ثقافة السرد

یجب أن نکون کالصخر

للكاتبة الإيرانية ناهيد طباطبايي/ ترجمة : سمير أرشدي*

ولدت ناهيد طباطبائي سنة 1958م في طهران. قضت طفولتها وشبابها في جنوب ايران، وتخرجت من فرع الكتابة المسرحية. صدرت لها ثلاث مجاميع قصصية هي: “السيدة وعهد شبابها”، و” مينا ووجودها الأزرق ” ، و ” ممزقو ثيابهم ” ، و ” ثلاث روايات هي ” سن الأربعين ” ، و ” برودة فجر الرحيل ” ، و ” الأزرق الوردي ” .
تعالج طباطبائي قضايا الحياة والمرأة بنظرة ساخرة، وتصور المرأة والعالم من زاويتها الخاصة بلغة بسيطة خالية من التعقيد. تقرأون فيما يلي القصة القصيرة ” يجب أن نكون كالصخر ” بقلم هذه القاصة الإيرانية.

خلال السنوات العشر التي مارست فيها العمل الإداري أنتِ الرئيس السابع لي، أو ربما الثامن. لا أذيع سراًَ إذا قلت إن العمل مع الرجال بالنسبة إليّ أفضل من النساء، لأن النساء حاشاك، لهن طبيعة خاصة، يؤذين الإنسان في الغالب. مع إني امرأة لكني لا أطيق النساء مطلقاً. أستميحك عذراً بالطبع، فأنا لا أعنيك وأقسم عليك بالله ألا تعتبري كلامي موجّهاً إليك. أنتِ ولله الحمد مثقفة ومن البديهي أنك تختلفين عن الأخريات كثيراً.
كنت أعمل في البداية في بدالة الهاتف فنقلني المدير الإداري الذي لا يخاف الله، من البدالة إلى الديوان. كان يدّعي أنني كنت أتنصت إلى المكالمات، ولكنه كان يكذّب. كانت بنت خالة أمه عاطلة عن العمل فقام بتوظيفها مكاني. كنت أحب بدالة الهاتف كثيراً.
كنت وحدي، أقفل الباب وأخرج السنارة والصوف وأقوم بإيصال المكالمات وكنت مشغولة على الدوام. إحدى كاتبات الطابعة اختلقت وشاية ضدي. كانت لا تطيقني.
الحكاية هي أنها عندما تسلمت وظيفتها لم تكن تعرف أحداً. ذهبت نحوها ودعوتها لتناول الغداء معي ما دامت وحيدة، كنا نذهب معاً إلى مطعم الإدارة ليومين، أو ثلاثة أيام، لكنها وجدت صديقة أخرى منذ اليوم الرابع، ولم تعد تأتي معي. شعرت بحنق ولكنني أضمرته في نفسي. بعد أسبوعين، أو ثلاثة أسابيع وحينما مرّت من جانبي يوماً وذهبت لتجلس على طاولة أخرى، لم أطق ذلك الأمر. قلت لها هل ترغبين في أن أخبر الجميع بأنك تطلقتِ حديثاً. أصبح شكلها جديراً بالفرجة.
لم تكن تعلم بأنني أعرف الموضوع. أحمّر وجهها كالشمندر وذهبت إلى مديرها تجهش في البكاء. ذهب مديرها إلى المدير الإداري مباشرة. قال المدير الإداري قال: إن أي شخص لم يكن يعلم بخبر الطلاق وأصرّ على معرفة مصدر معلوماتي. ادعت البنت بأني أتنصت إلى المكالمات. أنا كنت قد سمعت الموضوع عن طريق الهاتف بالمصادفة. كانت تكلم أمها حينما دخلت على الخط. لم أكن أقصد استراق السمع، بل كبست زراً سهواً وسمعت كلامها. أصرّ الجميع على أني أتنصت إلى المكالمات، ولهذا نقلني المدير الإداري من بدالة الهاتف. لا سامحها الله، إنها ناكرة للجميل. كلما أحسنت إلى أحدٍ أصبح عدوي. لا يفوتني أن أذكِّر بأن كل من يعاديني يهزم. هذا الأمر ثبت لي عدة مرات. نقلوني إلى الديوان. كنت أسجّل الخطابات الواردة. لم يكن المكان سيئاً لكني كنت أحاول أن أطلع على كل ما يجري. العمل إلى جانب رئيس الديوان أمر شاق لكثرة اعتراضاته وانتقاداته.
لا سمح الله لو سجلت كتاباً بدل آخر يبدأ بالعراك والصياح، تعال وانظر ما يجري. من الطبيعي أن يخطئ الإنسان. أقصد أن كل إنسان يعمل معرض للخطأ. المدير الإداري نال جزاء فعلته وتعرّض لحادث اصطدام كاد يؤدي بحياته. كذلك الأمر بالنسبة إلى رئيس الديوان. أنقل لكم الآن ما حدث له. لم يمض سوى شهرين، أو ثلاثة أشهر، حيث أرسلت رسالة بالخطأ إلى إحدى الشركات بدلاً من أن تحال إلى المؤسسة. كانت تتضمن موضوعاً مهماً، لا أعلم فحواه، لكن أصحاب تلك الشركة كان من المفروض ألاّ يطّلعوا عليه. تم توجيه توبيخ إلى رئيس الديوان وهو بدوره أفرغ جام غضبه عليّ. قلت له ما دمت تتفرغ لحل الكلمات المتقاطعة من الصباح حتى المساء فعليك أن تتوقع مثل هذه الحوادث. صحيح أن الخطأ بدر مني، لكن من المفروض أن تراقبني وتشرف على عملي. أنت رئيس الديوان ولستُ أنا.
ما إن سمع كلامي حتى جنّ جنونه. صرخ في وجهي بأعلى صوته وذهب إلى المدير الإداري إليَّ، لم تمض، إلا خمس دقائق حتى عاد يرافقه المدير الإداري. أشار المدير الإداري لأذهب إلى مكتبه. حينما دخلت مكتبه أجهشت في البكاء، قلت: إنه يكدِّس الأعمال على رأسي. سألني المدير الإداري كم كتاباً تسجلين يومياً؟ قلت خمسون كتاباً. قال هذا ليس عملاً شاقاً. قلت إني أعمل حتى وقت متأخر من الليل. أطرز مناديل الرأس النسائية مع والدتي. نحن امرأتان وحيدتان ليس لنا معيل. نضطر للعمل بالخياطة والتطريز. بالمناسبة لو أردت فسوف أجلب لك عدداً من هذه المطرزات لتراه، لا أشك في أنه سوف يعجبك. ليس غالي الثمن سعر القطعة الواحدة ألف تومان. يباع في المحلات لغاية خمسة آلاف تومان. ثم أضفت بأن رئيس الديوان هو الذي أخطأ في إرسال الكتاب.
تأثر المدير الإداري بكلامي وتعاطف معي، وجّه توبيخاً لرئيس الديوان واشترى مني ثلاثة مناديل رأس مطرزة. بعد شهر، أو شهرين دبّر رئيس الديوان مكيدة أخرى لينقلني على أثرها من الديوان إلى قسم آخر. هذا أمر طبيعي، كيف من الممكن أن يقف الآخرون ضده ويدافعوا عني. ذهبت مرة أخرى إلى المدير الإداري وذرفت الدموع ولكن من دون جدوى. كان يقول إن المدير العام ساخط عليّ أيضاً. يقول إنه رآني عدة مرات أثناء الدوام الإضافي وأنا أخرج من الإدارة وأعود. الجميع كانوا يغادرون ويرجعون متى شاءوا، ولكني أنا البائسة، فقد ذهبت مرتين، أو ثلاث لأشتري العلكة. وفي كل مرة يراني المدير العام. قال المدير الإداري سأمنحك فرصة أخيرة. وإذا كررت المتاعب سأطردك من العمل.
كنت في الإدارة منبوذة كمن يشار إليها بالبنان. لا يرغب أي من المدراء في أن أعمل معه. بقيت في إدارة شؤون التوظيف لمدة أسبوعين ثم جاء مدير هذه الإدارة ببنت عمته لتحل مكاني.
حقاً أنتِ ولله الحمد لست ابنة عمة أحد من الكبار، لماذا تحدقين النظر بي هكذا. في هذه الإدارة الجميع أقرباء. أدركت هذه الحقيقة عندما كنت في بدالة الهاتف. خلاصة القول فإن رئيس إدارة التوظيف أيضاً نال عقابه من معاداتي وأصيب بسرطان الحنجرة. ثم عُينت في العلاقات العامة كاتبة طابعة.
كنت قد اجتزت جميع الدورات التدريبية سابقاً. تعلمت أنظمة الحاسوب كلها، بالإضافة إلى التلكس وإرسال الفاكس، أتقنت كل الفنون والمهارات، ولكنني لا أدري لماذا حتى الأجهزة تعاندني. في أحد الأيام تتعطل آلة الطباعة وفي اليوم الآخر يطرأ خلل في برنامج الكمبيوتر. قلت لرئيسي: قطعاً هناك من يأتي ويتلاعب بهذه الأجهزة. نظر إليّ من خلف نظارته نظرة أكثر سوءاً من مئات من السباب. كان يظن أني ساذجة ومقصرة.
ولكنك تعلمين من أين تنشأ كل هذه العلل. ذلك لأنني لم يكن لدي واسطة ولا أحمل شهادة الثانوية العامة، وهل الذنب ذنبي إذا لم يكن لدي واسطة؟ وهل الحق عليّ لو رفضوا منحي شهادة الثانوية؟ قدّمت للامتحانات العامة سبع مرات ورسبت في كل المرات السبع. بينما هناك لفيف من البنات توظفن معي ويحملن الآن شهادة البكالوريوس.
السيدة نعمتي تقدمت للامتحانات العامة للجامعات بفضل تشجيعي لها، والآن أنا أحمل الشهادة المتوسطة وهي خبيرة. حقاً هل عندك من المعارف والواسطات من يعطيني توصية لمنحي الشهادة؟ ففي العلاقات العامة، كاد رئيسي يصطدم معي لولا مجيء السيدة صمدي. كانت السيدة صمدي رئيستي سابقاً، السيدة صمدي تحمل شهادة بكالوريوس في فرع إدارة المكتبات، أي أنها كانت تقول بأنها تحمل هذه الشهادة ! فدفعني رئيسي أيضاً إلى المكتبة فوراً. كنت على وشك تنظيم المكتبة إذ جاءت السيدة صمدي. لا أتذكر هل أنا ذهبت إلى المكتبة أولاً أم هي؟
لا أطيل عليك. يبدو أنك قد تعبت، أليس كذلك؟ لا بأس.
وصلنا تواً إلى المواضيع الشيقة. أقصد أن حلاوة القصة تبدأ الآن. لا شك في أنك تودين أن تعرفي من كان رئيس المكتبة قبلك؟ طبعاً أقول لك إني كنت أقوم بكل الأعمال. كل هذه الرفوف الخشبية في المكتبة نصبتها بيدي. رتبت كل هذه الكتب، الخلاصة أن العبء كان على عاتقي. السيدة صمدي كانت متكبرة. كلما كنت أصرّ عليها أن تسمح لي برصف الكتب ذات الحجم الواحد إلى جنب بعضها البعض كانت تبتسم بسخرية وتقول يجب أن نصنفها حسب النظام.
أقول لها: اسمحي لي على الأقل أن أجمع الكتب ذات الغلاف المتشابه اللون على رف واحد، فترد عليّ: لا تتدخلي في هذه الأمور كنت أقول: علّميني. كانت تقول: لا تجيدين الإنجليزية. المرة السابعة التي ذهبت فيها لأداء الامتحانات العامة. كانت متزامنة مع فترة رئاسة السيدة صمدي. رسبت أيضاً.
خلاصة الحديث منذ البداية لم يكن بيننا أي انسجام. اقترحت عليها أن نذهب لتناول الغداء معاً. أتت معي ليومين، أو ثلاثة أيام، ومنذ اليوم الرابع طلبت أن يحضروا غداءها إلى المكتبة. قطعاً هناك من نمّ في حقي عندها. لا سامحهم الله.
من البديهي أن كل الذين أضمروا السوء لي نالوا عقابهم. لم يمض، إلا شهر واحد حتى تخاصمنا. كانت السيدة صمدي في إجازة حين أرسل المدير العام شخصاً يطلب كتاب صب السبائك ( شمش ريزي). وأنا البائسة أعطيته ديوان ” شمس تبريزي ” للشاعر جلال الدين الرومي.
تشاجر السيد المدير العام مع مسؤولتي السيدة صمدي، وهي كالعادة بدورها صبت جام غضبها عليّ.
واصلت انتقادها لي حتى ذرفت دموعي. قلت لها [ السيدة صمدي] : ” ليس من العدل أن تعذبيني لهذه الدرجة. اتق الله فأنا يتيمة ” . قالت وكم عمرك. قلت: سبع وثلاثون سنة. ضحكت وقالت امرأة بهذا العمر ما زالت تبحث عن والدها. جن جنوني، أردت أن أنتف شعرها، ولكنني كنت خائفة. كنت أعلم بأن هذه المرة سيطردونني. وهذا ما كانت هي الأخرى تعرفه، ولهذا كانت تفعل بي ما تشاء. بعد عشر دقائق رقّ قلبها لي وجلست إلى جانبي وبدأت تسدي لي النصح، بأن أكون دقيقة وأحسن سلوكي، وأكون كذا وكذا. ولكني قلت لها إني أعلم بأن هناك الكثيرين الذين وشوا في حقي عندها. منذ ذلك الوقت كنا نتصالح أسبوعاً ونتخاصم ثلاثة أسابيع. كانت امرأة مجنونة. بمجرد أن أرتكب خطأ يغدو وجهها كالشمندر وتبدأ في الصراخ. وبعد أن تهدأ كنت أذهب وأقبلها وأقول لها يا مادموزيل قسماً بالله أحبك. في المرات الأولى كانت تتحسن علاقتها معي، ولكن في المرة الرابعة عادت لتقول: أنت تريدين أن تصيبيني بالجنون. اذهبي واجلسي في مكانك ومارسي عملك، وتنهمك هي الأخرى في كتبها. كلما أردت أن أنطق بكلمة كانت تقول لي ” اسكتي ” . قلت لها من حقي أن أبث همومي لأحد. كانت ترد: هذا لا يعنيني. أنتِ إما أن تستغيبي هذا وذاك، وإما أن تثرثري. ليس لي طاقة على هذا.
مرّت أربعة شهور ونحن على هذا المنوال. بمجرد أن يطرأ أي خلل في عملي كانت تحملني جميلاً بادعائها أنهم يريدون طردي وهي التي تمانع. كان كل ما تقوله هراء. حتى أتى اليوم الذي بعثت فيه قصاصات الصحف اليومية إلى مساعد المدير العام بالخطأ، حيث كان يختلف تاريخها عن المطلوب بأسبوع واحد. بسبب هذا الالتباس البسيط ثارت ثورتها وأقامت الدنيا ولم تقعدها. بدأت تصرخ في وجهي. بنت كالقزم. كانت تتوهم بأن حملها لشهادة البكالوريوس يجعلها تتملكني، وأنا بدوري لم أقصر معها وتلفظت بكل الكلام السيء الذي خرج من فمي. هي تصرخ وأنا أصرخ. حتى أنني لا أدري كيف أجهشت السيدة صمدي بالبكاء فجأة.
ذهبت راكضة صوب مكتب المدير العام، لا شك في أنها ذهبت لتشويه سمعتي. حينما ذهبت خلفها إلى خارج المكتبة شاهدت كل موظفي الطابق الثاني قد تجمهروا خلف باب المكتبة فعدت أدراجي.
مضت عدة أيام والسيدة صمدي منقطعة عن العمل. في اليوم الرابع جاءت بهدوء وجلست خلف طاولتها. ذهبت لتقبيلها فلم تسمح لي بذلك. كانت مغرورة، جلست نصف ساعة وجمعت حاجياتها من الجرارات وذهبت ولم تعد. إن مجيئها إلى العمل كان عبثاً. لا مكان في الدوائر الحكومية للشخص الحساس والرقيق. يجب أن يكون الإنسان كالصخر حتى يستطيع مواصلة العمل. سمعت بعد ذلك أنها ذهبت وقالت إنها لا تستطيع العمل.
لا أدري ما كانت ذريعتها. لكن المدير الإداري يقول: إنها ذهبت وأذعنت بأنها هي المذنبة. يقول المدير الإداري لو أن السيدة صمدي نبست ببنت شفة لكانوا طردوني لا محالة. كلامه هراء.
يقول: إن السيدة صمدي ضحّت من أجلي، ولكني أنا أقول إنها مجنونة، لو لم تكن مجنونة لما كانت تتخاصم وتتصالح إلى هذا الحد. كوني على ثقة بإنها ستلاقي جزاءها. والآن أحمد الله لتعيينك. المدير العام تغير أيضاً وعليك ألا تصغي لكلام البقية.
قسماً بالله لن تجدي موظفاً هادئاً ومثابراً مثلي، حقاً إذا شئت من الممكن أن نذهب للغداء معاً. أنا أجلب معي الخضار والمخللات عادة. بالمناسبة إذا سنحت الفرصة تكلمي مع المدير العام بخصوص إعطائي ساعات عمل إضافية. أقسم بالله أن الفضل والعلم يتقطران من جبينك. أقصد بأني واثقة من وقوفك إلى جانبي. لا تنسي رجاءً، سنذهب إلى الغداء معاً.

*شيرازيات

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق