حوارات المجلة

الروائي بلقاسم مغزوشن للمجلة الثقافية الجزائرية: جائزة البوكر تطغى عليها السياسة، والنص الجيد لا يحتاج إلى هكذا جائزة.

بلقاسم مغزوشن روائي مسكون بالإبداع، نال مؤخراً جائزة الطاهر وطار عن جدارة واستحقاق مناصفة مع زميله الأديب محمد الأمين بن الربيع) عن روايته التاريخية (مؤبن المحروسة يُؤذِّن في فلورانسا). يهوى نبش التاريخ وتفكيكه ابداعياً، لأن الرواية جهد معرفي أيضا كما يقول تحت السطور، كما أنه ينظم الشعر، مثلما يكتب بعدة اللغات.
المجلة الثقافية الجزائرية حاولت الوقوف على تجربته الإبداعية، همومه ككاتب، وآماله كمبدع، فكان لنا هذا اللقاء:

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من بلقاسم مغزوشن أن يقدم نفسه للقارئ ماذا يقول؟

بلقاسم مغزوشن: ولدتُ في الثامن عشر أكتوبر 1979 بقرية أيت حمصي، على مرمى جبال جرجرة الناصعة البياض بثلوجها. وجدتُ الخريف قد كنس أوراقه المتساقطة من الأشجار التي تعرَّت مثل مجيئي إلى الدنيا. زاولت دراستي والدروب الوعرة. سنة 1998، نلت شهادة الباكلوريا اختصاص علوم. ولجت جامعة مولود معمري بتيزي وزو ثم جامعة هواري بومدين للعلوم والتكنولوجيا بالعاصمة أين تخرجت بامتياز في ميدان علوم الوراثة والمناعة والبيوكمياء. راودتُ الكتب منذ سنوات الثانوية. كنت شغوفاً بتعلم اللغات والمطالعة، مما غذّى فكري تراكمياً. انفتحت شهيتي للكتابة سنة 2007 وكتبت بالقلم باكورة رواياتي بالإنجليزية (Sophia in The White City) والتي نشرت بعد ثلاث سنوات من العنوسة الأدبية. سنة 2013، نُشر لي عملان آخران بالإنجليزية، رواية (The Overcoat of Virginia) وديوان شعري (Rafflesia). السنة الماضية كتبت ونشرت أول رواية لي بلغة الضاد الجميلة (المحروسة لا تشبه غرناطة). هذه السنة عدت إلى أحضان لغة الأم التي أطربت وجداني، وخططت رواية رابعة بالأمازيغية (Tazemmurt tcudd s akal-is، الزيتونة متمسكة بتربتها)، وهي تسرد مآسي النفي إلى كاليدونيا الجديدة بعد قمع الاستعمار الفرنسي مقاومة الشيخين المقراني والحدّاد.

المجلة الثقافية الجزائرية: فزت مؤخراً بجائزة الطاهر وطار في دورتها الأولى، دعني أسألك ماذا تمثل جائزة كهذه بالنسبة لروائي مبدع من الجيل الجديد؟

بلقاسم مغزوشن: الرواية التي تشرفت باسم عرّاب الأدب الجزائري باللغة العربية تحمل عنوان (مؤبن المحروسة يُؤذِّن في فلورانسا)، وهو عمل سردي غير منشور ينبش في منافي الداي حسين بإيطاليا وفرنسا ومصر، بعد سقوط إيالة الجزائر سنة 1830. الجائزة عرفان أولي بجهد الكاتب، إذ من توّجه هم خمسة نقاد جامعيون في الأدب العربي مشهود لهم بكفاءتهم العلمية ونزاهتهم. الجائزة محفز معنوي للروائي وهو في مقتبل الأدب. أعتز بهذا التتويج الذي أثلج صدري وشحن (بطارياتي) الإبداعية للمضي قدماً إلى ما هو أرقى وأفضل. سبق وأن تحصلت على المرتبة الأولى لجائزة علي معاشي للمبدعين الشباب سنة 2011. والجوائز الأدبية تروج لأعمال الأدباء وتثبت أسماءهم في مخيلة القارئ. أفتخر بالجائزتين كثيراً. النصوص الجيدة لا تموت.

المجلة الثقافية الجزائرية: روايتك الفائزة تستحضر حقبة الاحتلال العثماني.. لماذا التاريخ العثماني بالذات؟

بلقاسم مغزوشن: قصرنا كثيراً في نسج أعمالا سردية عن حقبة زمنية امتدت لثلاثمئة وأربع عشرة سنة (من 1516 إلى غاية 1830). تستحق 314 عملاً سردياً! وقلب الأحداث هي قصبة الجزائر، بعراقتها، وأساطيرها النوادر، وأفراحها وأحزانها. القصبة متحف مفتوح، جدرانها تعبق أسراراً، وأبوابها قرنفلاً، وبيوتاتها البديعة تختزل تاريخاً تمازجت فيه الأجناس والحكايات، وأولياؤها الصالحون تفوح من أضرحتهم روائح زكية. عشقي للقصبة التي أزورها مرارا دفعني إلى الكتابة عنها. أغرمت بها، كيف لا وهي لؤلؤة مائلة صوب بحر جزر النوارس. الرواية تملأ ثغرات تاريخية، وتعيد إلى الذاكرة أشياء منسية، ومجال الخيال واسع لندرة المراجع الملمة بالحيوات الشخصية التي سكنت القصبة.

المجلة الثقافية الجزائرية: خيل إلي أنك تحاول حمل القارئ على قراءة التاريخ قراءة جديدة ومحاولة تفكيكه؟ ما رأيك؟

بلقاسم مغزوشن: أجل. همي الوحيد إمتاع القارئ بتاريخه، بمقاربة أدبية تستغني عن الحيثيات
الأكاديمية المملة أحياناً. التاريخ لا يبوح لنا بكل أسراره، لذا تجد الكاتب يطعمه بخياله ويحرثه بأدوات سردية تضفيه جمالاً. التاريخ الأكاديمي يُغيِّب وجدان الإنسان وعاطفته وشجونه وأفراحه. عكس الرواية التي تضمد جراحه وتستمع إلى ما يؤرق حياته. إذن، الروائي يتعاطى مع التاريخ بأريحية، لكن بحذر، ويتحتم عليه تجاوز ألغاما بسلام، و يتفادى ضجيج سردي لا طائل منه. كتابة الرواية التاريخية من السهل الممتنع، يقدم فيه الكاتب وجهة نظره فنيا. الرواية التاريخية خاضها كبار الكتاب من طينة أبوليوس، والتر سكوت، ألكسندر دوما، تولستوي، فيكتور هيجو، بالزاك، رضوى عاشور، جرجي زيدان، واسيني الأعرج…

المجلة الثقافية الجزائرية: وما هي الرسائل التي أردت تمريرها من خلال هذا العمل؟

بلقاسم مغزوشن: إعادة قراءة التاريخ فنيا، إضاءة محاوره المظلمة، استنطاق الشخصيات التاريخية. لا يجب أن نترك غيرنا يكتب عنا، الذي قد يسيء إلينا عن قصد أو سهو. الرواية التاريخية جنس أدبي يستدعي أقلام الجميع، لتشعب مكوناته الاجتماعية. لا أحد كتب رواية عن الدايات الثمانية والعشرين الذين تعاقبوا على عرش يالة الجزائر، نصفهم قتلوا! مجحف أن لا نميط اللثام عنهم. مجال الحبكات شاسع، بحكم شح المصادر التاريخية من حيث التفاصيل. إيالة الجزائر صدت تسع عشرة حملة بحرية أوروبية طيلة ثلاثة قرون. ذلك ما استفز قلمي!

المجلة الثقافية الجزائرية: قلت أن الخطر :”يكمن في عدم كتابة التاريخ”؟! ألا ترى أن عدم فهم التاريخ وتفكيكه وغربلته وكشف الحقيقة من الزيف فيه هو ما ينقص المؤرخ عموماً، حتى لو مُورس التأريخ داخل نص روائي؟

بلقاسم مغزوشن: أنا لست مؤرخاً. في الرواية أتمتع بهامش حرية أوسع. الذاتية تقتل روح الرواية. في كتاباتي، لا أمجّد أحداً، ولا أبيِّض الغراب الأسود. في رواياتي التاريخية كشفت عن تفاصيل أهملها التاريخ. لا أكتب حتى أثمل من قراءة المراجع التاريخية المحلية والأجنبية. ثم أقدم تصوري، ولا أهتم بالبطولات الرنانة. عدم فهم التاريخ يعود إلى التعصب الفكري، والاعتقاد أن تاريخنا ملائكي لا تشوبه عواصف وخيبات وخيانات. يحب كتابة الرواية التاريخية عن معرفة عميقة بالحدث، وعدم التهاوي في الاستسهال السردي.

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف يستشرف بلقاسم مغزوشن مستقبل البلاد في ظل هذا الراهن السريالي؟
بلقاسم مغزوشن: أنا أتفاءل خيراً، لأجده! تسويد الأمور لن تجدي نفعاً. لأن تراكم الأخطاء قد
يدفع المرء إلى تصحيح المسارات. الأشياء الجميلة تولد في عسر. نحن من نصنع مستقبل البلاد. الازدهار بين أيدينا، فلا أحبذ التشاؤم المفرط. الليل مهما طال، فلابد من شمس تخذله!

المجلة الثقافية الجزائرية: بصراحة، ما أثر الواقع الثقافي الجزائري على الأدباء الشباب؟

بلقاسم مغزوشن: الأديب الشاب عليه أن يدري أن الطريق شاق ، ملتوٍ، متشعب. أنا ضد النظرة المادية للثقافة. هناك ضجر يحس به السواد الأعظم من الأدباء الشباب بسبب ربط الثقافة بالمال. فقط يحب تنظيم مهنة النشر التي كثر فيها المتطفلون. الثقافة غذاء روحي للفكر، والمادة تعتبر كوليستيرول الأدب!

المجلة الثقافية الجزائرية: تجيد الكتابة بأربع لغات، كيف توظف هذه الثقافة إبداعياً، خصوصاً أنك لست معنياً بصراع اللغات كما صرحت في أحد حواراتك؟

بلقاسم مغزوشن: كل لغات العالم أنيقة، مادام اللسان إنسانياً. لا مفاضلة بينها. أكتب بلغتين وطنيتين، وبلغة غنيمة حربنا التحريرية وبلغة فرضتها العولمة والعلم. تناطح اللغات شيء مؤسف حقاً. من أوجد اختلاف الألسن والألوان؟! أليس الله؟ مكان اللغات ليس الحلبة، بل فضاءات الحب والتعايش.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف وجدت المقاربات النقدية لأعمالك؟

بلقاسم مغزوشن: على قلتها، إيجابية. هناك من أدرجها في مذكرات تخرج. أحترم النقد البناء.
الموضوعي.

المجلة الثقافية الجزائرية: دعني أسألك لماذا عجزت الرواية الجزائرية عن المنافسة على جائزة البوكر العالمية؟

بلقاسم مغزوشن: جائزة البوكر تطغى عليها السياسة، مثل نوبل للآداب. النص الجيد لا يحتاج إلى هكذا جائزة. لجان الجوائز أذواق سردية. هناك أدباء كبار لم ينالوا نوبل، وهذا لا ينتقص من أعمالهم. الجائزة ومضة إشهارية زائلة. وحده النص يخلّد في الذاكرة.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

بلقاسم مغزوشن: أقرأ روايات اقتنيتها من سيلا: روايات مكرسين (الأعرج، الزاوي، بوجدرة) وكتاب شباب (مولود بن زادي، زينة عمراني، عائشة بنور). وروايات أجنبية (ليفي، دان براون، جون لو كاري).

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا تكتب؟

بلقاسم مغزوشن: روايتان ، واحدة بالعربية وثانية بالفرنسية. مفاجأتان. كما لي رواية
بالفرنسية ستنشر سنة 2018 (La femme au bracelet muet)

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق