخلف، والهمجية…لذا، يفضل هؤلاء كلمة الأمازيغ، ويستعملونها بدل كلمة البربر.

المطلب الثاني: الأمــــازيــغ

يعتز سكان شمال أفريقيا بهذا الاسم الذي يعني الأحرار. وإذا كانت كلمة البربر قدحية بامتياز، تدل على المتوحش والهمجي والمتخلف، فإن كلمة الأمازيغي تعني الحر الذي لا يقبل الذل، ولا الضيم، ولا المهانة. ومن ثم، فإن كلمة إيمازيغن جمع لكلمة أمازيغ، ومؤنثه تامازيغت، وتدل هذه الكلمة على الأنثى واللغة معا. ويلاحظ أن الزاي يسكن عند الطوارق، ويقلب إما هاء، وإما شينا، وإما جيما، فيقال: أماهغ عند الطوارق الجزائريين، أو أماجغ عند طوارق النيجيريين، أو أماشيغ عند طوارق مالي. علاوة على ذلك، فكلمة (أمازيغ) اسم فاعل، وهي صيغة نادرة، ولم يشتق منها سوى بعض الكلمات القليلة جدا، وهي من فعل (يوزغ) ، بمعنى الغزو والإغارة عند الطوارق.” ويرى بعض اللغويين أن (أمازيغ) مشتق من فعل آخر اعتبروه مماتا في اللهجات كلها، قد يكون هو الفعل(إزيغ) ، أو الفعل(يوزاغ)؛ وهو افتراض انبنى على الخلط بين ثلاثة أفعال أخرى، هي (ياغ) بمعنى أصاب أو اعترى؛ و(ياغ) أو (يوغ) بمعنى أخذ، أو نال، أو سقط، أو اشتعل، أو أضاء؛ و(يووغ) بمعنى رعى في معنى انتجع.وعلى أي حال، (أمازيغ) اسم مشرب معنى النبل والشهامة والإباء، سواء في المغرب أم عند الطوارق.قد يكون ذلك ناتجا من مجرد الاعتزاز بالنفس، من قبل إمازيغن، لأن الشعوب تتخذ عادة أنسابها عنوانا للعزة والمناعة؛ وهو ما نعتقده.”
فضلا عن هذا، فقد ارتبط اسم الأمازيغ بساكنة شمال أفريقيا منذ القديم، فقد كان هذا الاسم يتردد على ألسنة المصريين الفراعنة الذي كانوا يستعملون ( ماشوش) بإبدال الزاي شينا، ثم عرفوا عند اليونانيين والرومان بمازيس، وماكسيس، ومازاكس، ومازيكس، ومازاسيس…وفي هذا الإطار، يقول محمد شفيق:”تسمية البربر أنفسهم بإمازيغن ضاربة في القدم، وبها عرفهم أقدم المؤرخين، وعرفهم بها أقرب جيرانهم إليهم، وهم المصريون القدماء، مع تحريف لاسمهم في النطق، ثم في الكتابة ، له مبرراته اللغوية. كان المصريون القدماء، في عهد راعامسيس الثالث، يسمونهم (ماشوش)؛ لأن اللغة المصرية، في ذلك الوقت، كانت تقلب الزاي شينا، والغين شينا أيضا، بعد قلبه خاء، وتفصل في الكتابة بالواو (بواو فارقة) بين الحرفين المتجانسين.وقد ذكر المؤرخ اليوناني هيكاتايوس(HEKATAIOS) إمازيغن في القرن السادس قبل الميلاد باسم (مازييس/MAZYES)، وذكرهم هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد باسم (ماكسيسMAXYES/).أما المؤرخون اللاتينيون، فقد أوردوا الاسم نفسه محرفا إلى (مازاكس/MAZIKES)، وهي أسماء جموع بمعنى واحد، أطلقوها على الشعب النوميدي.”
واليوم، قد انتشرت كلمة الأمازيغ بين سكان شمال أفريقيا انتشارا كبيرا، وتقترن لغتهم بهذا الاسم، فتسمى باللغة الأمازيغية. ويرى شارل أندري جوليان (C.A.Julien) أن “اليوم، لا يعرف عامة الناس أن المغرب الأقصى والجزائر وتونس آهلة بالبربر، ويعمدون إلى تسميتهم عرب. أما الأهالي، فكثيرا ما كانوا يسمون أنفسهم أمازيغ (مؤنثه تمازيغت، وجمعه أمازيغن)، ومعناه ” الرجال الأحرار”، ثم ” النبلاء “. وقد أطلق هذا الاسم على قبائل عديدة قبيل الاحتلال الروماني”.
وعلى العموم، فقد استبدل سكان شمال أفريقيا كلمة (البربر) التي تستفزهم ثقافيا وحضاريا وإنسانيا ووجدانيا بكلمة تنضح فخرا وعزا وشهامة، وهي كلمة (الأمازيغ) التي تحيل على الحرية، والشجاعة، والنبل، والتحدي…

المطلب الثالث: الليبيـــون

أطلق اسم الليبيين على الأمازيغ، خاصة من قبل المؤرخ اليوناني هيرودوت، كما يتبين ذلك جليا في كتاب (أحاديث هيرودوت عن الليبيين (الأمازيغ)) الذي حققه الدكتور مصطفى أعشي. ولا يقتصر هذا الاسم على ليبيا فقط، بل يعني منطقة شمال أفريقيا كلها ، تلك المنطقة التي تمتد من النيل شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، ثم القارة الأفريقية جنوبا. وبالتالي، فقد كانت ليبيا مميزة عن مصر، والفاصل هو نهر النيل. ويقول هيرودوت:” أتعجب من الناس الذين يوزعون الأرض إلى ثلاثة أقسام: ليبيا، وآسيا، وأوروبا، ويدققون حدودها. الاختلافات بين هذه الأقسام الثلاثة ليست صغيرة ، فمن ناحية الطول، فأوروبا تعادل القارتين معا؛ لكن من ناحية العرض، فيبدو لي أنه لايجب أن نقارن بينهما.ومن المؤكد أن ليبيا محاطة بالمياه، باستثناء الجهة التي تلتقي فيها مع آسيا.”
وفي مكان آخر، يقول هيرودوت:” لقد استعرضت الليبيين الرحل الذين يسكنون على طول ساحل البحر.أما جنوبا. وفي داخل الأراضي، فتوجد ليبيا الحيوانات البرية، وخلف هذه المنطقة يوجد طوق رملي يمتد من طيبة بمصر إلى أعمدة هرقل، تنتصب على امتداد كل مرحلة من عشرة أيام من المشي، تلال ضخمة من الملح. وعند قمة كل تل، ينبع وسط الملح عين بارد عذب يعيش حوله الناس.وهؤلاء الناس هم الأخيرون الذين نلتقي بهم من جهة الصحراء خلف أرض الحيوانات البرية.”
ويبدو لنا أن لفظة (الليبيين) أقدم اسم أطلق على الأمازيغ منذ المرحلة اليونانية، وتضع الليبيين في مقابل المصريين، والأوروبيين، والآسيويين.
ولم تقتصر تسمية (الليبيين ) على هيرودوت فحسب، بل استعملها هوميروس في الأوديسا، وبوليبوس(Polybe)، وبيلينوس(Pline)، وفيرجيل(Virgile)، وسالوست(Saluste)، وغيرهم …
ويعني هذا أن الأمازيغ قد عرفوا قديما بالليبيين تارة ، أو بالأمازيغ تارة أخرى. وفي هذا السياق، يقول محمد شفيق:” وقد اختلط الأمر على المؤرخين الأول، ومنهم هيرودوت، فصاروا يسمون إمازيغن تارة باسمهم هذا، محرفا قليلا أو كثيرا، وتارة باسم ليبيا الدال في شعر هوميروس على الأراضي الممتدة من تخوم مصر القديمة، شرقا، إلى المحيط، غربا.ولما أنشئت المستعمرات الفينيقية على شواطئ أفريقيا الشمالية، وازدهرت ولفتت أنظار اليونان والرومان إلى الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، أخذ الكتاب الإغريق واللاتينيون يسمون الأمازيغيين عامة بالأفارقة ، ويصنفونهم إلى ليبيين ونوميديين وموريين، انطلاقا من الشرق، وانتهاء بالمغرب. وكان منهم من يخلط بين هذه الأسماء.”
ولايعني أن كلمة (ليبي) يونانية، أو رومانية، أو مصرية، بل هي كلمة أمازيغية محلية. وفي هذا السياق، يقول ميلود التوري:” وللتعليق على هذه الشواهد تقول بأن تداول تسمية ليبيا ومشتقاتها بين كتاب الشعوب التي تعرفت على سكان شمال أفريقيا منذ القدم لا يرجح أن المصريين أو اليونان – مثلا- هم الذين أطلقوا هذه التسمية عليهم، بل الأرجح هو أن للفظ ليبيا أصولا محلية.إذ إن الدراسات الأنتروبولوجية والسوسويولوجية دلتا على أن كل شعب يختار لنفسه تسمية جماعية، تترجم اعتزازه بالانتماء لعرقه، وافتخاره بأصالته.
في غياب الأدلة القاطعة – إذاً- على برانية اسم ليبيا لايسعنا إلا التسليم بانبثاقه من أرض بلاد المغرب.”
وعليه، ستظل كلمة (الليبيون) هي اللفظة الأقدم تداولا بين الباحثين فيما يخص ساكنة شمال أفريقيا. ويمكن أن تكون بمثابة مجاز مرسل أطلق على الجزء (ليبيا)، وأريد به الكل (أمازيغ شمال أفريقيا).

المطلب الرابع: الجيتــول

يعد الجيتول والليبيون من أقدم سكان أفريقيا الشمالية الذين ينتمون إلى عصر الحجر المنحوت، وأكثرهم سمر البشرة. فالجيتول(Gétules)، أو الجيتوليون (Gaetuli) قد سكنوا تمازغا في الفترة الزمنية القديمة، قبل القرن الثالث قبل الميلاد، وكانوا يهيمنون على أفريقيا وموريطانيا.ومن ثم، ينتمي الشعب الجيتولي إلى الحضارة القفصية، فقد سكن الصحراء الكبرى من شمال أفريقيا، ثم استقر بالجزائر.بيد أن هذه السلالة كانت غير معروفة بدقة في الكتابات التاريخية القديمة والحديثة والمعاصرة. بل يمكن الحديث عن مجموعة من القبائل الجيتولية ضمن الأسر الفرعونية الحاكمة في مصر. والجيتولويون هم الذين استقبلوا الفينيقيين إلى قرطاج. وينتمي شيشنق إلى هذه القبائل الجيتولية.ومن هنا، فالجيتوليون هم رعاة وجنود ورحل صحراويون، كانوا ينتقلون من واحة إلى أخرى بحثا عن الماء والكلإ والطعام ، وقد استعملوا الحصان في ترحالهم وأسفارهم وحروبهم على غرار المصريين. ويمكن الحديث عن جيتوليي أفريكا، وجتوليي نوميديا، وجيتولي موريطانيا. وقد حل الزناتيون محل هؤلاء الجيتول. ويرى سترابون (Strabon) أن الجيتول كانوا جيران الجرمانتيين (Garamantes) بليبيا.

المطلب الخامس: النوميديـــون

أطلق اسم النوميديين على الأمازيغ بصفة عامة، وساكنة الجزائر بصفة خاصة. ويبدو أن نوميديا لفظة بربرية الأصل، إلا أنها امتزجت قديما بكلمة نوماديس اليونانية التي تعني الرعاة الرحل. وتعني الكلمة أيضا تلك المنطقة التي تسمى بالجزائر، وتمتد من ملوية شرقا إلى ضواحي تونس غربا. وتعد سيرتا(قسنطينة) عاصمة نوميديا، وفيها دفن الملك الأمازيغي مسينيسا. وقد حكم هذه الإمارة كثير من ملوك البربر مثل: غايا، ويوبا الأول، ويوبا الثاني، وماسينيسا، وماسيبسا،ويوغرطة، وبطليموس…وتضم نوميديا قبيلتين كبيرتين هما: الماسيليون أو المازوليون (Massyles) في الشرق، والماساسيليس أو ماسايسولي (Massaesyles) في الغرب.
وهناك من يرى أن الفرس هم الذين تحولوا إلى النوميديين الأمازيغ؛ حيث سكنوا الجزائر، بعد أن نزلوا من أوروبا إلى شمال أفريقيا، بعد وفاة قائدهم الأسطوري هرقل، ” وعظمت قوة الفرس بسرعة، وقامت – بعد ذلك- جالية من الشباب تدعى بالنوميديين، أرغمتهم كثرة السكان على مغادرة بيوت آبائهم، فاحتلوا الأراضي المعروفة باسم نوميديا.وهي القريبة من قرطاج.ثم تعاون الشعبان القديم والجديد، فأخضعا بالقوة أو بالرهب البلدان المجاورة.واكتسبا ذكرا ومجدا، ولاسيما الذين تقدموا في ناحية بحرنا؛ لأن الليبيين كانوا أقل حبا في الحرب من الجيتوليين.وأخيرا، فإن القسم الأسفل من أفريقيا كاد يقع كله في قبضة النوميديين، فاتخذ المغلوبون اسم غالبيتهم، وذابوا فيهم.”
وهكذا، فالنوميديون هم ساكنة أمازيغية كانت تقطن مملكة نوميديا التي كانت تمتد من تونس غربا إلى نهر ملوية شرقا. وستقوم هذه المملكة بدور تاريخي هام إبان الرومان، وستكون معقلا للمقاومة والتحدي والصمود ، ولاسيما في عهد يوغرطة، وتاكفاريناس، ويوبا الأول…

المطلب السادس: الموريـــون

أطلق اسم الموريين على الأمازيغ بصفة عامة، وساكنة المغرب أو موريطانيا، بصفة خاصة، سواء أكنت موريطانيا قيصرية أم موريطانيا طنجية. ويعني هذا أن اسم الموريين كان يطلق على ساكنة المغرب الأقصى، وجزء من الجزائر الأوسط . وفي هذا، يقول محمد شفيق:” من المعلوم أن المغرب الأقصى، مع الجزء الأكبر من المغرب الأوسط، كان يعرف بهذا الاسم لأول مرة، فأخذه عنهم الرومان ، وقالوا موريطانيا (MAURITANIA).وهنا، يجب لفت النظر إلى أن الاسم اليوناني (MAURUSIA) قريب من حيث مادته اللغوية من الفعل الإغريقي ماورسو (MAURSO) الذي معناه أظلم.فهل معنى ذلك أن اليونان كانوا يقصدون بماوروسيا أرض الظلمات، لأن الشمس تغرب فيها بالنسبة إليهم؟ وهل لذلك علاقة بما كان العرب يسمونه بحر الظلمات ؟ هذان سؤالان يستحقان أن يبحث عن جواب لهما.أما الجزء الشرقي من المغرب الأوسط ، وما يليه من غربي تونس الحالية ، فكان يسمى نوميديا (NUMIDIA) .وكانت الأراضي المحاذية للشاطئ المتوسطي شرقا وشمالا تسمى أفريقا (AFRICA) ، والنسبة إليها في اللاتينية هي آفر (AFER) المجموعة على أفري (AFRI)، فيما يهم الأناسي، وأفريقانوس (AFRICANUS) أو أفريقوس(AFRICUS)…”
ويذهب كوتيي(Gautier) إلى أن الأهالي الوطنيين في العصر القرطاجني يطلقون على أنفسهم لقب الموري(Mauri). أي: المغاربة، أو البربر(Barbari)، بينما يطلق المؤرخون اللاتين على الأهالي الخاضعين لقرطاجنة اسم الأفريقيين (Afri).
وقد أطلق اليونان علي جميع أهالي إفريقيا الشمالية أو الليبيين ” اسم قوم كانوا بين خليج سيرتا(Syrte) والنيل هم اللوبيون (les Libou) . واستعمل القرطاجيون والعبرانيون التسمية نفسها. وكذلك الرومان، فقد عمموا اسم ” الموريون ” على جميع سكان بلاد البربر، وكان الأول خاصا بسكان شمال المغرب الأقصى.”
ويعني هذا أن الموريين، في المرحلة الرومانية، هم سكان شمال أفريقيا ، خاصة ساكنة المغرب الأقصى وموريطانيا. وكانت منطقة الموريين تمتد من شمال المغرب إلى الشمال الغربي من الجزائر. وقد يكون أصل هذا المصطلح أمازيغيا أو أجنبيا. و” يقول البعض – حسب رواية سترابون- ” إن الموريين من الهنود الذين قدموا إلى ليبيا مع هرقل.وليس لدينا- يقول اصطيفان اكصيل- معلومات أخرى عن هذه الخرافة.ونحن على علم بما يجب أن يكون عليه رأينا في الدور المعزو لهرقل.أما الهنود فلاشيء يسوغ لنا الاعتقاد بأنهم ساهموا في تعمير شمال أفريقيا بالسكان.”
ويذهب المؤرخ سالوست(Salluste) إلى أن الموريين هم جزء من جيش هرقل الذي نزل بتامازغا، بعد مروره من إسبانيا. وكان جيش هرقل يتكون من الفرس، والأرمينيين، والميديين، وقد أسسوا لأنفسهم مواطن بتامازغا، بعد وفاة هرقل، واختلطوا بالساكنة المحلية، وشكلوا المجتمع الأمازيغي أو البربري. وفي هذا ، يقول سالوست:” كان سكان إفريقيا الأولون هم الجيتوليين والليبيين، وهم قوم غلاظ متوحشون، يقتاتون بلحوم الحيوانات المتوحشة أو بنبات المراعي كما تفعل القطعان، ولا يقفون إلا حيث يداهمه الليل.لكن بعد أن مات هرقل في إسبانيا- وهذا على الأقل رأي الأفارقة- فإن جيشه المتكون من شعوب متعددة لم يفتأ أن تفكك، لأنه حرم من قائده.فتجاذبه عدة خصوم، كل منهم يريد القيادة لنفسه.ومن بين هؤلاء ركب السفن الميديون والفرس والأرمينيون ، وذهبوا إلى أفريقيا، حيث احتلوا مناطق مجاورة لبحرنا…”
ومن ثم، أطلق الليبيون على الميديين اسم الموريين تحريفا. وفي هذا ، يقول أكصيل:” وقد حرف الليبيون اسم الميديين، فجعلوهم في لغتهم الباربارية على صيغة مور(Maures)” .
واليوم، يطلق الإسبان لفظة (الموري أو الموروس) على الأجانب، أو المغاربة، أو الأمازيغ، بإيحاءات قدحية تصب كلها في: الهمجي، والمتخلف، والمتوحش، والعنيف…

المطلب السابع: الأفارقـــــة

أطلق كثير من الدارسين والباحثين الغربيين، ولاسيما الكولونياليين والمستمزغين منهم، اسم الأفارقة على البربر أو الأمازيغ؛ لأنهم كانوا يسكنون شمال أفريقيا، أو منطقة تامازغا. بل يمكن القول :إن الرومان هم الذين أطلقوا مصطلح(الأفارقة) على الأمازيغ الذين يسكنون الشمال الشرقي من تونس، كما يذهب إلى ذلك شارل أندري جوليان، في كتابه (تاريخ شمال أفريقيا).
وقد وجدنا هذا المصطلح – كذلك- عند المؤرخين العرب، كما عند ابن خلدون الذي يرى أن أفريقش بن قيس بن صيفي الحميري هو الذي سمى بلاد تامازغا بأفريقيا. وفي هذا الصدد، يقول ابن خلدون:”إن أفريقش بن قيس بن صيفي، من ملوك التبابعة، لما غزا المغرب وإفريقية، وقتل الملك جرجيس، وبنى المدن والأمصار، وباسمه زعموا سميت إفريقية.”
ويرى ليون الأفريقي، في كتابه (وصف أفريقيا)، في أصل تسمية أفريقيا، “يسمى هذا القطر باللغة العربية إفريقيا، من الفعل فرق بمعنى فصل باللاتينية (Separavit).وهناك رأيان في أصل هذه التسمية، يعتمد الأول على كون هذا الجزء من المعمور مفصولا عن أوروبا وجزء من آسيا بالبحر المتوسط، ويذهب الرأي الثاني إلى أن هذا الاسم مشتق من أفريقش ملك اليمن الذي كان أول من سكن هذه البلاد، فلما لم يستطع الرجوع إلى مملكته، بعد أن غلبه الملوك الآشوريون وطردوه، اجتاز النيل مسرعا، ثم تابع سيره نحو الغرب، ولم يقف حتى وصل إلى ضواحي قرطاج. لذلك، نرى العرب لايكادون يعتبرون إفريقيا سوى ضاحية قرطاج نفسها، بينما يطلقون اسم المغرب على سائر أفريقيا.”
وعليه، تغيب كلمة (الأفارقة) ، تماما، ” في النصوص المصرية واليونانية والبونيقية .فأول من استعملها إبان القرنين الثالث والثاني ق.م كتاب لاتينيون من أمثال: بلوتوس وطيرانس(Terens)، وكأنه يذكر سكان بلاد المغرب بأصولهم الإفريقية. وبذلك، يبدو أن الرومان هم أول من أطلق هذه التسمية عليهم، وأن اسم أفريكا (Africa) نفسه اشتقوه من (Afer) للدلالة على التراب الذي طاله الغزو الروماني ، بعد سقوط قرطاج سنة 146ق.م..”
وعليه، لم تظهر لفظة (الأفارقة)، في بعدها التاريخي، إلا في كتابات الرومان، وكان هذا الاسم يطلق على سكان أفريقيا الشمالية المحاذين لساكنة الرومان، ولا يفصل الشعبين إلا حوض البحر الأبيض المتوسط الذي كان يسميه الرومان(ببحرنا).

الخاتمـــة:

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن سكان شمال أفريقيا عرفوا بتسميات عدة، وقد اختلف حولها الباحثون والدارسون، خاصة معرفة أسباب تلك التسميات، ومن أطلقها على هؤلاء السكان الأصليين، هل هي كلمات أمازيغية محلية أصلية، أم أن الأجانب هم الذين أطلقوا تلك التسميات على ساكنة تامازغا؟
وعلى الرغم من تضارب الروايات والآراء والأقوال بين الباحثين والمؤرخين، واختلاف وجهات نظرهم الشخصية والعلمية، فإن أفضل اسم تشبث به سكان شمال أفريقيا إلى يومنا هذا هو (الأمازيغ) . ويدل هذا الاسم على الرجل الحر ، أو الإنسان الشهم ، أو الشجاع النبيل الذي يحب الحرية ، ولا يرضى بالذل والعار والهوان . ودائما، يريد أن يعيش إنسانا كريما ، وعزيزا ، وسيدا في أرضه، ومن يعتدي على عرضه وشرفه، فسيلقى منه ما لا يرضاه، وما لا يحمد عقباه.

الهوامش:

-Bousquet : Les Berbères, Collection Que sais-je, P.U.F.Paris,1957.
-إبراهيم حركات:المغرب عبر التاريخ، الجزء الأول، دار الرشاد الحديثة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى 2009م، ص:19.
– شارل أندري جوليان: تاريخ شمال أفريقيا، ترجمة: محمد مزالي والبشير بن سلامة، دار التونسية للنشر والتوزيع، تونس، الطبعة الأولى سنة 1969م، ص:7.
– ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، الجزء السادس، دار الفكر، د.ت، ص:90-91.
– محمد الشطيبي: الأمازيغ (البربر) عبر التاريخ، تحقيق: الدكتور عبد الحفيظ الطيبي، رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2014م،ص:20-22.
– محمد شفيق:لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين، دار الكلام للنشر والتوزيع، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1989م، ص:16.
– محمد شفيق:لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازيغيين، ص:10-11.
– محمد شفيق:نفسه، ص:11.
– شارل أندري جوليان: تاريخ شمال أفريقيا، ص:8.
– هيرودوت: أحاديث هيرودوت عن الليبيين (الأمازيغ)، تحقيق الدكتور مصطفى أعشي، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2008م.
– هيرودوت: أحاديث هيرودوت عن الليبيين (الأمازيغ)، ص:33.
– هيرودوت: نفسه، ص:59.
– محمد شفيق:نفسه، ص:11.
– ميلود التوري: الأمازيغية والفينيقية، رباط نيت، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2009م، ص17.
– Gabriel Camps : Berbères : aux marges de l’histoire. Publié par Éditions des Hespérides, 1980. Page : 128
– Strabon : Géographie, XVII, 3, 19 .
– اصطيفان اكصيل: تاريخ شمال أفريقيا، ترجمة: محمد التازي سعود، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2007م، ص:266.
– – محمد شفيق:نفسه، ص:13-14.
-Gautier : Le passé de l’Afrique du Nord, ED.Payot, Paris, 1942.
– شارل أندري جوليان: نفسه، ص:8.
– اصطيفان اكصيل: تاريخ شمال أفريقيا، ص:270-271.
– اصطيفان اكصيل: نفسه، ص:265.
– اصطيفان اكصيل: نفسه، ص:266.
– شارل أندري جوليان: نفسه،ص:7.
– ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون، ص:90.
– ليون الأفريقي: وصف أفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1983م، ص:27.
– ميلود التوري: نفسه، ص:17.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق