حوارات المجلة

الروائي الجزائري محمد الأمين بن ربيع للمجلة الثقافية الجزائرية: الأدب صورة موازية للأحداث الحقيقية وأنا أعيش لأكتب.

يعد محمد الأمين بن ربيع أحد الشباب الجميلين ابداعياً، إنه موهبة روائية واعدة لاقت اهتماماً نقدياً لافتاً، في رصيده الإبداعي ثلاث روايات منشورة حتى الآن وهي :(عطر الدهشة) و(بوح الوجع) و(قدس الله سري) الحائزة  مؤخراً عن جدارة على جائزة (الطاهر وطار) مناصفة مع رواية (مؤبن المحروسة يُؤذِّن في فلورانسا) للروائي بلقاسم مغزوشن.

المجلة الثقافية الجزائرية التقت بمحمد الأمين بن ربيع، وحاولت الدخول إلى عوالمه الفكرية والابداعية والمعرفية، فكان هذا الحوار:

المجلة الثقافية الجزائرية: لو طلبت من محمد الأمين بن ربيع أن يقدم نفسه للقارئ ماذا يقول؟

محمد الأمين بن ربيع: أعيش لأكتب.. مع أنه من الصّعب أن يتحدث الإنسان عن نفسه، لأن الأمر أشبه بالوقوف أمام مرآة ومخاطبة الأنا، فلا أدري بأي صيغة أصوغ ذلك أبصيغة المتكلم أم الغائب..؟ لكني سأحاول التعريج على أهم ما يمكن أن يشدّ القارئ.. من مواليد 15 مارس 1987، عشت طفولتي الأولى بمدينة بوسعادة الواقعة جنوبَ ولاية المسيلة، وفي حواريها نشأت علاقة بيني وبين زخم الخيال المتشبعة به، وفي مدارسها زاولت تعليمي فكان الحرف وكان النور.. طوال مراحل تكويني كانت الكتابة تلازمني، كهاجس يومي أحيا به وله، وبعد التجارب الأولى في كتابة القصة القصيرة في مرحلة الثانوي، شرعت في كتابة رواية في الجامعة، بعد أن اكتشفت أنني كلما كتبت قصة أجدني لا أزال مثقلاً بالبوح كأنما تلك القصة لم تف بالغرض، وبعد مجموعة من القصص البالغ عددها الثلاثين والتي نشر بعضها على الصحف أو في مجلة أستاذ الغد الصادرة عن المدرسة العليا للأساتذة والتي كنت أحد منشئيها ومحرريها، خضت تجربة الكتابة الروائية، التي كانت في بداياتها صعبة كونها تحتاج نفساً طويلاً وتحكماً في تقنيات السرد، لكن إصراري على بلوغ غايتي جعلني أنتهي من كتابة أوّل رواية لي المعنونة بـ”عطر الدهشة”، وهي الرواية التي نشرت عام 2012. في العام ذاته كنت قد أنهيت كتابة روايتي الثانية الموسومة بـ”بوح الوجع” التي طبعت عام 2015. وتلتها روايتي “قدس الله سري” المنشورة سنة 2016. لي مع كلّ رواية من الروايات السابقة حكاية.. حكاية البداية وحكاية التفاصيل وحكاية الختام.. فكلّ واحدة من الروايات التي ألفتها لها مكانة خاصة عندي، كونها مرتبطة بحدث جميل عشته، أو ساهمتُ في إنشائه، أو تفاصيل ساهمت هي في إنشائي. أعمل منذ 2011 أستاذ أدب عربي في التعليم الثانوي وأحضر أطروحة دكتوراه.

المجلة الثقافية الجزائرية: حصدت مؤخراً على جائزة الطاهر وطار في طبعتها الأولى. دعني أسألك أولاً ماذا تمثله هذه الجائزة بالنسبة إليك؟

محمد الأمين بن ربيع: لي مع عمي الطاهر حكايات ذات تفاصيل كثيرة، عرفته وأنا في المرحلة الثانوية من خلال نصه الزلزال، قرأته مرتين متتاليتين، حين أنهيت القراءة الأولى أعدت قراءته ثانية، وكنت أردد بعد أن فرغت من القراءتين، “والحرف ضيع الحدة” آخر عبارة مدونة في الرواية، كنت أتخيل الطاهر وطار شبيهاً ببطل روايته (بو الأرواح)إلى أن عرفته حقيقة، لم يكن يشبهه في شيء فتحول النفور إلى إعجاب والإعجاب تحول إلى رغبة في قراءة كل نصوصه. وفي الجامعة وجدت مخطوط روايته قصيد في التذلل على مكتب أستاذي عبد الله حمادي، فأعادني ذلك مجدداً إليه وإلى عوالم نصوصه التي كنت قد انقطعت عنها مدة، وهذا العام أعود إلى الطاهر وطار من خلال الجائزة التي تحمل اسمه، هذه الجائزة ولدت كبيرة لأنها تحمل اسم الطاهر وطار (عرّاب) الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة العربية، وأحد أهم رموزها في الأدب المعاصر، إذ يقترن ذكرها بذكره، ولذا فإن تلقيّ لنبأ حصول روايتي (قدس الله سري) على هذه الجائزة جعلني أتأكد أن الخط الذي انتهجته منذ البداية لمساري الإبداعي كان خطاًصحيحاً بخاصة وأن هذه الجائزة تأتي بعد تحكيم لجنة مشهود لأعضائها بالكفاءة في الميدانين الأكاديمي والإبداعي.

المجلة الثقافية الجزائرية: سبق ونلت العديد من الجوائز الأدبية، ما الذي يفترض أن تضيفه الجائزة في حياة الكاتب عموماً؟

محمد الأمين بن ربيع: ينصب همّ المبدع حين كتابته لنصه على ردة فعل القارئ وإعجابه أو نفوره من النص، لذا يبحث دائماً عن الجودة أولاً وعلى التشجيع ثانياً، وهذان السببان هما ما دفعاني للمشاركة في المسابقات الإبداعية الخاصة بالقصة والرواية، فكانت الجوائز كالتالي: جائزة فنون وثقافة، جائزة محمد العيد آل خليفة، جائزة عبد الحميد بن هدوقة، جائزة عبد الحميد بن باديس، جائزة رابطة الفكر والإبداع، جائزة رئيس الجمهورية للمبدعين الشباب علي معاشي، جائزة المهرجان الدولي للأدب وكتاب الشباب، وأخيراً جائزة الطاهر وطّار. وهذه الجوائز قيمتها الحقيقية تتمثل في قيمتها الاعتبارية التي تمنح للكاتب ثقة بالنفس ومكانة وسط المشهد الإبداعي، فهذه الجوائز اعتراف بأن هذا النص يستحق القراءة والإشادة، وبالتالي فهذا الكاتب يكتب شيئاً جيداً وعليه المواصلة.

المجلة الثقافية الجزائرية: هنالك من ينتقد آليات الجوائز الأدبية الجزائرية – على قلتها- بأنها لا تسعى إلى التميز، بل تُقام كـ”حلقة” ثقافية لا أكثر؟

محمد الأمين بن ربيع: الجوائز الأدبية في الجزائر قليلة و(مناسباتية) غالباً، وكثيراًما تتوقف بعد دورة أو دورتين، إذ تفتقد إلى الديمومة، وإذا كان لا بدّ من انتقاد هذه الجوائز فهذا هو الجانب الذي يجب الوقوف عنده وهو الاستمرارية، بالإضافة إلى رعاية النصوص المتوجة، حيث أن كثيراً من الجوائز لا تحفل بالنصوص المتوجة بعد انتهاء حفل التتويج، في حين أن حياة النص بدأت مع الجائزة غالباً لذا لا بد من تعهده بالرعاية حتى يتمكن من المواصلة والصمود، وذلك بتقديمه إلى النقاد والوسط الأكاديمي وحتى القراء من أجل التعريف به وبكاتبه.

المجلة الثقافية الجزائرية: لكن حفل توزيع جائزة الطاهر وطار -مثلاً-استحق أن يُقام أفضل مما كان عليه، ما رأيك؟

محمد الأمين بن ربيع: أجزم أن توقيتَ الحفل ومكانه كانا مناسبين جداً، وجمعية نوافذ ثقافية إذ فكرت في هذين الإطارين كانت تعلم أنهما الأنسب، لأسباب أهمها، جعل زوار المعرض يشاركون في الحفل باختيار مكان مفتوح، فعادة يتهيب الناس اقتحام الأماكن المغلقة إلا إذا وُجّهت لهم الدعوة، بالإضافة إلى أن صالون الكتاب مكان مناسب للاحتفاء بالكتابة والكُتّاب. وقد كنت ألحظ الدهشة حيناً والسعادة حيناً آخر على وجوه الفضوليين، فاحتفالية مماثلة قلّما تتاح للناس فرصة مشاهدتها.

المجلة الثقافية الجزائرية: في روايتك “قدس الله سري” استعادة سردية للتاريخ. لماذا تلك الحقبة من التاريخ الجزائري تحديداً؟

محمد الأمين بن ربيع: بداية القرن العشرين في الجزائر حقبة محفوفة بالأسئلة، فبعد انتهاء المقاومات الشعبية وقبل بداية الحركة الوطنية، عاش الناس في حال من الذهول عن المصير الذي ينتظرهم وكيف سيعيشون في ظل التواجد الفرنسي، فتلك الفترة إذاً مليئة بالفراغات التي يمكن للخيال أن يملأها، بخاصة الجانب الاجتماعي الذي تمثله الفئات المسحوقة التي لم تحفل بها كتب التاريخ الرسمية ولم تسلط الضوء على النقاط المعتمة من حياتها… إنها حقبة مغرية للكاتب ليخوض فيها ويخلق خلالها شخوصاً يحركهم وفق المعطيات التي دونها المؤرخون.

المجلة الثقافية الجزائرية: لعلي أعني ثيمة الحرب/ الثورة التحريرية/ الاحتلال الفرنسي التي ما زالت تدور في فلكها النصوص الروائية الجزائرية الراهنة؟ لماذا؟

محمد الأمين بن ربيع: الأدب صورة موازية للأحداث الحقيقية، حتى وإن كان يلامس الحقيقة إلا أنه ليس إياها، فالأديب الذي لم تتح له فرصة عيش حقبة ما سيسعفه خياله ليبدع أحداثاً خلالها، ويكتب عنها، والوجود الفرنسي في الجزائر انتهى بانتصار الجزائر، غير أن الأديب يكرس هذا الانتصار من خلال كتابته، فهو احتفاء أبدي بهذا الانتصار، هنالك متعة حين أستحضر الآخر من وراء البحر إلى أرضي أدبياً ثم أقوم بدحره إمعاناً مني في إلحاق الهزيمة به.

المجلة الثقافية الجزائرية: ما لفت انتباهي في روايتك اعتمادك على الرمزية بشكل معرفي لافت. دعني أسألك كيف كتبتها؟

محمد الأمين بن ربيع: استغرقت مدة كتابتي لـ(قدس الله سري) حوالي أربع سنوات، لم يكن الأمر سهلاً، فمن الصعب أن أكتب رواية أحداثها بلا مصابيح كهربائية ولا هاتف، وأنا أعيش في عصر الكهرباء والانترنيت، ولكن مع ذلك كان الأمر ممتعاً؛ أن أحيا حياة أخرى بسيطة ظاهرياً لكنها موغلة في التعقيد حين يود الإنسان أن يعرفها عن قرب. وقد كان الرمز أحد الأدوات التي اعتمدتها عند اشتغالي على الرواية، وسأعطيك مثالاً، أدريان مورياك بطلة الرواية تسمي نفسها شمس النهار، وأدريان هي صورة فرنسا التي كانت قد جاءت تحمل شعار الحضارة والتمدن والعدل ولكنها في الحقيقة شعارات زائفة سرعان ما غابت وحل محلها الظلام والاستبداد.. ثم إن هنالك رموزاً دينية وصوفية وتاريخية وحتى أسطورية كنت أوظفها داخل المتن الروائي بإمكان القارئ اكتشافها وتأويلها حسب خلفيته المعرفية.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف تكتب عادة؟ هل لديك طقوس معينة قبل وبعد الكتابة؟

محمد الأمين بن ربيع: أكتب بشكل مزاجي، ولا أجد بأساً في أن أهجر الكتابة مدة طويلة ولكنني أعود ولهفةٌ تسبقني إليها، أحب الكتابة بمرافقة الموسيقى، وكثيرا ما أستلهم بعض المواقف أو المشاهد الروائية من خلال مقاطع موسيقية تؤثر بي.. وبعد فراغي من كتابة نص ما أصاب بالتوتر والقلق وكأنما هذا النص كان جزءاً مني ثم بُتِر، فأجدني أعود إلى قراءته المرة تلو المرة أصحح أحياناً وأتأثر أُخر..

المجلة الثقافية الجزائرية: وُصِفت روايتك (عطر الدهشة) بـ”رحلة البحث عن الذات وإثبات الأنا حتى خارج الوطن”.. ما هي رسالتك لمن يعتقد أن الهجرة خياراً مثالياً من أجل الحصول على حياة كريمة؟

محمد الأمين بن ربيع: كتبت عطر الدهشة بعد تأثري بتجربة صديق في الغربة، ظن أنه قد بلغ مراده ولامس سماء أحلامه باغترابه، لكنه فوجئ أن أهم شيء كان يضيع منه وهو ذاته، فهو لم يعد يشبه نفسه، لذا قررت أن أعيده إلى أرض الوطن ولو بنص متخيّل، لكن الشخصية تمرّدت والأحداث تطورت ووجدت أن العائد وجد أنه مغترب حتى في وطنه وعن نفسه… الوطن نعمة كبرى لا يمكن أن يهدرها الإنسان أثناء بحثه عن أحلامه خارج حدوده.

المجلة الثقافية الجزائرية: اخترت موضوع السينما الروائية الجزائرية كموضوع بحثي لشهادة الدكتوراه، لماذا السينما الروائية تحديداً؟

محمد الأمين بن ربيع: أحضر أطروحة دكتوراه حول السينما الروائية الجزائرية، وهو موضوع شائق، فيه الكثير مما يمكن قوله والبحث فيه، لأنه يجمع جنسين إبداعيين هامين هما الرواية والسينما، وكلاهما عالم واسع والجمع بينهما ينتج الكثير من الأسئلة التي تحتاج الإجابة عنها.

المجلة الثقافية الجزائرية: مع أن السينما الجزائرية أدارت ظهرها للرواية الجزائرية منذ زمن؟

محمد الأمين بن ربيع: ارتبطت أمجاد السينما الجزائرية بالأعمال المقتبسة عن الروايات الجزائرية، فلا أحد بإمكانه أن ينسى الحريق لمصطفى بديع، أو الأفيون والعصا لأحمد راشدي، وكلاهما مقتبس عن نص روائي وهما لمحمد ديب ومولود معمري على التوالي، وغيرهما كثير، واليوم نسمع المخرجين وصناع السينما يشتكون من غياب النصوص الجيدة، أعتقد أنهم لو اهتموا بالنصوص الروائية وحاولوا الاقتباس عنها لكفاهم ذلك التشكي من غياب النصوص، ولهم في تجربة زياد دويري وألكسندر أركادي مع روايتي ياسمينا خضرا (الصدمة) و(فضل الليل) على النهار أحسن مثال على نجاح التجربة.

المجلة الثقافية الجزائرية: حسناً، أريد أن أسألك لماذا فشلت الرواية الجزائرية عن المنافسة على جائزة البوكر؟

محمد الأمين بن ربيع: الوصول إلى جائزة البوكر لا يكون وليد الصدفة، فالإعلام والنقد والدراسات الأكاديمية والتوزيع الجيد للرواية عوامل تساعد على وصول أي رواية إلى جائزة البوكر وهذا ما نفتقده في الجزائر. وقد لا تجتمع معاً فإذا حضر النص الجيد غاب عنه الإعلام والترويج.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكيف تنظر إلى واقع الرواية الجزائرية اليوم؟

محمد الأمين بن ربيع: هنالك أقلام روائية كثيرة تستحق الإشادة بأعمالها الإبداعية، وهنالك نصوص تستحق الاحتفاء والانتشار على أوسع نطاق.. فالمشهد الروائي الجزائري بخير وسيكون بألف خير لو عمل النقاد على تتبعه وتمحيصه.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأ الآن؟

محمد الأمين بن ربيع: أقرأ حالياً رواية (بقايا يوم) لكازو اشيغورو الحاصل على نوبل مؤخرا

المجلة الثقافية الجزائرية: وماذا تكتب؟

محمد الأمين بن ربيع: أكتب مسرحية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

3 آراء على “الروائي الجزائري محمد الأمين بن ربيع للمجلة الثقافية الجزائرية: الأدب صورة موازية للأحداث الحقيقية وأنا أعيش لأكتب.”

  1. حوار جاد، هادف وممتع وما اعجبني الاجابة المختصرة، المركزة و المقنعة

  2. دائما الطاقات الشبابية حاضرة ولها من الابداع والطموحات لتسمو الى الافق … تحياتي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق