ثقافة السرد

جميلة أنت كهدف في الدقيقة الـ90

بقلم: محمّد وليد قرين*

1
برد شديد ومطر غزير.
المطر يتساقط على ملعب 20 أوت بـبلوزداد. اسمي نبيل بنزيتون.أقف مع أصدقائي إسلام ومحمّد وسعيد في المدرج 2 مع جمع غفير من أنصار نصر حسين داي. تنطلق من حناجرنا هتافات مساندة لفريقنا. على يسارنا صوت الـكورڢا يدوّي بقوة. يغطي عنق العديد منا شال أحمر وأصفر، ألوان نصريتنا العزيزة.
الدقيقة 83. النتيجة 0-0. يبدو أنّ فريقنا سيجني (مرة أخرى) نقطة واحدة فقط. أرى مشجعين للنصرية (وعددهم قليل) يغادرون الملعب. أعتقد أنهم لا يريدون أن يكونوا شاهدين على تعادل آخر بعد سلسلة طويلة من التعادلات المخيبة جمعها فريقنا، كان آخرها 0-0 ضد اتحاد الحراش. على وجوه المغادرين علامات الخيبة.
تنطلق أغنية من الـكورڢا:
يا الپوليس، يا الپوليس
في الكورڢا نجي نحّي الدمّار (في المنعرج آتي لأفرغ بالي من الهموم)
لقد وضعنا هذا المساء جانبا همومنا ومشاكلنا الشخصية واليومية. اليوم انشغالنا واحد: مساندة فريق القلب.
تاريخ اليوم:الخميس 9 نوفمبر 2017.

2
بجانبنا مدرج أنصار مولودية العاصمة، الفريق الخصم. الـشناوة يهتفون بقوة. يغنّون جزءا من أغنيتهم “في سوق الليل”. الكورڢا ومدرجنا يرد فنهتف كرجل واحد:
ألي ألي، ألي ألي
الشبكة يا مِلاحة
ألي ألي، ألي ألي
الشبكة يا مِلاحة
الدقائق تمر بسرعة. بقي من الوقت ثلاث دقائق على نهاية المباراة. ألتقط صورا عن مدرجنا وعن الكورڢا بآلة تصويري. رايات صفراء وحمراء وأهازيج الـنهديست. المطر لا يزال يتساقط على لاعبي النصرية والمولودية. القلق والضغط يتصاعدان في المدرج الذي نجلس فيه. إسلام يخرج من جيب معطفه ثلاثة سجائر، واحدة له، الثانية لسعيد والثالثة لي. يشعل سيجارته ثم يناولني الولّاعة. ثم يأتي دور سعيد لإشعال سيجارته. محمّد لا يدخّن ولكنه يعلك العلك بسرعة. يطلب منا مناصران جالسان بالقرب منا الولّاعة. يناولها إسلام إيّاهما. ندخّن بتوتّر.
لا أدري كم من سيجارة دخنّا منذ انطلاق المباراة. نحن واقفين وأيدينا في جيوبنا. غربت الشمس. جو بارد يعض العظام يسود الآن.
يوجد مناصرون يطلقون عبارات السخط والشتائم على التمريرات السيئة الصادرة من لاعبينا أو يسبّون لاعبي المولودية. نحن كذلك نسب متحسّرين عندما يهذر أحد لاعبينا فرصة لوضع الكرة في شباك الخصم. اليوم يوم داربي عاصمي. في قرارة أنفسنا، نتمنّى، بل نريد شيئا واحدا فقط: الفوز!
3
الدقيقة 89. نحبس أنفاسنا. يبدو من خلال أدائه أنّ فريقنا لن يفوز اليوم. أدائه متوسط. ولكننا نتشبّث بالأمل. ألا تقول أغنية فرقة الألتراس داي بويز (الشوفينيون من مناصري نصر حسين داي)
“La bella storia (القصة الجميلة)
معها بدأت
يا انت الغالية
عندنا حكايات
قلبي يهواك
يا مونامور (حبّي)
يا پارتو (في كل مكان) معك،
يا جيسكوبو (حتى النهاية)!”
بطّالون، طلّاب، عمّال، متقاعدون، كبارا وصغارا. مساء اليوم كلنا، نحن اولاد الحمراء والصفراء، الحاضرين بملعب 20 أوت، وضعنا دروسنا بالجامعة أو عملنا أو التزاماتنا بين قوسين. هناك من جاء من لافارج، من حومة شولي، من غاريدي 1 أو من جولي ڢي، من حومة التشوالق، من بروسات، من حي البحر والشمس، من ليڢييي (المقارية)، من ڢوبان، من حي الشهيد عميروش، من سيتي مايا، من خرّوبة أو من دائرة بعيدة غرب العاصمة أو شرقها ممن تم ترحليهم. مضروبين على الـنصرية! قلبنا يهواها. يا جيسكوبو! حتى النهاية! رغم القلق، رغم السكّر الذي ينفثه فينا توتر اللقاء الكروي.
تفاهمت مع خالي لكي يسرّحني، استثنائيا، مساء اليوم. أعمل عنده كمصوّر في محله للتصوير بـلاپروڢال، بالـقبة، غير بعيد عن مسكننا بـجولي ڢي (المنظر الجميل). خالي، المناصر لـرائد شباب القبة، يعرف مدى حبي لنصر حسين داي.
ورثت حبّ التقاط الصور عن أمي وأبي، رحمهما الله.
إسلام معلم رياضة بالثانوية. محمّد يعمل في محل لبيع ألبسة للنساء وسعيد يملك محلا صغيرا لبيع التبغ والجرائد. باستثناء محمّد، جميعنا حاصل على شهادة ليسانس جامعية.
4
تفصلنا على الدقيقة الـ90 ثوان فقط.
من مدرجنا ومن الكورڢا لا نزال نطلق بحماس هتافات مساندة لفريقنا. أنصار المولودية لا يكفون كذلك عن تشجيع لاعبيهم بقوة.
ثم فجأة…نرى لاعبنا بولعويدات يجد نفسه وجها لوجه أمام حارس المولودية. يرفع بولعويدات الكرة فوق الحارس. الكرة تدور في السماء ثم تحط داخل شباك المولودية.
5
انفجار. انعتاق. تحرّر. انفجار الفرحة في مدرجنا وفي الكورڢا. صراخ كل أولاد الحمراء والصفراء. هبال. حالة من السعادة المجنونة. نصرخ كالمجانين. نتعانق أنا وإسلام ومحمّد وحتى مع جيراننا من محبي الملاحة.
روعة. هبال. روعة. بل إنها نشوة!
نصر حسين داي 1-مولودية العاصمة 0
الحمد لله يا ربّي! الحمد لله يا ربّي.
تنطلق من حناجرنا الأغنية، في آن واحد، وبصوت مرتفع:
يا الملاحة انت عمري
توجور فافوري (دائما المفضلة لدي)
يا اللي قلبي يهواك
كلنا واقفون في المدرجات وننشد حبنا للنصرية. شكون يحبّس الفيراج كي ينوض؟ من يوقف المدرجات عندما تستفيق وتنتفض؟ لا يوجد إنسان في الملعب يمكن إيقاف هذه القوة الخارقة التي نمثلها عندما نقف جنبا إلى جنب كالرجل الواحد. حتى عناصر البوليس المتواجدين بالملعب لا يستطيعون إيقافنا.
6
انتهت المباراة. لاعبو النصرية يتجهون نحو الكورفا لكي يحيّوها. نقفز من المدرج مبتهجين ونتجه نحن كذلك نحو الكورفا. ألتقط صورا عن المناصرين وعن اللاعبين. تنطلق مجدّدا من حناجرنا أغنية “شكون يحبّس الفيراج كي ينوض؟”. أشعر بالسعادة. ولكن الجميل هو أن السعادة ليست فردية اليوم بل إنّها جماعية. كلنا أنصار الملاحة نتشارك في سعادة النصر.
نأخذ سيلفي بهاتف الـسمارتفون أنا ومحمّد وإسلام وسعيد.
لقد تغلّب فريقنا على الشناوة. ويا له من نصر! حسين داي زاهية اليوم! حسين داي زاهية اليوم!

7
نحن خارج الملعب الآن. فرحتنا تتواصل في شارع بلوزداد. نغني ونهتف من أجل النصرية. البهجة تغمر قلوبنا. نحن حشد يتجه نحو محطة الطرامواي، بالـرويسو. ألتقط مزيدا من الصور.
ثمة شاحنات كثيرة تابعة للشرطة خارج الملعب. البوليس يرقبوننا عن كثب. يمشون على جناحنا الأيمن وعلى جناحنا الأيسر. ثمة العديد من الرجال (شبان وكهول)، سكان الحي أو عابري سبيل، ينظرون إلينا واقفين.
يستمر المطر في التساقط. أنصار المولودية يغادرون الملعب في صمت.
8
نشتري تذكرة الطرامواي من محطة الرويسو. قبل الركوب ندخّن سيجارة أنا وإسلام وسعيد على رصيف المحطة. يمتلأ الطرامواي بسرعة بأولاد الحمراء والصفراء. في هذه الساعة، يوجد القليل من النساء داخل الطرامواي.
ثمة العديد من الـنهديست قرروا العودة إلى الحومة مشيا على الأقدام.

9
يدخل الطرامواي شارع طرابلس. يجب ذكر أشجار هذا الشارع، أكسجينه الأخضر. لقد تم ترحيلها خلال أشغال إنجاز سكة الطرامواي. كان شارع طرابلس قبل ذلك كلّه بهيا بالأشجار المغروسة على طوله. أمّا اليوم فما عدا بعض الشجيرات، تم تجريد الشارع من ثوبه الأخضر.
رذاذ يتساقط على شارع طرابلس. نرى عبر نافذة الطرامواي أن الشارع شبه فارغ من المارة. أغلب المحلات مغلقة. المقاهي كذلك. تعكس الأعمدة أضواء شاحبة على الطريق. في ماض ليس ببعيد، قبل إنجاز سكة الطرامواي، كان شارع طرابلس حيّا يدب بحركة شعبية هائلة. وفي منتصف الستينات وفي السبعينات من القرن الماضي كان الشارع نقطة مرور إجبارية للوفود الرئاسية الأجنبية. فمثلا كنت قد شاهدت في فيلم وثائقي أنّ أحد سكان حسين داي القدماء يظهر، في شريط صوّره، الرئيس الراحل هواري بومدين رفقة الرئيس الراحل يوسيب بروز تيتو، في موكب رسمي مرّ من شارع طرابلس، بمناسبة الزيارة الرسمية للرئيس اليوغسلافي. اسم الفيلم الوثائقي “حنين إلى مدينة حسين داي” وأنجزه لطيف عليان بمساهمة محمّد نضال سبّاعي، صديقان لنا وابنا حسين داي. الواجب تجاه ذاكرتنا الجماعية. واجب التوثيق.
لكم مررت من شارع طرابلس رفقة المرحومة أمي والمرحوم أبي، الذي كبر في حسين داي، في سيتي مايا، حيث منزل جدّي وجدتي، أطال الله في عمرهما. أتذكر جيدا الحيوية والديناميكية اللتان كان يتمتع بهما الشارع، أكبر الشوراع في العاصمة. مطاعم السمك والمقاهي الغاصة سابقا بالزبائن. أتذكر لحظات تناول الغداء مع الأصدقاء، في الحديقة العمومية مقابل مقر الدائرة، خلال امتحانات الباكالوريا، التي امتحنتها في ثانوية عائشة، غير بعيد عن شارع طرابلس.
يا حسراه!

10
يمرّ الطرامواي الآن من أمام مبنى المرحومة الـصومپك، الشركة الوطنية لانتاج السميد والطحانة والعجائن الغذائية والكسكس. أقول المرحومة لأنّها لم تعد تعمل. لأنها مهجورة منذ سنين. تم غلقها في ثمانينات القرن الفائت، إثر قرار رسمي اتخذته السلطة الحاكمة آنذاك، في إطار بداية سياسة “الانفتاح على السوق الحرة العالمية “. أبي، رحمه الله، هو من أخبرني بذلك. حكى لي أنّ الـصومپك كانت عملاقا ضمن الشركات الوطنية الكبرى كما كانت مفخرة دائرة حسين داي في مجال الصناعة. كان المرحوم أبي أستاذا في الاقتصاد السياسي بجامعة الجزائر وكان يعتبر أنّ غلق الـصومپك بالإضافة إلى غلق العديد من الشركات الوطنية الكبرى كالـصونيپك (صناعة الأحذية والجلود) والـصونيتكس (صناعة المنسوجات والأقمصة) عمل يخدم بالدرجة الأولى الاستعمار الجديد للقوى والدول الكبرى ومن والاها من خدم محليين لهذا الاستعمار لأنه يبقي الوطن في وضعية تبعية اقتصادية تجاه الشركات الأجنبية. قال لي المرحوم أبي كذلك أنّ الاستقلال الاقتصادي للوطن (بما فيه تحقيق الاكتفاء الغذائي) لا يمكن أن يتحقق البتّة إن تم غلق مصانعنا العمومية، إن تم التخلّي عن التخطيط الفعلي للتنمية الاقتصادية الوطنية وتطوير الصناعة والزراعة. كان المرحوم أبي يقول لي كل هذه الأشياء بلهجة امتزجا فيها الغضب والحسرة. أشاركه الرأي والمشاعر. عدد كبير من سكّان حسين داي يشعرون بالغضب بسبب التصحر الصناعي والتصحر البيئي اللذان أصابا دائرة شعبية بأكملها.

11
ننزل أنا وأصدقائي في موقف مسجد طرابلس، رفقة مجموعة من أنصار الملاحة مثلنا. ما العمل الآن؟ نحن جائعون وبحاجة إلى قهوة. نقرر نحن الثلاثة الذهاب إلى مقهى المستقبل، بالقرب من المسجد. ندخل المقهى ونجلس إلى طاولة. المحل شبه ممتلئ بالزبائن. يتم التعليق بحماس على فوز النصرية. الوجوه مبتسمة مبتهجة. جهاز التلفاز مفتوح. حصة رياضية في قناة محلية خاصة تتحدث عن تفاصيل مباراة فريقنا ضد مولودية العاصمة. نطلب كوبان قهوة حليب، كوبا من الشاي، واحد كروكي، معاركتان، اثنان كرواسان، مبرجتنان وقارورة عصير الليمون.
إسلام يسمعنا فی هاتفه (من نوع سمارتفون)، أنا ومحمّد، أغنية من أجل الـملاحة (نصر حسين داي) لم نسمعها من قبل لا على اليوتوب ولا في المدرجات. هكذا تبدأ الأغنية:
أيا الأولاد هذه 90 دقيقة
وان شاء الله رابحين ديرو كوراج كبير
نحبّو الملاحة هذه هي الحقيقة
في الكورڢا زهينا وبقاو ليسوڢينير (الذكريات)
النيڢو (المستوى) طاح راهم يدّو ويجيبو
والمصلحة من زمان ما شي من اليوم
أنتيري كبير (مصلحة كبيرة) غير اللي يضرب لجيبه
وحياتنا كومبا (كفاح) الصفراء (نادينا المحبوب) هي السيروم (مصل الدم)
ليپرانسيپ (المبادئ) ديما عمركم ما تشرونا
وليد الصفراء فيدال (أمين) ماشي خدّاع…

12
غادرنا المقهى. إسلام وسعيد ركبا في الطرامواي. سوف ينزلان في محطة المقارية حيث يسكنان في عمارة. أنا ومحمّد اتخذنا طريق العودة إلى الحومة. محمّد ابن حومتي، في المنظر الجميل بالـقبة. نحن كذلك نسكن في عمارة.
نصعد حي عميروش بالتجاه محطة الميطرو. مطر خفيف يتساقط على رأسينا المغطى بقلنسوة. نمشي جنبا إلى جنب بخطى سريعة.
نصعد ونعيد مبتهجين، وبصوت مسموع، كلمات من الأغنية التي سمّعنا خونا إسلام إيّاها:
وحياتنا كومبا الصفراء هي السيروم
وحياتنا كومبا الصفراء هي السيروم…

* أديب وباحث جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق