ثقافة المجتمع

هل يحل التحكيم مكان القضاء في القرن الحادي والعشرين؟

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

مقدمة: في البدء كان التحكيم وسيلة حل النزاعات الوحيدة وقد شجعته الأديان التوحيدية وخاصة الإسلامية منها واستمر التحكيم على فرادته في حل المشكلات وإدارة النزاعات إلى أن تكونت الوحدات السياسية ذات السيادة والسلطان والدول والممالك والامبراطوريات فنشأ نظام القضاء ليطبق القانون السياسي والقضائي المعمول به في هذه الوحدات السياسية بغض النظر عن الدين والانتماء السياسي للأفراد كقاعدة عامة باستثناء بعض الأمور القانونية التي تمس الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق حيث حافظت بعض المذاهب على خصوصيتها الدينية بعيدا عن المدنية التي جلبتها الدولة معها عند تكونها . وقد ظل التحكيم قائما يؤدي دورا هاما لكن ثانويا إلى جانب النظام القضائي في حل المشكلات التي يعاني منها الإنسان في هذا المجتمع خاصة في حسم المنازعات التي تظهر في أوساط دينية أو عرقية أو مذهبية تبتعد كثيرا عن الدخول في أحكام القانون السائد في البلد الذي تعيش فيه فيجدون في التحكيم مخرجا لهم من تطبيق الأحكام القضائية والقانون الذي يتعارض أحيانا مع شرائعهم ومعتقداتهم وأعرافهم . وقد سبق التحكيم القضاء في وجوده ونشأته وتطوره إذ أنه يهدف عبر توافق الأطراف المتنازعة إلى تحقيق العدالة في حين أن القضاء يهدف عبر آلياته إلى تطبيق القانون بغض النظر عن العدالة المنشودة .
التحكيم وسيلة طوعية لحل الخلافات وفض النزاعات قوامه الإرادة الحرة في اللجوء إليه أولا واختيار المحكمين واختصاصهم وتحديد المشرفين على التحكيم والقبول بالتراضي بالنتائج التي يخلص لها المحكمون . والتحكيم على خلاف القضاء يمتلك أقصى درجات المرونة في حل النزاعات والخلافات وابرام التسويات . القضاء يتقيد بالنصوص القانونية والتشريعات المعمول بها في إقليم الدولة وله إجراءات ومدد قانونية قد تطول أحيانا وقد يصدر عنه قرارات غير متوافقة وإرادة المتخاصمين . وعند مقارنة التحكيم بالقضاء نجد أن رصيد التحكيم في ازدياد في القرن العشرين لأسباب سوف نوجزها في هذه الدراسة لاحقا .
في هذه الدراسة سنقوم بإجراء دراسة مقارنة بين التحكيم و القضاء وسنوجز مزايا ورزايا كل مفهوم قانوني على حده بحيث نتيح للقارئ الكريم أن يحصل على ما تيسر من معلومات مفيدة حول التحكيم والقضاء .

تعريف التحكيم :
عَرَّفَ فقهاء القانون التحكيم بعدة تعاريف اختلفت عباراتها وتوحد معناها بأنه: اتفاق وطريقة وأسلوب لفض المنازعات التي نشأت أو ستنشأ بين أطراف في نزاع معين عن طريق أفراد عاديين أو خبراء يتم اختيارهم بإرادة أطراف المنازعة للفصل فيها بدلا من فصلها عن طريق القضاء المختص. وقد عَرَّفَ القانون الفرنسي التحكيم في قانون المرافعات في المادة(1442) بأنه: “اتفاق يتعهد بمقتضاه الأطراف في عقد معين من العقود بإخضاع المنازعات التي يمكن أن تنشأ بينهم في المستقبل للتحكيم” وجاء في المادة(1447) على أنه “اتفاق الأطراف على إخضاع منازعة نشأت بينهم بالفعل لتحكيم شخص أو أكثر” . أما القانون الهولندي فقد نص في المادة ( 1020 ) من قانون التحكيم على أنه : “اتفاق الأطراف على إحالة المنازعات التي تنشأ أو قد تنشأ مستقبلاً نتيجة علاقة قانونية معينة عقدية أو غير عقدية إلى التحكيم”.
وقد عرّف القضاء التحكيم على أنه ” طريق استثنائي لفض الخصومات قوامه الخروج عن طريق التقاضي العادية وما تكفله من ضمانات ومن ثم فهو مقصور حتما على ما تنصرف إرادة المحتكمين إلى عرضه على هيئة التحكيم ” ( محكمة النقض المصرية )
كما عَرَّفَ القضاء الفرنسي التحكيم بأنه :”اللجوء إلى أطراف محكمين ليسوا قضاة ، لفض نزاع ما بعيداً عن سلطة القضاء بحيث لا يلجأ إلا فيما يراه المحكمون لازما لذلك”.
وهناك أنواع كثيرة للتحكيم منها التحكيم التجاري ، والتحكيم الإداري ، وتسوية النزاعات بالطرق الداخلية و الخارجية .

أنواع التحكيم :
1- التحكيم الخاص : وفي هذا النوع من التحكيم ، يحدد فيه أطراف النزاع المواعيد والمهل ويعينون المحكمين ويقومون بعزلهم أو ردهم ، ويقومون بتحديد الاجراءات اللازمة للفصل في قضايا التحكيم .. ويعتبر التحكيم خاصاً ولو تم الاتفاق بين طرفي النزاع على تطبيق إجراءات وقواعد منظمة أو هيئة تحكيمية طالما أن التحكيم يتم خارج إطار تلك المنظمة أو الهيئة . ومن ذلك على سبيل المثال ، أن يختار الطرفان تطبيق القواعد الصادرة عن لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية المعروف بقواعد اليونسترال للتحكيم . فالعبرة في هذا النوع من التحكيم بما يختاره طرفا النزاع من إجراءات وقواعد تطبق على التحكيم وخارج أية هيئة أو منظمة تحكيمية حتى وإن استعان الطرفان بالإجراءات والقواعد والخبرات الخاصة بتلك الهيئة أو المنظمة. هذا التحكيم الذي كان أول نوع من أنواع التحكيم ما زال مستمراً وما زالت له مكانة هامة في حقل التحكيم ، ولا سيما في المنازعات التي تقع بين الدول. فإن الدول ذات سيادة وحين تذهب إلى التحكيم فإنها لا ترضى به إلا إذا فصلته على القياس والشكل الذي يراعي سلطتها وسيادتها. وكثيراً ما يحصل ذلك في منازعات تكون أطرافها الدولة ذاتها أو إحدى وزاراتها أو مصالح حكومية تابعة للدولة. ولكن مفهوم الدولة الذي أوجد نوعين من المؤسسات العامة التابعة للدولة ، منها التي ترتبط بمرافق عامة ومنها التي لها نشاطات صناعية وتجارية ولها طابع خاص من الذاتية والاستقلالية الإدارية والمالية ، هذه المؤسسات حين تكون طرفاً في النزاع لا تطرح سلطة وسيادة الدولة وهى تقبل ثم تذهب بسهولة إلى تحكيم مراكز التحكيم. ولكن النوع الآخر من المؤسسات العامة أو الوزارات هو الذي لا يقبل إلا التحكيم الذي يساهم هو في تنظيمه وتشكيل محكمته التحكيمية بحيث يختار هو محكميه ويختار هو وخصمه المحكم الثالث ، بحيث إذا لم يتوصل هو وخصمه إلى هذا الخيار يتوقف التحكيم ، ثم ينظم هو وخصمه إجراءات التحكيم وأصوله. ثم تتولى المحكمة التحكيمية التي أوجدوها بالاتفاق – إذا اتفقوا – تتولى هذه المحكمة النظر في الخلاف ثم الفصل فيه بحكم لا يكون خاضعاً لرقابة هيئة حقوقية دائمة أخرى. هذا النوع من التحكيم إذا كانت كمية المنازعات التي تحل عن
طريقه هي أقل ، إلا أن نوعية المنازعات التي تُحل عن طريقه عديدة لأنه يناسبها أكثر ، ولا سيما المنازعات الكبرى بين الدول حول المواضيع التجارية والمالية أو المنازعات بين شركات متعددة الجنسيات. ويمكن القول أن تحكيم الحالات
الخاصة هو تحكيم على القياس ، وتحكيم مراكز التحكيم هو تحكيم جاهز في مقاييسه ومعاييره. ( أحمد يوسف خلاوي )
2- التحكيم المؤسساتي: وهو التحكيم الذي يعتمد على مؤسسات وهيئات ومراكز متخصصة في مجال التحكيم بما تملكه من إمكانات علمية وفنية مادية وعملية ولوائحها الخاصة في إجراءات التحكيم ، ولقد أنشئت العديد من تلك الهيئات سواء على المستويات الإقليمية أو الدولية ويمكن أن نذكر من مؤسسات التحكيم الدولية هيئة التحكيم لغرفة التجارة الدولية I.C.C و هيئة التحكيم الامريكية A.A.A و محكمة لندن للتحكيم الدولي.
3- التحكيم الدولي والداخلي : وهو التحكيم في مجال علاقات التجارة الدولية والمصالح الخارجية لأطراف النزاع والتي تكشف إرادتهما المشتركة عن أن التحكيم ناشئ عن علاقة تجارية دولية أو مصالح خارجية أي خارج الدول التي ينتمون إليها. ولقد وجد التحكيم الدولي مجاله الخصيب خصوصاً مع تنامي العلاقات التجارية بين الدول وازدهار المشروعات الاستثمارية وتعدد الاتفاقيات الدولية المتعلقة بالاستثمار وضمان الاستثمار . ولكن ما هي المعايير التي يمكن الوقوف عندها في التحديد: في التحكيم الدولي يجلس المحكمون وأطراف النزاع ومحاموهم حول طاولات في قاعة اجتماعات ، ليس فيها شكليات المحاكم القضائية. في التحكيم الداخلي ، المحكمون والاطراف كلهم من أبناء البلد الذي يجري فيه التحكيم والقانون المطبق هو قانون البلد الذي يجري فيه التحكيم. أما في التحكيم الدولي فالنزاع بين شركة إيطالية وشركة سورية مثلا والقانون المطبق هو القانون الفرنسي والتحكيم يجري في جنيف والمحامون هم إيطاليون وسوريون ، وهناك ربما في الدعاوى الكبرى محام سويسري أو ربما محام فرنسي مكمل للمحامين الايطاليين عن الشركة الايطالية ومحام سويسري أو ربما محام فرنسي مكمل للمحامين السوريين . وربما اكتفى كل طرف بمحامين من جنسيته ، ولكن حجم الدعوى ربما يسمح بدخول محامين إضافيين آخرين غير المحامين الذين تعودهم كل طرف ، محامين دوليين تكون لهم علاقة بالقانون المطبق أو يكونون من جنسية رئيس المحكمة التحكيمية وثقافته القانونية. هذا التنوع في الجنسيات يهون أمام التنوع في الانظمة القانونية وأمام المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي ترعى هذا التحكيم الدولي.

مزايا التحكيم :
للتحكيم مزايا لا يقدمها القضاء في بعض الحالات ، ويمكن أن نلخصها بما يلي :
1- السرعة : يمتاز التحكيم بسرعة الإجراءات في الفصل في النزاعات والخلافات القائمة في أقل وقت ممكن وهذه المزية لا تتوافر في الأنظمة القضائية التقليدية لأنها مقيدة بالقوانين والتشريعات والنصوص القانونية والمدد.
2- السرية : يمتاز التحكيم بالمحافظة على سرية العقود والقضايا الخلافية والتفاصيل حيث لا يجوز الافصاح عن محتوى الاتفاقيات بين أطراف النزاع أو طريقة الحل وخاصة في عقود الشركات الكبرى التي تحاول دائما عدم الافصاح عن أسرارها في حين أن القضاء يميل نحو العلانية والافصاح في المنازعات باعتبارها ضمانة من ضمانات العدالة .
3- التخصص والخبرة : ليس من الضروري أن يكون المحكم رجل قانون فقد يتفق الفرقاء على تعيين محكم من أصحاب الخبرة والاختصاص في موضوع النزاع يكون أكثر قدرة من المحامي أو القاضي في حل النزاع وتسوية الخلافات بالطرق الودية . وهنا نذكر أن التحكيم أقرب إلى العدالة من القضاء الذي يميل إلى تطبيق القانون . يكثر استخدام التخصص والخبرة في القضايا التي لها علاقة بالأعمال التجارية الدولية والتأمين والنقل البحري .
4- الفعالية : التحكيم أكثر فعالية من القضاء في إنهاء الخصومات وتسوية النزاعات لأنه يستمد فعاليته وسلطته ليس من القانون وإنما من إرادة الفرقاء في القبول بنتائج التحكيم مهما كانت وتنفيذ قرارات التحكيم في أقصر وقت ممكن بينما يميل القضاء في حال عدم قبول أحد الفرقاء النتائج إلى الاستئناف واللجوء إلى محاكم أعلى أو ذات اختصاص أكثر شمولية . قرارات التحكيم نهائية ولا تحتاج إلى الطعن والاستئناف.
5- الود : على خلاف القضاء ، تكون العلاقات القائمة بين الفرقاء المتخاصمين في التحكيم مبنية على الود والاحترام والرغبة في إنهاء المشكلات مهما كانت النتائج. يبتعد التحكيم دائما عن الكيدية لأنه يعتمد التوافق بين الفرقاء وهذا يعزز التعاون والسلام بين البشر .
6- الضمان : عند إدخال بند التحكيم في العقود التجارية أو أي نوع من العقود الأخرى تكون وسيلة جذب للاستثمارات والطمأنينة لأن الشركات والاستثمارات بطبيعتها تميل إلى الهدوء في حل مشكلاتها وتبتعد عن الروتين والتعقيد والنزاعات القضائية. التحكيم وسيلة لتوطين الأمن والطمأنينة بين المستثمرين . ولهذا السبب تجد بند التحكيم ظاهرا في الكثير من عقود الشركات الدولية رغم أنه غير معروف أو مسموح به في العقود الصغيرة .
7- المرونة : يمتاز التحكيم بالمرونة لأنه يتحرر من الأمور الشكلية والموضوعية المتوافرة بكثرة في القضاء . يتقيد القضاء بتحقيق الاجراءات المنصوص عليها في القوانين والأنظمة السارية المفعول في بلده في حين يميل التحكيم إلى التحرر من القيود ، ونتذكر هنا قول أرسطو الشهير : ” عين القاضي على تطبيق القانون أما عين المحكم فهي على تحقيق العدالة .”
8- تفادي مشاكل الترجمة : تكثر تعابير ” اللغة السائدة في العقود” أو ” القوة القانونية للغة ” في العقود التي تخضع للقضاء أما في العقود التي تخضع للتحكيم فقلما تجد هذه التعابير فيها . من جانب آخر يحتاج القاضي إلى ترجمان محلف يقوم بمهمة الترجمة وحل النزاعات الناشئة عن اللغة بينما يختار المحكم من يجد فيه الخبرة والكفاءة في فهم وتحليل النصوص من الناحيتين الفنية والقانونية .
9- تفادي اختلاف المنظومات السياسية والاقتصادية : ولهذا السبب يعد التحكيم من المخارج الهامة في عقود النفط والغاز المنتشرة في العالم لأنه يعد مخرجا من التعارض في القوانين والثقافات واللغات ويمكن اللجوء إلى محاكم تحكيم دولية تكون بعيدة عن أماكن توقيع وتنفيذ العقود لحل الخلافات .
10- تجنب النزاع قبل حدوثه : في كثير من الحالات يكون التحكيم ذو طبيعة وقائية لا علاجية لأنه وبسبب سرعة الاجراءات يمكن تفادي المشكلات والنزاعات القانونية قبل حدوثها . في حين نجد أن القضاء يعالج الأمور والمشكلات بعد حدوثها .

رزايا التحكيم :
صحيح أن التحكيم يحل مشكلات كثيرة في الحياة المهنية لكن يرافقه الكثير من العيوب والسلبيات القانونية التي ترافقه . ويمكن أن نلخص رزايا التحكيم فيما يلي:
1- يعزز ثقافة الأقوى : يضر التحكيم كثيرا بالدول والشركات الفقيرة والنامية لأنه في مجمله ليس إلا ألية من أليات العولمة والدول المتقدمة التي تمتلك النظرية والتطبيق والمعايير الدولية المعترف بها عالميا والمحمية من الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها . للأسف كل القواعد والشروط والأحكام التي تتضمنها العقود والاتفاقيات الدولية تنص على ضرورة اجراء التحكيم لدى مراكز التحكيم الدولية خاصة وأن معظم الشركات الدولية هي شركات متعددة الجنسية تمتلك زمام المبادرة في كل المجالات الاقتصادية والسياسية والقانونية التي تعمل وسطها. وحيث أن ثقافة الشركات الكبرى ثقافة غنية تعتمد على المفكرين والخبراء في إدارة شؤونها وعملياتها التجارية والقانونية والاقتصادية . أما القضاء فرغم طول المدة التي يستغرقها البت في القضايا القانونية المعروضة أمامه ولكنه يحقق التوازن بين المتخاصمين ويضعهم على مسافة واحدة من القاضي.
2- التحكيم مكلف ماديا : وذلك بسبب النفقات المالية التي تطلبها هيئات التحكيم الدولية والمحكمين على اختلاف جنسياتهم لأنهم يعتبرون التحكيم نوعا من العمل والأعمال المربحة ماديا ويدفع المتحاكمين نفقات تترتب على الفريقين أما في القضاء فالحالة مختلفة لأن التقاضي عملية حكومية مجانية ويتكبد الطرف الخاسر نفقات التقاضي.
3- التحكيم لا يضع حدا للتخاصم : لأن التحكيم لا ينهي الخلاف بين الأطراف المتنازعة فقد تضطر جهات التحكيم للجوء للقضاء من أجل انهاء الخلاف الحاصل بشكل نهائي .
4- التحكيم قد لا يحقق السرعة : رغم أن التحكيم يشترط مددا قانونية قصيرة لإنهاء الخلافات والوصول إلى حلول مرضية إلا أنه يستغرق أحيانا مددا قانونية قد تصل لسنوات وسنوات . وفي هذه الحال ، يصبح التحكيم والقضاء على نفس المسافة لكن القرارات القضائية ملزمة ونهائية على خلاف قرارات التحكيم .
5- التحكيم خال من الضمانات القضائية : التحكيم يحرم المتحكمين من الضمانات القضائية التي نعرفها في القضاء العادي . الدولة تضمن القرارات القضائية وتترك مجالا للطعن في القرارات القضائية ضمن مدد قانونية قبل أن تكتسب الدرجة القطعية في حين أن قرارات التحكيم تخلو في معظمها من الضمانات الكافية للفرقاء . وتعتمد على الخبراء والمختصين ( تجاريين – فنيين – إداريين) وأحيانا تعتمد مراكز التحكيم على المصالح الخاصة بالشركات.

التحكيم في القرآن الكريم

التحكيم جائز من الناحية الشرعية وهناك آيات تنص على التحكيم وتضع شروطا له ومن الآيات التي تدل على التحكيم ما يلي :
***
بسم الله الرحمن الرحيم
(( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً )) .
صدق الله العلي العظيم
***
بسم الله الرحمن الرحيم
)) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ((
صدق الله العلي العظيم

أهم اتفاقيات التحكيم الدولية :

اتفاقية الأمم المتحدة بشأن عقود البيع الدولي للبضائع – اتفاقية فيينا – 1980
الاتفاقية الأوروبية للتحكيم التجاري الدولي – اتفاقية جنيف – 1961
اتفاقية الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وإنفاذها – اتفاقية نيويورك – 1958
اتفاقية واشنطن لتسوية منازعات الاستثمار بين الدول ومواطني الدول الأخرى – 1965
اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار في الدول العربية – 2000
اتفاقية البلدان الأمريكية بشأن التحكيم التجاري الدولي – 1975
اتفاقية الأمم المتحدة للنقل البحري للبضائع – قواعد هامبورج – 1978
اتفاقية تسوية منازعات الاستثمار بين الدول المضيفة وبين مواطني الدول العربية – 1974
اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بالكفالات المستقلة وخطابات الاعتماد الضامنة – 1995
اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة باستخدام الخطابات الإلكترونية في العقود الدولية – 2005
اتفاقية الأمم المتحدة لإحالة المستحقات في التجارة الدولية – 2001
اتفاقية فترة التقادم في البيع الدولي للبضائع بصيغتها المعدلة بالبروتوكول المعدل لاتفاقية فترة التقادم في البيع الدولي للبضائع – 1974
اتفاقية الأمم المتحدة للسفاتج (الكمبيالات) الدولية والسندات الإذنية الدولية – 1988
اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بمسؤولية متعهدي محطات النقل الطرفية في التجارة الدولية – 1991
اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بعقود النقل الدولي للبضائع عن طريق البحر كليا أو جزئيا – قواعد روتردام –
قوانين التحكيم الدولية والعربية

قانون الأونسيترال النموذجي للتحكيم التجاري الدولي
قواعد الأونسيترال للتحكيم – بصيغتها المنقحة في عام 2010
قانون الأونسيترال النموذجي بشأن الإعسار عبر الحدود
قانون الأونسيترال النموذجي للتوفيق التجاري الدولي 2002
قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التوقيعات الإلكترونية مع دليل الاشتراع 2001
قانون الأونسيترال النموذجي بشأن التجارة الإلكترونية 1996
نظام التحكيم التجاري الأمريكي بواسطة اتحاد التحكيم الأمريكي
وهناك الكثير من قوانين التحكيم المحلية الخاصة بكل دولة ولكنها مستمدة من روح القوانين الدولية .

التحكيم في سورية
أصدر المشرع السوري قانون التحكيم رقم 4 لعام 2008 حرصاً منه على فصل النزاع في أقصر فترة ممكنة ، و حرصاً منه على احترام إرادة طرفي النزاع ، وبقصد مواكبة التطور في القانون و التسهيل في حل المنازعات و بخاصة منازعات التجارة الدولية و لتشجيع دخول الاستثمارات الأجنبية إلى سورية ، كون المستثمر الأجنبي قد لا يكون مرتاحاً بإخضاعه لمحاكم الدولة التي يستثمر فيها ، لذلك فصدور قانون التحكيم يجعل المستثمر أكثر اطمئناناً لأنه يحق له أن يجعل التحكيم شرطاً في أي عقد يبرمه أو ينفذه في سورية لا سيّما مع تطبيق قانون التحكيم السوري للاتجاهات و النظريات الحديثة في التحكيم ، و هذا ما يجعل سوريا مقصداً لإقامة التحكيم فيها من قبل المواطنين و الأجانب على حد سواء .
و هذا القانون جعل نظام التحكيم بديلاً و مستقلاً عن القضاء فلا يجتمعان ( مادة 1 تعريف التحكيم ) ، و بالتالي أكد أن التحكيم ليس فرعاً من القضاء و ليس استثناء منه ، بل جعل للتحكيم خصوصيته و تطبيقاته المستقلة فلا يشترط في إجراءات التحكيم ما يشترط في إجراءات التقاضي أمام المحاكم و لو كانت المصطلحات الإجرائية متشابهة في كلا النظامين إلا أنه يوجد بعض الاختلاف في تطبيقاتها ، و لعل المثال الأبرز على ذلك هو أن قانون التحكيم أشترط حياد المحكم و استقلاله عن طرفي التحكيم و هي نفس الشروط التي تشترط في القاضي ، و لكن هذه الشروط أعطاها قانون التحكيم مرونة سيّما أن طرفي
التحكيم قد يعهدا التحكيم إلى صديق مشترك أو إلى قريب لأحد الطرفين ممن يثقان به أو يعهدا التحكيم إلى صديق لأحدهما و هذا كله بشرط أن يقدم المحكم واجب الإفصاح عن الظروف غير المعلومة التي تثير الشك في حياديته و استقلاله و إلا كان حكم التحكيم عرضة للإلغاء بدعوى البطلان كون تشكيل الهيئة هنا أصبح مخالف لأحكام قانون التحكيم، أما بالنسبة للقاضي فهذه الأمور تشدد بها المشرع و لم يسمح بها و وضع لها قيوداً صارمة .
ويذكر أن قانون التحكيم السوري أخذ معظم أحكامه عن قانون التحكيم المصري رقم 27 لعام 1994 و الذي تم تعديل بعض أحكامه لاحقاً ، و القانون المصري كذلك أخذ معظم أحكامه من قانون التحكيم النموذجي الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1985 ( الأونسيترال ) .
ويجدر بالذكر أن القانون المدني السوري كان قد لحظ سابقا موضوع التحكيم قبل صدور قانون التحكيم السوري الجديد رقم 4 لعام 2008 فنجد قانون أصول المحاكمات المدنية ، المرسوم الاشتراعي تاريخ 28/9/1952 ينص صراحة على التحكيم ويفصل الكثير من الإجراءات التي يمكن اللجوء إليها لحل المشكلات وسنذكر أدناه فقرة التحكيم للتوضيح والتوثيق:
قانون أصول المحاكمات المدنية
المرسوم الاشتراعي تاريخ 28/9/1952
الباب الرابع
التحكيم
المادة (506)
1- يجوز للمتعاقدين أن يشترطوا بصفة عامة عرض ما قد ينشأ بينهم من النزاع في تنفيذ عقد معين على محكم واحد أو أكثر.
2- يجوز الاتفاق على التحكيم في نزاع معين وبشروط خاصة.
المادة (507)
لا يصبح التحكيم إلا ممن له أهلية التصرف في حقوقه ولا يصح التحكيم في نزاع يتعلق بالأحوال الشخصية أو بالجنسية أو بالمسائل التي لا يجوز فيها الصلح.
المادة (508)
لا يصح أن يكون المحكم قاصراً أو محجوراً عليه أو محروماً من حقوقه المدنية.
المادة (509)
لا يثبت التحكيم إلا بالكتابة
المادة (510)
يجب أن يحدد موضوع النزاع في صك التحكيم أو أثناء المرافعة ولو كان المحكمون مفوضين بالصلح وإلا كان التحكيم باطلاً.
المادة (511)
إذا تعدد المحكمون وجب في جميع الأحوال أن يكون عددهم وترا.
المادة (512)
1- إذا وقعت المنازعة ولم يتفق الخصوم على المحكمين أو امتنع واحد أو أكثر من المحكمين المتفق عليهم عن العمل أو اعتزل العمل أو قام مانع من مباشرته له أو عزل عنه ولم يكن بين الخصوم شرط خاص عينت المحكمة التي يكون من اختصاصها أصلاً النظر في تلك المنازعة من يلزم من المحكمين وذلك بناءً على طلب من يهمه التعجيل بحضور الخصم الآخر أو في غيبته بعد دعوته إلى جلسة تعقد في غرفة المذاكرة.
2- ويجب أن يكون عدد من تعينهم المحكمة مساويا للعدد المتفق عليه بين الخصوم.
3- لا يقبل الحكم الصادر بهذا الشأن أي طريق من طرق الطعن.
المادة (513)
يجب أن يكون قبول المحكم بالكتابة ما لم يكن معيناً من قبل المحكمة.
المادة (514)
لا يجوز للمحكم بعد قبول التحكيم أن يتنحى بغير سبب جدي وإلا جاز الحكم عليه للخصوم بالتضمنيات.
المادة (515)
لا يجوز عزل المحكمين إلا بتراضي الخصوم جميعاً ولا يجوز ردهم عن الحكم إلا لأسباب تحدث أو تظهر بعد صك التحكيم
المادة (516)
يطلب رد المحكمين لنفس الأسباب وبالإجراءات التي يرد بها القاضي
يرفع طلب الرد إلى المحكمة المختصة بنظر الدعوى في ميعاد خمسة أيام من يوم اخبار الخصم بتعيين المحكم.
المادة (517)
لا ينقضي التحكيم بموت أحد الخصوم وإنما يمدد الميعاد المشترط لحكم المحكمين ثلاثين يوماً.
المادة (518)
إذا عين المعزول أو المعتزل سواء بحكم من المحكمة أو بإتفاق الخصم امتد الميعاد المحدد للحكم ثلاثين يوماً
المادة (519)
على المحكمين أن يحكموا في الميعاد المشروط ما لم يرتض الخصوم تمديده.
المادة (520)
يجب على المحكمين عند عدم اشتراط أجل للحكم أن يحكموا في ظرف ثلاثة أشهر من تاريخ قبولهم التحكيم وإلا جاز لكل واحد من الخصوم أن يطلب من المحكمة تعيين محكمين آخرين للحكم فيه.
المادة (521)
1- يتقيد المحكمون بالأصول وبالمواعيد المتبعة أمام المحاكم إلا إذا أعفوا منها صراحة
2- يصدر الحكم من المحكمين على مقتضى قواعد القانون.
المادة (522)
المحكمون المفوضين بالصلح معفون من التقيد بأصول المرافعات وقواعد القانون.
المادة (523)
يحكم المحكمون في النزاع على أساس ما يقدمه الخصوم لهم من بيانات ومستندات قبل انقضاء الميعاد المحدد للحكم بخمسة عشر يوماً على الأقل وإلا جاز الحكم بناءً على الطلبات والمستندات التي قدمها أحدهم وإذا كان ميعاد الحكم أقل من أربعة أسابيع وجب تقديم الدفاع والمستندات من الطرفين في النصف الأول من هذا الميعاد.
المادة (524)
يتولى المحكمون مجتمعين إجراءات التحقيق ويوقع كل منهم على المحاضر ما لم يكونوا قد أنابوا واحد منهم لإجراء معين واثبتوا الإنابة في محضر الجلسة
المادة (525)
إذا عرضت خلال التحكيم مسألة أولية تخرج عن ولاية المحكمين أو طعن بتزوير ورقة اتخذت إجراءات جنائية عن تزويرها أو عن حادث جنائي آخر أوقف المحكمون عملهم ووقف الميعاد المحدد للحكم إلى أن يصدر حكم نهائي في تلك المسألة المعارضة.
المادة (526)
يرجع المحكمون إلى رئيس المحكمة التي كان من اختصاصها أصلاً النظر في الدعوى لإجراء ما يأتي :
أ) الحكم على من يتخلف من الشهود عن الحضور أو يمتنع منهم عن الإجابة بالجزاء.
ب) اتخاذ القرار بالإنابات القضائية.
المادة (527)
1- يصدر حكم المحكمين بالكتابة بعد المداولة بأكثرية الآراء أو بإجماعها.
2- يجب أن يتضمن الحكم صورة صك التحكيم وملخص أقوال الخصوم ومستنداتهم وأسباب الحكم ومنطوقه وتاريخ ومكان صدوره وتوقيع المحكمين.
3- إذا رفض واحد أو أكثر من المحكمين توقيع الحكم ذكر ذلك فيه ويكون الحكم صحيحاً إذا وقعته أغلبية المحكمين.
المادة (528)
يجب أن يصدر حكم المحكمين في سورية وإلا اتبعت في شأنه القواعد المقررة للأحكام الصادرة في بلد أجنبي.
المادة (529)
1- جميع أحكام المحكمين ولو كانت صادرة بإجراء من إجراءات التحقيق يجب ايداع أصلها مع أصل التحكيم بمعرفة أحدهم ديوان المحكمة المختصة أصلاً بنظر الدعوى ويحرر كاتب المحكمة محضراً بهذا الإيداع.
2- إذا كان التحكيم واردا في قضية ترى في محكمة الاستئناف أودع حكم المحكمين ديوان هذه المحكمة.
المادة (530)
أحكام المحكمين لا تقبل التمييز.
المادة (531)
تطبق القواعد الخاصة بالنفاذ المعجل على أحكام المحكمين.
المادة (532)
1- يجوز استئناف الأحكام الصادرة عن المحكمين طبقاً للقواعد والمهل المقررة لاستئناف الأحكام الصادرة عن المحاكم – ولا يقبل الاستئناف إذا كان المحكمون مفوضين بالصلح أو كانوا محكمين في الاستئناف أو إذا كان الخصوم قد تنازلوا صراحة عن حق الاستئناف أو إذا كان موضوع أو قيمة النزاع الجاري بشأنه التحكيم مما يفصل فيه بحكم غير قابل للاستئناف.
2- يرفع الاستئناف إلى المحكمة التي تختص بنظره فيما لو كان النزاع قد صدر فيه حكم ابتدائي من المحكمة المختصة.
3- لا يقبل الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف الطعن بطريق التمييز.
المادة (533)
يجوز فيما عدا الفقرة (هـ) من المادة 241 الطعن في أحكام المحكمين بطلب إعادة المحاكمة طبقاً للقواعد المقررة لذلك في ما يتعلق بأحكام المحاكم ويرفع الطلب إلى المحكمة التي كان من اختصاصها نظر الدعوى.
المادة (534)
إذا صدر حكم المحكمين غير قابل للاستئناف أو كان قابلاً له وانقضى ميعاده لا يصير الحكم واجب التنفيذ إلا بقرار يصدره رئيس المحكمة التي أودع إليها ذلك الحكم بوصفه قاضيا للأمور المستعجلة بناءً على طلب أحد ذوي الشأن.

وقفة تأمل مع الذات في رحاب القضاء والتحكيم
رأينا أن للقضاء والتحكيم مزايا ورزايا وهناك من يفضل التحكيم على القضاء ويعتمده وسيلة لحل النزاعات والخلافات الناشئة لأسباب مبررة ، وحيث أن التقدم السريع في مختلف مجالات العلوم وحيث أن التكنولوجيا الفائقة دخلت كل مجالات الحياة تقريبا وصارت نظرية السرعة الكمية هي أساس العمل التجاري والصناعي والحياتي ومن بين المجالات التي اخرقتها التكنولوجيا مجال القضاء فصار لدينا عقد القران الإلكتروني والطلاق الإلكتروني والعقد الالكتروني والبريد الالكتروني والترافع الالكتروني وقد برز دور التحكيم في العقود التجارية بين الشركات الكبرى إذ أنها ترفض إدراج بند اللجوء للقضاء في تعاملاتها وتفضل بند التحكيم وكما أشرنا سابقا لأسبابها الخاصة . ونجد رواج التحكيم واتساع أغراضه في المعاملات التجارية رغم السلبيات التي قد تكتنف أعمال التحكيم .
صحيح أن التحكيم يضر كثيرا بالموقع القانوني للدول والمؤسسات الصغيرة ولكنها يمكن أن تطور برامج التنمية المختلفة لديها لتواكب التطور اللغوي والقانوني والمعرفي للدول الكبرى ويمكن اختيار الخبراء الماهرين في مجالات التحكيم لأنه صناعة وسلعة رائجة في القرن الحادي والعشرين .

المراجع :

دورات التحكيم التجاري ، محمد عبد الكريم يوسف ، الشركة السورية لنقل النفط ، 2013
دورات حل النزاعات التجارية ، محمد عبد الكريم يوسف ، الشركة السورية لنقل النفط ، 2013
دورات إدارة المفاوضات التجارية ، محمد عبد الكريم يوسف ، الشركة السورية لنقل النفط ، 2013
قانون اليونسترال الدولي حول التحكيم ( عدة طبعات )
قانون التحكيم السوري رقم 4 لعام 2008 ، ترجمة محمد عبد الكريم يوسف 2008
قانون أصول المحاكمات المدنية ( المواد من 506-534) الجمهورية العربية السورية .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق