ثقافة السرد

تفاح بطعم الحنظل

بقلم: نوال الغنم *

يحلو لي الجلوس بمقهى الوحدة. المقهى معروف بأنه يقدم أفضل شيشة تفاح في البلد، لكني أقصده لأغراض أخرى. طاولتي المعتادة في الزاوية القصية من القاعة، حيت بإمكاني تأمل الجلوس جميعاً دون أن تطالني عيونهم. أدفن وجهي في الجريدة عادة حتى لا تضطرني الظروف إلى مجاذبة أطراف حديث حائل اللون فاقد الطعم. أريد فقط أن أتذوق طعم عصير التفاح المعتاد، وأحل الكلمات المتقاطعة. لا أحد يعرف أحداً في هذا المقهى…

لذا أستمتع بقضاء الوقت فيه، أسترق النظر قليلاً إلى الجالسين وأمضي سويعات الراحة في هدوء تام.

 

 

أحب الأجواء الرمادية للمقهى، في القاعة تختلط الملامح، تبدو الوجوه كلها أليفة وسط الدخان؛ قد ترى في وجوه الجالسين أقرباء لك أحياناً إذا نظرت إليهم عبر دخان الشيشة الشفاف…

ذلك الرجل الجالس قرب باب المقهى، كأني أعرفه، رأيت تلك الملامح الإغريقية في مكان ما. ذاك الشعر الرمادي الأجعد، والأنف اليوناني، وتلك النظرة المتألمة الثاقبة. كأني رأيت تلك الملامح التراجيدية في مكان ما! لكني لا أستطيع أن أدقق النظر؛ دخان الشيشة يحجبه عني، دفنت رأسي في الجريدة مرة أخرى بانتظار أن تنحسر موجة الدخان…

أخبار الجريدة مُعادة ومعتادة، نفس الوجوه القديمة، نفس الانفجارات، ونفس الحروب، ونفس التصريحات. حتى صفحة التسلية لم يجدوا شيئاً يملؤون به فراغها، فأعادوا نشر رسوم كاريكاتير تعود لزمن السبعينات… والتلفاز القابع في الركن الأبعد من الصالة ليس أحسن حالاً؛ المذيع لازال يتحدث عن انفجارات جديدة في أمكنة انفجرت قديماً…

انفجر صوت قرقرة الشيشة ليغطي تماماً صوت المذيع الخافت. وتعالت سحب الدخان الرمادية تحجب اللون القاني الذي طغى على الشاشة…

التفت نحو الرجل الإغريقي محاولاً تذكره. بدت ملامحه مختلفة بعد انحسار الدخان… من حيث لا أدري، انبثق أمامه طفل في حوالي العاشرة من عمره. ليس ابنه قطعاً، فالطفل الصغير حافي القدمين، مُرقع الثياب، يكاد يكون أصلع لولا شُعيرات متفرقة في رأسه. وقف الطفل الصغير عاقداً يديه خلف ظهره ومحدقاً بالرجل… هل يتسول؟. لكنه لا يمد يده، فقط يقف هناك ويحدق فيه كما لو كان يعرفه.

طال تحديق الصبي، فتضايق الرجل وأشاح بوجهه شاتماً لاعناً المتشردين الذين يملؤون المدينة والبلد. أخذ نفساً عميقاً من الشيشة، ونفخ بعضاً منه في الهواء، وما تبقى في وجه الطفل الصغير وفمه لا يفتر عن السباب.

سار الطفل بخطوات وئيدة ويداه لا تزالان معقودتين خلف ظهره مخلفاً وراءه الرجل غارقاً في شتائمه ودخانه، واختفى مثل نقطة نور وسط أشعة الشمس التي أنارت الشارع فجأة.

الآن تذكرت… تذكرت الرجل الإغريقي!

قمت مسرعاً نحو الباب علني ألحق بحنظلة. لكنه كان قد ذاب في الزحام. وقفت عند العتبة متردداً بين اللحاق به والرجوع إلى ركني الهادئ في أقصى القاعة، حانت مني التفاتة نحو الرجل الجالس جوار الباب، لا يشبه ناجي العلي إلا قليلاً!. من حسرتي على ضياع حنظلة توجهت إليه بشبه صرخة:

–      إنه حنظلة!

ظل الرجل شارداً يحملق في الفراغ وأجاب دون أن ينظر إلي:

–      وماذا بعد؟

ألم تدرك الوضع؟ لقد لاحظ الشبه بينك وبين ناجي فظن انك هو.. لعله يريد الرسام لشيء ما…

جاءني الصوت حاداً عبر سحب الدخان:

–      أعرف تلك الأشكال.. أولاد الـ… لا يريدون غير المال!

تلاشت سحب الدخان فتلاشى الشبه الضئيل بينه وبين ناجي.

–      أنت لا تفهم! لو أنني فقط استطعت اللحاق به! آه لو كنت مكانك!

–      لنفرض أنك لحقت به، لنفرض أنك مكاني، ماذا كنت لتفعل؟!

تركت الرجل يغرق في الدخان مرة أخرى وعدت إلى طاولتي القصية. وجدت الجريدة مفتوحة على صفحة التسالي. أقصى يسار الصفحة الأخيرة رسم لناجي العلى. في الركن الأيسر منه فراغ أبيض صغير… وفي عقلي يرن سؤال الرجل:

–      ماذا كنت لتفعل؟!

*أديبة من المغرب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق