حوارات عامة

ربيع حسين الجامع: الكتابة رسالة لقيم المحبة والجمال وإضاءة الجراح

حاوره: بسام الطعان
شاعر عراقي من مواليد 1954 محافظة ميسان، يقيم في أربيل، انهى دراسته الجامعية في بغداد، كلية الآداب قسم اللغة الفرنسية، عضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، أصدر حتى الآن خمس مجموعات شعرية وهي:
1ـ طائر البشرى. 2003
2ـ كنتُ سأدعو الشمس. 2005
3ـ اقترب أو ابتعد لا فرق. 2005
4ـ أوراق الفصول.2008
5ـ رفقاً أرث الذاكرة 2013
ينشر نتاجه في الصحف والدوريات العراقية والعربية.

عندما صار الظلم والقهر والاستبداد هو العنوان في العراق تركه الكثير من المبدعين وسكنوا المنافي، وبعد الذي جرى في 2003 ، ظلوا يذهبون من مكان إلى مكان ولا يتعبون، وها أنتَ واحد منهم لم تترك العراق ولكنك تعيش في أربيل منذ خمس سنوات، ما السبب يا ترى، هل لأن لا شيء تغيّر بل ازداد سوءا، أم ماذا؟

*كما تفضلت الوضع انتقل من سيئ الى أسوأ ، بعد سقوط الصنم، أعتقد الكثير أن العراق سوف ينتقل الى حالة أفضل وأن الحياة سوف تتعافى وتنتعش بكافة جوانبها ولكن للأسف ذهب هذا التفاؤل أدراج الرياح، رياح جديدة هبت علينا من كل حدب وصوب ، وبعضها استيقظت رياح طائفية وأخرى عشائرية ومناطقية ، إضافة لممارسات قوى الاحتلال الخاطئة نفسها والحديث يطول ، وفيما يخص سؤالك للأسف فأن العشائرية بكل ما تعنيه من تبعات خارجة عن القانون والمنطق أصبحت هي السائدة بالدرجة الاولى على المشهد الاجتماعي الجنوبي وهي السبب الرئيس لتبديل محل سكني ، أما رياح الارهاب فهذه لمفردها بحاجة الى مواضيع وربما دسستها في اجابتي لمقتي الشديد لها، حاربتها بالكلمة بكل ما استطعت ، وكنا نسمع بين الحين والاخر عن ضحايا بسبب الارهاب وأخرى من قبل جهات لانعرف من هي بالضبط.

لماذا لا يستطيع الأدب العربي أن يعيد شيئاً من الفرح للمواطن العربي شيئا من حريته المفقودة، إنسانيته المهدورة، وقف نزيف دمه؟ هل يعتبر هذا من مهامه، أم أن فاقد الشيء لا يعطيه والمبدع العربي هو أساساً في مقدمة المقموعين في بلاده، وفي هذه الحالة ما فائدته، ولماذا الكتابة أصلاً؟

*الأدب هو انعكاس لحالة الأديب أو الشاعر وإعادة صياغة ما يحسه ويشعر به تجاه وطنه وشعبه شعراً أو نثراً أو أي صنف أدبي آخر وبالأدوات التي يمتلكها فكيف يعيد الفرح للمجتمع اذا كان هو نفسه حزين جريح كوطنه وأعني هنا بالأخص أدباء الداخل باعتبارهم في نصف الحلبة إذا صح التعبير، أرجو ألا يفهم من كلامي أنني أنتقص من أدباء الخارج فكله أدب نابع عن إحساس إلا أن أديب الداخل حتماً في احتكاك مباشر بالأحداث وربما يذهب ضحية لكلمة حق أو عبوة ناسفة من عبوات الارهاب ، هو يحاول أن يشير لمواطن الحزن ، يضئ مساحة الجراح ، يكشف كل ما هو سيء ، يدين أي سلبية يراها ببصمته ، نعم أن يكون له موقف إزاء ما يحيطه ويعبر عن موقفه شعراً أو نثراً . الكتابة نوع من تدوين التاريخ إحساساً وشعراٌ وإحدى الوثائق المهمة التي يعتمد عليها المؤرخون هي النصوص لدراسة أي حقبة من التاريخ ، أنا شخصياً لا أستطيع أن أترك الكتابة التي جعلتها رسالة لقيم المحبة والجمال واضاءة جراحنا وكذلك التغني بانتصارات بلدنا ضد الارهاب ونصوصي تشهد.

– نجد في بعض البلدان الاستبدادية أن المثقفين هم المخبرون، الجواسيس، السماسرة، الذين يرفعون التقارير، وهم الذين ينبهون أن هذا العمل الأدبي أو الفكري فيه مساس بالسلطة، وفي العراق، في العهد السابق كانت وزارة الإعلام بمثابة مديرية ثانية للأمن العام ،أما فاحصو النصوص في وزارة الإعلام فقد كانوا بمثابة شرطة أمن، أليس هذا مأساة ومصيبة حلت بالثقافة العربية؟ ماذا تقول لهؤلاء المثقفين؟

* ما ذكرته صحيح للأسف خصوصاً في النظام الدكتاتوري السابق، أكيد هي مأساة أن يتحول الأديب إلى مخبر يا أخي، هل هم أطفال لكي أنصحهم ؟من المؤكد أستهجن هذه الحالة وأرفضها كواحدة من أدوات القمع الفكري، ولي نص في تسعينيات القرن الماضي أقول في جزء منه : لو منحوني جزيرة في هاواي
أو قلدوني جواهر السيدة زبيدة
لا أساوم على ذخيرة أقلامي
لذلك بقيت صامتاً طيلة فترة النظام السابق وكنت أخبئ نصوصي بعيداً عن أعين أزلام وتابعي السلطة آنذاك ولا أسمعها إلا لخاصة الأصدقاء.

– كيف تكتب القصيدة، وما هو تصورك للشعر وطرائق تعبيره، وكيف تبدو رؤيتك عبره للعالم من حولك؟

*حول كتابة القصيدة أو النص فأنا أتحسس دوماً ما يجري حولي سواء عبر ما أسمع أو اقرأ في وسائل الاعلام المختلفة من أخبار واحداث وأعايش بعضها ايضاً وشيء أكيد أتأثر بها وأحاول أن أعبر ، أحدد أولاً الفكرة وأشتغل عليها ، من المهم قوله إن الشعر لا يخضع بمواعيد ، ربما أكتب نصاً واحداً في الشهر وربما أكثر من نص في الاسبوع ، كتاباتي أغلبها تنصب حول وطني وما يعانيه من جراح بكل أنحاء جسده طولاً وعرضا .

الغموضُ لوحده ليس ميزةً حسنةً في أي فن من فنون الكتابة، وهذا ما نراه في الوقت الراهن في قصيدة النثر، التي باتت نصوصاً غامضة على نحو ما، يقرأ القارئ القصيدة فيغرق في ظلام المعاني ويعجز عن رؤية أية صورة في هذه القصيدة أو تلك، ما رأيك؟

*الغموض ليس دليلاً على الشاعرية أو الثقافة أبداً ،ربما يدخل هذا من باب التجريب أو يتوهم البعض بأن إغراق النص بالغموض سوف يمنحها قوة أو يجعل منه نصاً نخبوياً، ما فائدة أن أكتب نصاً مشبع بالغموض ومطلسم للآخر ولا يفهمه أحد ،هناك اشتغالات أخرى تعتمد على الفكرة والصورة الشعرية واشراقات اللغة والمفردة المنتقاة بعناية والرموز المستنبطة من الميثولوجيا العالمية أو التراث العربي والقصص القرآني مع عدم التجاوز .
جاء في نص لي (كفانا طلاسم في مجموعتي الثانية كنت سأدعو الشمس )
أخي كفانا طلاسم
الوطن يعلق في الخطاطيف
والقصابون يفتحون مدارس
أين نجمة الصبح في المبتدى
وإلى أي مدار المبتغى يا ……؟

ـ اللغةُ هي ركنٌ أساس في بنية النّص الأدبي كيفما كان جنسه ولونه، وقد انتبه لهذه الظاهرة اللغوية منذ عصر ( أبو تمام)، و(المتنبي)، ومن ثمّ (محمود سامي البارودي)، (فالجواهري) اللغة كإحدى اللبنات في النص الشعري كيف تراها، وكيف تنظر إلى دورها في نصوصك الشعرية؟

*من المؤكد أن اللغة تلعب دوراً أساسياً في نجاح النص ، هي ملكة الأديب رقم واحد ومنها ينطلق باشتعاله الأدبي ، كيف يتم تلقي النص إذا كانت اللغة هابطة والمفردات ركيكة أو مليئة بالأخطاء الاملائية ، وعودة الى بداية سؤالك والشعراء الذين ذكرتهم لابد أن أبيّن أنهم عاشوا بعصور تختلف عن عصرنا ، لذلك كانت لغتهم من الجزالة بمكان ، بمعنى آخر لا نستطيع أن نستخدم اللغة كما استخدموها هم ، وأرجو ألا يفسر بأنها دعوة للهبوط بمستوى المفردة لا ، یبقی انتقاء المفردة عنصراً مهماً في بناء النص ، ويبقى التجديد هاجساً لا يمكن تجاهله لدى الشعراء والادباء كما جدد شعراؤنا الكبار الذين ذكرتهم كل حسب عصره وفترته التي عاشها ، وإن كان أغلبهم إذا لم أقل جميعهم لا يمكن أن يتكرروا .

– كثيراً ما نرى في أساليب (الحداثة) التي يدّعيها البعض تسيرُ في طريق التقليد الأعمى غير المدروس، أنتِ كشاعر كيف ترى الكتابات الشعرية المكتوبة باسم الحداثة والتي تتسم بالتحلل من القيود التقليدية أو المقيّدة جداً، وفي مقدمتها الوزن والقافية وبالترميز عن معان يقصد بها الشاعر قصداً أن يعمها وكأن هذه التعمية جزء لا يتجزأ من مفهوم الحداثة، أو كأن المطلوب ألا يفهم القارئ ما يقوله؟

*قصيدة النثر حسب رأيي أصعب أنواع الشعر ، الشاعر أو الناص هنا لا يلتزم بأي قيد كما تفضلت مع هذا يكتب نصاً يريده أن يستحسن من قبل الجمهور النخبوي بالدرجة الاساس ،ويعتبره شعراً أو نصاً أدبيا مؤثراً ، كما ذكرت في مكان سابق من حديثي فإن الغموض المكثف واغراق بالرموز المتلاحقة وبدون أي كوة إن صح التعبير تسمح للمتلقي أن ينفذ منها ويستكشف ماهيته وماذا يراد منه لا يجعل منه نصاً ناجحاً ، النص ليس ادغال مجهولة لهذا الحد ، لأن أنجح النصوص هي الواضحة ولكن باشتغال رصين والتي تحتوي على فكرة أو مجموعة أفكار يجد المتلقي وحتى النخبوي نفسه متفاعلا معه.

– (بدر شاكر السيّاب) و(نازك الملائكة) هما رائدا الشعر الحر وكوّنا مدرسةً خاصةً للشعر العربي الحديث، واليوم في العراق جيلٌ يأخذ بالشعر العراقي نحو آفاق حداثوية جميلة، ولا يخلو يوم في العراق دون ولادة شاعر، برأيك في الوقت الراهن من هو الشاعر الذي نستطيع القول انه رائد الشعر في العراق؟

*بدر شاكر السياب ونازك الملائكة ، قطعاً أغنوا المكتبة العربية بالدرجة الاولى وحتى الانسانية بإرث إبداعي مجدد زاخر ، يجعلنا نرفع القبعة لهماً جيلاً بعد جيل، رحمهما الله ، هناك عدة أسماء تفرض نفسها في الادبية والشعرية ، وتنوعت أساليب الشعراء وإبداعهم والبعض بصمته الابداعية واضحة واعفني من التحديد، واسمح لي أن أذكر ما قاله السياب رحمه الله بإحدى المقابلات لإحدى الصحف وهو المعروف بإبداعه (إننا جميعاً نجرب فتارة ننجح وتارة أخرى نخفق (بهذا المعنى ) وكان يشير إلى تجربته مع الرواد الاوائل بالشعر الحر ، فكم هو كبير بهذا الكلام وكم يضيف التواضع لشخصية الاديب من احترام وتقدير لأي منصف.
ـ كيف هو النقد في العراق، هل يرسم للعمل الإبداعي خطاً مستقيماً أم يشتتها ؟ وهل ثمة كتابات نقدية منصفة أو متحاملة رافقت تجربتك الإبداعية، وكيف تعاملت معها؟
*النقد لا يستطيع أن يجاري الكم الهائل من النصوص التي تطرح وهنا أعني النصوص التي تستحق أن يتناولها النقاد ولابد أن أشير للعلاقات الشخصية التي تتدخل بدرجة كبيرة . من ناحيتي تعرضت مرة إلى نقد جارح من أحد النقاد وكان يعرفني شخصياً وأعرفه وطالبني أن أترك الشعر ، كان هذا في عام ٢٠٠٦ إذا لم تخني الذاكرة فكان ردي ثقافياً (انصب نقده على مجموعتي كنت سأدعو الشمس ) وبعدها وفي نفس العام أصدرت مجموعتي الثالثة (اقترب أو ابتعد لا فرق ) ، مرة أخرى نقد الاستاذ علي شبيب الورد نص لي نشرته في الزمان وعنوانه (لمن تشير سباباتنا في شارع السعدون ) وضم هذه المقالة في كتاب أصدره عنوانه ( دهشة القراءة الاولى ) يتناول فيه عدد من الشعراء العراقيين والعرب، علماً بأنني لم أكن حينها أعرف الاستاذ علي شبيب حينها ولا يعرفني إلا من خلال كتاباتنا في (الزمان ) ، جاء في مطلع مقالته حول النص (لا يمكن لنا إلا أن نحتفي علانية بالشاعرية التي ترتكب جنحة الشعر ) وكتب ناقد آخر السيد (ربيع شاكر الجبوري) مقالة مطولة عن نصي (صفصافة الطفولة ) نشرت في جريدة الزمان أي أن بعض النقاد مشكورين تناولوا نصوصاً لي ولم يتناول أحد مجموعتي الاخيرة (رفقاً ارث الذاكرة )علماً أني وزعتها في حينها في مهرجان الكميت الثالث عام ٢٠١٣ بعد وصولها مباشرة وجزء منها وزعته على ادباء في أربيل.

المسابقات الشعرية مثل أمير الشعراء وشاعر المليون التي نراها ونتابعها على الفضائيات وخاصة الخليجية، كيف تنظر إليها ؟

* لا أرى ضيراً منها ولا أحمل أية حساسية تجاهها ما دامت تساعد على تحريك المشهد الشعري العربي بالرغم من خلفيتها الاعلامية وأستمتع وأنا أتابع حلقاتها أحيانا ، لكني لا أفكر أن أشترك بأي واحدة منها .

ليتك تحدثنا عن أحوال المثقفين والمبدعين العراقيين الذي يعيشون في الداخل وفي ظل ما جرى ويجري من ويلات وكوارث؟

*حالهم حال الشعب فهم جزء منه ويصيبهم ما يصيب الشعب من كفاف عيش وربما أكثر واتحدث هنا بالعموم، وربما هناك استثناءات ،المثقف والمبدع يشكو من عدم وجود دار للنشر أهلية أو مؤسساتية تتناول منجزه طباعة واصداراً وتوزيعاً، فالمبدع حينما يصدر كتاب ما، يكون ذلك على حسابه الشخصي ويوزع منجزه مجاناً على المعارف والأصدقاء والمهتمين بشؤون الادب، أو في المهرجانات والملتقيات الادبية ، وبالرغم من أن الدائرة الثقافية في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق أخذ على عاتقه اصدار مجموعة واحدة شهرياً، ولا أعرف إذا كان هذا التقليد لايزال مستمراً أو لا، المهم حتی هذه الخطوة بأحسن الاحوال لا تستطيع اللحاق بالإنتاج الثقافي والمنجزات التي تنتظر فرصتها.

ما هي طموحاتك، أحلامك، أمنياتك، وهل لك كلمة تريد أن توجهها لأحد؟

*طموحي العام أن أرى بلدي يرفل بالسلام والامان وأن تكون لدينا مدنية بعيدة عن المحاصصة وشعبي العراقي موحداً تحت سارية علمه ونتخلص نهائياً من الارهاب وآفة الفساد ، وعلى المستوى الشخصي أن أنجح بطبع مجموعتي وربما تكون الاخيرة، أجمع فيها كل ما أستطيع أن أجمعه من نصوص كتبتها منذ أكثر من خمس سنوات. كلمتي الى الشعراء الشباب ألا يتصوروا أن آخر نص لهم هو الافضل بل يطمحوا أن ينتجوا الافضل، وأن يستزيدوا من المطالعة التي لا يستطيع أي أديب أن يستغني عنها ، لكي يديم مفردته وأدوات إبداعه، وكلمة أخيرة إلى الحكومة أن يلغوا الاستقطاع من رواتب الموظفين والمتقاعدين وعودة المكافأة السنوية للأدباء التي شملها التقشف أيضا ، وشكراً لك.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق