ثقافة السرد

” ابن زُريق لم يمتْ”

د. سناء شعلان

جلسَ بفخرٍ متعالٍ لا يناسب إخفاقاته المتكرّرة التي كبدّته خسائر جسيمة بالتّرقيات وساعات عمل إضافية مجانية حدّ تسلّخ إبطيه ، وتعفّن أصابع قدميه في حذائه الرّسميّ العتيد ، ولكن هذه هي لحظة الانتصار المنتظرة ، رقصّ رجلاً فوق رجل ، وقال بثقـةٍ فضفاضةٍ تناسب ابتسامـة شدقيه : ” هذا هـو الدّليل ” رفـع المدير حاجبيه ثم قطبهما دون مبالاةٍ ، وقال : ” الدليل على ماذا ؟ “

 

قال باعتزاز من حلّق فوق سوامق الجبال ووطئ الغيوم بقدميه : ” الدليل على أنّ ابن زريق لم يمت “.

هزّ المدير رأسه ، وطوّح كتفيه كناية عن أمرٍ لم يفهمه الموظّف ، وقال : ” من هو ابن زريق هذا ؟ “

” صاحب القصيدة العينيّة الشّهيرة “.

” أيّ عينّية ؟ “. سأل المدير بصبر فارغ وتقزّزٍ.

أجاب الموظّف بحماس طفلٍ مدرسيّ ، وانتصب على قدميه ، وضمّ فخداً إلى الآخر ، وشدّ معدته بزفير عميق ، وقال جاحظ العينين يبذل جهدًا كي لا ينسى ما حفظ :

الذي قال :

” لا تعذليه إنّ العذل يولعه

قد قلتِ حقًا و لكن ليـس يسمعه

جاوزتِ في لومه حدًّا أضرّ

به من حيث قدّرتْ أنّ اللوم ينفعه

فاستعملي الرّفق في تأنيبه بدلاً

من لومه فهو مُضنى القلب موجعه “

قال المدير باستهزاء بادٍ : ” وماذا قال أيضًا ؟ “

قال :

” وإنْ تنلْ أحدًا منا منيته

فما الذي بقضاء الله نصنعه “

نقر المدير بأصابعه ذات الأصابع الشّجريّة السّمينة على زجاج مكتبه ، وقـال : ” كفاك يا رجل : مَنْ هو ابن زريق هذا ؟ “

” هو ابن زريق البغدادي ؟ “

سأل المدير وهو يراود غضبًا يكاد يسحقه. ” ومن هو ابن زريق البغدادي هذا ؟ أهو عميل عندنا أم موظّف ؟ تكلّم سريعًا لا وقت عندي أبدّده عليك وعليه “.

قهقه الموظّف قهقهة مصنوعة بدقة ، وقال : ” بل هو لص كبير ، أراد أن يخدعنا ، بل ويخدع كلّ النّاس والتّاريخ والشّعر الجميل وآلاف العصافير ، وجعل من القصيدة التي أسمعتكَ مطلعها طريقه إلى ذلك ، لقد أثبتتْ تحرياتي السّريّة أنّه كان شاعرًا مغمورًا وعاشقًا لعوبًا وتاجرًا فاشلاً في بغداد ،وبعد تحريرها على أيدي أمريكا الفاتحة بعد قرون من احتلال العراقيين لها قرّر أن يركب الموجة ، ويخدع الجميع ، ويستغلنا نحن الأمريكيين الطيبين ، أمّن على حياته في فرع شركتنا في دارفور ، ثم تسلّل بشكل غير شرعي إلى إسبانيا ، وادّعى أنّها الأندلس ، وموطن الأجداد العرب ، وأعدّ العدّة ، وكتب هذه القصيدة المسروقة من متحف اللّوفر منذ وفاة صموئيل شامير الذي كتبها عن معاناة شعبه إبّان محارق النازيين له ، ومثّل دور الميت حزنًا وكمدًا وهمًا ، ودُفن في فناءٍ مجهول ، ثم جاءت زوجته اللّئيمة لتطالب بقيمة التّأمين على حياته بعد أن نشرتْ قصيدته المسروقة على الإنترنت ، فتغنّى بها العرب ، وطربتْ لها رمال الصحراء ، وسار بها الحداة وعازفو الربّابة. وللحقّ كادتْ تخدعنا ، وتحصل على التأمين لتسعد به وذلك اللئيم ، لكن ذكائي بل وخبثي وأنفي الحسّاس لكلّ خداع كشف حيلته ، وعرف أنّ موته ليس أكثر من إقامة مشروطة في القبر إلى حين انتهاء مدة عقوبة فقره ، وأنّ زوجته اللئيمة بدأت تخيط من خوص دجلة والفرات غيومًا متلبّدة ، وكدت أسمع صريخ الرّعد ، وأرى وهج البرق ، لكن في اللّحظة المناسبة اسيقظ صموئيل من قبره ، وأعلن ملكيته للعينيّة ، وفضح أكاذيب ابن زريق ذلك الأعرابي الجلف السّارق ، عندها قبضتُ بمساعدة قوات التّحرير الأمريكيّة على ابن زريق متلبسًا بالموت في قبره ، وألزمناه بالغرامات ، وحرّمنا عليه قول كلمة ” علوج ” ، وإلى الأبد.

صمتْ الموظّف ليرى أثر كلامه على وجه مديره الذي راعه مدى الشبه بين قسماته وأحافير وجه خنزيره ” بولي ” ثم ازدرد ريقه ، وأخذ جرعة ماء من كأسٍ أمامه.

فانتهره المدير قائلاً بتوتر : ” ثم ماذا حدث ؟ بدأت أُعجبُ بكَ الموظف الذّكي “.

استأنف الموظف بكبرٍ لا يليق بصفرته الشّاحبة : ” ثم استصدرتُ قرارًا قانونيًا عاجلاً نظرًا لمدى تضرّر الشّاعر الملهم صموئيل واستياء قبيلته التائهة في ضفاف بلاد البحيرات بإعدام ابن زريق بقصيدته “.

” وهل أُعدم بحق ؟ “

” نعم ، بالتأكيد “.

” أحسنت وماذا بعد ؟ “

” استرددتُ من ورثته مال التأمين ، علمًا بأنّنا لم نكن قد دفعناه لهم أصلاً “.

” رائع. ومن دفعه ؟ “

” دفعه كلّ عربيّ أحمق حفظ عينيته المسروقة “.

” رائع !!! وماذا بعد ؟ “

” وردتني آلاف التقاريـر من مصادر موثوقـة تُفيد بأنّ ابن زريق بحق هذه المـرة لم يمت !!! “

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق