قراءات ودراسات

قراءة في رواية كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك

بقلم: جامع داود

– البداية من العنوان المميز والمثير للفضول والتساؤلات حتى قبل البدء وقبل فتح الرواية والبدء في القراءة .
– الرواية بعد الإنتهاء منها : كل هذا في هذه الرواية الصغيرة !!! رواية مميزة وميزتها في القراءات التي سيخرج بها كل قارئ لهذا العمل والتأويلات التي يفترضها الكم الهائل من الرمزية التي حوتها والتساؤلات التي ستجرها القراءة لبعض الرموز التي أعيد تكرارها خاصة ( المصعد ) الذي كان محل الخلاف الأكبر بين الشخوص في الرواية واختاره الكاتب لترجمته الذاتية للرواية للإيطالية ” صراع الحضارات حول مصعد في ساحة فيتوريو ” والكم الهائل الذي سيتعرف عليه القارئ من تعدد الثقافات والجنسيات لمتكلمين في الرواية وحياتهم بدون الإخلال بالأسلوب الروائي الممتع والبسيط ( البساطة لا تعني السقوط في السطحية هنا ) ولا أسلوب التلقين الذي يجر وراءه الرواية للملل والترهل، كل هذا نجح لخوص في تجنبه والخروج بنص استطاع جمع المتناقضات سواء في الأسلوب أو إثارة تجاوب المتلقي مع النص؛ مما يثير الإعجاب بقدرات الكاتب الذي استطاع تقديم نص روائي بطريقة منفردة ومبتكرة ( حسب قراءاتي أو حسب ما أذكر خاصة بالنسبة للأدب الجزائري ) حيث جعل عشر شخصيات تتحدث في مواجهة الشخصية المحويرة في الرواية – أحمد / أمِديُو- جاعلا سردهم حقائقهم الذاتية التي يتساءل في مواجهتها أحمد عن معنى الحقيقة ومن يملكها ويسرد يومياته في عواء واعترافات نعرف من خلالها الوجه الآخر لحقيقة أو ما يراه الآخرون حقيقة من منظور مغاير تماما .
– الكم المعرفي ببعض الثقافات والثقافة الإيطالية بالخصوص الذي حوته الرواية والذي جعله الكاتب في قالب الصدام بين الثنائيات سواء على عدة مستويات : الداخلية مع الخارجية (الإيطالي مع الأجنبي ) أو الخارجية خارجية ( العربي مع البنغالي ) أو الداخلية داخلية ( الإيطالي الجنوبي مع الشمالي ) أو الأوروبي أوروبي ( الإيطالي مع الهولندي / سياح الشمال ) في حوار وصدام لمختلف الثقافات والحضارات نعرف من خلالها الإختلافات بين مختلف الثقافات وطرح الأسئلة الكبرى عن الهوية، الإنتماء، اللغة، الهجرة، الثقافة، اللجوء، التعايش، الإندماج، العنصرية، كره الأجانب، الوطن، …… والأصعب ترك وطن وعائلة وجزء من الإنسان. هناك؛ في طرح يعالج عدة قضايا إنسانية بأبعاد متجاوزة للحدود وللثقافات ( الكاتب جزائري – البلد إيطاليا – الشخصيات إيرانية هولندية بنغالية إيطالية جزائرية ) ما يجعلنا أمام رواية إنسانية متعددة الثقافات من ثم يأتي الدور في أن يطرح السؤال : كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك. ؟؟؟ من/ ما هي الذئبة هنا ؟ وما هي الرضاعة معناها ؟ ما هو العض ؟ ما نتيجته ؟ ( كما هو معروف الذئبة هي رمز روما وناديها لكرة القدم اتخذ شعارها منه ) .

** عودة لأحداث الرواية :
– يقتل أحد ساكني عمارة في وسط روما وهو المكروه في العمارة الغلادياتور (glatiator) يعثر على جثته في مصعد العمارة يتزامن قتله مع اختفاء المهاجر الجزائري أحمد والذي يتهم بالجريمة بسبب إختفائه بعد الجريمة ,وخلافه مع القتيل. حيث ينشر الخبر عبر وسائل الإعلام ما يشكل صدمة لساكني العمارة وللمسؤول عن التحقيق كونهم يعرفون أحمد على أنه إيطالي اسمه أمديو ومعرفتهم به متجذرة لدرجة عدم تصديقهم وتقبلهم لخبر كونه القاتل وغير إيطالي وإتهام الشرطة ووسائل الإعلام له .
– يتوالى الحديث عن – أحمد / أمِديُو- من طرف من عرفوه وخالطوه وسرد حكاياتهم معه ومع قاطني العمارة وبعض يومياتهم يعقبه مباشرة استرجاع مذكرات أحمد التي كان يدونها أو يسجلها بتواريخها وساعاتها في كشوف للوجه الآخر لمنظور الحياة التي سبق وسردها من قبله على أنها حقيقة .
– نتكلم عن حقائق معارف أمديو بلا عواءاته التي لا يستطيع قلمي التحكم في قوة صوتها فلا خيار للقارئ إلا التعايش معها في أسطر الكتاب لا في أسطر هذه المراجعة :
– بارويز منصور صَمَدي الإيراني اللاجئ من نظام الملالي ومعاناته مع الإندماج بسبب اللغة ومحدودية فرص العمل ومشاكل إدمان الكحول وعدم تصديق السلطات لكونه هاربا من الموت ما يجعله يخيط فمه بعد عدم قبول طلب اللجوء ورفض التحرك والعلاج إلا أن يحضر صديقه الإيطالي أمديو الذي يصدم من رؤية بارويز مخاط الفم ما يجعله يدخل في بكاء ويشاركه بارويز في نحيبه ( في أقوى مشهد في الرواية بعد أن كان قبلها من السرد في جو كوميدي ما يشكل صدمة مباشرة للقارئ ) يخيط فمه حتى يترفع عن الكلام لعل الصمت افضل تعبير عن الحقيقة أفضل من تحريك الشفاه لتي قد تنطق الكذب. يدافع عن صديقه الوحيد في إيطاليا أمِديُو ضد الإتهام له بالقتل.وعدم تصديقه للشرطة (التي يتشكك أصلا فيها) في اتهامها لأمديو .
– بندتا النابوليتانية المسؤولة عن العمارة الكارهة للأجانب ولغير الجنوبيين من الإيطاليين والتي لها معاييرها التصنيفية الجد خاصة والإحساس بالمظلومية من الجميع إلا من السنيور الإيطالي الحقيقي أمديو المتخلق الذي يتكلم الإيطالية حتى أفضل من أستاذ الجامعة القاطن معهم .في العمارة نقطته السوداء في رأيها صداقته مع “الألباني” المسلم تاجر المخدرات بارويز القاتل الحقيقي للغلادياتو حسب ظنها والذي اتهم بسببها زورا أمديو بدل من الألباني .
– إقبال أمير الله البنغالي المسلم الذي يعتبر أميديو زبونه الإيطالي الأفضل من الكل حتى من المسلمين كونه متسامحا مع إقبال وغير عنصري وأفضل أصدقائه هو بارويز المسلم وأنه حتى أفضل من بعض المسلمين العرب المتطرفين والذي منهم عبد الله الجزائري الذي اتهمه بالكفر كون اسمه أمير الله ولا يفهم العربية لغة الإسلام ولو فهمها لغير اسمه !!!
– إلزابتا فابياني المحبة للكلاب التي يختفي كلبها بعد عدة مشاكل ونقاشات كان كلبها هو سببها تظن أن كلبها خطف من قبل الصينيين الأجانب الكارهين للكلاب ومن ضمنهم و بارويز الغجري بائع المخدرات في ساحة فيتوريو متظاهرا بإطعام الحمام صديق أميديو الذي كان متفهما لوجود كلبها الذي تفضله هو والكلاب الإيطالية عن الأجانب فهي لم تسمع يوما بكلب اغتصب من آوته على عكس بعض المهاجرين .
– ماريا كريستينا غونزاليز المهاجرة غير الشرعية من البيرو التي تعتني بعجوز قاطنة في العمارة تمر أيامها في تكرارية ورتابة ليست هي ما يقلقها بل مستقبها وفقر أهلها الذي تتحمل من أجله حتى الإغتصاب والحمل منه وما يترتب عنه من إجهاض.وعدم شكواها لخوفها لكونها مهاجرة غير شرعية أمديو يكتشف أن الغلاذياتور يستمر في الإعتداء على ماريا فيكون سبب خصامهما النهائي وتهديد أماديو له والذي يعقبه قتل الغلادياتور واختفاء أمديو . الذي لا تعتقد ماريا أنه القاتل لطيبته حتى أنها عاهدت نفسها ان تزوجت وحملت ستسمي ابنها باسم أمديو عرفانا له.
– أنطونيو ماريني الأستاذ الجامعي الآتي من ميلانو المدينة التي تمثل المثل الإيطالية على عكس أهل روما وأهل الجنوب ككل والذي حاول أن يجعل قاطني عمارته متحضرين قليلا لكنه باء بالفشل الذريع المفارقة تعرفه على الساكن والقادم من جنوب الجنوب الإيطالي حسب قوله وعدم تشبهه بهم في أي شيء بتاتا سواء في اتقانه للإيطالية أو سعة اطلاعه بتاريخ إيطاليا والمسيحية خاصة في الشمال الإفريقي والغريب ما نشر عنه من أنه مهاجر متهم بعملية قتل الغلادياتور الذي لا يحبه أحد .
– يوهان فان مارتن الهولندي الذي لا يتقن الإيطالية التي تسبب له بعض الخلافات والتي لم تكن اللغة وحدها سببها خاصة أنه أوروبي مثله مثل الإيطاليين ما دعاه للتفكير هل أوروبا كيان واحد؟ يدرس السينما الإيطالية ومعجب بواقعيتها ويحلم أن يكون فيلمه الأول حول العمارة التي يقطنها خاصة مع وجود كل مقومات الفيلم فيها المؤسف مقتل صديقه الغلادياتور غير المحبوب بسبب تصرفاته والأغرب اتهام الشخص الذي يمثل إيطاليا العظمى بالقتل رغم الخلافات التي كانت علنية مع صديقه إلا أنها لا تصل حد قتله من طرف أماديو الذي تقول وسائل الإعلام أنه مهاجر وليس إيطاليا .
– ساندرو دانديني صاحب البار الذي يرتاده والذي صار صديقه خاصة بعد أن صار سبب معرفته باسمه الجديد أمديو وجعله من مناصري نادي روما فهو من أهل الجنوب لكنه ليس من نابولي الذين لا يحبهم لإختلافات أساسها الأول كرة القدم يستغرب كيف يقال عمن يعرف روما أفضل من أفضل سائقي سياراتها أن يقال عنه غير إيطالي وغتهامه بالقتل وهروبه !!! هذا ما يرفض تصديقه بتاتا.
– ستيفانيا مسّارو الزوجة والحبيبة التي ضحى من أجلها أماديو بكل شيء وتركه خلفه تعلم الإيطالية من أجلها أحب الطبخ الإيطالي من أجلها … صار إيطاليا من أجلها هو أماديو المدهش والوحيد الذي ستبحث عنه وتدافع عن براءته فهي على يقين من براءته. رغم عدم معرفته بماضيه فهو تزوجها ليكونا معا في الحاضر المستقبل لا ليحفرا في قبور ذكرياتهما وذكرياته بركان لا يريده أن يثور .تتساءل أحيانا من يكون ماذا كان وكيف كان ماضيه وسر الكوابيس التي تراوده وسر كلمة بجة التي يرددها في أحلامه سالت بعض العرب والجزائريين عن معناها بلا جدوى .
– عبدالله بن قدور الذي نزل إيطاليا مهاجرا وجعلته الظروف بائع سمك في ساحة في فيتوريو حيث يلتقي ويتعرف على أخ صديق طفولته أحمد الذي اختفى من حيهم في العاصمة بعدما لم يتحمل ما حدث لحبيبته ” بهجة ” وعلى مقربة من زواجه منها حيث قتلت من طرف الجماعات المسلحة في كمين مزيف أغتصبت فيه النساء وقتلت من حاولن الفرار على إثر ذلك الحدث لم يعرف لأحمد أثر إلى أن صادفه في وسط روما تبعه وناداه لكنه يتعجب من برودة تعامل أحمد الذي يتظاهر بعدم معرفته أول الأمر والذي يكتشف فيما بعد أنه تزوج من إيطالية وغير اسمه إلى أماديو في فعل مخالف للإسلام على الرغم من هذا هاهم يتهمونه بجريمة قتل لم يرتكبها لا ييعلمون أن أحمد يختفي فقط في كل مرة أين أنت يا أحمد ؟؟
– ماورو بتاريني صديق أمديو المحقق وضابط الشرطة المسؤول عن التحقيق في جريمة قتل الغلادياتور يتعجب من أن كل الحقائق تحيل إلى أن القاتل هو أحمد سالمي المعروف بأمديو والذي لا يوجد أي شخص بصفة رسمية بهذا الاسم لكن الحقيقة تبقى حقيقة والقضية أغلقت بالتوصل إلى أن احمد هو قاتل الغلاذياتور بسبب خلافاتهم المستمرة واالتي زادت حدتها مؤخرا.لكن هذه الحقيقة تتغير بسبب اتصال هاتفي من طرف طبيبة في مستشفى بروما بعد مشاهدتها لحوار يكشف فيه عن كشف لغز قضية القتل هذا اللغز يبدأ من جديد بعد تلبيته الدعوة زيارته للمشفى ومقابلته ما يجعل كل القضية تتداعى وتبدأ من جديد عملية البحث عن القاتل الحقيقي والتي لم تطل

** القاتل مر اسمه فوق فلا تبحثوا كثيرا 
رواية تستحق القراءة لأنها رواية إنسانية كتبت بإتقان وجهد.. الشكر لمن كانت سبب شرائها لي ( د/ آ م )
التقييم 3.5 / 5
الإقتباسات :
* يحتاج الإنسان للحلم كحاجة السمكة للماء .
* يا إلهي من أين يأتي كل هذا الحزن؟ كل هذا الصمت؟ ما فائدة الكلام؟ هل هناك طرق أخرى لقول الحقيقة دون تحريك الشفتين ؟
* من يملك الحقيقة ؟ بل ماهي الحقيقة ؟ هل تقال الحقيقة باللسان ؟ قال بارويز حقيقته مكمم الفم خاط فمه متكلما بصمت .
* هل الحقيقة دواء يشفي أم أنه سم يقتلنا ببطء.
* الغراب هو أول خبير في دفن الأموات في التاريخ .
* .أنا لا أثق في التائبين .
* ” الحقيقة في أعماق البئر : تنظر في بئر : فترى الشمس أو القمر، لكنك إذا ألقيت نفسك فيه ، فإنك لن تجد الشمس ولا القمر، هناك الحقيقة فحسب ” ليوناردو شاشا ..
* يا أطباء العالم اتحدوا .
* للمهاجر وجه واحد عبر التاريخ رغم اختلاف لسانه ودينه ولون جلده .
* الحقيقة هي قيد يجعلنا عبيدا .
* يا للعجب كرة القدم تصنع الهوية ! فائدة من الدين الواحد واللغة الواحدة والتاريخ المشترك والمستقبل المشترك .
* ما يهمني حقا هو أن أرضع من الذئبة دون أن تعضني .
* عن أجمل مراحل الحب هي مرحلة التعارف والغطس الجميل في بحر العشق دون الاهتمام بالتفاصيل وطرح التساؤلات المملة .
* التواضع هي اللغة الوحيدة التي تفهمها الصحراء .
* الرحلة الجميلة لا تنتهي أبدا لأنها تحمل في طياتها وعدا ببداية جديدة لرحلة قادمة. إنها كحكايات شهرزاد لا تنتهي أبدا وإنما تبدأ باستمرار.
* ما أجمل التحرر من قيود الهوية التي تقودنا إلى الهاوية .
* ” الناس السعداء ليس لهم عمر ولا ذاكرة. إنهم لا يحتاجون إلى الماضي” طاهر جاووت.

 

الكتاب : كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك.
المؤلف : عمارة لخوص.
الناشر : الدار العربية للعلوم، منشورات الإختلاف .
الصفحات : 151 صفحة .

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق