الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | البحث عن زوج (رجل)

البحث عن زوج (رجل)

أسعد العزوني

آه يا زمن ! ماذا تريد مني ؟ ما الذي تخبئه لي أكثر مما رأيت في هذه الحياة ؟
هل سأبقى أعاني مما أنا فيه حتى آخر يوم في حياتي رغم ما أتمتع به من جمال ومال؟
آه لو ينصفني القدر! قالت زينة هذه الكلمات وهي تعيد النظر في المرآة ذات الإطار المذهب المثبتة على الجدار أمامها، ثم غابت عن الوعي وأخذت تهذي.
كانوا يقولون : إن أخت الرجال لا خوف عليها ، ولا يضيمها ضير ، ولكني مع كثرة عزوتي أعاني مما لم يعانه أحد من قبلي حتى ذقت الأمرين ؛ لم أر يوماً يسر البال أو يسعد النفس في حياتي ، فبعد أن مات أبي (شيخ القبيلة) ورجال القبيلة حولي كالكلاب ينبحون ، لا لحمايتي ، بل لنهش جسدي وتخويفي .
لم يكد يمضي يوم واحد بعد دفن أبي تحت التراب، حتى أحضروا الغرباء عن القبيلة لإغوائي والنيل مني بشتى الوسائل، تحت سمع رجال القبيلة وبصرهم، متناسين ما كان أبي – رحمه الله – قد أسداه لهم من معروف ، أو قدم من خير.
آه ، ما أسوأ نكران الجميل ! وما أقبح أن تكفر يد المعروف ! ولا أفظع أو أشد قبحاً من أن يتبدل الناس الإساءة بالإحسان .
كان أبي – رحمه الله – قد حوّل القبيلة من كم مهمل ، أو كومة قش ، أو عصف تذروه الرياح إلى رجال أشداء ، وفرسان محاربين ، يجوبون الصحارى والقفار ، وينتقلون بين الروابي والوهاد دون أن يجرأ أحد على اعتراضهم ، أو الوقوف في طريقهم ، وحتى الأطفال منهم .
كانوا فقراء فأغناهم ، وفتح أمامهم سبل كسب العيش الوفير ، حتى أصبحوا يتمتعون بحياة الرغد ، ويرفلون في ثياب العز .
كانوا دراويش فصيّرهم دهاقنة في كل أمر .
آه يا زينة ، يبدو أن أباك قد أساء إليهم حين ألبسهم غير لباسهم ، وصوّرهم في غير ما يناسبهم ، وحمّلهم ما لا يصلحون لحمله ، ولا هم أهل أو أكفاء له .
أيعقل أن يكون هذا حالهم ؟ أتصدق أن هذا هو التحليل الذي ينطبق عليهم ؟ أيكون من سوئهم ورداءة خلقهم أن ينطبق عليهم المثل القائل : (الحمار حمار ولو بين الخيول ربي) ؟
لا أرى انسب ولا أقرب من هذا التحليل المنطقي لمثل هذه الحالة التي تتلبسهم برغبة ملحة منهم .
وبينما هي على هذه الحال ، غارقة في التفكير ، تائهة الروح ، مشتتة الفكر ، وإذ بالباب يقرع بقوة .
انتفضت كمن أصابه مس من الجنون ، وهرعت نحو الباب ، لا لفتحه ، بل لتتأكد من أنه مغلق بإحكام ، لأنها خافت أن يكون رجال القبيلة قد أحضروا أحد الغرباء إلى بيتها .
وقفت ( زينة ) خلف الباب بعد أن تأكدت أنه موصد بإحكام لتسمع ما يدور ، وإذا بالبصّارة ( أم فهد ) هي التي تقرع الباب وتصرخ: افتحي يا زينة ، افتحي أنا خالتك أم فهد .
أحسّت زينة بشيء من الارتياح لدى سماعها الصوت ، ثم تنفست بعمق ، وسارعت نحو الباب لفتحه .
وقفت زينة مستندة إلى خشب الباب تلتقط أنفاسها ، ثم بادرت أم فهدب الترحيب قائلة : أهلاً بك يا خالة ، لقد جئت في الوقت المناسب ، تفضلي بالدخول ، تفضلي .
وما أن استقرت أم الفهد في مكانها حتى توجهت لزينة بالسؤال قائلة :
– ما بك يا زينة؟ ماذا أصابك يا حبيبتي ؟ وما هذا الخوف الذي تبدو ملامحه عليك بوضوح ؟ هذا ليس من عادتك ، وهذه الحالة التي أنت فيها ليست من شيمك وحالاتك .
– استريحي يا خالة ، استريحي ، وسأقص عليك القصة ، وما جرى من القبيلة بعد وفاة أبي ، الشيخ سالم المنّاع رحمه الله.
– ألف رحمة ونور عليه يا بنية ، تفضلي .
توجهت زينة إلى المطبخ لإعداد الشاي ، وتركت أم الفهد في مكانها تفكر في حديثها كيفما يحلو لها التفكير ، فهي تشرق تارة وتغرب أخرى ، تضرب أخماساً في أسداس ، تحاول الوصول لشيء مما تنم عنه كلمات زينة ، لتكشف مكنون صدرها ، وتعد للحديث الذي سيدور بينهما ، ولتعرف سبب الخوف الذي انتابها ساعة طرقها الباب .
لم يطل وقت إعداد الشاي ، فما هي إلا دقائق معدودة حتى حضرت زينة ، وقدمت الشاي لأم فهد ، وجلست على مقربة منها،
وبادرتها بالحديث قائلة :
– أهلاً بالخالة أم الفهد .
– أهلاً بك يا حبيبتي ، أهل بك يا زينة الزينات .
– شرّفتينا يا خالة .
– الله يزيدك شرف يا بنية .
– كيف الحال يا خالة ، وكيف الأولاد ، وكيف الصبايا ؟
– بخير والحمد لله يا بنية .
– لماذا لم تحضري الصبايا معك يا خالة ؟
أطرقت أم الفهد قليلاً، ثم رفعت رأسها دون أن تنبس ببنت شفة ، ثم أعادت الإطراق والنظر في الأرض مرة أخرى ، ثم رفعت رأسها وقالت :
– الحالة مستورة يا بنية والحمد لله ، اما عن الصبايا ، فإن عدم إحضارهن كان بسبب مايقوم به أقرباؤك من محاولة إحضار الغرباء لبيتك، وأنا أخاف عليهن وعلى سمعتهن ، كما أخشى ألسنة الناس الحداد …
ثم صمتت أم الفهد مرة أخرى ، وأخذت تتمتم بصوت غير مسموع..
فقر … وسمعة شينة … لا والله … هذا لا يرضي رب العالمين…
أحست زينة بوخزة ألم ، كما أحست بالخوف من صمت أم فهد من قبل ، وحاولت قطع الصمت الذي ساد المكان ، فابتدرت أم فهد بالحديث قائلة :
أم الفهد ، هل صحيح ما سمعناه عن سهيلة ؟
انتفضت أم فهد كاللبؤة الجريح، أو التي رأت أحد الصيادين يسعى لإطلاق سهامه على أحد أشبالها في محاولة اقتناصه ، فقالت بحدة واضحة :
– وماذا سمعت يا زينة ؟
– كل خير يا خالة .
– وهل يقال الخير في هذا البلد يا زينة ؟
ضحكت زينة وقالت :
– اطمئني يا خالة ، إن ما سمعته هو أن أحدهم جاء طالباً يد سهيلة للزواج ، وليس أكثر .
ظهر الارتياح على وجه أم فهد ، وقالت :
– كلام يا زينة، كلام … لم يأت أحد ولا… ولكن ألسنة الناس طويلة، الويل لهذه الألسنة من النار، إنها بحاجة إلى مقصات فولاذ لقطعها أو تقصيرها إنهم لا يتقون الله في عباده ، ولا يكفّون عن ملاحقتهم والتشنيع عليهم بالباطل ، واختلاق القصص والحكايات .
لم تنجح زينة في إزالة صمت أم فهد بالكامل ، فقد عاودها وجومها وإطراقها ، وعادت تتمتم بصوت شبه مسموع :
يا حسرة على بناتي إن حدث لهن ما يحدث لك ، فإن أقاربنا يسعون لجعلهن بغايا للغرباء ، كما يحاولون معك دائماً .
لم تحاول زينة هذه المرة كسر حاجز الصمت الذي خيّم على أم فهد من جديد ، وبينما هما تسبحان في بحره الزاخر إذا بالباب يطرق من جديد .
– ها هم يا خالة ، ها هم يا خالة ، أم الفهد …!
– هدّئي من روعك يا بنية، لا تخافي ، فلن يصلوا إليك ما دمت معك، وما عليك إلا خفض صوتك أو التزام الصمت . دعيهم يطرقون الباب كما يشاءون ، ولكنهم في النهاية سيعودون أدراج الرياح ، ولن يحصدوا إلا الفشل والخيبة .
استمر قرع الباب فترة طالت ، ثم انتهى ، وعاد الأقارب والغرباء كما جاءوا .
ثم توجهت أم فهد بالحديث إلى زينة قائلة :
– اسمعي يا زينة ، اسمعي يا بنية ، رحم الله أباك فقد كان من خيرة الرجال ، ورحم الله أمك فقد كانت مضرب المثل في العفة والطهارة ، وكانت زين الصبايا والنساء ، ولا مفر للإنسان من مواجهة قدره وما كتب عليه ، والمطلوب منك يا بنية أن تصبري ، وأن تتعاملي مع الأحداث بلباقة وفطنة ، وأنت لا ينقصك ذلك على ما أرى .
استغربت زينة من كلام أم فهد ولهجتها التي أظهرتها وكأنها خريجة كلية العلوم والسياسة ، ولكنها أحبت أن تعرف ما وراء هذه الكلمات من معانٍ خفية ، وأن تتبصر هذا الكلام الذي لا يتفوه بمثله إلا رجال السياسة ، فقالت :
– ماذا وراءك يا أم الفهد ؟
– كل خير يا ابنتي ، كل خير … لا تخافي ، إنك تعرفينني حق المعرفة، فأنا امرأة أصلي الفروض كلها ، أصوم نهاري وأقوم ليلي ، وأحفظ القرآن كله ، كما أحفظ لساني عن القيل والقال ….
هذه الكلمات لم تكسب زينة الراحة التامة ، ولم تعطها الإجابة الشافية ، بل أحست أن أم فهد تريد إيصال كلام خطير لها ، فآثرت أن تترك أم فهد وشأنها ، لتعطيها الحرية التامة في الاسترسال ومواصلة الحديث ؛ علّها تستطيع أن تكشف ما وراءه من أمن أو خوف ، أو تجد الجواب الحاسم لسؤالها ، فقالت :
– أكملي يا أم الفهد ، أكملي يا خالة ، فأنت امرأة مشهود لك بالخير ، وما أنت بحاجة لتزكية نفسك ، وما فيك معلوم .
– بارك الله فيك يا ابنتي ، أصيلة وذكية ، من اصل عظيم وفرع قويم .
– شكراً لك يا خالة .
– انا يا ابنتي – كما علمت – أصلي الصبح حاضراً، وبعد ذلك أقرأ سورة من القرآن الكريم أو سورتين ، ثم أخلد للنوم .
– نعم يا خالة، فأنا أعرف ذلك .
– بالأمس فعلت ذلك كعادتي وخلدت للنوم ، وبعد أن غفوت ، رأيت في ما يرى النائم أن والدك قد جاءني وهو يحمل سلة كبيرة من الفواكه التي لا توجد في بلدنا وفي هذا الموسم بالذات ، وقدمها إلي .
ثم جلس على مقربة مني ، وكان يرتدي ثياباً بيضاء ناصعة البياض ، وتفوح منه رائحة المسك أو العنبر ، ويمتلئ صحة وحيوية ، وكأنه في العشرين من عمره لا أكثر …
– هاه يا خالة ، هاه أكملي .
– صبراً يا بنية … وكان معه شابان فتيّان يحرسانه , يشعان نوراً ويفيضان إشراقاً وحيوية …
– أكملي يا خالة أكملي …
– ثم توجه إلي بالحديث قائلاً :
– يا أم الفهد … أنت منا ونحن منك … وزينة أمانة في عنقك، وأوصاني أن أهتم بك ، وأن أحميك من أقاربك ، وأدرأ عنك كل سوء .
بكت زينة حتى بلّت دموعها وجهها الجميل ، ونالت من سحر عينيها الفاتنتين ، وذهبت بإشراق محيّاها ، ولكنها كفكفت تلك الدموع ، وثابت إلى رشدها بعد أن هدأت المرأة من روعها ، وسألت أم الفهد قائلة :
– ها يا أم الفهد ، ثم ماذا ؟
– يا بنية، اصبري على المكاره بقدر فرحتك بالمحامد والبشائر، وما قدر على الإنسان سيراه، وما عليه والحالة هذه إلا الصبر والحيلة، وتحكيم العقل والعمل بذكاء ودهاء.
– ما هذا يا خالة ، لقد أدخلت الرعب إلى قلبي ، والشك في نفسي وعقلي ، وكأن داهية دهياء تكاد تحل بي ، أهذا ما أخبرك به والدي رحمات الله عليه ؟
– لا ، لا يا بنية ، ولكنه أخبرني أن كلباً يقال له (القزع) سوف يحاول الزواج بك محاولات عدة، ليس حباً فيك ، بل نيابة عن شريك له غريب ، وسينكل بك ما استطاع إلى ذلك سبيلا فإن تم ذلك وصدقت الرؤيا ، فاصبري إلى أن يأتيك الفرج ، وستنالين مرادك بعون الله .
ثم أردفت قائلة : آه يا زينة ، يا حسرتي عليك يا ابنتي ، الكل يطمع بهذا المال والجمال !
ثم حانت منها التفاتة نحو زينة ، فوجدت الوجوم قد خيّم عليها ، ولاحظت أن قسمات وجهها قد تغيرت ، فسألتها قائلة :
– ما بك يا زينة ؟
– أندب حظي يا خالة ، إن مالي وجمالي أوقعاني في مشاكل لا طاقة لي بها ، ولا أقوى على حملها أو مواجهتها والتصدي لها .
– لا يا ابنتي ، لا يا زينة ، لا تضعفي، مقدر ومكتوب ، مقدر ومكتوب يا بنت الاجاويد .
– ولماذا أنا بالذات يا خالة ؟ ها ، لماذا أنا بالذات ؟
– امتحان من الله ، والمؤمنون أشد بلوى يا ابنتي ، هل ترين غير ذلك ؟ بل ، هل تخالفينني الرأي ؟
– لا يا خالة. معاذ الله أن يكون ذلك، والحمد لله على كل حال، لكن …
– لكن ماذا يا زينة ؟
– يا خالتي ، أنا جميلة ، وعندي مال لا تأكله النيران ، وأسكن في قصر يحسدني عليه الجميع !
– وهل هذا هو سبب تعبك ؟
– يا خالة ، أنت تعرفين خولة الهندية ، وتعرفين كم هي جميلة.
– أعرف يا ابنتي ، أعرف ، ولكن ، ما الذي ذكرك بها الآن؟ أبعدها الله عنا وأبعدنا عنها .
– هل تعرفين عنها كل شيء ؟
– يا ابنتي ، لا يبقى سر خفياً طالما عرفه اثنان ، ولا ينكشف طعم طبخة ما لم يأكل منها اثنان أيضاً وأما خولة الهندية فقد أكل منها الجميع ! الغريب قبل القريب …
– ألا تكفيهم ؟
– لا يا ابنتي ، إنها تأخذ المال ، وهم يريدون المال والجمال والقصر منك . معذورون يا ابنتي ، معذورون ، إنهم يحبون الدنيا ، ولا شأن لهم بالآخرة ، كفانا الله شرهم .
إن ما تقولينه صحيح يا أم الفهد ، ولكن … ورحمة أمي وأبي لن يحصلوا مني على شيء برضاي .
أطرقت أم الفهد ، وأخذت تتمتم :
ضعيفة يا ابنتي ، ضعيفة ، كان الله في عونك ، لا أحد بجانبك سوى الله ، ولكن الله سينصرك في النهاية .
– أم الفهد ، أراك تائهة بعض الشيء !
– لا يا ابنتي ، ولكني أفكر بما قاله أبوك يرحمه الله .
– وماذا قال أيضاً ؟
– قال : إنهم إذا أرادو المال فليأخذوه، فهو وسخ الدنيا، ولكن شرفها محرم عليها إلى ما شاء الله .
ضحكت زينة وقالت :
– صحيح يا أم الفهد، أنا حلوه ، ولكني عظمي صلب ، وسيرى هذا (القزع) ما سأفعله به . والله يا خالة ، سأجعله “يدوخ السبع دوخات” قبل أن يضع بين اصبعيه أظفري المقصوص!
– كان الله في عونك يا ابنتي ، كان الله في عونك .
– اطمئني يا خالة ، اطمئني ، مش كل البنات خولة الهندي وأنا زينة ، ما راح يقدر عليه (القزع) ولا غيره .
– الحمد لله أن أعانني على توصيل الأمانة .
– قالت أم الفهد هذه الكلمات ، وختمت بها حديثها ، واستأذنت بالانصراف لأنها تأخرت على بيتها .
خرجت أم فهد بعد أن ودعت زينة ، وتوجهت إلى بيتها . واثناء سيرها في الطريق رأت أن الغريب يقترب من قصر زينة ، ويحاول الوصول إلى الباب .
خافت أم الفهد بعض الخوف ، ولكنها صممت على الرجوع لكي ترى النتيجة .
اقترب الغريب من القصر بكل ثقة ، وقرع الباب دون أن يفتح له أحد ، وظل واقفاً إلى أن جاءت أم الفهد ، وقرعت الباب بدورها وقالت :
– أنا أم الفهد يا زينة ، افتحي يا ابنتي ولا تخافي .
– فتحت زينة الباب وأحست بالهلع عندما رأت الغريب متسمراً لدى الباب بجانب أم فهد ، وظنت أن أم فهد لها ضلع في الموضوع ، وهمت بالصراخ في وجهها ، ولكن أم فهد قرأت أفكارها ، وطلبت منها السماح للغريب بالدخول .
دخلت أم الفهد أولاً يتبعها الغريب ، وجلسا ، وبعد ذلك قدمت زينة بعد أن ارتدت حجاباً يغطي رأسها .
– اجلسي يا ابنتي ، اجلسي .
– قالت أم الفهد مخاطبة زينة :
جلست زينة وهي ترتجف خوفاً وهلعاً ، ولكن أم الفهد وبإشارة منها هدأت من روعها !
– ها أيها السيد ، ماذا تريد من هذه البنت ؟ كنت بالعادة تأتي معهم ، ولكنك اليوم جئت وحيداً .
– يا مدام ! أنا تاجر أبحث عن الربح ، ولا أحب الخسارة .
– ما شأننا نحن بعملك ؟ ماذا تريد من هذه البنت المسكينة؟
– ضحك الغريب ملء شدقيه وقال :
– مدام لقد اشتريت هذا القصر .
– ممن ؟
– من عائلة “القزع”.
– من عائلة “القزع” ؟
– نعم
– ما علاقة عائلة القزع بها ؟
– إنهم الأوصياء الشرعيون عليها !
– من أخبرك بذلك .
– إنهم هم الذين أخبروني بذلك .
– كذبوا عليك .
– لا يهم .
– كيف ذلك ؟
– هو ذا .
– ماذا تعني ؟
– لقد دفعت ثمن القصر ووقعت العقد .
– دفعت ووقعت ؟
– نعم .
وعلى الفور أخرج ورقة ناولها لأم الفهد .
– اقرئي يا مدام ! اقرئي !
تناولت أم الفهد الورقة وأخذت تتلو ما ورد فيها بصوت مسموع :
” هذا اتفاق بيع قصر زينة ابنة الشيخ سالم المناع لعائلة السيد داوود الشاطر بمبلغ خمسين ألف ليرة ذهب ، إضافة إلى قيام المشتري بحماية عائلة ” القزع ” من أية محاولة اعتداء سواء أكانت من قريب أو غريب ” .
وعندما أنهت أم الفهد قراءة العقد ، تذكرت شيئاً ما ! فأخذت تقلب أفكارها . ولم يأخذ الأمر منها وقتاً طويلاً .
– ألستم أنتم من كنتم تقيمون مع الشيخ سالم رحمه الله ؟
– نعم .
– وما الذي تغير إذن ؟
– كل شيء يا مدام ! كل شيء تغير ، لقد انقلب الجميع علينا وطردنا من كل البلاد ، ونريد ان نجتمع مثل كل الناس .
– وهل كان الشيخ سالم – رحمه الله – يسيء إليكم ؟
– لا والله ! كان طيباً جداً !
– ولماذا اخترتم زينة وقصرها بالذات ؟
– إن مكانه مناسب لنا ! ثم ….
– ثم ماذا يا رجل ؟ أراك تتحدث بلهجة الواثق مما يقول .
– لقد ساعدنا شيخ عائلة “القزع” وآخرين ، وسهلوا لنا ما يتعلق بمهمة الشراء ! لكن …
– لكن ماذا ؟ ماذا تريد أن تقول ؟
– إنهم طماعون ، سماسرة طماعون !
– ما الذي تقوله يا رجل ؟ أما أوضحت قليلاً ؟
– اسمعيني جيداً يا مدام ! لقد دفعنا في هذا القصر ثمناً كبيراً ، ولهذا لن نتساهل في الموضوع !
– يعني أنكم مصممون على أخذ القصر ؟
– لقد دفعنا الثمن ، ووقعنا العقود .
لم تطق ” زينة ” سماع ذلك ، وبدون وعي منها امتدت يدها إلى أصيص من الزهور ، وأرادت أن تشج به رأس الرجل ، إلا أن أم الفهد منعتها من ذلك ، وقالت :
– اسمعي يا زينة ، لقد أوضح الرجل ما كنا نجهله ، وعلى العموم فإن موضوع القصر لن يمر بسهولة .
ذهل الرجل عند سماعه ما قالته أم الفهد ، فقال بحدة :
– ماذا يعني؟ ضحكوا علينا ؟ أخذوا الفلوس ؟ لا يا مدام ، نحن لسنا كذلك ، أصبح القصر من حقنا، وليعلم الجميع أنا زرعنا الكثير من العمال في حدائق القصر ، تمهيداً للاستيلاء عليه .
لم تستطع ” زينة ” تحمل ما يقوله الرجل ، فما كان منها إلا أن قلبت الطاولة أمامه ، وصرخت فيه بأعلى صوتها وقالت :
– اسمع يا رجل ، إذا كنت قد خسرت ليرة ذهب واحدة، فسوف أعطيك بدلاً منها عشر ليرات ، بل مائة ، مقابل عدم الحديث عن القصر !
ضحك الرجل إلى حد القهقهة وقال :
– لم يعد هناك مجال للمساومة أو الحديث عن هذا الموضوع بأي شكل من الأشكال ، انتهى كل شيء ، ولم يبق من المسألة سوى عملية التسليم والاستلام .
احتدت زينة ، ووقفت على رجليها وهي تنتفض وقالت :
– وأنا لم يعد عندي ما أقوله لك ، سوى أن أطلب منك الخروج من هذا القصر فوراً ، ومن دفعت لهم الثمن ، فهم أولى ببيعك جزءاً من بيوتهم !
وقف الرجل مقهقهاً وقال:
– وهل خرجت بيوتهم من اللعبة يا زينة ؟ لا ، إنهم وكل ما يملكون تحت تصرفنا ، ولكن لكل بيدر موسمه وحساباته !
وبعد ذلك ، خرج الرجل متوجهاً إلى الشيخ آل قزع ليخبره بما جرى . جلس الرجل بجانب الشيخ آل قزع والدم يصعد في عروقه الأمر الذي جعل الشيخ ينتفض من الخوف والهلع .
– اسمع يا شيخ ! نحن لسنا أطفالاً سذجاً تضحكون علينا وتقبضون منا ونتعهد بحمايتكم وإعطائكم ما ليس من حقكم من جاه وسلطان !
أيقن الشيخ أن في الأمر شيئاً جللاً جعل الرجل يخاطبه بهذه اللهجة، فقال محاولاً تهدئته :
– على رسلك يا رجل ! على رسلك ، ما الذي تتحدث عنه ؟
– زينة ! زينة يا شيخ .
– ما بها المخبولة زينة يا رجل ؟
– ترفض تسليمنا القصر !
ضحك الشيخ عندما سمع ذلك ، وقال ساخراً :
– هل تتوقع من زينة أن تفرش لكم الأرض بالورد ، وتسلمكم قصرها ؟
– انتفض الرجل لدى سماعه ذلك وقال بعصبية ظاهرة :
– ماذا تعني يا رجل ؟ أوضح . لقد دفعنا لكم ، ووقعنا معكم عقوداً ومواثيق .
حاول الشيخ طمأنة الرجل بكل السبل ، كما حاول أن يفهمه أن كل ما تم الاتفاق عليه لن يمس أو يلغى فقال :
– دع الأمر لنا ، نحن أدرى بالتعامل مع زينة ، إن كل ما اتفقنا عليه باق، لا تخف، قم الآن واذهب إلى جماعتك ، وانتظروا رسولاً منا يبلغكم ساعة الصفر .
بعد أن غادر الرجل القصر ، أيقنت زينة أن الأمر قد انتهى ، وأنها سوف تخسر القصر لا محالة ، لأن الرجل يحاربها بأسلحة كثيرة ، وأقوى هذه الأسلحة من نصبّوا أنفسهم أوصياء عليها .
– ماذا عندك يا أم الفهد ؟ أغيثيني بالله عليك ، سوف أتشرد وأنا من تربيت في بيت العز ولم أذق طعم الهوان ؟
– آه يا ابنتي، عن الدنيا لا تدوم على حال ، لأن دوام الحال من المحال .
– ماذا تعنين يا أم الفهد ؟
– اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ، ولكنا نسألك اللطف فيه!
– يا أم الفهد ، يبدو أن الفأس وقعت في الرأس ! ما العمل ؟
– العمل بيد ربنا يا ابنتي .
– ماذا تعنين يا أم الفهد ؟
– ماذا ترين أنت ؟
– إني مصممة على أن ذلك لن يتم إلا على جثتي .
– وتخسرين هذا الجمال ليدفن تحت التراب ويأكله الدود ؟
– وهل هذا وقته يا أم الفهد ؟ ما نفع الجمال في مثل هذه الظروف ؟
ضحكت أم الفهد بخبث وهمهمت :
– ليتني أتمتع بربع ما تتمتعين به من جمال يا بلهاء ، لكنت فعلت العجائب وما كان حالي ليظل كما هو عليه الآن ؟
– أراك تتمتمين يا أم الفهد ، ما الأمر ؟
– الدنيا حظوظ يا ابنتي .
تحرك في ذهن زينة أمر لم تكن لتفكر به قبل هذه اللحظة، لقد أخذت دائرة الشك تكبر وتتسع بسرعة مذهلة في موقف أم الفهد.
– أم الفهد ! أنت معي أم علي ؟
اهتزت أم الفهد ، ودب الرعب في أوصالها جراء هذا السؤال.
– أنا معك يا ابنتي ولكن …
– ولكن ماذا يا أم الفهد ؟
– أريد أن أنصحك نصيحة أم لابنتها.
– تفضلي يا أم الفهد !
– عدلت أم الفهد من جلستها وقالت :
– زينة ! الكل ضدك ، والكف لا تلاطم مخرزاً يا ابنتي !
انفجرت دائرة الشك عند زينة في موقف أم الفهد ، وأيقنت بكل وضوح أن أم الفهد ليست معها ، بل هي جزء من اللعبة ، مكلفة بلعب دور معين !
– لكن يا أم الفهد …
– لكن ماذا يا ابنتي ؟
– إنك امرأة تصلي وتصوم وتحفظ القرآن .
أطلقت أم الفهد من أعماقها زفرة قوية ، ونظرت إلى زينة مليّاً وقالت :
– وهل للفقراء غير ذلك يا ابنتي ؟
– ماذا تعنين يا أم الفهد ؟
– دعيني وشأني يا ابنتي ! دعيني وشأني ، مقدر ومكتوب .
لم تتح أم الفهد الفرصة لزينة أن تقول شيئاً ، بل انسحبت بسرعة وهي تردد :
– مقدر ومكتوب ، مقدر ومكتوب .
مرت عدة أيام وزينة تغلي وتستغيث ، ولكن لا مغيث ، إذ لم يكن مجال للنخوة تجاهها والوقوف معها ونكث العهود والمواثيق مع الرجل .
استمرت زينة في إطلاق النداءات ، ولكن لا مجيب .
– يا قوم ، يا أصحاب النخوة والشرف ، يا من كنتم تأكلون وتشربون وتنامون عند سالم المناع ، إن ضاع قصري تهدمت بيوتكم !
وذات يوم وبينما زينة تحصن الأبواب والشبابيك من الداخل ، كي لا يقتحم القصر أحد ، اندلعت النيران من الداخل ، وظهر لها العديد من العمال الذين فرضوا عليها فرضاً للعمل في حدائق القصر الواسعة وهم يحملون العصي ويضحكون . وعند ذاك لم تضعف زينة ، بل أخذت لوحدها تقوم بإطفاء النيران ، وهاجمت العمال ببارودة أبيها القديمة ، ففروا من أمامها كالفئران التي شاهدت لبؤة انتفضت للدفاع عن شبلها .
وبينما هي كذلك ، ظهرت العشائر والقبائل تتجه إلى القصر ، موهمة زينة بأنها ما قدمت إلا لإنقاذ القصر وحماية زينة ! وعلى ما يبدو انطلت ا لحيلة على زينة أول الأمر ، أو أن الظرف الصعب الذي تمر فيه ، أجبرها أن تصدق أو تعتقد أنهم كذلك ، لأن الغريق إذا ما رأى قشة في البحر حسبها جذع شجرة ، وتشبث بها معتقداً أنها سبيله للنجاة .
– زينة ، زينة .
ناداها أحدهم ، وأشهر بارودة قديمة .
– من أشعل النيران يا أختاه ، دلينا عليه ، دلينا عليه .
– ها هم ، فروا من أمامي إلى الجهة الغربية من الحديقة .
– فروا من أمامك !
قالها الرجل باستغراب ، ونظر في وجوه الموجودين .
أحس الجميع بخجل كبير ، وظنوا أن زينة توبخهم على مواقفهم المشينة تجاهها وأرادوا تبرئة أنفسهم أمامها ، فأوعزوا لأحدهم أن يلاحق المزارعين الذين أتهمتهم زينة بإشعال النيران في القصر ، تحرك الرجل ممتشقاً بارودته ، ولم يمش سوى مترين حتى رمى نفسه على الأرض متحفزاً لقتال ظاهري ، وأطلق النار باتجاه الغرب ! ولكن الرصاصة بدل أن تأخذ مجراها إلى الهدف الذي أطلقت عليه ، ارتدت إلى صاحبها وأصابت رأسه بخدش .
صرخ الجميع ، صرخة رجل واحد وقالوا :
– زينة ، لن نستطيع فعل شيء وأنت داخل القصر .
– ماذا تقصدون يا رجال ؟
– ارحلي عن القصر، ودعينا نطفئ النيران ونطرد المزارعين.
– لن أرحل ، لن أغادر هذا القصر الذي ولدت فيه .
– سترحلين يا زينة . سترحلين يا زينة .
– قلت لكم لن أرحل ! على الأقل ، لن أخرج منه حية !
أيقن الجميع أن زينة ستفسد عليهم مخططاتهم ، وأنهم سيقعون في إشكالات لا حد لها مع الرجل الذي وقعوا معه عقد البيع ، ولهذا اجتمع شيوخ القبائل ، واتفقوا فيما بينهم على إيكال المهمة لأم الفهد كي تخرجها من القصر .
كانت الخطة تقضي بأن تجلس أم الفهد معها ، ويتظاهر الجميع بإطفاء النيران ومطاردة الرجال في المزارع القريبة من القصر .
كانت أم الفهد جاهزة للتنفيذ ، حيث أخذت زينة إلى داخل إحدى غرف القصر ، وتظاهرت بالحزن عليها ، وبعد ذلك قامت إلى المطبخ لإعداد الشاي ، كي تهدئ أعصاب زينة .
وقبل أن تسكب الشاي في الأقداح ، أخرجت أم الفهد من جيبها قنينة صغيرة أفرغت منها نقطتين في قدح زينة ، ثم حملت الصينية ووضعتها أمام زينة ، وبعد ذلك ناولتها القدح المغلوم وقالت :
– اشربي يا ابنتي ! اشربي ، مقدر ومكتوب !
تناولت زينة قد الشاي من يد أم الفهد ، وأخذت تشرب منه ، وما هي إلا دقائق معدودات حتى كانت زينة تغط في نوم عميق !
وعندما تأكدت أم الفهد أن زينة في غيبوبة ، خرجت إلى شيوخ القبائل ، وأطلقت العنان للسانها وزغردت :
– لقد نامت ابنتكم ، أعطوني أجرتي وافعلوا ما تشاءون :
وعلى الفور ، ناولها الرجل الذي كان قد اشترى القصر من جيبه رزمة من النقود لأم الفهد ، وانصرفت وهي تردد :
– مقدر ومكتوب ، مقدر ومكتوب ، سامحني يا رب .
بعد انصراف أم الفهد بعث شيخ آل قزع أحد أتباعه لإحضار المأذون، لأن الطبخة كانت قد (استوت) كما قال ضاحكاً أمام الجميع .
لم يكن المسجد بعيداً ، إذ لم تمر عشر دقائق وإلا بالمأذون يجلس في الصالة ، ومن حوله الجميع يتهللون فرحاً لخلاصهم من زينة ومشاكلها .
– اسمع يا سيدنا الشيخ ، خير البر عاجله ، قال الشيخ آل قزع للمأذون واستطرد :
– إن عروسنا لشدة فرحها الغامر بنيل مرادها من حضرتنا قد أغمي عليها قبل نصف ساعة ، وقد افاد الطبيب أن أفضل علاج هو عدم إرهاقها بالكلام ، ولهذا سنحضر لك عقد القران وعليه بصمتها حال تعبئته من قبلك حسب الأصول.
ومع أن المأذون دائم التنفيذ لما يطلب منه في مثل هذه الحالات ، إلا أنه تململ قليلاً ، ثم تنحنح ومسح لحيته البيضاء ، وأطرق إلى الأرض متمتماً :
– والله ، وليحاسبني الله على هذا اليمين يوم الوقوف بين يديه ، إن العروس غير راغبة في الاقتران بك .
أدرك شيخ آل قزع ما يدور بخلد المأذون ، فانتهره قائلاً :
– يا شيخنا ، توكل على الله ، وكل شيء بحسابه .
عدل الشيخ من جلسته ، وفتح سجله وقال :
– ما اسم العريس بالكامل ؟
– قزع آل قزع .
– والعروس
– زنية سالم المناع
– والشاهدان :
– وحيد الأطرش وكامل الأخرس .
لم يستطع المأذون إطلاق العنان لضحكته ، ولكنه اكتفى بابتسامة صفراء وتمتم قائلاً :
– ما شاء الله ! أطرش وأخرس ؟
وبعد ذلك بصم الجميع ، بمن فيهم الشيخ العريس الذي ناول المأذون رزمة من نقود، وقرأت الفاتحة ، ثم انصرف الجميع على أن يسلم السجل للمأذون عند صلاة العصر .
بعد انصراف المأذون دخل الشيخ آل قزع ومعه عدد من الرجال والغريب عند زينة المغمي عليها ، وقالوا بصوت واحد :
– مبروك يا زينة ! منه المال ومنه العيال .
كانت زينة غائبة عن الوعي ، لا تدري ما الذي حصل معها ، وما الذي فعله أقاربها . ولهذا لم تحرك ساكناً . وبينما هم جالسون يقهقهون ، وإذا بأم الفهد تدخل عليهم :
– مبروك يا شيخ ! مبروك ، منك المال ومنها العيال ، ولكن.. أدرك شيخ آل قزع ما ترمي إليه أم الفهد وقال بخبث :
– يا امرأة ألا تشبعين ؟
ضحكت أم الفهد وقالت :
– يا شيخنا أنت كريم وأنا أستاهل .
– حاضر يا أم النمس ! حاضر . لكن عليك أن (تبصميها) هنا.
وأشار إلى مكان ما في صفحة السجل – وبعد ذلك تأخذين نصيبك وتقين معها .
– حاضر يا شيخ حاضر .
تناولت أم الفهد السجل ، وجلست بالقرب من زينة المغمي عليها وأمسكت بسبابتها اليسرى بعد أن وضعت عليه قليلاً من الحبر الأزرق وقالت :
– ابصمي يا ابنتي ابصمي ! (ما حدا بيصح له إللي صح لك).
ناولت أم الفهد السجل للشيخ الذي نهض مع صحبه وتوجهوا إلى المسجد لأداء صلاة العصر وتسليم السجل للمأذون .
قبل حلول المساء ، كانت زينة قد انتقلت دون أن تدري إلى بيت شيخ آل قزع للدخول بها كزوجة له . وما أن خلع الشيخ ملابسه ليهم بها انتفضت كمن لسعتها أفعى وانتصبت أمامه كالمارد !
– ما الذي تفعله هنا يا شيخ النحس ؟
أسقط في يد الشيخ ، ووضع بعض ملابسه على جسده ولم يقو على الكلام .
– أخبرني ماذا كنت تنوي ان تفعل ؟ ولماذا أنا هنا ؟
قال الشيخ وبسمل ، واستعاد قدرته على الكلام ، ولكن بتلعثم واضح :
– ز.. زينة ! زينة ! أنا لا أ… أ… ريد بك إلا الخير . أنت زوجتي على سنة الله ورسوله !
وقع هذا الكلام على زينة كصخرة بحجم الكرة الأرضية تدحرجت من قمة جبل .
– زوجتك؟ أنا زوجتك يا نجس؟! ورحمة أبي سالم المناع الذي تعرفه جيداً ، لن تمس مني شعرة برضاي .
حاول الشيخ التودد لها دون فائدة ، كرر المحاولة من جديد ، حاول إغراءها بالمال ، وبأنها ستكون الزوجة الوحيدة المحظية لديها دون زوجاته العشر ولكن دون جدوى . فلم يجد أمامه إلا وسيلة التهديد بعد أن استجمع كل قواه :
– اسمعي يا زينة ! اسمعي كلامي زين ! ما لك من مفر ولا مهرب ، لقد أصبح القصر ملكاً لابن الشاطر ، وإن رفضت العيش معي فإنك ستنامين في الشارع .
ضحكت زينة ملء شدقيها وقهقهت عالياً :
– أنام في الشارع أشرف لي من النوم عندك يا نذل ، يا شيخ الأنذال ! وبعد ذلك خرجت إلى الجبل حيث المغارة الواسعة التي كانت والدها يعتكف فيها بعضاً من أيام السنة ، للتأمل والتعبد .
– لن تفلتي مني يا زينة ، سيأتي يوم تلجئين فيه لي، وعندها سأفصفص عظامك عظماً عظماً وأرميك للكلاب .
قال الشيخ وهو يرتجف من شدة الخوف والهلع .
بعد خروج زينة من القصر ليلة البارحة مغمى عليها باشر آل الشاطر بتنظيف وترتيب القصر ، وبناء غرف إضافية حوله ؛ لاستيعاب كافة أفراد العائلة التي أخذت تلملم نفسها من هنا وهناك.
وبينما كان الجميع منهمكاً في العمل ، وإذا بشيخ آل القزع يتسلل داخل القصر وهو بحالة يرثى لها :
– يا ناس ، يا حبايبي !
– ما بك يا شيخ ؟
– الملعونة ! الملعونة !
– زينة ؟
– نعم ، زينة !
– ما الذي حصل ؟ ألم تصبح زوجتك ؟
– لا ! لا ! لم أستطع ذلك ، فقد هربت دون السماح لي بالاقتراب منه .
ضحك أبناء الشاطر لخيبة شيخ آل قزع ، وأخذوا يهمهمون :
– آه لو تضع زينة يدها في أيدينا ، لكنا في غنى عنكم جميعاً ! وبعد ذلك ، قال داوود الشاطر مخاطباً شيخ آل قزع :
– اسمع يا شيخ ، صحيح أننا لم نلتزم يوماً بعهد او ميثاق مع أحد ، لكننا هذه المرة نقسم لك أننا سنحميل من زينة ، اطمئن وارجع إلى بيتك دون خوف !
– وزينة ؟ زينة المجنونة ؟
– زينة ليست مجنونة يا شيخ ، زينة أعقل منكم جميعاً ، وأشرف .
– ماذا ستفعلون بها ؟
– سنقتلها ! سنقتلها لأنه لا وجود لنا وهي حية !
تهلل وجه الشيخ فرحاً عند سماعه هذا التوكيد ، وعاد إلى بيته دون أن يراه حتى أحد من أولاده .
لم تأخذ عملية تنظيف المغارة وقتاً من زينة ، إذ عملت زينة على ترتيب المغارة وتنظيفها وتفقد زواياها ، للتأكد من عدم وجود أفاع وعقارب أو ما أشبه .. وبعد ذلك تفقدت جرة الماء وغسلتها ، ثم خرجت وملأتها بالماء ، وعادت ثانية لإحضار الحطب .
كان موقع المغارة جيداً لمراقبة ما يدور في القصر وحوله . ولكي تأمن زينة على نفسها من حركات الغدر التي كانت تتوقعها من الشيخ وآل الشاطر ، قامت بشراء كلب ضخم يتمتع بحاسة شم عالية وبصر حاد ، وصرخة للنباح مميزة .
كانت زينة تنام بحذر ، لأنها كانت تخاف على نفسها ، كما كانت تخاف على كلبها أيضاً من عمليات الغدر ، ليس عن طريق الرصاص ، بل عن طريق إلقاء اللحم المسموم إليه ، ولذا حرصت فيما حرصت عليه أن تشبع كلبها لحماً ، لا أن تلقي له العظم فقط.
وبفعل تفكيرها المتواصل ، اهتدت إلى طريقة لإيصال الرسالة إلى كلبها ، إذ كانت تحضر له اللحم المطبوخ جيداً في البداية ، وبعد ذلك كانت تحضر له طيوراً ميتة ، ثم تحذره من تناولها .
كما أنها كانت تحضر له لحماً نيئاً، حتى وهو جائع ، ثم تحذره من تناوله .
وكانت في الوقت نفسه تتحاور معه بطريقتها الخاصة ، وبسبب ذكائه الحاد استجاب لها ، وحفظ كل التحذيرات عن ظهر قلب .
لم تأت هذه الأفكار لزينة من فراغ ، إذ كان ظنها في محله ، فكم من مرة وجدت حول الكلب قطع اللحم المسموم الملقى إليه من أحدهم لقتله ، ولكي يتمكنوا من الإغارة على زينة .
كان الكلب كثير النباح في الليل ، وبالذات عند منتصفه ، ولأن زينة كانت تعرف أنها في الجبل ، فلم تأخذ الامر على غير ما يحتمل ، ولكنها بعد أن تكررت العملية في نفس الوقت والموعد من كل ليلة ، أخذت الأمور على محمل الجد ، وقررت أن تكتشف السر .
ما كانت المسألة بحاجة لكثير من الجهد أو الذكاء ، بل كان الأمر واضحاً وضوح الشمس في وسط النهار ، فالعملية برمتها تتلخص في أن شيخ آل قزع كان يقوم بزيارات متواصلة إلى القصر للاجتماع مع داوود الشاطر ، كما أن داوود الشاطر كان يقوم هو الآخر بزيارات متكررة للاجتماع مع شيخ آل قزع .
– ملعون يا أبا القزع ، ملعون وكذاب كمان ، تشيع بين الناس أنك على خلاف مع داوود الشاطر ، وها أنت تتسلل في منتصف الليل كاللصوص للاجتماع به وهو كذلك ! آه يا أبن الحرام ، جئت من جوف الصحراء ، وها انت شيخ يقوم لك الرجال في المجالس . أراهن أنك صنيعة داوود الشاطر ، وهو الذي خطط لك لتفعل كل شيء من أجله ، وهو يتولى حمايتك .
– آه يا زينة يا بنت سالم المناع ، آه ، ماذا يخبئ لك الزمان ؟ آه ، لا أخ لك ، ولا ابن خال يغار عليك ! ها أنت والزمن تتصارعان ! ما الذي فعلته في زماني ؟ منذ كان عمري سنة وأنا محط أنظار الجميع ، الكل يتودد لأبي وأمي ، والكل يحضر لي ملابس مع ابي ، ولم أكن بحاجة لهذه الملابس ، كان الجميع يكثرون من إحضار الحلوى لي ، وأنا أضحك معهم ، آه ما أغباني ! آه ، لم أكن أعلم بالنوايا ، لكن أبي رحمة الله عليه كان يعلم ، ولهذا كان حاداً بصورة لافتة للنظر ، وبخاصة كلما تطرق أحد للحديث عني مساوماً .
عندما كبرت ، وتعديت العاشرة بأيام ، وقعت حادثة جعلتني أتنبه لكل كلمة أو ابتسامة أو هدية من أحدهم .
ففي ذات ليلة ، حضر لزيارة أبي قاسم المر ، وأخذ يتحدث عني امام أمي وأبي رحمهما الله ، وبعد أن أعطاني كيساً من (القطين) أخبرني أنه يريدني لابنه حالما أبلغ الثالثة عشرة من عمري .
عندها احتدّ أبي ، وصرخ في وجهه ، وطرده من القصر ، وكذلك فعل من الحاجة سلمى وأم سليم .
كان الجميع يرون جمالي الأخاذ ، ويعرفون مقدار ثروة أبي وقيمة قصره .
وبينما كانت زينة شاردة في تفكيرها تقلب صفحات ماضيها ، أحست بضيق في صدرها ، فلجأت إلى التل المجاور ، وأخذت تنظر إلى القصر . كانت الشمس تستعد للاختباء في البحر ، وكانت حييّة في عملية اقترابها منه ، مثل فتاة شرقية تشعر بالخجل من خلع ملابسها أمام عريسها في ليلة الدخلة .
سأعود يا ابن الشاطر ، ولن ينفعك شيخ آل قزع، قالت زينة هذه الكلمات ، وأخذت نفساً عميقاً من الهواء المشبع برائحة زهر الليمون والبرتقال القادمة من ناحية القصر . وبينما هي كذلك ، وإذا بأم فهد قادمة إليها تجر خلفها بغلاً محمّلاً !
– آه ، ما الذي تريده مني هذه المرأة ؟ لا أدري . على العموم، ربما أستفيد منها في شيء ما !
قامت زينة لملاقاة أم فهد بالقرب من باب المغارة ، لأنها لم ترد لأم فهد دخول المغارة ورؤيتها من الداخل .
– أهلاً يا أم الفهد ، أهلاً يا خالة .
– أهلاً بك يا ابنتي .
وعلى الفور قامت الاثنتان بإفراغ حمولة البغل ، ووضعتها زينة عند باب المغارة ، وجلست مع أم الفهد بالقرب من الباب .
كانت أم فهد قد أحضرت طحيناً وأرزاً وسكراً وزيتاً ، كما أحضرت أشياء أخرى تحتاجها زينة في حياتها اليومية .
– شكراً يا أم الفهد ، لقد قمت بعمل لم يخطر على بال أحد من أقاربي ، ولكني أود أن أسألك سؤالاً ، وأتمنى أن تجيبي عليه بصراحة .
– اسألي يا ابنتي ، اسألي .
– أم الفهد ، هل أنت معي أم معهم ؟
– أنا معك يا ابنتي ، أنا معك ، ولكني مجبورة أن أشاركهم ألاعيبهم ضدك .
– ما الذي يدعوك لذلك .
– مقدر ومكتوب يا ابنتي ، مقدر ومكتوب . لازم تصبري .
– إلى متى يا أم الفهد ؟
– اسمعي يا ابنتي ، لقد زارني أبوك – رحمة الله عليه – الليلة الماضية كعادته ، وأيقظني من النوم بعد صلاة الصبح ، وتحدث معي حديثاً طويلاً ، وأخبرني عن كل شيء ، ولكنه طلب مني هذه المرة أن أخبرك بشيء .
– هاه ، وما هذا الشيء يا أم الفهد ؟
– عليك أن تصبري يا ابنتي ، وان لا تدعي أحداً يضحك عليك ، كما أخبرني أنه مرتاح لأنك رفضت العيش مع شيخ آل قزع تحت سقف واحد .
– صحيح يا أم الفهد .
– صحيح يا ابنتي ، صحيح .
– شردت زينة بذهنها بعيداً ، وحلّقت بروحها عالياً ، وتخيلت نفسها مع أبيها يحثها على الصبر وتحمل الشدائد .
لاحظت أم فهد سرحانها ، ولكنها لم تشأ تعكير هذا الصفو عليها إلى أن أنفرجت أسارير زينة وقالت :
– أم الفهد ، أنا لم أخطئ في حياتي ، لم افعل مثل خولة الهندية ولا سواها ، وأمي رحمة الله عليها ماتت طاهرة لم تنكشف على رجل غير أبي رحمة الله عليه ، وكذلك أبي ما اختلى مع امرأة غير حلاله . ولهذا أنا واثقة من وقوف الله معي ، لأنه لا يحب الظلم .
– الحمد لله يا ابنتي ، هذه نعمة من عند الله .
– اسمعي يا أم الفهد ، عندي سر أود البوح به لك .
– ما هو يا ابنتي ؟
– ثروة والدي .
– ما بها يا ابنتي ؟
– لقد خبأتها في مكان ما .
– في القصر ؟
– لا يا أم الفهد ، ليس في القصر ، لقد كنت خائفة من حصول شيء ما ، ولهذا لم أضعها في أي مكان في القصر.
– مزيونة وشاطرة يا بنتي ، مزيونة وشاطرة ، يطوّل عمرك . وأين يوجد ؟
– قومي ما دام البغل موجوداً ، ولكني أريدك أن تعاهديني بالله أن لا تخبري أحداً عن هذا السر وأنا أتكفل بكل ما تحتاجينه أنت وبناتك من مصاريف .
– بارك الله فيك يا ابنتي .
وفي الحال نهضتا ، وجرّت أم الفهد البغل وراءها ، وتوارتا بعيداً حتى وصلتا إلى سفح أحد الجبال . تطلعت زينة في كافة الجهات خشية أن يكون أحد يراقبها . فلم تجد أحداً ، وعند ذلك أخذت تحفر بالتراب حتى ظهر صندوق كبير ، انتشلته هي وأم الفهد ، ووضعتاه على البغل ، وربطتاه جيداً ، وعادتا إلى المغارة .
لم تخبر زينة أم الفهد عن المكان الذي ستخفيه فيه ، خشية ان تقوم بالتبليغ عنه ، أو محاولة سرقته . ومع ذلك فقد أعطتها مبلغاً يكفيها وبناتها عشر سنين كاملة .
سرّت أم الفهد، وتعهدت بتوفير المؤونة لزينة ، ثم عادت إلى بيتها بعد أن وضعت حزمتي حطب على ظهر البغل لإيهام الناس بأنها خرجت إلى الجبل للتحطيب ، وليس لتزويد زينة بالمؤونة .
لم يطق شيخ آل قزع بعد زينة عنه ، فحاول الاتصال بها ، ولكنها وفي كل مرة كانت ترفض ، فعمد إلى مضايقتها بإرسال أعوانه إلى المغارة لتفتيشها ، خشية ان تكون قد اشترت سلاحاً تهاجم فيه قصره .
تكررت عمليات تفتيش المغارة ، دون أن تسفر هذه العمليات عن العثور على شيء يذكر بهذا الخصوص ، ليس لأن زينة المناع لم تكن تفكر بذلك ، أو تعمل على توفير ما يحميها ، بل لأنها كانت أذكى مما يتصوره القزع .
كانت زينة تحضر بنفسها العصي من الغابة القريبة ، وكانت أيضاً تصنع المقاليع بنفسها ، وعندما تنجز شيئاً ، كانت تخبئه في مكان خارج المغارة ، لأنها كانت تتوقع من القزع ذلك وأكثر .
ولما فشلت كل المحاولات الرامية إلى إيجاد مقاليع وعصي في مغارة زينة المنع ، لجأ القزع إلى طريقة أخرى لمضايقتها والتشهير بها ، وذلك بأن ادعى أن زينة تشتمه أمام الناس ، وتشوه سمعته ، وتصفه بالتآمر مع داوود الشاطر .
وذات يوم حضرت قبل طلوع الفجر مجموعة من أعوان ا لقزع إلى مغارة زينة التي كانت قد أدت فريضة الصبح لتوها في الوقت الذي كان فيه الكلب ينبح نباحاً شديداً . وكان صوت سير الخيول على سفح الجبل جلياً ؛ الأمر الذي جعل زينة تخرج من المغارة لترى الضجة غير المتوقعة ، في الوقت الذي كان كلبها يمارس النباح .
أيقنت زينة المناع أن القزع يدبر لها أمراً . وعلى الفور دخلت المغارة ، وارتدت ملابسها العادية واستعدت .
لم يمض وقت حتى توقفت حركة الخيول عند باب المغارة ، وصرخ أحدهم :
– زينة ، يا زينة المناع ، نايمة ؟
– لا يا ابن الناس ، لست نائمة ، تفضل! تفضلوا افطروا!
– عامر إن شاء الله .
– خير ! ماذا تريدون ؟
– نحن لا نريد شيئاً ، ولكن …
– القزع ؟
– مزبوط يا زينة ! مزبوط .
– ماذا يريد القزع مني ؟
– والله لا ندري ، لقد بعثنا لإحضارك .
– حسبي الله ونعم الوكيل ، حسب الله ونعم الوكيل !
اعتلت زينة ظهر أحد الأحصنة ، مع أن أوامر القزع لرجاله كانت تقضي بأن يحضروها مربوطة وراء حصان برباط متين ، وليس معتلية ظهره . ولكن الرجال خالفوا الأوامر وفعلوا عكسها .
وصلت زينة بيت القزع ، ودخلت لتجسده يمارس هوايته مع نرجيلته الطويلة المزركشة .
– ادخلي يا زينة ادخلي !
– خير يا قزع !
– قلت لك ادخلي لنتفاهم !
– على ماذا ؟
– زواجنا يا زينة ! هل نسيت ؟
ضحكت زينة وقالت :
– ما زلت تحلم ! والله ما تلمس مني شعره وأنا حية !
– اهدئي يا زينة ! عندي شهود ، وبصمتك موجودة ، والمأذون ما زال حياً .
– حلم إبليس في الجنة .
– لا يا زينة ! وهل أنا إبليس ؟
– وأنا الجنة .
– الله يسامحك ! الله يهديك !
– أخبرني ماذا تريد مني بالضبط ؟
– خائف منك يا زينة ! خائف منك .
– ولهذا تبعث رجالك لتفتيش المغارة ؟
– نعم !
– اتركني وشأني .
– لن تفلتي مني هذه المرة يا زينة !
أحست زينة أن إطالة الحديث مع القزع شيء مقزز ، ولهذا أرادت الخروج . ولكنه كشر عن أنيابه وأخذ يصرخ !
– زينة المناع .
– ماذا تريد يا قزع ؟
– أنت شتمتني ، وتشوهين سمعتي أمام الناس ، وتقولين بأنني تآمرت عليك مع داوود الشاطر !
ضحكت زينة إلى حد القهقهة وقالت بهدوء وسخرية :
– بذمتك يا قزع هل انا كاذبة ؟
جن جنون القزع ، ولم يدر ما يقول أمام جرأتها وصلابتها ، فأطرق قليلاً ، ثم رفع رأسه وقال :
– زينة المناع لازم يصير هذا ! وهذا دوري ، لقد عشت حياتك معززة مع أبيك وأمك ، وأنا نوري ابن نور !
– ولهذا بعتني يا قزع ! قلت لك دعني وشأني ، ولن تنالني ما حييت .
وما أن سمع القزع ذلك ، حتى أخذ يبكي كما تبكي النساء ويتوسل لزينة :
– زينة صدقيني إن قلت لك بأنني أحبك ! دعينا من داوود الشاطر !
– أدركت زينة بأنه يحاول اللعب على وتر مختلف ، فأرادت مجاراته على سبيل التسلية :
– أصدقك يا قزع ، بشرط !
– ما هو ؟
– أن تخبرني من أين جئت ؟
كان وقع هذه الكلمات على القزع مثل وقع القنبلة الذرية التي ألقتها الطائرات الأمريكية على هيروشيما في اليابان إبان الحرب العالمية الثانية .
– ما الذي تريدين الوصول إليه ؟
– ابداً ! لكنني أتذكر جميع الناس الذين كانوا يزورون أبي ، سالم المناع رحمة الله عليه ، ولم يأت أحد إليه من سكان هذه المنطقة يحمل هذا الاسم .
– زينة أنا من عائلة تنتمي إلى أحد أولياء الله الصالحين .
ضحكت زينة ملء شدقيها وقالت :
– بل قل أولياء الله الشاطرين .
– ما الذي تعنينه يا زينة ؟
– ألست من أقرباء داوود الشاطر ؟
جن جنون القزع ، ولم يدر ما يقول ، فلجا إلى الصراخ والتهديد ، الأمر الذي جعل زينة تخرج دون استئذان منه ! فأخذ يهذي كمن به مس :
– الملعونة ! الملعونة عرفت السر ، آه يا قزع ! ما العمل ؟ أخشى أن يعرف الناس الذين جعلوني شيخاً عليهم حقيقة علاقتي بآل الشاطر من خلال أقوالها وتصريحاتها ، فينقلبون علي .
بقي القزع على هذه الحالة ، حتى جاءه رجال من جماعته ! لم ترق لهم حالته التي وجدوه عليها ، فسأله أحدهم :
– أمتوعك أنت يا شيخ ؟
حاول القزع التظاهر بالابتسام أمامهم وقال :
– لا والله ، لست متوعكاً ، ولكني أذكر الله وأحمده ! فأنتم تعرفون أن جدي من الأولياء ، وقد أخذت هذه العادة منه .
جلس الرجال وقد دهشوا مما سمعوه ، وأمر أحدهم بصب القهوة لهم .
وبعد أن شربوا القهوة ، سألهم القزع عن سبب مجيئهم في هذا الوقت :
– ماذا تريدون ؟
– نريد سلامتك يا شيخ ! إن المطر هذا السنة قد تأخر ، فلم نزرع ولم نحصد .
أراد القزع أن يوظف ما قالوه لترسيخ ما يحاول ترويجه ، ولقطع الطريق على زينة المناع . فرفع يده إلى السماء وقال بخشوع مصطنع :
– اللهم رب السماوات والأرض ، أنا الشيخ القزع ، حفيد وليك الصالح ، اجعل السماء عليهم مدراراً.
ضحك الرجال ، وقالوا بصوت واحد :
– يا شيخ ! نحن في شهر أيار !
– وماذا في ذلك ، ليس على الله ببعيد .
– والنعم بالله يا شيخ .
تنحنح أحدهم وقال :
– صلّ على النبي يا شيخ .
اللهم صل عليه وسلم .
اسمع يا شيخ ، نريد أرزاً وطحيناً وعلفاً !
وقعت هذه الكلمات على رأس الشيخ القزع كصخرة حطها الله من قمة جبل عالٍ .
– يا شيخ لم يعد الوضع كما كنا عليه في السابق ، لقد كنا في مثل هذه الظروف نلجأ للشيخ سالم المنا ، ولم يسبق أن ردنا خائبين !
– أظلمت الدنيا في وجه الشيخ القزع عندما سمع اسم الشيخ سالم المناع، وعلى الفور أخذ يواري غيظه بابتسامة أظهرها أمامهم وقال :
– أبشروا يا وجوه الخير، لا تخافوا ، أنا شيخكم ، ولن تجوعوا وأنا موجود .
تهللت وجوه الحاضرين عندما سمعوا هذا الكلام، وقالوا بصوت واحد :
مكثور الخير يا طويل العمر .
وبعد ذلك أمر القزع بكيس طحين وأرز وعلف لكل واحد منهم ، أخذوها وانصرفوا وهم يتحسرون على أيام الشيخ سالم المناع .
عندما رجعت زينة المناع إلى سفح الجبل ، ودخلت المغارة ، وجدت أن كل شيء فيها قد نهب ، فلم تجد أرزاً ولا طحيناً ولا سكراً ، حتى زير الماء تم كسره . كما أنها وجدت كومة من اللحم بالقرب من المكان الذي يقبع فيه كلبها ، إضافة إلى قطرات من الدم .
لم تعر زينة المسروقات جميعها أي اهتمام ، لكن الذي أثار اهتمامها هو الكلب ، فقد خشيت أن يكون قد تناول شيئاً من قطع اللحم ومات ، لكن هذا الاعتقاد سرعان ما تبدد عند رؤيتها بقايا من بقع الدم .
أخذت زينة تعمل على ترتيب مغارتها ، وبعد ذلك ذهبت إلى مكان قريب تخفي فيه مؤونة احتياطية ، وأحضرت (كازاً) لإشعال (اللوكس) وصنع الطعام لها وللكلب ، وما إن رجعت حتى أخذ الكلب يدور حولها وينبح .
ظنت زينة أن الكلب فرح بإحضار الطعام على الرغم من كل ما حصل ، ولكنه ظل ينبح ويشير بذيله ورأسه إلى بقع الدم المتناثرة هنا وهناك حول باب المغارة .
خافت زينة على كلبها ، فأخذت تتفحصه جيداً خشية أن يكون قد أصيب بأي أذى ، ولكنها لم تجد به ما يدل على شيء من ذلك ، وما أن أطلقته حتى ركض أمامها، موحياً ببعض حركاته أن تلحق به ، وإذا بآثار الدم تبتعد عن المغارة ، وتقترب من بيت القزع .
عادت زينة مع كلبها إلى المغارة ، فوجدت أم الفهد قد أحضرت لها بعض المؤن ، وأخذتا تتحدثان عما جرى بين زينة والقزع.
– لقد عبثوا بالمغارة وسرقوا محتوياتها يا أم الفهد .
– اللصوص.
– لا يا أم الفهد ، ليس اللصوص .
– فمن إذن ؟
– جماعة القزع.
– جماعة القزع ؟
– نعم !
– ولا يهمك يا زينة !
– لن يهدأ باله .
– وماذا يريد ؟
– يريد الزواج بي .
– رغم كل ما حصل ؟
– رغم كل ما حصل .
أطرقت زينة قليلاً ، وبدأ شريط الذكريات يدور في مخيلتها، ثم رفعت رأسها وقالت :
– تصوري يا أم الفهد تصوري أنه بعث جماعته إلي بعد صلاة الصبح مباشرة ، وأخذوني عنده عنوة !
– وهل ذهبت ؟
– مجبرة يا أم الفهد ، فقد كانت تعليماته إليهم أن يجروني وراء بغل .
– ضحكت أم فهد ملء شدقيها ، وقالت :
– الله يجازيك يا قزع ، وماذا حصل بينكما ؟
– في البداية أخذ يتودد إلي مدعياً أنه يحببني .
– وبعد ذلك ؟
– أسمعته كلاماً لم يسره .
– وماذا قال ؟
– بعد أن يئس مني ، ولم تشفع له دموعه …
– وهل بكرى ؟
– لقد تظاهر بالبكاء .
– دموع التماسيح ؟
– أجل .
– أكملي يا زينة أكملي .
– أخذ يهدد ويتوعد .
– لماذا ؟
– يتهمني بأنني أشتمه ، واشوه صورته بين من أصبح شيخاً عليهم .
دارت الدنيا بأم الفهد بعد أن سمعت ذلك ، وأخذت تتمتم :
– يبدو أن القزع قد فقد عقله .
استغلت زينة المناع شرود ذهن أم فهد ، وأدخلت المؤونة التي أحضرتها أم الفهد إلى داخل المغارة .
– آه يا أم الفهد ، يبدو أن صمتك قد يطول ، ويفسح المجال للقزع بأن يلعب بذيله . آه ، ألأني مشغولة بتربية البنات ؟ متى يتزوجن وأرتاح من تعبهن وهمهن، إنهن صغيرات على الزواج ، وسأبقى مشغولة بهن، رحمك الله يا أبا الفهد ، لماذا مت مبكراً ؟ لماذا مت وتركتني للهموم والمتاعب والأحزان؟ ماذا لو تركت لي ولداً يعينني ويقيني متاعب وهموم هذا العمر ؟
وبعد أن فرغت زينة من إدخال المؤن إلى المغارة وترتيبها ، عادت لأم الفهد ، واخذت مكانها إلى جوارها مواصلة حديثها عن القزع وما هو عليه من المساوئ .
– اسمعي يا زينة ، سوف أذهب الآن لهذا القزع .
– تزورينه يا خالة ؟
– أزوره ، وأفهم منه ما الذي يريده بالضبط .
– ألم أخبرك بما قاله لي ؟
ضحكت أم الفهد ملء شدقيها وقالت :
– زينة ، الأمور أكبر مما تتصورين ، وإني أتوقع أن يعرض علي أنا الزواج به .
– وهل تقبلين ؟
– لقد فعلها عدة مرات ، ويبدو أنه يخطط لأمور لم ندركها بعد…
نهضت وودعت زينة ، وسحبت بغلها ، واتجهت صوب القزع .
رحب القزع بأم الفهد ترحيباً حاراً ، وأجلسها بجانبه ، وأخذ يتودد لها :
– أهلاً أم الفهد ، أهلاً بست الستات .
وصلت الرسالة إلى أم الفهد بأسرع مما كان يتصور ، فابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت :
– أهلاً بشيخنا القزع .
دارت الدنيا بالقزع لسماعه كلمة شيخنا ، فابتسم ابتسامة صفراء وقال :
– لقد منّ الله علينا من عنده يا أم الفهد ، إن الله لا ينسى عبيده.
لم تستطع أم الفهد أن تخفي ضحكتها لما سمعته من سخافات القزع وقالت :
– يعني : أنت من عبيده يا قزع ؟
انتفض القزع لدى سماعه ذلك وقال :
– سامحك الله يا أم الفهد ، ألست من أحفاد الولي الصالح ؟
أرادت أم الفهد مجاراته ، فعدلت من جلستها وقالت :
– يا شيخنا، اجزم أنك من أحفاده .
– هل تقولين ذلك حقاً يا أم الفهد ؟
– نعم يا قزع . نعم يا شيخنا .
كان وقع هذه الكلمات على نفس القزع عظيماً وساراً ، فهو والحالة هذه كمن أهديت له جرة من عسل مصفى .
– أصيلة يا أم الفهد ، أصيلة .
ساد صمت قصير بينهما بسبب شرود كل منهما بالتفكير في نوايا الآخر ، وبعد ذلك قال القزع :
– اسمعي يا أم الفهد ، لقد من الله علي بالشيخة ، ولذلك لابد لي من توسيع نفوذي .
– ماذا تقصد يا شيخ ؟
– لا أريد أن أطيل عليك يا أم الفهد، أريدك زوجة على سنة الله ورسوله .
– تريدني أنا ؟
– نعم يا أم الفهد ، وعلى سنة الله ورسوله .
– ولكني جاوزت الأربعين يا شيخ !
– عز الطلب يا أم الفهد ، عمرك كبير وعقلك أكبر.
– ولكن ..
– ولكن ماذا يا ست الستات ؟
– بناتي سبعة يا شيخ .
– خير وبركة ؛ غداً نزوجهن لسبعة شباب ، وتزداد عزوتنا .
– نظرت أم الفهد إلى الأرض مطرقة ، وأخذت تتمتم : يا قزع الكلب، لو أن الله أعطاك طولاً لفعلت ماذا بعد هذا كله؟ تريد بيع بناتي ؟ آه … قالوها في الأمثال : “اتق شر من اقترب من الأرض “.
انتبه القزع لشرود أم الفهد فقال :
– أم الفهد ، أم الفهد ، ماذا قلت ؟
– بشأن ماذا ؟
– بشأن الزواج مني ؟
– أنا لا اصلح لك يا شيخ .
– إنك عز الطلب يا أم الفهد .
– لا يا شيخ .
أيقن القزع أن أم الفهد تعني ما تقول ، فأخذ يتظاهر بالبكاء على حظه التعس ، تماماً كما فعل مع زينة المناع من قبل .
– يا أم الفهد ، ماذا ينقصني ؟ المال عندي ، والجاه موجود ، والحسب والنسب يشرف ، وكل الناس هنا تحب الولي الصالح الذي هو جدي .
أحست أم الفهد أن رأسها سينفجر بسبب كلام القزع وأكاذيبه ، وحديثه عن الحسب والنسب ، ولكنها أخفت امتعاضها لحاجة في نفسها .
– اسمع يا شيخ ، الزواج قسمة ونصيب .
– قسمة ونصيب ؟
– نعم يا شيخ ، قسمة ونصيب .
أطرق القزع مفكراً ، وقال دون أن تسمعه أم الفهد : لن تفلتي من يدي يا أم الفهد ، لن تفلتي .
انتبهت أم الفهد لشرود القزع فقالت :
– وحد الله يا قزع ، أين وصلت ؟
– بيبدو أن النعاس غلب علي .
ابتسمت أم الفهد بخبث وقالت :
– أرجو أن لا تنام ، فتتدحرج إلى المغارة .
– بهت القزع لما سمع وقال :
– أي مغارة يا ام الفهد ؟
– المغارة التي تسكنها زينة المناع .
– ما الذي ذكرك بهذه الحية الآن يا أم الفهد ؟
– وهل زينة المناع حية يا قزع ؟
– إنها ألعن من الحية يا أم الفهد ، إنها ألعن من الحية .
عدلت ام الفهد من جلستها وقالت :
– ما دامت زينة المناع حية ، فلماذا تريد الزواج منها ؟
دارت الأرض به ، وأحس أن الدنيا ستبتلعه .
– من أخبرك بذلك ؟
– العصفورة يا قزع . العصفورة تخبرني بكل شيء عن أحوال زينة وعن زياراتك لداوود الشاطر في جوف الليل .
جن جنونه لما سمع ، وأدرك أنه أمام ثعبان لابد أن يبتلعه :
– أنا أزور داوود الشاطر ؟ إنه عدوي ، إنه عدونا .
– اسمع يا قزع ، العب غيرها .
– ما الذي تريدين قوله يا أم الفهد ؟
– أريد منك أن تفهم أن كل تحركاتك وتنقلاتك مكشوفة للقاصي والداني ، لذلك أقول لك : دع زينة وشأنها ، وإياك أن تمسها بأي سوء ، وقابل داوودك الشاطر بعيداً عن القصر .
عدل القزع من جلسته ، وقال والخوف بادٍ على وجهه، وغضبه يكاد يقطر سماً :
– اكشفي أوراقك ، يبدو أن اللعب أصبح على المكشوف .
ابتسمت أم الفهد ابتسامة خبيثة وقالت :
– (كلنا في الهوا سوى، ما في حدا أحسن من حدا).
– وزينة لماذا تساعدينها ؟
– قلت لك يا أهبل : دع زينة وشأنها .

انتصف الليل ، وعم الهدوء المنطقة ، ولم يعكر صفو هذا الهدوء سوى حفيف الأشجار بفعل النسمات التي كانت تهب على سفح الجبل . وكان الكلب مستسلماً لهذه النسمات ، وإن لم يكن يستطيع تمييز نكهتها الليمونية أو البرتقالية . وكانت زينة كعادتها نائمة كالذئب ؛ عينها الأولى مغمضة والثانية مفتوحة ، خشية الغدر بها من قبل القزع أو داوود الشاطر .
لم يمض على انتصاف الليل الكثير حتى انتفض الكلب من مكانه ، وأخذ ينبح منذراً بحركة ما في محيط إدراكه ، وبسبب ذلك النباح المتواصل ، نهضت زينة المناع من نومها حاملة “نبّوبتها ” ، ووقفت خارج المغارة تراقب الوضع . وإذا بالقزع يسير في طريقه إلى القصر ليجتمع مع داوود الشاطر ؟
– آه يا قزع الكلب ! أراهن أنك من آل الشاطر ، بل إني أجزم أنك كذلك .
دارت الدنيا بها ، وظهر شريط الأحداث في مخيلتها واضحاً ، وبعد ذلك قررت أن تفعل شيئاً .
لم يكن الأمر بالنسبة لها دعوة قيادة القوات والأركان ، ولا عقد مجلس الوزراء ، لأنها لا تملك اياً من هذه الأشياء ، ولهذا أمرت كلبها باللحاق بالقزع .
لم يتوان الكلب عن تنفيذ الأوامر ، إذ قفز في الهواء وفوق الصخور ينبح بشدة ، وما هي إلا لحظات حتى كان الكلب قد انقض على فريسته ورماه أرضاً ، وترك آثاراً دموية واضحة على وجهه ، وعاد إلى زينة المناع فرحاً مسروراً ، شأن من أنجز مهمته بنجاح .
أحست زينة بفرح غامر بعد أن رأت كلبها يرقص فرحاً ويدور حولها وذنبه يتحرك يمنة ويسرة .
وعلى الفور أحضرت له وجبة طعام دسمة مكافأة له ، وجلست بالقرب من صخرة ترى ولا ترى ، تحسباً لقيام الشاطر بالهجوم عليها انتقاماً منها ، لأنها كشفت زيارات القزع للقصر .

عندما أنهى الكلب مهمته بنجاح عاد مسروراً إلى زينة ، أم القزع فقد بقي مكانه وقد أغمي عليه لهول الموقف الذي تعرض له .
وبعد ساعتين بالتمام والكمال ، نهض من مكانه ، وسار متثاقلاً حتى وصل إلى القصر ، وارتمى أمام الباب ينتحب كما النساء .
كان داوود الشاطر في انتظاره ، وما أن رآه على تلك الحالة ، حتى هب مسرعاً لفتح الباب ليجده ملطخاً بالدماء .
– ما الذي فعل بك ذلك ؟ أهي ذئاب الغابة ؟
– لا يا سيدي ، لا
– من هو إذن ؟ لماذا هذه الدماء ؟ ولماذا تبكي ؟
– زينة يا سيدي ! زينة .
ذهل داوود الشاطر لما سمعه ، وقال بحدة :
– وهل تعرف زينة أنك تزورنا باستمرار ؟
– إنها تعرف كل شيء يا سيدي ، إنها ليست من بني البشر ، إنها جنية يا سيدي .
أدخل داوود الشاطر القزع إلى الداخل ، وتمت معالجته ، وامره بالرجوع من حيث أتى ؛ خشية أن يراه الفلاحون والرعاة الذين يخرجون من بيوتهم مبكرين .
كان هجوم الكلب على القزع مؤشراً هاماً في سير الأحداث بين زينة والقزع والشاطر ، إذ أجبر الثلاثة على مراجعة مواقفهم من جديد ؛ لتحديد ما سوف يحدث مستقبلاً .
وفي زيارات لاحقة للقزع ، حول الشاطر منعه من القيام بتصرف أحمق ضد زينة ، إذ أن الشاطر كان يؤمن إيماناً قاطعاً بأن زينة ستنتهي يوماً ما :
– اسمع يا قزع ! عليك بسلاح الزمن ، إنه الكفيل بكل شيء ، زينة محاصرة ، محاصرة ، لن يكون بوسعها فعل أي شيء ضدنا .
– ولكنها يا سيدي تؤرقني .
– لأنك غبي ! غبي يا قزع .
– بماذا تنصحني يا سيدي ؟
– اترك الامر لنا ! نحن الآن مشغولون بإعادة استصلاح الأراضي وترميم القصر الذي استولينا عليه منها ، ثم هل تريدنا أن نخاف من امرأة ؟
– أعرف أنكم لا تخافون ! أما أنا فإنني أحسب لها ألف حساب ! لقد بدأ البعض يتعاطف معها ، وهذا يؤثر على وضعي بين جماعتي .
– نعرف أنك جبان ! ولكن هل نسيت أن هناك اتفاقاً بيننا نلتزم فيه بحمايتكم .
– لم أنس ، ولكن ، افعلوا شيئاً .
– إن وضع زينة لا يدعونا للتحرك ، تستطيع أنت بنفسك فعل شيء ما .
– انصحني يا سيدي .
أحس داوود الشاطر بالملل من حديثه ، والقرف من ضعفه ، وتمنى لو أن زينة قبلت بتقاسم الأرض واقصر معه ، لكانت وفرت عليه هذا الموقف مع القزع النذل .
– اسمع يا قزع دبر نفسك مع زينة ، فنحن مشغولون الآن .
نهض القزع ، وعاد إلى بيته من طريق ثانية خشية أن تكشفه زينة وكلبها . وأخذ يخطط للقضاء على زينة .
مرت الأيام والثلاثة مشغولون بأمورهم ، وخلال هذه الايام تطورت الاحداث بين زينة و القزع من حيث تفتيش المغارة بحثاً عن العصي أو ما شابه ، وإجبار زينة على الذهاب إلى بيته بتهمة شتم وتشويه صورته أمام الناس .
وذات يوم اهتدت زينة إلى فكرة جهنمية تستطيع من خلالها إثبات أنها موجودة ، وأن الذئاب لم تأكلها .
كان الشاطر قد انتهى من حفر قناة لإيصال المياه إلى أراضي القصر ، وقد أرادت زينة منعه من ذلك ، عن طريق دحرجة صخرة كبيرة تقبع على سفح الجبل ، ولهذا عملت على إزالة الحجارة الصغيرة من أمامها حتى تتدحرج بسهولة وتستقر فس القناة .
استمرت عملية التنظيف أسبوعاً كاملاً ، وعند منتصف إحدى الليالي قامت زينة بدحرجة الصخرة الكبيرة وأطلقت لها العنان لحمل الرسالة .
كان صوت دحرجة الصخرة في الليل مجلجلاً ، حيث قضّ مضاجع الشاطر والقزع في آن ، وقد حسبوا ذلك زلزالاً ، ولكن عند الصباح تبين انه صخرة استقرت في قعر القناة .
لم يمض هذا الحدث بسهولة ، إذ أنه أسفر عن طلب القزع من الشاطر أن يقضي على زينة بالسرعة الممكنة ، واتفق الطرفان على أن يقوم الشاطر بالانقضاض المفاجئ على مغارة زينة وقتلها مع كلبها ، وضم الجبل برمته إلى حوزة أملاك الشاطر .
وافق الشاطر على الخطة لعدة أسباب : منها أن مساحة الجبل شاسعة ، ويمكن استصلاح أراضيه ، إضافة إلى الخلاص من زينة وإلى الابد .
كان الاتفاق بين الطرفين يقضي بأن تقوم عائلة الشاطر بالانقضاض على مغارة زينة قبيل صلاة الصبح ، وذلك لمفاجأة زينة ، وقطع الطريق عليها ، خشية ان تهرب إذا كانت مستيقظة في تلك الفترة ، أو أن تختبئ في مكان غير مكشوف بالنسبة لهم.
بعد أن فعلت زينة فعلتها وألقت بالصخرة في قاع القناة ، أيقنت أنها ستتعرض لمحاولة غدر ، إما من آل الشاطر ، أو من القزع ولذلك كانت تقضي الليل يقظة تصلي وتتهجد ، وتدعو الله ، وتبتهل إليه أن يحميها . وكانت تكثر من هذا الدعاء ” اللهم ربي ، أنت ناصر الضعفاء والمظلومين ، وأنا عبدتك الضعيفة المظلومة ، اللهم انصفني ولا تخذلني، يا من تسمع كلامي وتراني ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، اللهم أنت ربي وخالقي، وناصيتي بيدك وأنا لم اخنك ولم أتعد حدودك ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي “.
وبينما هي مستغرقة في ابتهالها ، سمعت نباح الكلب ، فأسرعت تتم دعاءها ، ثم خرجت من مغارتها ، وإذا بها تـرى الشاطر وآله يصعدون في الجبل ، ويتسلحون بالعصي وسواها .
كان سفح الجبل وعراً ، لا يسمح لأحد بالصعود إلى قمته بسهولة، ولم يكن فيه سوى مسربين فقط يسمحان بالصعود ، ولأن زينة تعرف السفح جيداً ، عمدت إلى دحرجة الصخور من أعلى لتسقط على رأس آل الشاطر وتقتل منهم من قتلت ، وتجرح منهم من جرحت ، ولتجبرهم على التوقف ، ثم التراجع عن فكرة متابعة الصعود ، ثم وقفت على أعلى صخرة في الجبل وأخذت تصرخ بأعلى صوتها وهي تقول :
يا أهل الغيرة ، يا أهل الشرف والنخوة ، أن أختكم ، داوود الشاطر استولى على قصري ، وها هو الآن يريد قتلي .
يا أهل النخوة والكرامة ، يا نشامى الحقوني .
كان الناس في تلك اللحظة قد أنهوا أداء صلاة الفجر في المسجد ، وما أن سمعوا صراخها حتى هبّوا لنجدتها بعد أن ذهب كل واحد منهم إلى داره مسرعاً ، وأحضر عصاه أو نبوته أو بارودته بالرغم من تحذير القزع لهم بعدم فعل ذلك .
لم يستمع إليه أحد ، وتركوه في الساحة وحيداً يندب حظه ، لأن زينة استطاعت تحريك مشاعر جماعته تجاهها ، بينما هو لم يطعه أحد ، بالرغم من أنه شيخ عليهم .
وما هو إلا وقت قصير ، حتى تجمع أهل القرية على سفح الجبل وأخذوا يدحرجون الحجارة إلى أسفل ، تشاركهم زينة وتشجعهم بصوتها العذب حيث كانت تقول :
يا أهل النخوة والكرم ، شدوا الحبل شدوا الهمم
هذا اليوم يومكم ​لا تنزلوا عن القمم
راحت أراضينا للغرب ​أجونا بعد ما كانوا لمم
حطوا عليكم القزع شيخ وأعطوه يا حيف بيرق مع علم
وبعد أن وجد القزع نفسه وحيداً ، خاف على الشيخة أن تضيع منه وينقلب عليه أهل القرية ، فما كان منه إلا أن يصعد الجبل هو أيضاً ، وأخذ يدحرج الحجارة الصغيرة ، حتى لا يتهمه قومه بالخيانة، بينما أهل القرية كانوا يدحرجون الصخور .
استمرت المعركة لما بعد طلوع الشمس ، ورجع الشاطر بعد ذلك خائباً ، موقناً أن زينة ليست ضعيفة ، وأنها ليست بدون عزوة !
أخذ القزع يصول ويجول في شوارع القرية متبختراً :
أرأيتم ؟ هل رأيتم كيف هزمت الشاطر وحميت زينة المناع ؟
لحسن حظ القزع أنه أصبح شيخاً على القرية عن طريق جماعته الذين وفدوا من قرى بعيدة ، للسهر على حمايته مقابل الغذاء والإيواء ، ومن حسن حظه أن أهل قرية ” مشهور ” أصبحوا يحسبون له ألف حساب ، ولهذا فقد أيده بعضهم ، أما البعض الآخر ، وهم سكان قرية ” مشهور ” الأصليين فلم يؤيدوه ، بل انسحبوا إلى بيوتهم .
لم يكترث القزع لذلك لانه مدرك أن الشاطر يقف معه ، وأن حراسه يحمونه ، ولذلك أخذ يفتعل الأحداث في القرية كما يشاء بحجة أنه صاحب فضل على الجميع ، وأنه حمى زينة المناع من داوود الشاطر .
وذات يوم جاءته فكرة ، وهي أن يقوم بجمع الأتاوات على شكل تبرعات لحماية القرية ، وبناء سور مانع حول القرية .
وعلى الفور اصدر الأوامر لحراسه بأن يلفوا بيوت القرية بيتاً بيتاً ويأخذوا ما يستطيعون أخذه ، حتى ولو كان عدساً إن تعذر جمع الفلوس من صاحب البيت .
لم يتوان الحراس عن ذلك ، وما أن طلعت الشمس على القرية ، حتى كانت الأبواب تقرع ، والأتاوات تجمع ، سواء من النقود ، أو المواد العينية .
ونتيجة لخوف سكان القرية ، تمت العملية بسرعة .
أحس القزع بنشوة الانتصار على أهل القرية أولاً ، وذاق طعم الفلوس ثانياً، وأصبح يمتلك ثروة كبيرة من المال ، إضافة إلى مخزون غذائي يكفي عشرة قرى مثل قرية ” مشهور ” عشر سنوات من القحط .
كان من بين البيوت التي طرق الحراس بابها بيت “فاطمة السلخي”، وكانت لسوء حظها قد انتهت من إعداد طعام الفطور لأيتامها الخمسة ، وكان الفطور يتكون من ثلاث بيضات مسلوقة وأربع قطع من الجبن ، وثلاث أرغفة من الخبز ، كانت صدقة من جارتها أم سليم لهؤلاء الأيتام .
خرجت فاطمة السلخي من غرفتها لتنظر من بالباب ، وكان يخامرها في تلك اللحظة شك بأن جارتها الثانية أم عامر قد أحضرت لها شيئاً لتطعم أيتامها . وكانت المفاجأة :
– نعم ، خيراً إن شاء الله يا أخي ؟
– يبلغك الشيخ قزع أن عليك أن تدفعي عشرة دنانير ذهب !
– يا حسرة ! عشرة دنانير ذهب ؟ وهل أملك عشرة قروش ؟
لم يأت رمضان بعد كي يتصدق عليّ أهل الخير .
لم يقتنع الحراس بذلك ، فدخلوا الغرفة ، ولم يتعاطفوا مع الأيتام الجياع ، فأخذوا صحن البيض والجبن والأرغفة ، وفتشوا البيت فلم يجدوا شيئاً ، وعلى الفور انصرفوا تاركين الأيتام يصرخون من الجوع ، خاصة وأنهم رأوا أن طعام إفطارهم الذي كان بالكاد يكفيهم قد أخذه الغزاة .
لم يقتنع القزع بما جمعه من أهل القرية ، بل تلبسه الجشع ، وفكر بأن يذهب للقرى المجاورة ، وكان يعلم أن بعض هذه القرى فيه من الغنى ما لا يستطيع تحديده وصف .
وعلى الفور أمر حراسه بان يعدوا له العدة ، ويحضروا له فرساً ويسيروا خلفه .
لفّ القزع جميع القرى ، وجمع الشيء الكثير بحجة بناء السور ، والصرف على زينة المسكينة التي تتعرض لهجمات الشاطر والذئاب ، وتعاني من البرد القارص والسيول الجارفة في الشتاء ، ومن نالحر في الصيف :
– والله يا جماعة أنني أستحيي أن أطلب شيئاً لنفسي ، ولكن يا وجوه الخير – طالت أعماركم جميعاً – إن الذي اضطرني لفعل كل هذا هو وضع هذه المرأة المسكينة التي ينوي هذا الغريب قتلها ، بالإضافة إلى أنها لا تسلم من المطر والحر .
– كان شهر رمضان – شهر الخير والبركات – قد حل ولم يجد صعوبة في تحقيق ما يريد، حيث تنادى أهل الخير فيما بينهم وجمعوا الدنانير والمؤن ولم يكتفوا بذلك بل تعهدوا أمامه بأن يشكلوا في كل قرية لجنة زكاة لجمع التبرعات والزكوات ، وإرسال نصفها إليه كي يقوم بتسليمها لزينة المناع .
انقضى شهر رمضان ، وجاء عيد الفطر السعيد ، وعاد إلى القرية ” مهشور ” محملاً بكل ما تطيب له الأنفس ، وبالنقود التي خصص لحملها خمسة جمال .
دخل القزع بيته ، وأمر عدداً من الحراس بعد النقود ، إلى جانب أمه التي كانت على قدر كبير من الجمال وكذلك الفسق والفجور ، فقد شاركت الجميع بعملية العد والفرز ، وقد استغرق ذلك خمس ليال بالتمام والكمال .
كانت حصيلة النقود خمسين ألف دينار ، وأما حصيلة التبرعات العينية فكانت مائة كيس من السكر ، ومثلها من الأرز ، ومائة صندوق من الشاي ، ومائة وعشرين كيساً من العدس ، ومائة وخمسين قفة من التمر ، وخمسين برميلاً من الكاز ، إضافة لأشياء أخرى كالملابس والأحذية .
وما أن انتهت عملية العد ، حتى بدت الفرحة على وجه القزع :
– هل ترين يا أماه ، إنني أصبحت من الأغنياء في المنطقة ، وسوف يحسب لي ألف حساب ، سأضم القرى المجاورة ، ونصبح أنا والشاطر متساويين .
صرخت أمه في وجهه وقالت :
– اخرس قطع الله لسانك ! ليتني ما ولدتك .
– لماذا يا أمي ؟
– لأنك قنعت أن تكون من الأغنياء في المنطقة فقط .
– وماذا في ذلك ؟
– أريدك أن تكون الغني الوحيد ، والشيخ الوحيد في المنطقة ، مفهوم يا قزع ؟
ضحك القزع ملء شدقيه وقال :
– سامحك الله يا أمي ، خفت أنك تفكرين بغير ذلك .
تقدم القزع وتناول يد أمه ، وقبلها قائلاً :
– اطمئني يا أمي ، لن أكون مثل أبي المخبول ، اطمئني .
سحبت أمه يدها من يديه وتمتمت :
– ومن قال أنك من صلب هذا المجنون ؟ إنك شاطر من صلب الشاطر .
بعد أن انهزم الشاطروأولاده أمام زينة المناع وأبناء قرية المشهور أحست زينة بالزهو ، لأنه استطاعت فعل شيء ، مع العلم أنها لا تملك من الأسلحة إلا صخور الجبل . ولكنها أيقنت في الوقت نفسه أن أبناء قرية ” مشهور ” يقفون إلى جانبها ، ولهذا أرادت استثمار هذا الموقف بأن أخذت تزور القرية بانتظام ، وتدعو أبناء القرية لزيارة المغارة والسهر في الليل ، لأن فصل الصيف كان قد حل .
كثرة زيارات أهل قرية ” مشـهور ” لمغارة زينة المناع ، وتوطدت العلاقات بين الطرفين بعد أن كشفت زينة حقيقة القزع لأهل القرية ، وبخاصة بعدما عرفوا أنه غريب عنهم ، وأنه امتداد لداوود الشاطر، ولا علاقة له بالولي الصالح الذي يدعي أنه حفيده.
وفي إحدى الليالي – وأثناء سهرهم أمام المغارة – أخذ الكلب ينبح بشدة .
أحست زينة أن القدر ، وغباء القزع ، قد تدخلا لصالحها ، لا سيما وان بعض أهل القرية – ومن اجل الحفاظ على مصالحها الشخصية مع القزع – قد شككوا بما قالته عن صلة القرابة بين القزع وبين داوود الشاطر .
– ألم أخبركم من قبل عن صلة القرابة بين القزع وبين داوود الشاطر ! انظروا ! ها هو شيخكم في طريقة لزيارة قريبة داوود الشاطر .
– زينة ، اتق الله في ما تقولين بخصوص الرجال . قال أحد الحاضرين ذلك .
– أنا لا أتجنى عليه! ثم وقفت، ودعت الجميع للوقوف لرؤية القادم ، ولكنها حذرتهم في الوقت نفسه من أحداث ضجة ، حتى لا يشعر القزع أن هناك من يراقبه .
ولسوء حظه ، كانت الطريق الوحيدة السهلة التي تؤدي إلى داوود الشاطر لا تبعد عن المغارة سوى عشرة أمتار فقط ، وهذه مسافة كافية لتبيان ملامح الوجه ، وكان القمر يرسل نوره على الأرض وإن كان بشكل خافت .
استمر الكلب ينبح ، والقزع يقترب رويداً رويداً .
– يا إلهي ! إنه هو ! لقد صدقت يا زينة !
– ألم أقل لكم ، ومع أنه ملثم ، إلا أن معالم وجهه ومشيته تدل عليه.

كان الصباح يحمل معه لسعة برد ، فالخريف كان في أوله ، وبسبب ذلك تأخرت زينة المناع في النوم حتى ساعة الضحى ، وحتى جاءت أم الفهد وأيقظتها من نومها .
– انظري يا زينة ما أحضرته لك ! الشتاء على الأبواب .
– الله يخليك يا أم الفهد ! والله لولاك ما كنت أدري ما سأفعل .
لقد أحضرت ام الفهد على ظهر بغلها مؤونة الشتاء ، وقدراً كافياً من الكاز أدخلته إلى المغارة ، وجلستا معاً تتحدثان عن الزواج والأقارب وما إلى ذلك .
– بالمناسبة يا زينة ، لي صديقة بعيدة ستتزوج ، وقد دعتني لحضور حفلة زواجها .
– مبروك يا أم الفهد .
– ما رأيك بالحضور ؟
– لا يا ام الفهد ، زينة المناع لا تذهب لحفلة لم تدع لها ؟
– رويدك يا زينة ، لقد حدثتها عنك ، وطلبت رؤيتك ، وهذه فرصة مناسبة لذلك .
– هل أنت جادة في ما تقولين ؟
– أقسم على ذلك .
– متى ؟
– اليوم ! هل تذهبين ؟
– نعم ، أذهب .
وبعد تناول طعام الإفطار ، غادرتا الجبل ، وتوجهتا إلى حيث صديقة أم الفهد ّ وقبيل المساء وصلتا ، وكان الاستقبال حاراً ، وبخاصة عندما قدمت أم الفهد زينة إلى صديقتها .
– أهلاً بك ، وشكراً لأم الفهد التي حدثتني عنك كثيراً .
– أهلاً بك .
ساد صمت لبرهة ، قطعته أم الفهد حين قالت :
– ها أنت تزوجت ، أما زينة ، فإنها ما تزال ترفض !
– صحيح يا زينة ؟ لماذا ترفضين الزواج ؟
– لم أرفض الزواج .
فتدخلت أم الفهد وقالت :
– بل ترفضين الزواج يا زينة ، لقد كان داوود الشاطر يرغب في ذلك ، وكذلك القزع .
نزل كلام أم الفهد على زينة نزول الصاعقة في كانون الثاني وقالت :
– بنت العز يا أم الفهد لا تقبل الأنذال .
أحست صديقة أم الفهد بأن الوضع ربما يتأزم بين زينة وأم الفهد ، فعملت على تهدئة الوضع ، واستأذنت أم الفهد ، وجلست لوحدها مع زينة .
أخبرت زينة صديقة أم الفهد قصتها بكاملها ، وعلى إثر ذلك ، تعهدت الأخيرة بمد يد العون لزينة ، وعلى أن تعينها على استرداد قصرها من داوود الشاطر ، وأنها ستحميها من القزع .
وفي اليوم التالي . وبعد تناول طعام الإفطار ، استأذنت أم الفهد وزينة بالرجوع إلى الجبل . فوجدتا البغل قد جهز بعربة كبيرة مملوء بالمواد الغذائية لزينة . شكرت زينة صديقة أم الفهد . وتوجهتا إلى الجبل حيث كان المفاجأة !
وجدت زينة كلبها ملقى على الأرض وسط بحيرة من الدماء ، ووجدت كافة أغراضها التي كانت داخل المغارة قد بعثرت ، فخلط الأرز بالعسل ، والكاز بالطحين ، والزيت بالتراب .
– هل ترين يا أم الفهد ؟
– وهل أنا عمياء يا زينة .
– حسبي الله ونعم الوكيل .
– ماذا ستفعلين ؟
– سأنام على التراب حتى نشتري فراشاً وأغطية في الغد .
– لقد وضعت صديقتي فراشاً واغطية في العربة .
– يبدو أنها كانت تتوقع ذلك .
– كانت تشك بأن شيئاً ما سيحدث ، فظروفها كظروفك .
– بارك الله فيها ، نعم الصديقة هي .
أدخلت زينة كافة محتويات العربة في المغارة ، وأعطت جزءاً كبيراً منها لأم الفهد التي قفلت عائدة إلى بيتها ولم تمض ساعة على ذلك ، حتى هاجم القزع مع مجموعة من حراسه المغارة ، وباغتوا زينة ، وضربوها بالعصي والحجارة ، وأحدثوا كسوراً في أضلاعها ، وشجوا رأسها ، وكسروا يديها .
– الآن ثأرت لك يا داوود الشاطر ، قالها القزع وهو واقف على صخرة كبيرة تطل على داوود الشاطر الذي كان يرقب الأحداث من تحت ليرى النتائج .
كان الاتفاق بين الشاطر والقزع ينص على أن يقوم القزع بقتل زينة المناع وقطع رأسها ، ومن ثم حمله وتقديمه هدية للشاطر ، ولكن بعض أهالي قرية ” مشهور ” حالوا بينه وبين تحقيق أهدافه ، فاكتفى بتكسير يديها ، كي لا تقوم بدحرجة الصخور على داوود الشاطر ، وشج رأسها حتى لا تقوى على التفكير بوضع خط لمقاومتهما معاً . ومع هذا كان القزع مقتنعاً بأن زينة المناع سوف تقضي نحبها .
بعد انصراف القزع وعصابته ، جاءت أم الفهد ، وحملت زينة المناع إلى أقرب مستشفى لمعالجتها .
شاع خبر اعتداء القزع على زينة المنـاع في أجاء القرى والمناطق المحيطة والقريبة ، فتنادى مخاتير القرى للاجتماع ، ومعرفة الحقيقة من القزع .
رفض القزع في البداية ، ولكنه رضخ لهم ، وجلس معهم ، وأمطرهم بسيل من الأكاذيب عن زينة المناع .
أخبرهم انه حفيد الولي الصالح ، وأنخ يخاف على أولاده وأولاد القرية من زينة ، لأنها تجلس على قمة الجبل سافرة الوجه مكشوفة الشعر .
لم تنطل هذه الأكاذيب على أهل القرى ، لكن مخاتيرهم أيدوا القزع ، ولكنهم لاموه لأنه لم يجهز عليها .
وفي تلك الأثناء تدافع أهل القرى المحيطة إلى المستشفى لزيارة زينة المناع والاطمئنان عليها ، الأمر الذي أدخل الفرح إلى نفسها، والسرور إلى قلبها ، وشد من أزرها .
مكثت زينة المناع أسبوعاً في المستشفى ، تحسنت فيه حالتها ، ولما وصل الخبر إلى القزع ، أقسم أنه سوف يهجم على المستشفى لقتلها هناك ، والتخلص منها إلى الأبد .
وقد علمت أم الفهد بذلك ، فهبت إلى المستشفى وأخرجت زينة المناع منه ، ونقلتها إلى منطقة اخرى .
أقامت زينة في تلك المنطقة ، وأخذت تفكر في الوضع الجديد ، حتى استقر رأيها على أنها سوف تستمر في العمل من أجل حماية وتحصين نفسها .
وفي اليوم التالي جاءتها أم الفهد، واتفقت معها على الرجوع إلى الجبل لإحضار ذهبها ونقودها المخبأة في سفحه .
بدأت أم الفهد تفكر جدياً في القضاء على زينة المناع بعد الحصول على كامل ثروتها ، ولكن زينة كانت أذكى منها حيث أقنعتها بأنها سوف تضع الذهب عندها لتتصرف به كيف تشاء .
اطمأنت أم الفهد لذلك ، وأيقنت أن هدفها سوف يتحقق دون أن ينكشف أمرها . وأثناء رجوعهما من سفح الجبل ، طلبت زينة المناع من أم الفهد أن يعرجا على صديقتها للسلام عليها . وأخبارها حقيقة ما جرى بينها وبين القزع .
حاولت أم الفهد تغيير رأي زينة خوفاً على الذهب من اللصوص ولأن الطريق بعيدة ، ولكن زينة أصرت على رأيها ، فاستسلمت أم الفهد لذلك .
كانت صديقة أم الفهد متلهفة للقاء زينة المناع ، وقد استقبلتها استقبالاً حافلاً ، وجلست معها منفردة حتى فهمت منها كل شيء ، وأخبرتها زينة أن أم الفهد تنوي الاستيلاء على مجوهراتها .
بعد أن استمعت صديقة أم الفهد لحديث زينة ، وعرفت منها كل شيء ، طلبت من أم الفهد الانضمام إليهما .
– اسمعي يا أم الفهد ، عندما مات زوجك وقفت معك ، ولم أبخل عليك بشيء ، علماً بأني أعرف مدى خبثك …
– سامحك الله يا أختي .
– ليسامحنا الله جميعاً ! إن ما أريد قوله هو أن على الجميع الوقوف مع زينة المناع ؛ لأن مصلحتنا جميعاً لا تتحقق إلا بالوقوف إلى جانب زينة ، وحمايتها ، والحفاظ على حياتها . أتفهمين .
– أفهم يا أختي أفهم .
– إن زينة أختكم ، ويجب الوقوف معها .
– جن جنون أم الفهد لدى سماعها ذلك وقالت لنفسها دون ان يسمعها أحد :
أختنا ؟ لقد كشفتنا وغرّتنا أمام أبنائنا وبناتنا ، لقد فضحتنا في المنطقة ، بسبب عنادها وإصرارها على موقفها .
وبعد ذلك فكرت أم الفهد بعدم السماح بإيواء زينة قريباً منها ، وأخذ وجهها يتلون من القهر .
فهمت زينة نواياها ، وقررت الانتقال إلى مكان آخر .
– اسمعي يا أم الفهد ، أنا لا أنكر أنك وقفت معي ، مع العلم أني كنت أدفع لك. ولكن يبدو أنك الآن تنوين على شيء آخر ما هو ؟
– لا أدري ، ولكنني قررت الانتقال إلى مكان بعيد، وأعدك بأن تظلي أختي ، وأنني سأستمر في مساعدتك .
لم تقل أم الفهد شيئاً ، لأن صديقتها نظرت إليها نظرة حادة ، وبعد ذلك ودعت زينة أم الفهد ، وانتقلت إلى مكانها الجديد .

استقرت زينة في المكان الجديد ، وأخذت تخطط للاستفادة من كل شبر في المنطقة كما بدأت تعمل على كسب كل فرد فيها ، من أجل حمايتها .
وكانت أول خطوة أقدمت عليها زينة ، هي دراسة الموقف دراسة متأنية دقيقة ، ودققت في المرتفعات الجبلية ، والسهول والأودية ، وكافة المغر الموجودة في سفوح الجبل .
آه ، يا زينة المناع – قالت لنفسها – لقد كتب الله عليك أن تبني لغيرك، وأن تمري على كافة السهول والجبال ، وتجعليها خضراء مزهرة ، أما أرضك الطيبة الشاسعة ، فإن داوود الشاطر يسرح فيها ويمرح .
لا يهم يا زينة يا بنت سالم المنع ، بنت الرجال لا خوف عليها ، وبنت الكرماء لا تبخل على أحد ، أبي كان رجلاً وكريما في نفس الوقت ، لم ينكث عهد أحد ، ولم يتخاذل عن نصرة أحد ، وأبداً لم تنطفئ ناره .
آه يا زمن ، ماذا تخبئ لي ؟ آه يا جمالي إنك عبء علي .
ولم تمض أيام حتى كان العمال من كل حدب وصوب يروحون ويجيئون في كافة أرجاء المنطقة ، وكذلك المهندسون الذين كانوا يخططون للمشاريع ويتفحصون التربة ، ويقررون ما يلزم هنا وما يلزم هناك . وعلى الفور تم بناء غرفة لزينة على عجل .
بدأ العمال يزرعون ، والبناءون يبنون . وبعد سنة كاملة ، بدت المنطقة وكأنها خلية نحل ؛ يتلهف على العمل فيها أهالي القرى النائية ، وقد حضر بعضهم وأسهم في التطور .
لقد أنتجت المزارع محاصيل وافرة من كل نوع ، وشهدت الأسواق القريبة والبعيدة إقبالاً على هذه المنتوجات التي أصبحت تضاهي في جودتها وأسعارها منتوجات داوود الشاطر .
لم تبخل زينة على أهل المنطقة بشيء ، وكان ذلك مكافأة لهم على رعايتها واحتضانها .
بنت لهم الملاعب الرياضية ، وجهزت برك السباحة العصرية ، واقامت مستشفى لمعالجة مرضاهم ، وأسست المدارس لتعليم أبنائهم ، واشترت الخيول العربية الأصيلة لإقامة السباقات ، وبنت معامل للخياطة أحضرت لها أحدث الآلات ، وكانت في كل موسم تقيم معرضاً زراعياً لكافة منتجاتها ، وتدعو كل من يستطيع الحضور ، الأمر الذي جعل شهرتها تصبح على كل لسان .
احس داوود الشاطر أن زينة المناع تسرق أسواقه منه ، فاتفق مع القزع على مطاردتها من جديد ، حيث بدأت محاولات التخريب.
كان ولاء الجميع لزينة مطلقاً ، فهي التي نقلتهم من الفقر إلى الغنى ، ومن الظلم إلى النور ، ومن الجهل إلى العلم ، ومن الخوف إلى المواجهة والاستبسال ، مواجهة الإقطاعيين بعنف .
كانت أولى محاولات التخريب إشعال النيران في بيادر القمح عشية عملية الدرس ، وبعدها العبث في المياه المعدّة للري ، حيث فتحت ماسورة المياه كيفما اتفق ، وخربت الأرض المعدة للزراعة .
لم تسكت زينة المناع على ذلك ، لأنها على يقين أن الشاطر والقزع سوف يلحقان بها حتى لو ذهبت إلى آخر الدنيا ، فأجرت تحقيقاً شاملاً ، تبين على أثره أن هناك عمالاً بعثوا خصيصاً من قبل الشاطر والقزع للتخريب .
آه يا زينة ، ها هم يطاردونك ! إنهم يفهمـونك جيداً ، (بنت الرجال ما بتنام على الضيم ).
وأخيراً قررت صرف مكافآت ، أجرة سنة كاملة للعمال المدسوسين ، وسمحت لهم بالعودة إلى قراهم ، يجرون وراءهم ثياب الخزي والعار ، ويلبسون رداء الخيبة والفشل .
وعندما وصل الخبر إلى داوود الشاطر والقزع عن طريق جواسيسهم ، أوعزوا لرعاة الغنم أن يذهبوا بأغنامهم ناحية زينة المناع .
لم تعترض زينة المناع على وجود هؤلاء الرعاة ، مع أنها كانت تشك في وجودهم وحقيقتهم ، بل اتفقت معهم على شراء حليب أغنامهم بأثمان عالية ، إضافة إلى تكفلها بإطعامهم وإطعام أغنامهم مهما كلفها ذلك . لكنهم قاموا بواجبهم تجاه الشاطر والقزع خير قيام ، حيث كانوا يهربون الخنازير في الليل ، لتخريب مزروعات زينة .
لم يعد داوود الشاطر هو المسيطر الأوحد على أسواق القرى ، ولم تعد بضائعه تلاقي ذلك الرواج ، بل أخذ يبيع بخسارة ، مع أن الناس لم تقبل أن تشتري منه ، حتى ولو كان الثمن قرشاً للرطل الواحد .
جن جنونه ، فاتفق مع القزع على إيجاد حل لهذه المأساة ، واتفق الطرفان على المواجهة المباشرة ، فكانت الهجمات على المنطقة .
اختلف الوضع بالنسبة لزينة ، ففي السابق كانت تسكن في مغارة ومن السهل دخولها ، وبخاصة بعد قتل الكلب ، أما الآن فهي تسرح وتمرح في سهول وأودية ، ووهاد ونجاد ، كما كانت في السابق تقبع في مغارتها وحيدة ، يسهل فيها ملاحقتها ، أما الآن فلها جيش من العمال وعائلاتهم ، لقد تغير الوضع .
آه يا زينة ، أصبحت أماً بلا زواج ، وأختاً بلا اب وأم ، آه ، كلهم كلهم يطلبون يدك للزواج وليس فيهم رجل واحد ، كلهم يطمعون في ثروتك ، وفي اسم أبيك ، لن أتزوج من أحدهم أبداً ، صحيح أن المثل يقول (ظل زلمة ولا ظل حيطة) لكن لا بارك الله في الزواج الذي ليس فيه سوى ذكورته .
ما العمل يا زينة ؟ أليست هذه هي سنة الحياة ؟ ثروتي تزداد يوماً بعد يوم ، وجمالي يتفجر ، وأنوثتني لم أعد اطيقها. آه ، على رأي أم الفهد التي تلعب على كل الحبال : “مقدر ومكتوب ” .
وذات ليلة مقمرة ، كان القمر فيها قد استوى بدراً كاملاً ، جمعت زينة كل العمال ، ودعت كل التجار الذين يتعاملون معها ، وأطلعتهم على الأمر ، وطلبت منهم الدفاع عن قوتهم وقوت عيالهم ، وشرحت لهم الوضع بالتفصيل .

وإزاء هذا الوضع الجديد ، والخسارة المتزايدة التي كان يتعرض لها داوود الشاطر ، فقد جلب أحدث الآلات ، وأمر المهندسين ، وأخذ يغرق السوق ببضائعه بأقل ثمن ، بل بأقل من سعر التكلفة ! وأخذ يقيم الحفلات ، ويدعو لها مخاتير القرى المجاورة والبعيدة على حد سواء .
وذات ليلة من تلك الليالي التي كانت تضاهي ألف ليلة وليلة ، خصصها داوود الشاطر للقزع ، حيث جمع كل بناته ، وطلب منهن ومن زوجته ارتداء أقصر الثياب من أجل مقابلة القزع .
حضر القزع ، وجلس بين الصبايا الكاسيات العاريات ، وأخذ يسكر دون أن يعدد الكؤوس ، واثناء ذلك جاءت زوجة الشاطر وراقصته ، وقالت له :
– أنت ولدي يا قزع ، يجب أن ننحت لك تمثالاً ، لأنك خدمتنا، ونحن نقدر لك موقفك، رغم أنك لم تستطع الزواج من زينة أو قتلها .
نسي القزع أنه كان يتهم زينة ، وذلك أثناء زيارته لأهل القـرى بعد هجومه على مغارتها ، ويدّعي أنها سافرة الوجه ، مكشوفة الشعر ، وأنه يخاف منها على أهل القرية ، ونسي أنه يلبس أمام الناس مسوح التدين ، وانه حفيد ولي . فها هو يسكر ويعربد ، ويراقص بنات الشاطر العاريات ، وزوجته الشمطاء .
وفي تلك الليلة يخبر داوود الشاطر القزع بأن عليه أن يحكم سيطرته على أهل قريته ، لأن فيهم من يتعاطف مع زينة فيحلف القزع بالله العظيم أن يعد عليهم أنفاسهم .

بدأت الحرب من جديد بين زينة المناع وداوود الشاطر ، فبعد اجتماعها مع عمالها والتجار الذين يتعاملون معها ، وبعد أن فهم كل واحد منهم ما يتوجب عليه فعله ، شهدت مزارع داوود الشاطر حرائق ، كما لاقت محصولاته التخريب ، وبضائعه الكساد المنقطع النظير .
ولم يقف الأمر عند ذلك الحد ، إذ أخذ عماله الذين يشتغلون بالقرب من منطقة زينة بالتمرد والهرب ، طالبين العمل في المنطقة المحاذية للقزع ، نظراً للأمان الزائد هناك .
اسمع يا شاطر ، نحن عمال نشتغل عندك ، صحيح أنك قادر على حمايتنا ، ولكن زينة تأتينا في كل وقت ، نريد العمل في المزارع القريبـة من القزع ، فهو منّا ، وهو أقدر على حمايتنا . انظر ، هل من حرائق على حدوده ؟ هل من أثر لزينة المناع ؟
جن جنون الشاطر لسماعه هذه الأقوال . إذ كيف يتدبر الأمر ؟ وكيف يواجه النيران المشتعلة في قمحه ؟ أم ماذا سيفعل في المياه المتدفقة على أرضه ومزروعاته كيفما اتفق ؟ أم كيف سيعالج عزوف الناس عن شراء بضائعه ؟
إنها السبب ! أقسم لأحرقنهم ، أم الفهد والقزع .
وبسرعة فائقة ذهب لزيارة القزع ، والدم يكاد يتفجر في عروقه .
– اسمع يا قزع أنا لا أنكر أنك قمت بما أنيط بك من مهام خير قيام، ولكن أم الفهد تجاوزت الحدود .
– هون عليك يا شاطر ، أراك عصبياً اليوم !
– لقد صبرت عليكم كثيراً . إما أن تنفذوا أو …
– لا تكمل بالله عليك . إني أفهم المطلوب .
لم ينم القزع في بيته تلك الليلة ، بل توجه إلى أم الفهد ، ونقل إليها تحذير الشاطر ، والصورة التي وصل إليها بسبب أفعال وممارسات زينة .
أم الفهد ، الشاطر لم يعد يحتمل ، إنه يبيع بخسارة ولا يجد من يشتري ، وعماله مهددون ، وزينة شايفة حالها .
– بسيطة ، ألم أقل لك (ما بجيبها إلا نسوانها)، ارجع لصاحبك، وبلغه أن الأمور يسهل السيطرة عليها ، وما عليه في الغد إلا أن يدخل خفية عدداً من الخنازير لمزارع زينة ، والباقي عندي .
غادر القزع بيت أم الفهد مرتاحاً بصورة نسبية ، وتوجه إلى الشاطر ، وابلغه مقالة ام الفهد .
وفي اليوم التالي كانت الخنازير تصول وتجول في مزارع زينة كما يحلو لها ، وتعبث فيها كيفما يطيب لها العبث .
لم يخف ذلك على زينة ؛ فأمرت عمالها بقتل الخنازير .
جاءت أم الفهد مسرعة تصرخ وتولول :
– يا زينة بنت المناع ، أتقتلين خنازيري ؟
– وهل هذه الخنازير لك يا أم الفهد ؟
– إذا لم تكن لي ، فلمن تكون ؟
– حسبتها للشاطر !
– الشاطر ! الشاطر ! دوختينا في الشاطر يا شيخة ، تزوجي وخلصينا ، دوختينا يا بنت الناس .
أيقنت زينة أن دور أم الفهد الذي كانت تزمع أداءه قد جاء وقته ، فتمسكنت حتى تمكنت ، وأن القزع وراء اللعبة كلها .
ولم يخب ظنها ، فبينما هما تتحاوران ، جاءت مجموعة من الرجال المسلحين بالعصي والنبابيت ، وهاجمت المزارع .
اشتبك عمال زينة مع هؤلاء الرجال. وأوقعوا فيهم إصابات، ولكن الكثرة غلبت القلة ، فقد سيطرت أم الفهد على المنطقة .
وعلى الفور أخبرت زينة صديقة ام الفهد بما جرى . وطلبت منها ردع صديقتها ، لأن الوضع لم يعد يطاق ؛ فرجال أم الفهد لصوص مدربون ، لم يوفروا شيئاً .

تميزت هذه المرحلة بالذات بين مؤيد لزينة المناع ، لحاجة في نفسه ، وبين معارض لها ، لحاجة في نفسه أيضاً . فالمؤيد كان يطمع في كسب ودها للزواج منها ، والتنعم بثرواتها ، ومن ثم قهرها ، إرضاء لداوود الشاطر . وكذلك المعارض كان يود الانتقام منها بسبب رفضها للزواج منه ، ووقوفه أمام داوود الشاطر موقف الضعيف الذي لا يستحق حتى أدنى حد من حدود الشفقة .
لهذه الأسباب ؛ اجتمع الطرفان النقيضان ظاهرياً ، المتفقان قلباً وقالباً على زينة المناع .
ولأن زينة بنت سالم المناع كانت تعلم نوايا الجميع ، فقد كانت حذرة في التعامل معهم ، وبخاصة المؤيدين لها الذين كانت تدفع لهم مقابل وقفتهم الظاهرية معها حتى تمر العاصفة ، ولتقليل الأخطار المرئية وغير المرئية ، حتى أن بعضهم لام زينة المناع ذات يوم على علاقة بأم الفهد .
– يا زينة ، هل من أحد يتاجر بالنساء ويترك الرجال ؟
– اسمع يا ابن الحلال ، ورحمة أبي أنني لم أصادف بعد وفاة أبي رجلاً حراً أقترن به .
– ما الذي تقولينه يا زينة ؟ أتشتميننا في وجوهنا ؟
– هذه ليست شتيمة .
– وماذا تسميها إذن ؟
– إنها الصراحة يا ابن الحلال ، والصراحة لا تغضب ، أو المفروض أنها لا تغضب .
– ماذا بنا ؟ ما الذي ينقصنا حتى ترفضي الاقتران بواحد منا ؟
– من تقترح ؟ وأنا أعدك بأن أقرر الآن !
– ما له سلمان العجل ؟
– ………….!
– وحمدان التيس ؟
– …………. !
– طيب مسعود النمس ؟
– …………. !
– ما بك يا زينة ؟ أليس فينا رجل واحد تقبلين به ؟
ضحكت زينة المناع وقالت :
– اسمعوا يا جماعة ، أنا لا أبحث عن مال ، فهو عندي ، وانا غنية والحمد لله . وكذلك الجاه ، فأنا ابنة سالم المناع رحمة الله عليه .
– ماذا تريدين إذن يا زينة ؟! لقد أصبحوا عبئاً علينا .
– عبئاً عليكم ؟ والمفروض أن تكونوا عزوة لي وسنداً !
قالتها زينة بحدة ظاهرة ، واستطردت :
– هل تصادف يوم واثقلت عليكم بعشاء لأني جائعة ؟
– هب الجميع هبة رجل واحد ، وقالوا :
– ومن قال أنك جائعة ؟ إنك انت التي تطعميننا من خيرك .
– من خيري فقط ؟
– ماذا تقصدين ؟
– ألا تتسولون على ظهري بحجة أني يتيمة ومسكينة ؟ ألا تصادرون المساعدات من أصدقائي الذين يرغبون في مساعدتي مع أنني لست بحاجة ؟
جن جنونهم حين سمعوا ذلك ، لأنهم كانوا واثقين أن زينة لا تعرف شيئاً من هذا القبيل ، فأرادوا تغيير الموضوع لتلاشي النتائج التي قد تكون مخزية لهم .
– اسمعي يا زينة . لم نأت هنا لنسمع كلاماً فارغاً ، نريد وضع النقاط على الحروف .
ابتسمت زينة ابتسامة خبيثة ، وقالت بسخرية واضحة :
– أعتقد أنكم جئتم لوضع السكين على رقبة الخروف ، مع أنني واثقة أنني لست خروفاً .
– اسمعي يا زينة، كفاك سخرية وتهكماً علينا ، نريد حلاً مناسباً لوضعك .
– وأنا لكم من الشاكرين ، ولكن هل تستطيعون ؟
صاح الجميع بصوت واحد ، وقالوا :
– جاهزون، اختاري واحداً منا ، وسوف نتمم الموضوع الليلة.
– أي موضوع يا جماعة ؟
– الزواج . اختاري واحداً منا ، وسينتهي كل ما بيننا .
– ومن قال أن الزواج يسيطر على تفكيري ؟ هل تظنون أني مراهقة لا أستطيع النوم في الليل ، ولا أعرف الهدوء في النهار ؟
– زينة ، يكفي مراوغة !
– يا جماعة أنا لا أراوغ .
– بل تراوغين .
– هل أنتم مستعدون لتنفيذ طلباتي ؟
– كلها مجابة .
– ضحكت زينة بنت سالم المناع ملء شدقيها ، وقالت :
– ورحمة أبي أنكم أنتم المراوغون .
– نحن المراوغون ؟
– إي والله ! تعرفون قصدي وتحرفون عنه .
– اختاري أي واحد منا وسنقبل اختيارك .
– لي طلب واحد فقط ، وأنا طوع أمرك بعد ذلك ، أتزوج من تريدون ، وأقسم عليكم ثروتي بالتساوي .
– الحقينا به .
– قصري ومزارعي .
بدا الجميع وكأن على رؤوسهم الطير عند سماع الكلمتين الأخيرتين ، بهتوا وانعقدت ألسنتهم ، وتغير لون وجوههم ، وخيم الصمت عليهم ، وجمدوا في أماكنهم دون حراك .
– مالكم قد انعقدت ألسنتكم ، وتغير لون وجوهكم ؟ هل عريتكم أمام أنفسكم ؟ هل كشفت خستكم وضعفكم ؟
……………. !
– وتلومونني لأني أتعامل مع أم الفهد؟ ماذا تختلفون عنها؟ إنها امرأة، وأنتم لستم أسوداً كاسرة. إنها تحقق أهداف غيرها نظير عمولات مقابل خدماتها ، وأنتم لستم شرفاء تحافظون على أنفسكم وعليّ .
استرسلت زينة في توبيخ الجالسين بلا حراك ، ورأت أن ذلك هو الوقت المناسب للفضفضة :
لا أقول لكم سراً إن قلت لكم إنني المحك ، فإن ضعفت أنا أمام داوود الشاطر فإنكم ستصبحون كالنملة تحت اقدام الفيل ، لا تظنوا أنكم في الأمان ، إنكم على أبواب المحرقة ، ولن ترحمكم نيران الشاطر . ستصبحون وقوداً لها . لأن من يفرط في عرضه وأرضه لا كرامة له ولا وزن .
ومع أنهم بدوا أمامها كالخشب المسندة ، إلا أنهم ردوا في النهاية عليها ، وكأن الرجولة المزيفة في داخلهم تنادت للثأر ، فانتفضوا انتفاضة زائفة للخلاص من تقريع زينة :
– يا زينة بنت سالم المناع ، نحن طوع أمرك ، فصلي ونحن نلبس ، وعليك الأمر وعلينا الطاعة .
ضحكت زينة ضحكة عالية كأنها تقهقه ، وقالت :
– الله ! الله ! ما الذي تغير فيكم ؟ وما الذي جعلكم تتنافخون شرفاً وتتطوعون للدفاع عني ؟ هل نسيتم ما فعله القزع بي ؟
وقعت هذه الكلمات على رأس القزع ثقيلة ، وقال والخزي يلفه كما يلف الجسد الميت بالقماش :
– يا زينة ، نحن أولاد اليوم ، ولا داعي لتفتيح الجروح ، أنت أيضاً كنت تريدين السيطرة على القرية .
– قزع ! (صرخت زينة في وجهه ) عندما أتحدث أنا ، عليك أن تسمع فقط ، وحسابي معك بعدين .
كانت أم الفهد طيلة هذه الجلسة صامتة ، لا تلوي على شيء ، ولكنها بعد أن تطور الوضع بين زينة والقزع تدخلت قائلة :
– يا قزع أنت المكشوف فينا ، ولولاك لما حدث ما كنا نخشى عواقبه ، ومالت بوجهها نحو زينة وقالت :
– وأنت يا زينة ، أما كفاك ما حصل ؟ ألم نحرق قمح الشاطر ونكسر أغصان أشجاره ؟ ألم نقم بتسميم بعض أغنامه ؟
ضحكت زينة وقالت بسخرية :
– الله الله ! تكسرين وتجبرين ، والله شاطرة يا أم الفهد بشكل لا مثيل له .
– ويلومونني لأني أتعامل معك .
لم تصل رسالة زينة إلى أم الفهد ، وظنت أنها تمدحها ، فقالت :
– أهل السماح يحبهم الله يا زينة ، والجماعة تحت أمرك ، ضعي لهم خطة وهم سينفذونها .
– ما شاء الله يا أم الفهد ، ولماذا لا تضعين الخطة أنت ؟
– ولم لا يا زينة ، بعد اسبوع ، أسبوع بالتمام والكمال ، نقوم بمهاجمة بيادر الشاطر الجنوبية ، ومزارعه الشمالية والشرقية .
– صرخ القزع كمن لسعته أفعى سامة ، وقال دون وعي منه :
– الشرقية ! ابعدوا عني .
– ضحكت زينة المناع لدى سماعها ذلك وقالت :
– هل سمعتم ؟ القزع لا يريد مهاجمة الشاطر . هل اقتنعتم بكلامي ؟
أخذ الجميع يتغامزون في ما بينهم ، واستغل القزع هذه الحالة الهلامية ، وانسل منسحباً دون أن ينبس ببنت شفة .
نظرت إليه زينة ، وقالت للجميع : أراهن أنه ذهب لإبلاغ الخطة للشاطر.
– وهل تعلمين بالغيب يا زينة (قال أحدهم).
– لا يا فصيح ، بل أضرب بالودع .
(قالتها بسخرية ) ، ثم استطردت :
– قالوها في الأمثال من قديم الزمان: (ذيل الكلب ما ينصلح) و ( الكلب لا يعض ذيله )

بعد انسحاب زينة من سفح الجبل واستقرارها في مكانها الجديد أخذت تبعث برعاة الأغنام لمراقبة السفح وما يفعله الشاطر هناك، وقد وصلت الأخبار إلى القزع ، الأمر الذي دعاه لتغيير الطريق لزيارة الشاطر ، واتفق معه على اللقاء عند البركة في المنطقة الجنوبية .
لم ينس القزع حرفاً واحداً مما قيل في تلك الجلسة ، بل أعاد كل ما دار فيها بين الجميع على مسامع الشاطر ، وأخبره عن الخطة بالتفصيل .
– وهل قالت أنكم لستم رجالاً ؟
– إي والله يا سيدي ، لقد قالتها .
ضحك الشاطر وقال :
– وهل كذبت في قولها ؟
– ماذا تقول ؟
– إنكم كذلك يا قزع .
– أوامرك يا سيدي .
– كونوا رجالاً ، ولو لمرة واحدة .
– انصحنا .
– وتنفذون ؟
– بالحذافير .
– اسمعني جيداً .
– كلي آذان صاغية .
– إن زينة جميلة ، والكل يرغب في أن يتزوجها ، أليس كذلك؟
– بلى .
– وهي ترفض الاقتران بأي واحد منكم . أليس هذا صحيحاً ؟
– بلى يا سيدي .
– فالمطلوب منكم إذن هو كسر غرورها .
– كيف ؟
– سلّطوا عليها رجلاً – وأنا أدفع له – ليقوم بمحاولة اغتصابها وبعدها انشروا الخبر في كافة أرجاء المنطقة .
– وماذا سيحصل ؟
– ستشعر زينة بالخزي ، وتقبل بأي واحد فيكم .
– إنها فكرة جهنمية .
– ألا يسمونني الشاطر ؟

أحس القزع بالنشوة لأنه سيكون أمام الجميع صاحب فكرة تركيع زينة بنت سالم المناع وكسر شوكتها ؛ فما كان منه إلا أن أعد وليمة ضخمة دعا إليها الجميع ، واستثنى زينة التي كانت الغائب الحاضر عنها .
– اسمعوا يا جماعة ! أنا شخصياً لم أعد أحتمل المزيد .
– ماذا تريد ان تقول يا قزع ؟
– زينة ! زينة بنت سالم المناع ؟
– نريد ان نملأ بطوننا لا أن تتسمم ! دعنا من زينة يا قزع ، قال أحدهم .
– لتحل هذه المسألة الآن .
– انت صاحب البيت يا قزع .
– هات ما عندك ، قال الآخر .
– فضيحة .
هب الجميع ، وتوقفوا عن تناول الطعام .
– فضيحة ؟
– إي نعم ، فضيحة .
– وهل نحن بحاجة لمزيد من الفضائح ؟
– نحن تعودنا على ذلك .
– الفضيحة لمن إذن ؟
– لزينة .
– زينة ؟
– نعم زينة ! سأكسر شوكتها ، وأضع رأسها في الوحل .
– كيف ؟
– واصلوا الطعام ، وسنتحدث ونحن نأكل .
انهمك الجميع في تناول الطعام بشكل يلفت الأنظار ، والقزع يسرد على مسامعهم ما ينوي فعله دون إخبارهم بعلاقته مع الشاطر .
– قالوها في الأمثال يا قزع “احترس ممن اقترب من الأرض”، قال أحدهم :
ضحك الجميع إلى حد القهقهة والسخرية على هذا المثل الموجه للقزع ، واتفقوا على اختيار أحدهم لتنفيذ هذه الفكرة الجهنمية .
وبعد ذلك توجه القزع إلى أم الفهد :
– وهل توافقين يا أم الفهد على ذلك ؟
– هل هي أحسن مني ، لتصبح كما تريدون منها، حتى أتساوى معها ، وتكف عن معايرتها لي بوضعي .
كانت الخطة تقضي بأن يقوم الرجل الذي وقع الاختيار عليه باقتحام مخدع زينة بنت سالم المناع ليلاً واغتصابها ، ومن ثم نشر الخبر ، ولكن الخطة وصلت لزينة بعد انتهاء الوليمة ، إذ قام أحد الخدم بالتظاهر أنه مريض ، وأنه يرغب في الذهاب إلى بيته ، ولكنه توجه إلى زينة وأخبرها بكل شيء ، فقامت بتغيير مخدعها وأوعزت لثلاثة من الرعاة القساة أن يناموا في مكانها بدلاً منها .
وبعد أن حل الظلام ، ونام الجميع ، تسلل الرجل خفية دون أن يحس به أحد أو يراه ، واقتحم المخدع ، ليفاجأ بالرعاة الثلاثة ينهالون عليه بالنبابيت ، ويربطونه بالحبال .
وفي الصباح ، سرت الإشاعة أسرع من سريان النار في الهشيم ، ووصلت الأخبار إلى أقاصي المنطقة ، وأصبح الناس بين مصدق ومكذب .
زينة فعلتها ، إنها عاشقة ، ولهذا كانت تكذب علينا .
زينة لم تفعلها ، إنها أشرف مما تصفون ، بل إنها أشرف من على ظهر الارض .
وهكذا اختلط الحابل بالنابل ، ولم تتضح الحقيقة إلا بعد أن اجتمع الجميع في بيت زينة حيث جاءوا (لوضع النقاط على الحروف).
لم يكن أحد على علم بأن زينة تحضر لهم مفاجأة ، ولهذا أحضروا معهم كل معارفهم وأصدقائهم من القرى القريبة .
– ها يا زينة ، ألا يكفينا فضائح ؟
– أية فضائح يا نشامى ؟
– ما الذي حدث الليلة .
– وماذا حدث الليلة ؟
– لقد رأى أحدهم رجلاً غريباً يدخل مخدعك في الليل ، وقضى الليلة معك . هل جاء ليصلي ؟
أحست زينة بنت المناع بالقرف منهم ، وأرادت أن تبصق في وجوههم ، ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة ، ونادت على أحد رجالها وأمرته بأن تحضر الرجل المربوط بالحبل ، للمثول أمام الجميع :
لم يمض وقت طويل حتى كان الرجل المربوط بالحبال ماثلاً أمامهم . لم يصدقوا ما تراه أعينهم ، لقد انقلب السحر على الساحر كما يقولون ، وبدل أن تكون زينة في ورطة ، أصبحوا هم في الورطة نفسها .
– تكلم يا ابن الناس ، وقل ما عندك : من الذي بعثك ؟ وكم أعطوك ؟ وماذا حدث معك ؟
كان الرجل بكامل وعيه بالرغم مما حصل معه ، وبعد أن فهم اللعبة كلها صمم على مواجهتهم :
– نعم، لقد حاولت الدخول إلى مخدعها ، ولكن السؤال هو: من حرضني على ذلك ؟ وكم دفع لي مقابل القيام بهذه المهمة الخسيسة التي لا يقبل القيام بها من كان بنفسه ذرة من حياء أو بقية من شرف ؟
كان الجميع يتغامزون بين مهدد له وواعد بمزيد من البذل إن هو قال غير الحقيقة ، لكن الرجل تجاهل كل شيء .
– لا تخف يا رجل ، قل كل شيء .
– مهلاً يا سادة، سوف أقول كل شيء، ولكن هل أنتم مستعدون لسماعي حتى النهاية ؟
– كلنا آذان صاغية .
– على بركة الله .
بدأ الرجل يسرد القصة من ألفها إلى يائها ، وبدا كأنه يفجر قنبلة تزيد في قوتها على القنبلة الذرية التي فجرتها أمريكا على هيروشيما أثناء الحرب العالمية الثانية .
انهار الجميع ، وأخذوا ينظرون إلى وجوه بعضهم البعض ، وعلى إثر ذلك أراد الضيوف الانسحاب ، ولكن زينة اخبرتهم أنهم مدعوون لتناول الغداء عندها .
– اجلسوا أيها الرجال، فلن تذهبوا قبل تناول الغداء عندي ، أما انتم يا أنذال فحتى روث البغال خسارة فيكم .
كانت فرصة للقزع وأم الفهد والآخرين للانصراف كي يجتمعوا للتخطيط لكارثة جديدة يوقعون زينة بها .
بعد أن سيطرت أم الفهد على المنطقة التي تقيم فيها زينة بنت سالم المناع ، انتشر رجالها هنا وهناك ، وأخذوا يثيرون المشاكل والحساسيات بين عمال زينة التي تحسنت أحوالهم المعيشية ، إضافة إلى انهم كانوا يستولون حتى على أرغفة الخبز التي كان العمال يشترونها أثناء عودتهم إلى بيوتهم .
ولأن أم الفهد كانت تخطط لما هو أبعد من انتشار رجالها في تلك المنطقة – إذ كانت ترغب في طرد زينة بنت سالم المناع والسيطرة على كل ممتلكاتها – فقد أمرت رجالها بافتعال مشاكل مع كافة الفرقاء في المنطقة ، كما أنها كانت في الوقت نفسه تحرض هذا الفريق على ذاك ، وما أن تحس أن ذلك الفريق قد انتصر على الآخر ، فإنها على الفور تأمر فريقاً آخر للاشتباك معه وذلك من أجل إضعاف الجميع وجر زينة لمشاكل معها .
كانت زينة تربأ بنفسها على إقحام نفسها في ذلك الصراع المقرف ولكنها في وقت متأخر وجدت نفسها في أتون الصراع ، إذ تمت المواجهة مع بعض الفرقاء الذين سلموا لأم الفهد .
استمرت المواجهات بين رجال أم الفهد ورجال زينة بنت سالم المناع أبلى فيها رجال زينة بلاءً حسناً ؛ ففي إحدى المواجهات تغلب رجل من رجال زينة على رجل من رجال أم الفهد ، إذ تمكن بسبب ضربة قوية من إرسال ذلك الرجل إلى أغصان شجرة قريبة، وعلى الفور قام بربطه وظل معلقاً يصرخ.
حاول رجال أم الفهد العمل على إنزاله ففشلوا ، وكم كانت هذه الحادثة قوية بالنسبة لأم الفهد لأنها كانت إهانة بالغة لها ، كانت هذه الحادثة زعزعة لثقة رجال أم الفهد بها ، وكذلك انتقاصاً من قوتها أمام الآخرين ، ولذلك لجأت أم الفهد إلى صديقتها البعيدة من أجل التدخل لدى زينة بنت سالم المناع .
ونظراً للعلاقة المتينة التي كانت تربط زينة بصديقة أم الفهد ، سمحت زينة لرجال أم الفهد أن يفوا وثاق صاحبهم وينزلوه عن الشجرة .
لم يمض أسبوعاً ، حتى افتعلت أم الفهد مواجهة أخرى مع زينة ، تمكنت زينة فيها من أسر ثلاثين رجلاً من رجال أم الفهد ، وقد تم ربطهم بالحبال صفاً واحداً ، وأمروا بالمسير خلف بعضهم لتحقيق مزيد من الإهانة لأم الفهد التي بدأت الكيد لزينة ، واللعب على الحبلين ، في الوقت الذي كانت تتظاهر فيه أنها تقف إلى جانبها .
ولكي ينتهي هذا الفصل المخزي بالنسبة لأم الفهد ، قامت بزيارة كافة مخاتير القرى وترجوهم التدخل من أجل التدخل لدى زينة بنت سالم المناع التي قويت شوكتها ولم تعد تحسب حساباً لأحد .
كان داوود الشاطر يراقب ويدعم أم الفهد والفرقاء الذين سيطرت عليهم ، وبعد أن سجلت زينة انتصارات على أم الفهد حاول داوود الشاطر التدخل ؛ فأرسل مجموعة مسلحة لردع زينة بنت سالم المناع .
بدأت المواجهة شرسة ، وكان لتخطيط زينة أكبر الأثر في انتصارها حيث وزعت رجالها هنا وهناك بين الصخور وفوق الأشجار وفي المغر .
استمر النزال لأربعة أيام كاملة ، أرسل رئيس المجموعة رسالة مع أحد الأفراد لداوود الشاطر يخبرها فيها أن رجال زينة بنت سالم المناع كالقرود ، يطلعون لهم من تحت الصخور ، ومن فوق الأشجار ، ويحثه على ان يسخر كل من له علاقة بزينة التوسط لإنقاذ ماء وجوههم .
استجابت زينة للضغوط ، وافرجت عن الأسرى ، وسمحت لداوود الشاطر أن يأخذ قتلاه وجرحاه بعد أن ثبتت للجميع انها أصبحت من القوة بحيث تستطيع مواجهة داوود الشاطر .

ذات يوم اجتمع كافة مخاتير القرى وشيوخها ، وتباحثوا في أمر زينة التي أصبحت شوكتها قوية :
– لقد نذرت نفسي وأنا حفيد الولي الصالح لخدمة الجميع ، وأنا أرى أن نضع حداً لزينة ، خوفاً على أبنائنا الذين انضووا تحت لواء زينة . قال القزع بخبث .
كم من مواجهة تمت بيننا وبين الشاطر خسرنا فيها أولادنا ومزروعاتنا وأغنامنا ، قال أبو زبيبة .
– أنا أرى أن ما قاله أخي وصديقي القزع هو عين الصواب ، قال آخر .
استمر الاجتماع ليلة كاملة ، كثر فيها الأخذ والرد ، ولكنهم لم يتوصلوا إلى حل معلن بسبب معارضة حبار النخلة للقضاء على زينة ومسامحة الشاطر لما فعله ، ولكنهم كلفوا أبا زبيبة بتعليق الجرس ، تمهيداً لهم للقيام بمثل ما سيقوم به .
وبعد الاجتماع توجه أبو زبيبة إلى داوود الشاطر واجتمع معه :
– نحن مسالمون أيها السيد ، ضعفاء على تقوى مواجهتك، فكن متسامحاً معنا ، واعف عنا ، قال أبو زبيبة .
– لقد تأخرتم ، وسوف تدفعون الثمن ، رد عليه داوود الشاطر.
– المعذرة يا سيدي المبجل ، فقد كان ذلك التأخير ناشئاً عن قصور النظر ، وقلة التجربة ، وضياع الحكمة .
– أهذا ما تراه حقاً ؟
– نعم يا سيدي .
– لا بأس ، ولكن متى سيلحق بك الآخرون ؟
– رويدك أيها السيد .
– نفذ صبري !
– الصبر طيب .
– قل ما عندك أولاً ، وبعدها أتحدث أنا .
– جئتك طالباً الصفح والغفران .
– بدون ثمن ؟
– أطلب وتمنى .
– زينة .
– ما بها ؟
– أريدها أن تأتي هي الأخرى طالبة الصفح والغفران .
– ولكنها …
– ولكنها ماذا يا غبي ؟
– أعطها غرفة تقيم فيها .
تذكر داوود الشاطر ما حدث بين رجال زينة المناع ، ورجاله فطابت له الفكرة .
– على شرط .
– شروطك كلها مجابة .
– وهل تستطيع أقناعها ؟
– أنا كبير مخاتير العائلة .
– أن تكتب لي تنازلاً عن كل ما تملكه .
– والغرفة التي وعدت بها ؟
– بعقد إيجار ، موافق ؟
– موافق .
أحس أبو زبيبة بالغبطة و السرور لأن الشاطر سامحه ، ولم يكتف بأن تحيل نفسه قادراً على إقناع زينة بالزواج من الشاطر ، والاستماع لأوامره وطاعته ، بل قال مخاطباً الشاطر لاسترضائه ونيل بركاته :
– أيها السيد .
– ما بك ؟
– إنني أتعهد أمامك ، وأمام بناتك وأبنائك وزوجتك ، أن لا محاولات تخريب من قبلنا تجاه ممتلكاتكم ، وأنا على استعداد لإثبات ذلك خطياً .
– وهل أنت واثق مما تقول ؟ وهل أنت قادر حقاً على تنفيذه ؟
– أؤكد لكم ذلك سيدي ، وأقسم على تنفيذه .
وعلى الفور أحضرت زوجته بمراقصة أبي زبيبة التي بدت متضايقة من رائحته النتنة ، وبعد أن ملت منه جاء دور بناتها واحدة بعد الأخرى ، الأمر الذي أدى بأبي زبيبة لأن ينسى نفسه وأهل قريته ويقول :
– والله ، والله أيها السيد ، إنك لو أحرقت القرية بأكملها ما حركت ساكناً .
تناهى خبر زيارة أبي زبيبة لداوود الشاطر ، فتحرك الجميع بمن فيهم سكان قرية أبي زبيبة ، وبسبب ذلك اتفق المخاتير فيما بينهم على التشهير بفعلة أبي زبيبة ، وكأنهم ليسوا على علم بذلك . أو أنهم ليسوا هم أنفسهم الذين شجعوه على تلك الزيارة .
كانت أم الفهد تتظاهر بأنها ضد أبي زبيبة ، وأنه عذرها مرات عديدة ، أما جبار النخلة ، فقد دعا كافة المخاتير إلى وليمة عنده ، وأخبرهم خلالها بأنه سيحرق بيت كل من يفكر أن يحذو حذو أبي زبيبة .
كان الجميع لاهٍ في تناول الطعام ، وكان القزع ينظر إلى جبار النخلة بفزع ، وما أن سمع ما قاله ، حتى أحس أن الدنيا تدور به وأن دواراً بحرياً سيبتلعه .
لاحظ جبال النخلة عليه ذلك فسأله :
– ما بك يا قزع ؟
– فعلة أبي زبيبة يا طويل العمر !
– هل انت موافق عليها ؟
– طالما أنت غير موافق عليها ، فكيف لي أنا أن أفعل ذلك .
– ما الحل برأيك ؟
– ظن القزع أن جبار النخلة يريد الاستئناس برأيه ، فأراد التزلف إليه ، خاصة وأن خلافاً كبيراً كان قد حصل بين الطرفين سابقاً ، تعهد القزع بعده أن يشعل النيران في بيوت قرية جبار النخلة :
– أنا يا طويل العمر أقترح أن لا يذهب أي واحد منا لمسامحة داوود الشاطر ، بل علينا أن نذهب جميعنا فريقاً واحداً ، ونسامحه .
– وزينة ؟
– ماذا نقدر أن نفعل لزينة يا سيد جبار؟ قل لي بالله عليك . لقد عرضنا عليها الزواج فرفضت، حتى أنت ، حتى أنت رفضتك .
– تناول الجميع الغداء، وخرجوا كعادتهم غير متفقين علناً على التخلص من زينة، بل تنافخوا شرفاً لحمايتها، حتى أم الفهد، أظهرت وكأن زينة أختها الصغيرة ، واجب عليها حمايتها ، حتى أنها اقترحت أمام الجميع أن يعلن الأئمة في المسجد أن كافة القرى تتبرأ من أبي زبيبة .
كانت هذه الخطوة مناسبة لابتزاز المخاتير الأغنياء ، حيث انهالت عليهم الطلبات لدفع ثمن العصي والأسلحة ، وأجرة نواطير الذرة، وإن لم يدفعوا فسوف يتم التشهير بهم ، ويعلن بأنهم مع أبي زبيبة وأنهم على علاقة مع داوود الشاطر .
أحس المخاتير الأغنياء بالذعر ، فتم الدفع فوراً ، وامتلأت الخزائن ، ومع ذلك ظل نواطير الذرة بلا أجرة ، واستفاد القزع من هذا الوضع كثيراً ، كما استفادت أم الفهد .

وفي تلك الأجواء ، قام القزع بدعوة البقية لحضور حفل زواج ابنه البكر ، وقد لبى الجميع الدعوة ، وهبوا مهرولين ، حاملين الهدايا، وأحضروا أولادهم وبناتهم لعلمهم المسبق بأن داوود الشاطر سيكون موجوداً في الحفل ، ولكن بشكل متخف .
كانت الحفلة رائعة من حيث وجود الولائم الضخمة ، والسهرات والطرب .
وفي الليلة التالية ، وبعد أن وصل داوود الشاطر ، نهض القزع من مكانه ، وتوسط الحضور ، وأخذ يقول المواويل :
يا زينة يا أصيلة ​ما في مثلك مثيلة
يا زينة يا بنت الأصايل ​متلك ما في مثايل
وإن كان حظك مايل ​أنا جنبك بحميك
يا زينة يا جميلة ​ميلي عليّ ميلي
وإن كان لازمك حاجة ​وحياة عيونك قولي لي
أنا بستنى منك إشارة ​وفي عيوني بخبيك
صعق الحضور لدى سماعهم هذه المواويل ، وبخاصة صغار السن الذين أرادوا الغناء أيضاً لزينة ، ولكن المخاتير منعوهم من ذلك .
– لماذا يا أبي تريد أن تمنعني من الغناء لزينة (سأل ابن القزع أباه).
– اسمع كلامي ولا تعترض .
– لماذا ؟ إنك نفسك تمدحها .
– أنا وضعي مختلف ، ما أقوله الآن هو للاستهلاك المحلي .

زار رجال أبي زبيبة جميع القرى شارحين موقف معلمهم ، وازداد الأمر سوءاً في القرى ، وكان المخاتير يشعرون بالحرج . ولكي يتخلصوا من هذا الموقف ، أرسلوا لزينة أن تحضر اجتماعاً لهم .
– اسمعي يا زينة، لقد أفسدت علينا أولادنا وبناتنا ، حتى رعاتنا أخذوا يتمردون علينا ويأتون عندك .
– امنعوهم .
– لا نستطيع، لقد حرمناهم من تناول الطعام ، وضربناهم ، ولكن بدون نتيجة .
– وما علاقتي أنا بذلك ؟
– أنت السبب .
– ربما أنهم أحسوا بظلمكم لي ، فأرادوا الوقوف معي .
– لم يتحمل القزع ما قالته زينة ، فقال بتودد مصطنع :
– لقد أخبر داوود الشاطر المختار (أبا زبيبة) أنه على استعداد للسماح لك بالسكن في إحدى غرف القصر .
– لست موافقة على ذلك .
– يا زينة ، لم نعد قادرين على السهر على بيادرنا لحراسة محصولاتنا ، ولا البقاء مع أغنامنا .
– ما الذي تغير ؟
– الدنيا تغيرت ، لقد اصبح داوود الشاطر من السحرة ، إنه يستطيع تسليط الحيات والعقارب علينا، ونحن لا حول لنا ولا قوة .
احتدت زينة ، فنهضت من مكانها ، ولكنها قبل أن تغادر المكان قالت له :
– حسب علمي أنك تمت له بصلة قرابة نسب . فلماذا لا تطلب منه أن يعلمك فنون السحر ؟
– على أثر ذلك توجه القزع إلى داوود الشاطر، وطلب منه أن يمنحه فرصة لكي يتمكن بعدها من جر القطيع وراءه لمسامحته .
– ماذا تود أن تفعل ؟
– عندي خطة جهنمية .
– هل لي أن أعرفها ؟
– سأقوم بإشعال الحرائق في البيادر ، وعندها سيظن المخاتير ببعضهم ظن السوء فتقوم المعارك بينهم .
– إنك منا دون شك .
بعد أن رجع القزع إلى قريته ، جمع الرجال المخلصين له ، وأطلعهم على خطته الجهنمية ، وأمرهم بالتوجه ليلاً إلى بيادر القرى لإشعال النار فيها .
وما أن هبط الليل حتى كان الجميع قد وصلوا إلى البيادر وشوهدت الحرائق هنا وهناك ، حتى أن حريقاً شب في بيـدر القزع نفسه ، وفي الصباح اعتلى القزع حصانه ، وأخذ يلف القرى من أجل التوسط ، لكي لا تتسع رقعة الخلاف بين الأخوة ، ولكنه في حقيقة أمره ، كان يؤلب هذا على ذاك .
كان جبار النخلة هو الوحيد الذي يخالف الإجماع ، ولهذا اتفق القزع مع داوود الشاطر على افتعال خلاف بين أبي جبار وأحد جيرانه الغرباء ، حيث تم إشعال النيران في بيادر الطرفين ، وقد زين القزع لأبي جبار أن الغريب يكن له عداوة قديمة ، وأنه يريد فتح صفحات التاريخ .
طال الخلاف بين الطرفين ، وأكثر القزع من زياراته لأبي جبار التي جاءت بعد خلاف ، وأظهر له المودة والدعم .
نجحت خطة القزع والشاطر ، حيث كان رجال القزع منتشرين على حدود القرية ، ولم يستطع أبو جبار مد يد المساعدة لزينة .

تناهى لزينة أن الشاطر سوف يستغل انشغال جبار النخلة بخلافه مع جاره الغريب ، وأنه يعتزم قتلها ، وعلى إثر ذلك قامت بزيارة المخاتير واحداً تلو الآخر لطلب المساعدة ، فامتنعوا بحجة أن موسم الحصاد قد حل ، وأنهـم بحاجة لحراسة بيادرهم . إلا أن أحد المخاتير الذي كان يلقب بالمجنون قد تهد لها بتزويدها بكل شيء ، وما عليها سوى الرجوع لطمأنة رجالها.
عادت زينة المناع لمزارعها يغمرها الفرح ، لأن المجنون سيرسل لها الأسلاك الشائكة والخوازيق ، لتسييج مزارعها ، وحمايتها من هجمات الشاطر ، إضافة إلى تزويدها بالسموم والأفخاخ ، من أجـل اصطياد الوحوش وقتلها .
– آه يا زينة بنت سالم المناع ، وأخيراً وقف أحدهم إلى جانبك صحيح أنهم ينعتونه بالمجنون ، ولكن كما يقول المثل: “لاحق العيار لباب الدرا” ، فعلّ وعسى أن تتحرك الرجولة في دم أحدهم .
اللهم اجعله صادقا ، فأنا وحيدة وهم كثر ، متطابقون مع داوود الشاطر آه لو أن الله لم يخلقني جميلة لما طمع فيّ أحد لا طمع فيّ داوود الشاطر ولا القزع! زينة يا بنت سالم المناع ، لازم تموتي طاهرة .
يا زينة ، ياللي زينك سم راح تشربيه في يوم من الأيام ، لا إله إلا الله ، لعنة الله عليك يا إبليس .
مر يومان ولم يصلها خبر عن هدية المجنون .
– اسمعوا يا رجال ، انتشروا في كل مكان ، راقبوا الطرق ، ربما خاف أن يعترضه داوود الشاطر ، فغيّر رجاله الطريق، أو ربما ضلوا طريقهم إلينا ، اشعلوا النار في الليل لتنير المنطقة .
انتشر رجال زينة ، ولم تخل طريق أو منفذ إلا وكانوا هناك يرقبون ويبحثون ، ولا من أحد .
– يا ست الستات ، لم نعثر على أحد ، اشعلنا النيران في الليل رغم أن القمر يضيء الأرض ، ذهبنا إلى حدود قرية المجنون ، فلم نجد أحداً
– بماذا تفسرون ذلك ؟
– الطبع غلب التطبع ، مخاتيرنا ونحن نعرفهم .
– لكنه استعد !
– يكذب .
– لم أجبره على الكذب .
– هذه طبيعتهم ، كل ما يتفوهون به للاستهلاك المحلي فقط .
– لي الله ، إن الله لا يخلف وعده أبداً ، وهو يعلم أني طاهرة ، وسوف لن يخذلني .
– بماذا تأمريننا يا ست الستات ؟
– الحيطة والحذر، حافظوا على أنفسكم ، وقاتلوا رجال الشاطر بشرف .
انتشر الرجال وكل يحمل ما تيسر له حمله بعضهم يحمل عصا وآخر مل نبوتاً ، وثالث فأساً ، ورابع حبلاً ليربط به رجال الشاطر ، وهكذا .
يبدو أن الشاطر علم بوعد المجنون لزينة، فخاف أن ينقلب أحدهم ويقف معها فعلاً ، فأراد أن يتأكد إن كان المجنون أوفى بعهده أم لا ، فبعث بعض رعاة الغنم ليروا إذا ما وضعت زينة أسلاكاً شائكة حول مزارعها أم لا ، وبعد أن عادوا في المساء بأغنامهم ، أخبروه أنه لا توجد اسلاك شائكة ولا ما يحزنون .
أحس الشاطر بالفرح لأن المجنون باق على عهده ، حاله حال كافة المخاتير في القرى . وعلى الفور أمر رجاله بمهاجمة مزارع زينة وتخريبها خاصة وأن موسم الصيف على الأبواب كي لا يتعرض في هذا الموسم لخسارة كعادته في المواسم الماضية ، ووعدهم أيضاً إذا ما نجحوا في مهمتهم أن يسامحهم بالدين الذي أخذوه منه للصرف على أسرهم .
وفي الحال حملوا فؤوسهم لا يتخلف منهم رجل واحد . وهاجموا المزارع ، وعاثوا في أطرافها تخريباً ، وذلك لأن زينة – وحسب حساباتها الخاصة – آثرت التحصن في الوسط .
تقدم رجال الشاطر وحاولوا التسلل إلى وسط المزارع ، فلم يستطيعوا ، لأن رجال زينة بنت سالم المناع تمترسوا تحت الصخور ، وأخذوا يصطادون رجال الشاطر واحداً تلو الآخر .
كانت زينة تعلم ان الشاطر ربما يستطيع تخريب هذا الموسم عليها، وذلك لعدة أسباب ، منها : انشغال جبار النخلة مع جاره الغريب ، وأن رجاله يقومون بحراسة البيادر والمزارع ، وكذلك خلافها العلني مع أم الفهد التي تظاهرت باشتراك رجالها في الدفاع عن مزارع زينة .
شعر الشاطـر أنه في ورطة ، فلا هو قادر على قتل زينة ، ولا هو يستطيع سحب رجاله من أطراف مزارعها ، فعمد إلى زيارة القزع :
– أنا في ورطة يا قزع .
– كلنا في ورطة يا سيدي .
– ما العمل للخروج من هذه الورطة ؟
– قتل زينة .
– كيف ؟
– عليك بأم الفهد .
– اللعنة عليها .
– لماذا ؟
– اشترك رجالها في الدفاع عن مزارع زينة .
– هذا سر اللعبة يا سيدي .
– ألا تفسر ما تقول ؟
– كي نمتص غضب الناس .
– لا وقت لدي ، ورجالي جبناء ، ولقد اخذ بعضهم يهرب من مزارع زينة .
– سدّوا الطرق والمنافذ ، لتمنعوا الدخول والخروج إلى مزارع زينة ، واقطعوا المياه .
– نعم الرأي يا قزع .
غاـدر داوود الشاطر قرية القزع ، وتوجه إلى رجاله ، وطلب منهم أن يسدوا الطرقات والمنافذ ؛ كي لا يدخل أحد عنـد زينة أو يخرج من عندها ، وذلك لمنع دخول الطعام ، وعدم تمكينها من إرسال الرجال للقرى المجاورة لطلب النجدة ، وكذلك قطع المياه ! كي لا تقوم بري مزروعاتها في هذا الصيف الذي تغلب عليه الحرارة الزائدة .
وكما فعل رجال داوود الشاطر فعل رجال أم الفهد ، فسدوا كافة المنافذ التي تؤدي إلى مزارع زينة ، ومنعوا أبناء القرى الذين تسللوا من قراهم سراً لينضموا إلى رجال زينة ، وقام رجال أم الفهد بمنع إدخال الطعام إلى مزارع زينة لتموت هي ورجالها عطشاً وجوعاً .
كعادتها ، كانت زينة تحسب لكل شيء حسابه ، فقد قامت قبل الهجوم على مزارعها بتخزين كميات كبيرة من الطحيـن ، وحفرت العديد من البرك والآبار لتخزين المياه ، وعمدت هي ورجالها إلى صنع الخبز ، وتوزيعه على رجالها كي لا يجوعوا أثناء ذلك انضم رجال أم الفهد الذين كانوا قد دخلوا مزارع زينة في السابق إلى رجال زينة ، فأخذت زينة تغدق عليهم الأموال ، وتزودهم بالملابس والمؤن ، حالهم حال رجالها .
طالت المدة ، وتعب داوود الشاطر ورجاله ، بينما كانت زينة تتبختر بين رجالها مزهوة بين مزهوين ، وما أن كانت تظهر في زاوية حتى يهب الرجال يدبكون ويغنون المواويل ، عكس رجال الشاطر الذين كانوا يصرخون عندما يمشي بينهم ، ويولولون كالنساء .
كان هناك إحساس من نوع خاص يسيطر على زينة ، وهو أن القرى لابد وان تتحرك ، فأرسلت بعض رجالها ليطوفوا هذه القرى شارحين الوضع في مزارع زينة ، وأن زينة ما زالت قويـة ولكنها بحاجة إلى بعض الدعم .
تسلل الرجال من منافذ لا يعرفها أحد غير زينة ، ووصـلوا القرى، وبلغوا الرسالة ، ولكن لا سميع ولا مجيب ، سوى إرسال بعض المواد الغذائية الحرامات والأدوية التي استولت عليها أم الفهد ، ووزعتها على رجالها ، على أنها هدية منها إليهم .
لا فائدة يا زينة ، سترحلين ، ويلي على المرأة التي لا رجال لها يسندونها عند الشدائد ، افرح يا قزع ، ارقصي يا أم الفهد ، اهنأ يا مجنون بجنونك ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، حسبي الله ونعم الوكيل ، مقدر ومكتوب .
كثر الحديث عن إمكانية خروج زينة من مزارعها ، فانقلبت الدنيا في القرى ، وأخذ المخاتير يجتمعون ليلاً ، ويتفرقون نهاراً ، كي يضعوا الخطط من أجل منع شباب القرى من رؤية زينة ، كي لا تفسد أخلاقهم !
ومما زاد الطين بلة أن صديقة أم الفهد بعثت لها رسالة تخبرها فيها بالموافقة على خروجها ، لأن اليد لا تستطيع مقاومة المخـرز ، وأن عليها مواجهة قدرها الأغبر، في هذا الزمان الذي عز فيه الرجال الرجال ، وغص بالذكور الذين يبيعون الدنيا والآخرة من أجل شهواتهم .
رفضت زينة فكرة خروجها إلا إلى القصر ، فتعقـدت الأمور ، واختلط الحابل بالنابل .
وذات يوم ، وصل رجل من إحدى القرى الغنية ، وكان مختارها يرسل المساعدات لزينة ، وكان هذا الرجل يحمل رسالة مفادها : أنه اتفق مع الشاطر على عودة زينة إلى القصـر ، شرط أن تخرج من مزارعها . وأخبرها أن عقد الاتفاق جاهز لتضع توقيعها عليه !
” قطعت جهيزة قول كل خطيب ” . إنه كبيرهم الذي علّمهـم السحر ، وليّ نعمتهم ، خربت عليك يا زينة ، أين ستذهبين ؟ صحيح أن أرض الله وساعة ، ولكن ، هل سأرتاح من شرهم ؟ لا، سيأتون واحداً تلو الآخر يعرضون عليّ الـزواج ، لكنهم ، ورحمة سالم المناع ، لن ينالوا مني مهما كلف الأمر .
سأوافق . أمري إلى الله ، سألاقي وجه ربي وأنا عفيفة طاهرة ، وهذا خير لي من كل كنوز الدنيا ، لا يوجد رجال يا زينة ، لا والله ، نحن النساء نحافظ على كرامتنا وشرفنا أكثر منهم .
سرى الخبر سريان النار في الهشيم ، ووصلت الأنباء كافة القرى أن زينة المناع ستخرج من مزارعها .
– عليكم بمنع الشباب من الاقتراب منها ، لقد لطخت سمعتنا وشرفنا ، قال أحد المخاتير هذا .
– يا شيخ ، إنك تقول هذا لأنها رفضتك زوجاً لها . قالها آخر.
– وأنت ، ألم ترفضك ؟ رد عليه .
– الزواج قسمة ونصيب يا جماعة ، قال ثالث ، واستطرد :
– إن كانت زينة قد ضاعت منا جسداً ، فلن تضيع منا ثروة .
– صحيح والله ، بقرها كثير، وأغنامها لا تعد ولا تحصى . قال رابع .
– كانت أم الفهد جالسة لا تلوي على شيء ، لأنها تترقب أمراً حسب اتفاقها مع داوود الشاطر . ولكنها عندما سمعتهم يتحدثون عن بقرها وأغنامها صاحت في وجوههم اصحوا يا أشباه الرجال ، لو كان فيكم خيراً لما ضاعت منكم زينة وأصبحت تعيش لوحدها .
– ما بك يا أم الفهد ؟
سألها القزع سؤاله هذا واستطرد قائلاً :
– يشهد الله أني نويت لها كل الخير ، كنت أريدها زوجة لي على سنة الله ورسوله ، ولكنها هي التي أبت ذلك.
– يا خيبتك يا أخي ! والله لو كنت رجلاً لما حللت عنها .
ساد صمت ليس بالقصير ، قطعته أم الفهد بقولها :
– ليعلم الجميع أني أحق الناس بما تملكه زينة .
جن جنون القزع لدى سماعه ذلك ، فقال بعصبية واضحة :
– يبدو أن الناس فقدوا المنطق هذه الأيام إن ما تمتلكه زينة هو حق طبيعي لي ، ولن أسمح لأحد بمنازعتي عليه .
كان المجنون ينظر للجميع بنظرات فاحصة ، ولأنه لم يكن بحاجة إلى شيء ، فقد صرخ فيهم :
– ليسمعني الجميع، إنني أفضل أن تقوم زينة بالانتحار على أن تخرج من مزارعها ، مفهوم .
– قهقه الجميع ، وقالوا بصوت واحد : مجنون .
وفي اليوم التالي ، وصلت العربات تجرها الخيول لنقل زينة ، وكانت أم الفهد على يقين لا يخامره شك بأن زينة سوف تنزل في قريتها ، ولكن ظنها خاب عندما علمت أن زينة قد أمرت بالابتعاد عن كل القرى التي رفضتها في السابق .
جن جنون أم الفهد ، فحلفت أغلظ الايمان أن تقضي على زينة ، وعملت على حرمان أولاد عمال زينة من الطعام والشراب ، واتفقت مع داوود الشاطر على ذبح الأولاد لاحقاً ، لكي تغيظ زينـة ، وتحرض عمالها الذين رحلوا معها ، وتقلبهم ضدها .
بعد ذلك ذهبت زينة إلى المختار الغني الذي أخبرها أن الشاطر وافق على عودتها إلى القصر .
– الحمد لله على السلامة يا ابنتي .
– الله يسلمك ، طال عمرك .
– ماذا تبغين ؟ نقوداً ؟
– أحست زينة أنها تكاد تنفجر من الغيظ ، ولكنها آثرت أن تتريث قبل أن تعلن عن غضبتها القوية ، فقالت :
– أطال الله عمرك ، لقد أخرجتموني من المزارع ، فأين الاتفاق ؟
– يا ابنتي ، خدعنا الشاطر .
– خدعكم الشاطر ، وأنتم خدعتموني . حسبي الله ونعم الوكيل.
– يا ابنتي ، ماذا تريدين من هذه الدنيا ؟ يبدو أن الله قد قضى بحكمته أن يحرمك من القصر ، ويرزقه لداوود الشاطر ، فلا تعترضي على حكم الله .
– حكم الله أم حكمكم ؟
– أستغفر الله يا ابنتي ، هذا كفر، أستغفر الله .
– وماذا تقولون عن أفعالكم ؟
– يا ابنتي ، ارحمي ، نحن لا حول لنا ولا قوة ، ولكن…
– لكن ماذا ؟
– عندي حل .
– ما هو ؟
– تتزوجينني على سنة الله ورسوله .
ضاقت الدنيا في وجه زينة ، ولم تعد تطيق رؤية أحد ، ولكنها في الوقت نفسه لا تريد قطع شعرة معاوية مع هذا المختار ؛ لأنها تعرف وضعه ومكانته لدى الغريب والقريب ، فأخذت تتمتم :
– الله يقطع الجواز وسنينه يا شيخ ، أصوم وأفطر ع بصلـة ؟ والله إني أرغب في الزواج ، لكن من رجل وليس من ذكر .
– ما بك يا ابنتي ؟ موافقة ؟
– طال عمرك، أنا حالفة يمين أن لا أتزوج وأنا خارج القصر.
– أبشري ، أبشري يا ابنتي ، إن الله حق .
– لم تعد الدنيا تتسع لأبي مسعود والمسعود فقد فهم أن زينة قد وافقت على الزواج منه .
– والله لو تبلغ الأمور بي إلى بيع القرية بكاملها ثمناً لزينة لفعلت. أبشر يا أبا مسعود، جاك السعد والهنا ، لكن آه ، أه يا أبا مسعود ، أنت طيب وعلى نياتك، لعنة الله عليك يا القزع، لن يسمح للأمور بأن تسير كما أريد ، تهون تهون يا أبا مسعود .
وما أن غادرت زينة قرية أبي مسعود المسعود حتى أخذ يتصل بكافة معارفه الذين هم على علاقة قوية بداوود الشاطر ، كي يضغطوا عليه للسماح لزينة بالعودة إلى القصر .
لقد أدركت زينة أنها في ورطة حقيقة ، فراحت تجوب القرى القريبة والبعيدة ، والكل يعدها خيراً ، ويخبرها أن أبا مسعود يقـف إلى جانبها ، بينما القزع يطلب منهم عدم الوقوف معها .
بسيطة ، سأحاربهم بسحرهم، ليسوا أذكى مني ولا أكثر دهاء أو حكمة . لماذا لا أتعلم السحر مثلهم ؟ صحيح أن العمل به حرام ، ولكن ، للضرورة أحكام .
وفي الصباح شدت زينة الرحال إلى ساحر كبير كانت تسمع به في إحـدى القرى ، ودفعت له مبلغاً كبيراً من المـال ، ووعدتـه بمبلغ أكبر إن هي نجحت في خطتها .
كان الغريب في الأمر أن هذا الساحر يمت بصلة لداوود الشاطر ، ولكنه أمام بريق الذهب ولمعانه نسي هذه الصلة ، وتعهد لزينة أنها ستحصل على ما تريد خلال بضعة أيام .
مر أسبوع ، وأصبحت زينة تتقن فنون السحر ، وتتعامل مع الجـان ، وتسخرهم لتنفيذ أوامرها ، وقد عاهدت الله أن لا تضر إلا آل الشاطر ، أما مخاتير القرى فإن الله قادر عليهم .
وفي إحدى الليالي جلست زينة وحيدة ، وأطفأت الأنوار ، وفاحت رائحة البخور ، وحضر الجان أشكالاً وألواناً .
(شبيك لبيك عبيدك بين إيديك).
– أزعجوا سكان القصر ، أشعلوا النيران في البيادر ، خرّبوا المزروعات ، اقتلوا المواشي .

بعد خروج زينة بنت سالم المناع من المزرعة ، أيقن داوود الشاطر أنه سوف يحظى بموسم يدر عليه في عامه أرباحاً وفيرة ، ولهذا طاف القرى القريبة والبعيدة سراً ، واجتمع بمخاتيـرها ، وتعهد أمامهم بتزويدهم بكل ما يحتاجونه ، والأنكى من ذلك أنه قبض الثمن سلفاً .
ولكن ، وما إن بدأت الثمار توشك على النضج حتى أخذ يصرخ ؛ فالقمح كان يحترق قبل أن يحصده ، والخضراوات تجف مع أن الماء يجري في القنوات جرياناً دائماً ، والحلـيب يختفـي من البراميل دون أن يظهر أنه سال على الأرض ، والجانب الشرقي من القصر المطل على سفل الجبل المحاذي لقرية القزع يبدو وكأنه مسرح لمعارك غير مرئية .
لم يدر الشاطر كيف يتصرف إزاء هذا الوضع الشاذ ، فتوجه إلى القزع :
– أقسم بتربة أجدادي لأحرقنكم واحداً تلو الآخر .
– هوّن عليك يا سيدي ، ما بك ؟
– زينة ، زينة يا قزع .
– ما بها ؟
– في القصر .
– فقد القزع صوابه لدى سماعه ذلك، فنادى حراسه، وسألهم إن كانت زينة قد دخلت القرية فأجابوه بالنفي. وإزاء ذلك أمرهم بتشديد الحراسة على السفح كي لا تتسلل زينة أو رجالها سراً إلى القصر .
– أخبرني ، ما الذي يحدث عندكم يا سيدي ؟
– النار تشتعل في القمح، والخضراوات تجف مع أن الماء جار في القنوات ، والمخازن فارغة رغم أنها كانت مليئة ، والحليب يختفي من البراميل ، إضافة إلى أن القصر يبدو في الليل وكأنه ساحة حرب، الأمر الذي جعل أولادي ينامون في العراء .
استمرت النيران في الاشتعال ، وأدرك الجميع أن زينة هي التي تفعل ذلك .
لم تنكر زينة ، وعللت ذلك أمامهم بأنها تريد إبعاد الوحوش عن مزرعتها .
في البداية سر الجميع من فعلها ، لأنها تبـدد ظلمة الليل ، وذلك من أجل كسب رضاها ، علها توافق على الـزواج من أحدهم ، مما دفعهم على التبرع لها بمزيد من الحطب .
كانوا يتوقعون أن يستمر إشعال النيران لعدة أيام ، ثم تهدأ الأمـور . ولكن زينة أرادتها مشتعلة لفترة طويلة وباستمرار .
وإزاء ذلك الموقف ، امتنع الجميع عن تزويد زينة بالحطـب لمواصلة إشعال النيران ، بحجة أنهم لا يمتلكون حطباً ، مع أنهم يعيشون في قرى تحيط بها الغابات من كل مكان ، ولأنهم بدءوا يخافون من الدخان المتصاعد من هذه الحرائق …

وفي تلك الأثناء ، ولكي ينقطع الناس علن الحديث عن نار زينة المشتعلة على الدوام ، خرج القزع على أهل قريته قائلاً :
يا ناس ، إنني أعلن أمامكم أن زينة بنت سالم المناع طالق بالثلاثة، ولم تعد تهمني من قريب ولا من بعيد .
لم يستطع أحد التعليق على ما قاله القزع . خوفاً على حياته ، ولكن واحداً من أهل القرية كان مشهوراً بطول لسانه ، ووقوفـه مع الحق أينما كان ، ويقف للقزع بالمرصاد ، وقف يقول :
– وهل تزوجت حتى تطلق يا قزع ؟
– لم يمهل القزع طويل اللسان ليقول أكثر من ذلك، فأمر رجاله باعتقاله ، ووضعه في السجن بتهمة إطالة اللسان.
لم تنكر زينة أن موقف القزع الأخير قد حيرها وأخذ من وقتها كثيراً ، ولكنها بعد أن استفسرت من مصادر موثوق بها ، فهمت أن القزع قد اتفق سراً مع داوود الشاطر بأن يقوم الأخير بالسماح للقزع باسترجاع السفح ، على أن يوقع القزع على اتفاق يقضي بأن المزارع والقصر تعود إلى القزع ، وليس لزينة أي حق يـذكر.

لم يكن طالع زينة حسناً ، ولم يكن يبشر بالخير ، ففتـن القزع كانت تتوالى كزخات المطر في شهر شباط ؛ فما من نار تخمد هنا، أو مشكلة يتوصل أطرافها إلى حل ، حتى يخرج لهم بمصيبة أكبر من سابقتها ، لمواصلة الدمار والتخريب بين القرى المهياة أصلاً للتنازع على أي شيء ، نظراً لطبيعة وتركيبة مخاتيرها .
لقد تم إخماد حرب النيران من بيادر أبي جبار النخلة وجاره الغريب ، ولكن ناراً أخرى اشتعلت شبت بين أبي جبار وجاره أبي النسوان ، وكانت الأمور هذه المرة تختلف عن سابقاتها ، إذ قام أبو جبار بالسيطرة على بيادر أبي النسوان وطرده خارج القرية ، وبعد ذلك أعلن للـجميع أن بيدر أبي النسوان يعود في ملكيته أساساً لأبي جبار النخلة , وذلك استناداً إلى وثائق وخرائط وخوازيق مدقوقة منذ عشرات السنين ، وأن آل الشاطر هم الذين أحضروا أبا النسوان من قرية أخرى ، ونصّبوه مختاراً علـى بيادر اقتطعوها من بيادر أبي جبار .
بعد أن تصالح أبو جبار مع جاره الغريب ، تبين أن أبا النسوان كان يسرق من بيادر أبي جبار ، ويتظاهـر بأنه يقف إلى جانبه ضد جاره الغريب ، علماً أن أبا النسوان كان يدعم الاثنين لإضعافهما ، بناء على أوامر آل الشاطر الذين كانوا يرغبون في تخريب مواسم الجميع ، من أجل تصريف بضائعهم بالسعر الذي يرونه مناسباً .
كان القزع مقهوراً للمصالحة ؛ فعمل على إشعال فتيل الحرب ثانية، وأخذ يتذلـل لأبي جبار ، ويتظاهر أمامه بأن قريته قد أصابها القحط ، وأن داوود الشاطر يعمل على تخريب مواسمهما .
– الله يخليك يا أبا جبار ، أصابنا القحط، وما عدنا نملك رغيف الخبز، وها هم إخوتنا جيرانك يملكون الكثير الكثير ، إن هذا ليس عدلاً .
– أبشر يا قزع، أبشر ، سيأتي يوم على أهل قريتك يستغنون فيه عن الخبز .
وقعت هذه العبارة على رأسه كمنشار كهربائي على خشبة ، لأنه فكر أن أبا جبار قد كشفه ، فقال وهو يتظاهر بالبكاء :
– حرام عليك يا أبا جبار ، إن قريتي أرامل وأيتام ، ستسأل عنهم يوم القيامة .
– قلت لك أبشر أقسم بالله أن يأتي يوم على أهل قريتك يشبعون فيه من الكعك بالعجوة ، والكعك بالجوز .
انساب الارتياح لدى القزع ، لأن أبا جبار لم يكشفه ، فضحك مـلء شدقيه وقال :
– بارك الله فيك ، وسامح الآخرين .
تحركت مشاعر الحزن والشفقة عند أبي جبار ، وظل يفكر في القزع وأهل قريته ، بأراملها وايتامها ، صغارها وكبـارها ، فبعث إلى كافة المخاتير ليتحدث معهم عن اشتعال النيران في بيادر القرى ، وطلب منهم وضع حد لذلك ، خشية استغلال داوود الشاطر للظروف . وطلب منهم المساعدات ، ليس لأهل قريته ، بل للقزع .
يقول العارفون ببواطن الأمور ، وهم في غالبيتهم ممن يصبون القهوة للضيوف ، ويقدمون الطعام لهم : إن أبا جبار قام بزيارة لقرية القزع ، وطلب منه مرافقته للجبل المطل على داوود الشاطر.
تجول الاثنان هناك كثيراً ، وبعد ذلك تناولا طعام الغداء ، وتحدثا طويلاً .
– اسمع يا قزع ، الأمر ليس كما تصورونه .
– أي أمر يا مختار المخاتير ؟
– داوود الشاطر .
– ما به ؟
– إن عندي رجالاً يحلون المشكلة .
– أية مشكلة ؟
– مشكلة زينة .
دب الذعر في قلب القزع ، وبخاصة أنه يعلم أن أبا جبار يتسم بالعناد ، ورأس يابس ؛ ينفذ ما يقول ، فلم يدر ما يقول او يفعل .
– إن رجالي وحدهم ، وبدون مساعدة رجالك يستطيعون حرق بيادر الشاطر وتخريب مزروعاته ، وطرده من قصر زينة في ست ساعات .
– أنا أشهد يا مختار المخاتير ، أنا أشهد ، ولكن أعطني مجالاً، لأن الوضع عندي في القرية ليس مطمئناً .
– عندما أزورك في المرة القادمة ، سنحدد ساعة الصفر ، وسأحضر معي براميل الكاز والخراطيم اللازمة لذلك .
عاد أبو جبار إلى قريته ، ولم يهدأ بال القزع ، وفوراً ركب فرسه، وتسلل إلى داوود الشاطر .
– يا سيدي ، فلتت الأمور من يدي .
– وكيف ذلك ؟
– أقول لك فلتت الامور من يدي وتسألني كيف ذلك ؟
– هل من جديد لديك ؟
– المجنون .
– أي مجنون فيهم ؟
– أبو جبار .
– ماذا جرى بينكما ؟ ألم تكسب صداقته في الأيام الأخيرة ؟
– بلى ، كسبت صداقته ، وفعلت كل ما أوصيتني به .
– ماذا يريد منك ؟
– يريد حرق بيادرك في الموسم ، وطردك من قصر زينة .
– وهل تراه جاداً في ذلك ؟
– لقد تحدث معي في الأمر قبل قليل .
– لقد رأيتكما على سفح الجبل .
– للتو غادر .
– اترك الأمر لي .
– ماذا ستفعل ؟
– الشاطر الكبير .
– أعلم أن الوقت ليس في صالحنا .
– لا تخش شيئاً ، فقد حسبت لكل شيء حسابه .
– وعلى الفور غادر القزع إلى قريته بينما توجه داوود الشاطر إلى الشاطر الكبير ، وأخبره الأمر .
– إنه مجنون ، وسيفعلها ، إني أعول على هذا الموسم .
– كن مطمئناً .
– لا أعرف الطمأنينة ، فالقزع صادق في معلوماته ، ولم يسبق له أن كذب علي أو أخفى عني أمراً .
– دعني أتدبر الأمر، فأبو النسوان حاضر ، وهو من صنائعي.
– اهتم في الأمر ، أرجوك .
– إن الجبن فيدمك ، قلت لك : دع الأمر لـي ، وإني أحذرك من الآن ، إياك من إشعال حرائق جديدة في أي بيدر. أريد أن تكون بيادر أبي جبار هي المحترقة ، وناري هي النار الوحيدة التي تضيء كل القرى . مفهوم ؟
– حتى لو أشعلوا النار في بيادري ؟
– حتى لو أشعلوا النار في بيادرك . إنهم سيدفعون لك الخسائر أضعافاً مضاعفة . ثم ألا تشبع يا أخي؟ أما أدفع لك أنا عن كل حبة قمح تسوّس ؟
– بلى .
لم تمض أيام حتى توهجت النيران في بيادر أبي جبار. لقد اتفق الشاطر الكبير مع أبي النسوان على إعادة بيادره بشروط .
– شروطك مجابة يا سيدي .
– توقعت منك ذلك .
– وتوقع ما هو أكثر مقابل حرق بيادر أبي جبار .
– اسمع يا أبا النسوان ، لقد جئتك من مكان بعيد ، ولتعلم أن الثمن سوف يكون كبيراً .
– قلت لك : شروطك مجابة .
– القمح لنا .
– القمح لكم .
– وللأبد .
– وللأبد ، وبالسعر الذي تحددونه .
– حتى لو مت فيجب أن يظل الاتفاق دائماً .
– لك ذلك وزيادة .
ضحك الشاطر الكبير وقال : وما الزيادة يا أبا النسوان ؟
– كل ما تريدون وما تطلبون .
– بطل يا أبا النسوان ، بطل وحكيم . هاه هاه هاه .
– يا أبا النسوان .
– نعم سيدي
– يجب أن يكون هذا الاتفاق مكتوباً ، وليشهد عليك أولادك .
– موافق .
وعلـى الفور نادى أبو النسوان أولاده من زوجاته الأربع والسبعين، ولما حضروا عنده ، جعلهم يبصمون على أوراق بيضاء ، قام الشاطر الكبير بعدها بكتابة النص :
“نحن الشاطر الكبير الذي جاء من أقاصي الدنيا ، يعاونه الشطار الصغار ، نتعهد بإعادة بيادر أبي النسوان إليه ، وحرق بيادر أبي جبار النخلة ، وتخريب مواسمه ، وسد المنا فذ حول قريته ، وقطع المياه عنها ، مقابل قيام أبي النسوان بتزويدنا القمح إلى الأبد ، وبالسعر الذي نراه مناسباً . وكذلك رهن كافة مروج القرية وبساتينها لنا إلى الأبد ، مقابل ما نحدده نحن ، وعلى ذلك يشهد أولاده جميعاً ، ومن يفكر في غدرنا يعرف مصيره “.
– بصم أبو النسوان بسبباته اليسرى ، ووقع الشاطر الكبير ، وانتهى الأمر .
– هاه يا أبا النسوان ، ما رأيك في هذا الاتفاق ؟
– رائع يا سيدي ، رائع .
– ألم أقل لك ؟
– على قدر القول والعمل .
– والآن سترى .
كان رجال الشاطر الكبير والشطار الصغار ومن ينصاعون لأوامره أكبر عدداً من رجال أبي جبار ، ولهذا تغلبوا عليهم ، وتـم إعادة البيدر لأبي النسوان ، وبسط الشاطر الكبير نفوذه عليه ونصب رجال الشاطر الكبير خيامهم لجمع الثمار ، بينما الشطار الصغار ومن حالفه من غيرهم خرجوا من الموسم بلا حمص كما يقول المثل .
لقد نفذ ابو جبار وعده ، فعمل على إرسال بعض رجاله لحرق بيادر داوود الشاطر ، فعمت الفرحة كافة القرى ، وعلت الزغاريـد ، وعلى رأس هؤلاء جميعاً ، كانت زينة التي لم تسعها الدنيا من الفرح ، ولكن الفرحة لم تتم ، لأن رجال الشاطر الكبير سدوا كافة المنافذ على قرية أبي جبار ، وقطعوا المياه عن سكانهـا؛ فلا بيع ولا شراء ، حتى يسامح أبا جبار داوود الشاطر، ويتخلى أبو جبار عن دعمه لزينة .

– اسمع يا داوود ، لقد فعلت المستحيل لأجلك ، وها أنت الكل في الكل . قال الشاطر الكبير بلهجة حادة ، واستطرد:
– لقد أعطيتك أنت والقزع ، وكافة مخاتير القرى ألف فرصة وفرصة للقضاء على زينة ، ولكنكم لم تستطيعوا حتى تقليم أظافرها ، وأنت تعرف أنني حاولت معها دون جدوى.
– أحس الشاطر أن في الأمر سراً ، إذ إن الشاطر الكبير لم يسبق له وأن تحدث معه بهذه الطريقة .
كانت زينة قد استمرت في فنون السحر والتعامل مع الجـان ، حيث أصبحت حياة داوود الشاطر وعائلته وجميع عماله لا تطاق ، كما ان بضاعته قد ردت إليه ، ولم تجد من يشتريها . وإزاء ذلك قام داوود الشاطر بزيارة مخاتير القرى ، وطلب منهم عدم السمـاح لزينة بالإقامة في أية قرية من قراهم ، أو إيوائها ، وضرب لهم مثللاً بما فعله القزع معها ، وكذلك أم الفهد .
كان القزع جالساً باسترخاء يثني على كلام الشاطر ، ويحذر الجميع من زينة ، واصفاً إياها بالخبث ، وأنها قطة بسبعة أرواح. أما أم الفهد ، فقد كالت التهم لزينة ، وأيدت ما قاله القزع عنها .
وإزاء ذلك ، وبعد تهديد الشاطر ووعيده لمخاتير القرى ، طلب الجميع من زينة مغادرة المنطقة ، لأنهم لا يقوون على مواجهة الشاطر .
فكرت زينة بالأمر ، واهتدى تفكيرها إلى إرسال بعض رجالها لبحث الأمر مع المخاتير مرة أخرى ، ولكنهم رفضوا مجرد مناقشة الفكرة ، إلا واحداً منهم أراد تقديم خدمة لآل الشاطر ، ولكن على طريقته الخاصة ، إضافة إلى أنه يود الاستفادة من زينة، حيث بعث مع أحد رجالها يخبرها أنه على استعداد أن يستقبلها ، ولكن وحدها ، وبدون أي مرافقين من رجالها .
لم توافق زينة على هذا العرض ، فبعثت إلى صديقتها البعيدة تخبرها بالأمر .
كان الرد أصعب مما تصورته زينة ، إذ أن صديقتها كانت قد انفصلت عن زوجها ، وأنها ترزح تحت حمل من المشاكل لا حصر لها ، وقد نصحتها تلك الصديقة بقبول عرض داوود الشاطر، لأن القزع يود فعل ذلك بعد الإعلان أمام الملأ أن زينة مجنونة .
أخذت زينة تكرس كل وقتها للتفكير في هذه الرسالة ، كما أنها بعثت العديد من رجالها لكي يجوبوا القرى القريبة والبعيدة للتـقصي حول هذه المعلومة ، والتأكد من صحتها .
بعد أن رجع الجميع ، جلسوا على انفراد مع زينة دون أن يجلس أحدهم مع الآخر أو أن يعرفه ، فكان الإجماع واضحاً ان القزع يمهد لذلك ، وما هي إلا أيام ، وسيقولها صراحة بأن زينة مجنونـة ، وأن مكانها الطبيعي هو مستشفى المجانين .
كان القزع قد حسب ذلك جيداً ، فبعد الحجر على زينة ، كان سيستولي على كافة ممتلكاتها وثروتها ، إضافة على إمكانية إشهار وإظهار علاقته مع داوود الشاطر وآله .
لم تنتظر زينة طويلاً بعد أن حسبتها جيداً ، خاصة وأنها أصبحت متمكنة من كافة ضروب السحر وفنونه والتعامل معه الجان ، فبعثت بعض رجالها إلى داوود الشاطر ، ليخبروه أن زينة بنت سالم المناع توافق على عرضـه ، وأنها على استعداد للجلوس معه لإبرام الاتفاق أمام شهود .
أخذ داوود الشاطر بداية الأمر يشكو لرجال زينة عن الكساد الذي لحق بضائعه ومنتوجاته ، وخسارته جراء ذلك ، وعما يتعرض له في القصر . كما أخبرهم أنه يوافق على لقاء زينة في أي قرية تختارها . واتفق الجميع على اختيار القرية التي ستشهد اللقاء .
كانت قرية بعيدة جداً ، لا يصلها أحـد من الغرباء ، وقد اختير بيت قديم مهجور لذلك اللقاء .
وفي الوقت المحدد ، التقى داوود الشاطر مع زينة منفرديـن ، بينما كان رجال كل منهما ، إضافة إلى رجال مختار تلك القرية ، يراقبون الوضع عن كثب ، خشية أن يقترب راعي أغنام بغنمه من ذلك البيت المهجور .
وبعد ثلاثة أيام ، أعلنت زينة وداوود الشاطر ، أنهما اتفقا على المصالحة .
وصل الخبر إلى القزع ، فطار صوابه ، ولكنه حلف بالله العظيم أغلظ الأيمان أنه سيخرب على زينة ، ويمنعها من دخول القصر.
ولكي يصل إلى مبتغاه ، قام بزيارة إلى داوود الشاطر ، وأخذ يبكي أمامه كالطفل الذي فقد أمه .
– سيدي ، ماذا فعلت ؟
– ماذا فعلت ؟
– هل تصالحت مع زينة ؟
– نعم ، وماذا في ذلك ؟
– لقد دمرتني .
– أنت السبب.
– أنا لم أقصّر .
– لو استطعت قتلها ، أو على الأقل ، لو تمكنت من فرض الزواج عليها ، لوفرت علي الشيء الكثير .
– امنحني فرصة .
– منحتك فرصاً كثيرة ولم تفعل شيئاً .
– أرجوك ، امنحني الفرصة الأخيرة ,.
– لا أستطيع .
– ما الذي تغير ؟
– أوامر الشاطر الكبير .
– هل فعلها ؟
– نعم .
– ألم تخبره عما قدمته لكم من خدمات ؟
– إنه يعرف كل شيء ز
– وأين نصيبي من كل هذا ؟
– نصيبك محفوظ .
غادر القزع وهو لا يقوى على الحركة ، وأمر رجاله أن يقوموا بزيارات للقرى بأسرها ، ويشيعوا أن زينة باعت قصرها للشاطـر ، وأنها تريد الزواج منه ، وأنها فضلت الغريب على القريب .
وفي الليل اشتدت الحمى عند القزع ، وأخذ يهذي .
– لقد خدعوني ، لم أقصر معهم ، وفرت لهم ماءً لري مزروعاتهم ، وطردت زينة بعد أن عجزت عن قلتها أو الزواج منها ، وافتعلت الكثير من المشاكل والخلافات والفتن بين مخاتير القرى ، وقام رجالي بحرق بيادرهم ، وقمت بتحريض أبي جبار على جيرانه ووضعت راس أبي النسوان في الوحل ، وبعدها حرضت سكان قرية أبي جبار عليه ، وعاديت أم الفهد من أجل إرضاء داوود الشاطر .
استمر في هذا الهذيان حتى الصباح ، وكان وجهه شاحباً ، ومعنوياته في الحضيض . ومما زاد الطين بلة عنده أن رجال زينة قد مرّوا من قريته ، وتوجهوا إلى القصر لترتيب غرفة لزينـة.
أيقن القزع أن زينة فعلتها ، وأنها تغلبت عليه ، فجمع رجاله وأخبرهم أن عليهم مراقبة القصر والسفح جيداً ، وقال لهم :
– اسمعوا ، إني أفضل الموت على ان أرى زينة تسكن القصر.
– ماذا تأمرنا يا مختار ؟
– ليحمل كل منكم سلاحه ويرابط على قمة الجبل حتى آتيكم.
– ماذا يدور في رأسك يا شيخنا ؟
– غداً سيحصل خلاف بين زينة المجنونة ورجالها ، وهذا الخلاف سيزعج جارنا داوود الشاطر .
– وما لنا نحن ؟
– سنقتحم القصر ، ونقتل زينة ، ونطرد رجالها .
وقبل أن ينفض الاجتماع ، أمر كل واحد فيهم أن يذهب إلى المخازن ويأخذ كيساً من السكر ، وكيساً من الرز لأولاده ، ووعدهم بإعطائهم مبالغ طائلة من النقود في حالة تنفيذ أوامره .
بعد أن حمل الرجال عطايا القزع ، وأفرغـوها في بيوتهم ، توجهوا إلى قمة الجبل ينتظرون الإشارة من القزع.
مرت ليلة ، واثنتان ، وعشر ، ولم تحدث أية فوضى في القصر، الأمر الذي أزعج الرجال ، لأن القزع منعهم من مغادرة الجبل وبدل أن يسمعوا الصراخ ، عمت الزغاريد وقرع الطبول .
– هل تسمعون ؟ هل تسمعون ؟
– إننا نسمع زغاريد وقرع طبول .
– لقد فعلتها المجنونة .
– ماذا فعلت يا شيخنا ؟
– لقد تزوجت من الغريب . لأنه غريب قبلت به، أما أنا فقد رفضتني .
– دعها وشأنها يا شيخنا .
– والله ما أدعها وشأنها .
– دعها يا شيخ ، واسمح لنا بالذهاب إلى بيوتنا لرؤية نسائنا ، فنحن في ليلة جمعة .
– قاتلكم الله ، بماذا أفكر أنا ، وبماذا تفكرون أنتم .
– وعند منتصف الليل ، أحس القزع بقشعريرة تسري في جسده فطلب من بعض رجاله أن يحملوه إلى البيت ، وأن يذهب الباقي إلى بيوتهم .
وفي اليوم التالي جلس القزع مع إمام المسجد قبيل صلاة الجمعة ، وطلب منه أن يشهر بزينة ، وأن يحرض الناس عليها ، وطلب منه أن يخبر الناس أنها رفضت الزواج من الغريب داوود الشاطر بعد أن رفضت الزواج منه أو من غيره من المخاتير ، وقد وعده بوليمة ضخمة بعد الصلاة ، وبكيس من السكر ومثله من الرز .
تحمس إمام المسجد حماساً كبيراً بعد سماع القزع وهو يتحدث عن الوليمة والسكر والرز ، واعتلى المنبر ، وأخذ يصرخ بأعلى صوته :
– أيها الناس ، اقتربت الساعة وانشق القمر، إننا نعيش الأيام الأخيرة من عمر هذه الدنيا الفانية ، هذه الدنيا التي خلقنا الله فيها لعبادته وطاعته وامتثال أوامره، لا طاعة غيره، وامتثالاً لأوامر المخلوقات دونه وهو الخالق .
لقد حدث أيها الناس بالأمس أمر جلل ، وإني أعتبره وأيـم الله شارة قوية من شارات قيام الساعة ، وعلامة لا جدال فيها من علامات زوال هذه الدنيا الفانية ، إنكم تعرفون زينة بنت سالم المناع ، لعنة الله عليها ، لعنها الله ، إنها من المغضوب عليهم ، لقد تزوجت بالأمس من هذا الغريب الطماع الجشع الذي يدعى داوود الشاطر .
إن هذه المجنونة ، لعنة الله عليها ، لعنها الله أنى تؤفك ، قد عـصت الله ورسوله وأولي الأمر بعد أن رفضت الزواج من الشيخ القزع أو غيره من المخاتير ذوي الأصول والأحساب والأنساب الرفيعة التي بارك الله فيها ، لقد فعلت فعلة نكراء ، وأتت أمراً جللاً ، فبحها الله من امرأة فاجرة .
كان هم الشيخ أن يرضي القزع بأن يكيل ما شاء أن يكيله من التهم لزينة ، ليكسب رضاه ، ويسمح له بأن يأكل على راحته ، وأن يأخذ السكر والأرز ، ولهذا كان يقوم على المنبر ، ويسب ويشتم وعيناه على القزع حتى يرى علامات الرضا على وجهه.
انتهت الخطبة ، ونزل الخطيب من على المنبر ، وأم في الناس على عجل ، ونهض من مجلسه دون أداء صلاة السنة ، وصافح القزع قائلاً :
– هل أعجبتك الخطبة ؟
– لقد أبدعت .
غادر الشيخ المسجد متوجهاً إلى بيت القزع ليجد الوليمة في انتظاره .
لم يصبـر حتى يغسل يديه ، فقد جلس وأخذ يلتهم ما لذ وطاب دون أن ينبس ببنت شفة ، وما أن شبع حتى سأل عن الرز والسكر.

أرادت زينة أن تفضح كافة المخاتير بعد أن وصلتها أخبار القزع وما يشيعه عنها ؛ فتوجهت إلى إحدى الصحف الواسعة الانتشار ، ودفعت مبلغاً من المال لقاء نشر إعلان يقول : إن زينة المناع ، وبعد أن أصبح لها مكاناً في قصرها تبحث عن زوج ” رجل ” ، لا زوج ” ذكر ” فمن يجد في نفسه الكفاءة فليتقدم لطلب يدها ، وهي ستدفع له مهراً يساوي نصف ما تملكه .
مرت الأيام والليالي ، ولم يتقدم العريس المنتظر لخطبتها ، لكن المخاتير إياهم بعثوا رجالهم محملين بالهدايا والرغبات الحامية .

جن جنون القزع ، ولم يستطع الصبر أكثر من ذلك ، فلا هو قتل زينة ، ولا تزوجها ، وها هو يتقلى كحبة سمسم في صاج زيت على نار حامية .
وبينـما هو جالس وسط رجاله ، حتى وقف وطلب من أحدهم إعداد فرسه ، وأمر عشرة منهم بالاستعداد لمرافقته .
– خيراً يا شيخنا ، هل تنوي الحج هذه السنة ؟
– أنوي الحج ؟ من قال لكم ذلك ؟
– ولماذا طلبت تجهيز الفرس إذن ؟
– أريد زيارة داوود الشاطر لمسامحته .
– معقول ؟ قال الجميع بصوت واحد .
– لقد سامحته زينة وتزوجته ، فلماذا أعاديه أنا ؟
– إنه عدونا ، لقد حرمنا من الماء ، وحرق بيادرنا .
– دعوا الأمر لي .
– وبين مصدق ومكذب ، اعتلى القزع فرسه ، وتوجه ومرافقيه إلى القصر ليجدوا داوود الشاطر وأولاده وزوجته في استقبالهم وكأنهم على موعد .
– أهلاً بأخينا وصديقنا وحبيبنا وصهرنا القرع ، قال داوود الشاطر .
– لقد جاء اليوم الذي تزورنا فيه علانية دون خوف ، قالت زوجته :
– لقد استوت الأمور ، ووضعنا رأس زينة بنت سالم المناع في الوحل ، لقد قبلت بغرفة في القصر .
– إن الفضل كله يعود لك يا قزع لقد قمت بدورك الذي رسمناه لك خير قيام، وبالمناسبة أما زال أهل القرى يعتبرونك حفيد الولي الصالح ؟
– تصور، إنهم يتبركون مني . ويحضرون لي نصف محصول الموسم كل عام .
– وبالمناسبة أيضاً هل تزوجت من زينة ؟
– زينة ؟ أنا ؟ أنا أتزوج من زينة ؟
– لقد سمعنا الزغاريد وقرع الطبول .
– صحيح .
– ألم يكن بمناسبة الزواج منها ؟
– لا .
– ما المناسبة إذن ؟
– كنت أتوقع قدومك .
– اسمع يا أخي منذ هذه اللحظة ، سأعلن للجميع أننا أخوة ، لا عداء بيننا .
– ومنذ متى كنا أعداء لا سمح الله ؟
– هذا ما نعرفه أنا وأنت ، أما أهل القرى فإنهم يعرفون غير ذلك .
– شاطر من ظهر شاطر .

عاد القـزع إلى قريته ، وتوجه إلى خطيب المسجد ، وقدم مبلغاً من المال ، وأهداه عدة أكياس من الرز والسكر ، وطلب منه أن يشيد بزيارة القزع للشاطر ، وأنها جاءت لمنع الشاطر من حرمان أهل القرية من الماء ، وحماية للبيادر ، حتى تتمكن العصافير وبقية الطيور من التقاط حب القمح لتغذية نفسها وفراخها .
وفي اليوم التالي اعتلى الإمام المنبر وقال :
– الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، هو ولينا وهادينا ومانحنا النعم، ومن أكبر هذه النعم ، العقول لنفكر ونتدبر أمورنا في هذه الدنيا الفانية .
أما بعد أيها الناس ، لقد ذهب شيخكم ومختاركم وولي نعمتكم القزع إلى جارنا وحبيبنا داوود الشاطر ، وسامحه لأن السماح من طبع الملاح ، ولا يجوز لمخلوق أن يخاصم مخلوقاً ، ورجع من عنده بوعود كثيرة ، منها السماح لكم باستغلال مياهكم لري مزروعاتكم ، والكف عن حرق بيادركم ، وعدم التعرض لأطفالكم…
إن ما قام به القزع جاء نتيجة لفعلة زينة بنت سالم المناع القبيحة التي أصبحت تسكن مع غريب في بيت واحد دون محرم ، وقد رأى شيخنا وولي نعمتنا القزع ، أنه بعد أن سامحت زينة الداوود الشاطر ، فلا داعي لإطالة الخصام معه ، حتى نتفرغ لحرث أراضينا وزراعتها .
لقد ضحى القزع كثيراً من أجل زينة ، وها هي تنكر المعروف ، وتبتعد عنه . تصوروا أيها الأخوة أنها فعلت فعلتها دون مشاورة ولي نعمتنا وحبيبنا وحكيمنا القزع ، وبناء عليه ، اشهدوا أن لا لوم بعد اليوم عليه في ما يفعل .
كان القزع جالساً في الصف الأول ينظر إلى الإمام وهو يخطب بالمصلين ، وكأن الدنيا لا تسعه ، وكان يطيل النظر في وجوه البعض المعارضين لزيارة القزع العلنية . ولسان حاله يقول لهم :
هذه فتوى من الإمام .
أنهى إمام المسجد الخطبة ، ورفع يديه إلى السماء ، ودعا بطول العمر والسلامة للقزع ، ونزل وأم بالمصلين ، وغادر مع القزع إلى بيته حيث الوليمة تنتظره .
لم يقتنـع أهل القرية بصحة ما قام به القزع ، بالرغـم من أن إمام المسجد قد أفتى بجواز فعلته من على منبر رسول الله .
– أقسم بالله العظيم وأنا في أحد بيوت الله ، أن قزعكم هذا يمت إلى آل الشاطر بصلة ، قال أحدهم .
– البعرة تدل على البعير ، والخطوات تدل على المسير .
– ويقولون أن الشاطر كان عدواً لهم .
– سأقول لكم قصة سمعتها قبل حوالي أربعين عاماً .
– تفضل .
– يقال أن شخصاً اسمه محمود الأشوح ، كان يقوم بزيارة داوود الشاطر ، وذات ليلة تصادف وجوده هناك مع وجود القزع .
– وماذا حصل ؟
– بعد أن عاد الأشوح إلى زوجته ، أخبرها أن اولاده سيعيشون أيتاماً .
– وبعد ذلك ؟
– استغربت زوجته مما قاله ، لأن صحته كانت جيدة ، فسألته عن سبب هذا الشعور فأخبرها بما حصل معه في ليلته الماضية، تلك الليلة التي التقى فيها بالقزع في منزل الشاطر.
– وهل مات حقاً ؟
– نعم .
– كيف ؟
– في زيارة لاحقة مكث الأشوح فترة من الوقت عند الشاطر ، وأثناء عودته قتل في الطريق .
– ومن قتله يا ترى ؟
– رجال القزع .
– ومن أخبرك أنهم رجال القزع ؟
– أخوه .
– وكيف عرف ؟
– كان يرافقه أثناء الزيارة .
وصل ما قاله الناس في المسجد إلى القزع ، فتضايق كثيراً لأن الناس كشفوا حقيقته ، فأراد أن يخرسهم ، ومن أجل ذلك أمر رجاله بالذهاب إلى المسجد وقت العصر ، وبعد الصلاة ، وقف أمام الناس مهدداً ومتوعداً :
– يبدو أن الفئران خرجت من أوكارها ، وأن ألسنة البعض قد طالت أكثر من اللازم ، وإني كفيل بقطعها ، إن البعض قد نسي أو تناسى أنني انا الذي بنيت لكم هذه القرية ، وأنني أنا الذي جعلت منكم بشراً بين الناس ، ومع هذا تتطاولون علي، وتتهمونني بأنني من آل الشاطر ، وهذه التهمة أعتز بها لأنها الحقيقة ، ومنذ هذه اللحظة من أسمعه يتعرض لآل الشاطر بسوء، أو يمتنع عن شراء بضائعهم أو مصافحتهم ، فسيكون عقابه أسوأ مما يتصور ، نحن عائلة واحدة، من رضي بذلك فليبق معنا في القرية ، ومن لا يعجبه ذلك ، فليغادر .
بعد أن أبلغ القزع هذه الرسالة إلى أهل القرية غادر إلى بيته وأوعز لرجاله أن يتفحصوا وجوه الجميع وأن يدخلوا السجن من يشكون في ولائه .

شاع خـبر زيارة القزع العلنية إلى داوود الشاطر فتفتقت الألسنة والأذهان عن حكايات قديمة ، مثل حكاية محمـود الأشوح ، وكانت أم الفهد أكثر الناس تأثراً من فعلته ، حيث لم تعد الدينا تسعها ، وبسبب ذلك ، حدثت مشاكل بينها وبين القزع ، وتبادل الاثنان الاتهامات ، وكان القزع صريحاً مع أم الفهد حيث قال لها إن سبب غضبها ناجم عن رغبتها في الزواج من الشاطر داوود .
– كفى يا أم الفهد ، كفى .
– لقد كنا نعرف حقيقتك ، ومع هذا لم نفعل شيئاً .
– وماذا تستطيعون ؟
– لماذا سامحت الشاطر ؟
– إنه لم يفعل شيئاً .
– وزينة ؟
– منذ متى كنت تحبين زينة ؟ ألم تفعلي بها العجائب ؟
………………. ؟
– إنني أعرف سبب موقفك هذا .
– وما هو يا قزع ؟
– إنك ترغبين في الزواج من الشاطر .
– نعم .
– لم لا تتزوجينني ونصبح أهلاً .
– لا تصلح لي يا قزع ، فالأمراض والعلل تنخر جسمك .
– إنني أتداوى وسأشفى .
– أريد أن أصبح زوجة لا ممرضة .

بعد ذلك توجهت أم الفهد إلى القزع ، فلاقاها غاضباً معاتباً :
– أم الفهد ، لم أتوقع منك ذلك .
– وهل خالفت لك رأياً ؟
– لقد تأخرت بالمجيء إلي
– يكفيك من زاروك من قبلي .
– أنت الأهم يا أم الفهد .
– والقزع .
– قلت لك أنت الأهم ، فلنتفـق الآن ونعمل معاً في وضح النهار فالموسم لم يعد بعيداً .
– أنا موافقة .
– وأنا جاهز .
اتفق داوود الشاطر مع أم الفهد على عدم التظاهر بالعداء ، وعدم الإيعاز لرجالها بحرق البيادر وتخريب المزروعات ، كما اتفقا على الأصناف التي سيقوم كل واحد منهما بزراعتها ، إضافة إلى أن الشاطر وعد أم الفهد بأن يقـدم لها أنواعاً جديدة من المزروعات النادرة التي تدر ربحاً وفيراً .

لم تختف حالة العداء بين داوود الشاطر وزينة بينت سالم المناع خاصة بعد أن سامحه القزع وأم الفهد ، وتهافت مخاتير كافة القرى على طلب الصفح منه ، فأخذ يساومها .
فكرت زينة ملياً بهذا الوضع الجديد ، ورأت أن عليها اتباع نفس أساليب الشاطر ، فتظاهرت بأنها توافق على كل ما يطلب ، وأنها سوف لن تنافسه في الموسم القادم ، ولكي يطمئن إليها أكثر ، طلبت منه إخبارها بالأنواع التي لا يتوجب عليها زراعتها ، فأخبرها .
وعند ذلك ، جمعت زينة رجالها ، وطلبت منهم جمع أكبر قطيع من الذئاب والكلاب ، وتربيتها في سفح الجبل دون أن يحس بهم أحد ، كما طلبت من آخرين الاعتناء بآلاف من الفئران البيضاء ، ومن ثم إطلاقها في مزارع الشاطر قبيل الموسم وهكذا ؟ أما الكلاب والذئاب فلتبق حتى وقت متأخر من السنة .
كانت مزروعات داوود الشاطر تبشر بخير وفير ، وكعادته قبيل كل موسم ذهب الشاطر إلى القرى ، واتفق مع مخاتيرها لبيعهم محاصيله ، وقبض الثمن نقداً وسلفاً مثل كل مرة ، مع أنه كان في المرات السابقة لا يفـي بوعده لهم . ومع هذا لم يجـرؤ أحد على مطالبته بما دفعوه له .
استعد رجال الشاطر لقطف الثمار وجمعها ، ومن ثم إرسالها إلى القرى ، وفي الصباح أخذ الشاطر يضرب بيديه على رأسه .
إنها الفئران ، إنها الفئران ، من يجرؤ على ذلك ، لقد انتهيت من خلافي مع زينة ، وها هي الفئران تأكل مزروعاتي .
لم ييأس داوود الشاطر ، فقد ذهب إلى المدينة ، وأحضر سموماً وأدوية خاصة لمقاومة الفئران والحشرات . واستعد للموسم القادم ، وباشر رجاله بالزراعة .

لم يقتنع مخاتير القرى بما أخبرهم به داوود الشاطر عن خراب موسمه ، ولم يصدقوا أن الفئران جاءت من السماء .
– يا داوود إن السماء لا ترسل فئراناً بيضاء .
– وهل أنا غبي إلى هذه الدرجة حتى أقول ذلك ؟
– إذن ، هل تستطيع إخبارنا من اين أتت هذه الفئران ؟
– من السفح ، إنه مليء بالغابات والصخور والكهوف .
– وزينة ، هل نسيتها .
– لا ، لم أنسها ، لقد اتفقت معها على كل شيء .
– كل شيء .
– نعم، اتفقت معها على ما تزرعه هي وما أزرعه أنا، كما أننا اتفقنا على عدم قيام أحدنا بتخريب مزروعات الآخر .
– هل أنت مقتنع أنها ستنفذ الاتفاق ؟
– لقد أقسمت على ذلك .
– وصدقتها ؟
– لا أظن أنها ستفعل شيئاً يلحق بي الضرر .
– إنها زينة ، وإننا نقسم على ذلك .
– إنني أعرف لماذا تحقدون عليها .
– لماذا ؟
– لأنها رفضت الزواج منكم .
– أحس مخاتير القرى أن الشاطر قد وجه إلى وجوههم صفعة قوية بيديه الملطختين بروث البقر، ولكنهم لم يقووا على قول كلمة واحدة له ، سوى أنهم طلبوا منه أن يعود إليهم قبل الموسم القادم .
– والموسم السابق ، ماذا أفعل به ؟
– لقد دفعنا لك ثمن المنتوجات كالعادة ، ولم نتسلم منك شيئاً .
– وما ذنبي أنا ؟
– ماذا تريد ؟
– التعويض عن الموسم السابق .
– على الفور ، دفعوا له مبلغاً كبيراً من المال ، وغادر إلى القصر .
– استمرت زينة في مقارعة داوود الشاطر، دون أن يدري أنها وراء كل خسارة يتعرض لها . وهذه المرة لم ترسل له الفئران لأنها علمت أنه اشترى سموماً وأدوية خاصة لمقاومة الحشرات والقوارض ، بل عمدت إلى السحر والجان.
كان كلما فتح القنوات لري مزروعاته ، واطمأن لجريان الماء فيهـا ، يعود لبيته هو ورجاله ، ثم يتوقف جريان الماء بعد ذلك مباشرة ، إضافة إلى إرسال بعض الذئاب للعبث في المزارع .
فقد الشاطر صوابه ، ولم يدر بخلده أن زينة وراء كل ذلك ، بل لم يفكر مطلقاً بالسحر ، فما كان منه إلا أن يصدر أوامره لرجاله بـأن يسهروا لمراقبة الوحوش ، وإطلاق النار عليها .
كانت زينة تعلم بكل ما يدور بينه وبيـن رجاله ، وكانت بسبب ذلك قادرة على إفساد كل خطة يضعها .
وفي ذات ليلة ، وبينما كانت المياه تجري في القنوات ، والفرحة تسري في نفوس الرجال لأن الوحوش لم تأت ، كانت المياه التي تأتي من المواسير تغلي وكأنها كانت في مرجل .
وفي الصباح أخذ الشاطر ورجاله يستعدون لقطف الثمار في فـرح ، صعقوا لما وجدوا المزروعات ذابلة ، ولا تصلح ثمارها للتصدير .
– أنتم السبب يا كلاب .
– لم نفعل شيئاً .
– بل فعلتم كل شيء .
– نقسم على أننا لم نفعل شيئاً ، والوحوش لم تقترب من المزروعات والثمار أبداً .
– الشيطان لم يفعل فعلتكم .
– نحن لم نفعل شيئاً .
– أنا لا أتحدث عن الجميع ، بينكم من يعمل لتدميري .
أخذ الشاطر يضرب رجاله دون رحمة أو تمييز ، متهماً إياهم بأنهم وراء كل محاولة لتخريب موسمه ، وكعادته ذهب إلى المخاتير ، وقبض منهم تعويضاً عن خسائره ، وكأنهم المسؤولون عن الدمار الذي حل به وبمزروعاته .

وفي ذات يوم حضر القزع لزيارة الشاطر ، ولمواساته بموت أحد أولاده ، وكان بصحبته إحدى زوجاته ، وكان شديد التأثر ، وكذلك زوجته التي بدت وكأن المتوفى من بقية اهلها .
وأخذ يتخبط ويضرب رأسه في الحائط .
أخي وصديقي قد مات ، وماتت أحلامي معه ، يا ويلي ، يا لحظي التعس ، إنه الوحيد الذي وعدني بطرد زينة من القصر ، آه يا حظي السيء .
كانت زينة تراقب الوضع من شباك غرفتها بدقة ، ولكي تزيد النار اشتعالاً عند القزع ، غادرت غرفتها لتعزية الشاطر بوفاة ولده ، مما زاد الأمر سوءاً عند القزع .
بعد أن قام القزع بواجبه على أكمل وجه عند الشاطر . طلب منه الإذن بزيارة زينة ، سمح له الشاطر بذلك ، ولم تمانع زينة ، بل استقبلته ، ولكن استقبالها كان فاتراً ، بل وينم عن قرف واضح .
– مبروك يا زينة ؟
– على ماذا تبارك يا قزع ؟
– أصبح لك مأوى .
– أنت تعرف أن القصر كله لي .
– أراك غير مسرورة .
– وهل تقرأ الغيب يا قزع ؟
– إن قسمات وجهك توحي بذلك .
– وبماذا أوحت لك قسمات وجهي أيضاً ؟
– إنها تشير إلى شيء من اليأس أو الامتعاض أو …
– الحمد لله على كل حال .
– اسمعي يا زينة ، أنا طوع أمرك ورجالي كذلك .
– طالما أنت ورجالك بعيدون عني فأنا بخير .
– سامحك الله يا زينة .
– ليسامح الله الجميع .
– أراك ما زلت حاقدة .
– الآلام والليالي السود لا تنسى يا قزع .
– أقسم أني كنت مأموراً .
– وحاولت قتلي بعد أن بعت قصري ومزرعتي .
– نحن أولاد اليوم .
– لا فرق بين الأمس واليوم عندي ، فكلها أيام من عمري..
– أرجوك أن تنسي ما فات يا زينة .
– ما الذي تريد أن أنساه ؟ وما الذي تريدني أن أذكره ؟ أخبرني إن كنت قادراً على الإجابة، أو ذكرني بمكرمة لك أو فعل حسن .
– والآن ؟
– عليك أن تعرف أني لست سهلة . ولا قاصرة .
– اسمعيني يا زينة ، لنتزوج الآن ، ولنبدأ صفحة جديدة .
– سأتزوج .
– هل وافقت ؟
– على ماذا ؟
– على الزواج مني ؟
– وهل قلت ذلك ؟
– ماذا تعنين ؟
– إن ما عنيته هو أنني سأتزوج فور عثوري على زوج رجل.
– وهل أنا لست رجلاً ؟ لقد تزوجت نساء عديدات ، وأنجبت الكثير من البنين والبنات .
– أنت ذكر يا قزع ، ولكنك لست رجلاً .
– ما الفرق بين هذا وذاك ؟
– الفرق كبير .

أيقن القزع أن لا فائدة مع زينة ، فآثر العودة إلى قريته ، ووجد أن الأمور ليست على حالها ، إذ أن بعض أبقاره وأغنمه وخيوله قد نفقت دون أن يعرف كيف ، وكذلك دبت النار في بيادره الخاصة به .
رجع بذاكرته إلى ما قيل في المسجد يوم الجمعة ، ولكنه تذكر أيضاً أن رجاله قاموا بواجبهم .
جمع رجاله على الفور وأخذ يتحدث لهم عن الفوائد التي سيجنونها من آل الشاطر إذا ما سارت الأمور كما يجب . وكذلك حذر من عواقب الأمور إذا ما خالف أهل القرية أوامره . وبعد ذلك تعرض لموت أبقاره وخيوله وأغنامه وحرق بيادره الخاصة .
– اسمعوني جيداً ، أنا ما زلت قوياً ، وأستطيع حرق القرية بأكملها لا رحمة عندي ولا شفقة .
– نعرف ذلك يا مختار .
– من تجرأ على فعل ذلك ؟ أخبروني .
– إنه هو ، لا أحد غيره .
– من هو ؟
– ذو اللسان الطويل .
– ذو اللسان الطويل ؟
– نعم .
– ناكر الجميل ؟
– نعم .
– ولماذا ما زال طليقاً ؟
– ننتظر أوامرك .
– ليوضع في السجن ، ويحاكم بعدها بتهمة إطالة اللسان ، وانتهاك قانون العيب الذي وضعته .
لم تمض ساعات حتى أصبح ذو اللسان الطويل في بيت خالته ويقبع في غرفة ضيقة دون شفقة أو رحمة .

بدون سابق إنذار فوجئت زينة بأم الفهد تأتي لزيارتها ، استغربت زينة من هذه الزيارة ، ولكنها لم تظهر امتعاضها ، بل رحبت بها:
– أهلاً بأم الفهد .
– أهلاً يا زينة .
– تفضلي .
– شكراً يا زينة .
جلست أم الفهد وأخذت عيناها تتجولان في أرجاء الغرفة . وترمقان زينة بنظرات خبيثة .
– خيراً يا أم الفهد .
– الله يديم الخير عليك يا أختي ، ألا ترين أن الغرفة صغيرة ؟
– من صبر نال يا أم الفهد ، هذا ما حصلته بذراعي .
– ماذا تقولين يا زينة ؟
– ما سمعته يا أم الفهد .
– كلنا كنا معك يا زينة .
– بل الصحيح كلكم كنتم ضدي .
– وأنا أيضاً ؟ هل نسيت ايام السفح وغيرها ؟
– كل شيء بحسابه يا أم الفهد .
– هل جننت يا زينة ؟
– صدقيني أنني الآن في لحظة صفاء ذهن كاملة .
– سامحك الله يا زينة .
– إن كنت مخطئة .
ظهرت سحابة من التوتر بينهما الأمر الذي جعل نقاشهما يبدو حاداً إلى درجة أن صوتهما وصل إلى مسامع داوود الشاطر .
– اسمعي يا زينة ، أريد أن أقول لك شيئاً .
– تفضلي يا أم الفهد .
– إن كل ما حصل معك لم يكن ليحصل لولا عنادك .
– أنا عنيدة يا أم الفهد ؟ وهل من يطالب بحقه عنيد ؟
– مقدر ومكتوب يا زينة ، قلت لك ذلك منذ البداية ولكنك لم تفهمي قصدي .
– لقد فهمته وعملت على ذلك الأساس .
– لكن ماذا أخذت في النهاية ؟ غرفة مثل هذه ؟
– وهل كنت تريدين أن لا أحصل على شيء ؟
– لو صبرت قليلاً لأخذت أكثر .
– هلا أوضحت يا أم الفهد .
– لو صبرت معي لأخذت نصف القصر .
– جاء كلام أبي زبيبة .
– أنا أختلف عن أبي زبيبة يا زينة .
– بماذا تختلفين ؟
– أنا أقوى منه وكلمتي مسموعة عند آل الشاطر القريبين والبعيدين .
عدلت زينة من جلستها وأرادت أن تحسم الأمور مع أم الفهد .
– اسمعي يا أم الفهـد ، كلكم تبحثون عـن مصالحكم . أنت مثلاً كنت تودين الزواج من داوود الشاطر كي يكتب لك جزءاً من أملاكه .
– أنا يا زينة ؟
– نعم أنت ، والقزع كان يريد الزواج بي كي أتنازل له عن كل ممتلكاتي وثروتي ويبيعها مرة أخرى لداوود الشاطر .
– أرى أنك حاقدة يا زينة .
– فسري الأمور كما تشائين .
– زينة ، عنادك لن يفيد .
– لست عنيدة .
– بل أنت كذلك يا زينة ، ولقد غاب عن بالك أن داوود الشاطر كسب الجولة .
– أنتم سهلتم له كل السبل .
– أنا مظلومة يا زينة .
– بالمناسبة هل رأيت صديقتك ؟
– لم أرها منذ مدة .
– هل اختلفتما ؟
– لقد انفصلت عن زوجها .
– ألم تزوريها ؟
– لم يعد بيني وبينها أية علاقة .
أرادت زينة أن تعري أم الفهد حين استرسلت في الحديث عن صديقة أم الفهد :
– هل تعلمين سبب خلافها مع زوجها ؟
– لا ، لم تخبرني .
– ولكنها أخبرتني أنك تعرفين كل شيء .
– أنا ؟
– نعم ، لقد قالت لي ذلك .
– ماذا قالت لك ؟
– أخبرتني أن آل الشاطر لهم ضلع في انفصالها عن زوجها.
– معقول !
– هذا ما أخبرتني به .
– وماذا بعد ؟
– يبدو أن آل الشاطر يريدون تزويجها لواحد منهم .
– ما الذي تقولينه ؟
– كل شيء انتهى ، وأعتقد أنك تعرفين كل شيء .
– أقسم أنك تظلمينني .
– لم أظلم أحداً في حياتي ولكني أؤكد لك أنك تعرفين كل شيء ولا أكتم إن قلت لك أن لك ضلعاً في ذلك .
– لقد زادت الأمور عن حدها .
– هل تريدين المزيد ؟
أحست أم الفهد بأن الدنيا تدور بها ، وكأنها قشة في بحر أصابه دوار قوي .
– وماذا عنك أيضاً ؟
– لقد قمت بتهريب أسرار زراعة صديقتك لآل الشاطر .
لم تعد أم الفهد قادرة على احتمال المزيد من إهانات زينة لها فأخذت تصرخ :
– ليعلم الجميع أن مصلحة بناتي ومستقبلهن أهم من كل شيء .
ضحكت زينة وقالت بخبث :
– ولهذا كنت تتصرفين مع أبو جبار ، وأبو النسوان وأبو لفة والقزع .
– نعم لا أنكر .
أرادت زينة أن تمارس هوية التعرية لدى أم الفهد حيث أخذت تنبش في الماضي :
– أخبريني يا أم الفهد، لماذا وقفت مع أبي لفة ضد أبي الجبار؟
– وهل تريد هذه المسألة ساحراً مغربياً؟ كان أبو جبار يريد سرقة بناتي مني لتزويجهن من أولاده فرفضت .
– ولماذا رفضت يا ترى ؟
– أوامر آل الشاطر .
– صدقت يا أم الفهد .
– وكذلك حكاية أبي النسوان ؟
– لقد دفعوا لي الكثير .
– من ؟
– آل الشاطر وأبو النسوان .
– لكن حسب علمي أن أبو النسوان لم يدفع لك كل ما اتفقتما عليه ؟
– ومن قال ذلك ؟
– أعرف كل شيء يا أم الفهد .
دارت الدنيا بأم الفهد ثانية ولم تعد قادرة على سماع أية كلمة تقولها زينة بنت سالم المناع ، فاستأذنت بالانصراف . لم تمانع زينة بذلك حتى أنها لم تنهض لوداعها على الباب .
غادرت أم الفهد غرفة زينة وتوجهت إلى الباب الثاني حيث مدخل داوود الشاطر .
كان داوود الشاطر ينتظرها على الباب . لأنه كان على يقين بأنها ستزوره :
– أهلاً بأختنا أم الفهد ، اهلاً .
– أهلاً بك .
– الحمد لله الذي جاء اليوم وأصبحتم تزوروني فيه علانية وفي وضح النهار.
– لقد جاء هذا اليوم .
– جهودكم مشكورة يا أختنا ، ها كيف رأيت زينة ؟
– قاتلها الله ما أعندها ، أنا لست مصدقاً كيف سمحت لها بالغرفة !
– أوامر كبير العائلة ، الشاطر الكبير .
– قاتله الله ، لقد قلب كل حساباتنا رأساً على عقب .
– لا أدري ماذا يخبئ لنا من مفاجآت أيضاً .
– هل تخاف منه يا داوود ؟
– أكون حماراً إن قلت لك أنني لا أخاف منه .
– ألهذه الدرجة ؟
– بلى ، ولكن أقسم بالرب أنني سأنسفه إن وقف في وجهي ، وسأجعل رأسه يدك بعصي أصدقائي الجدد .
– يبدو أنك تدبر أمراً .
– نعم .
– ما هو ؟
– أصبح الشاطر الوكيل يشكل خطراً علي ، فلذلك كان لابد من فتح أسواق وأصدقاء جدد لي .

شهد هذا اليوم زيارات كثيرة لداوود الشاطر ، فبعد أن زارته أم الفهد غادرت إلى قريتها ، وصل القزع ، وكان متجهم الوجه .
– ما بك يا أخانا ؟
– الأمور لم تعد تطاق .
– هلا أفصحت ؟
– أبو جبار .
– ما به ؟
– لقد طفح الكيل .
– هل تريد المساعدة ؟
– بالتأكيد .
– ماذا تنوي بالضبط ؟
– أريد ضم قريته لي .
– بالنسبة لي أنا لا أمانع وأنت تعرف .
– وماذا بالنسبة للشاطر الكبير ؟
– الظاهر في الأمور أن الخلاف بينهما مازال، فبالرغم من سد منافذ قريته وقطع المياه عنه ، إلا أنه ثبت لنا أنه بدا يزرع بكثرة وأخذ يحفر الآبار الارتوازية .
– أعرف ذلك .
– وسأزيدك من الشعر بيتاً أنه بدأ يفتح أسواقاً جديدة رغم كل ما فعلناه به .
– ولهذا أريد أن أقطع الطريق عليه .
بعد ذلك أخذ داوود الشاطر والقزع يخططان لكيفية ضم قرية ابي جبار للقزع .
– اسمع يا داوود، إنك تعرف أن الكذبة التي أشعناها بين سكان القرى ، وهي أني حفيد الولي الصالح قد انطلت عليهم .
– الحمد لله .
– ولهذا، فإنهم في تلك القرية متحمسون جداً لأن لهم علاقة مع أحفاد ذلك الولي .
– إنك تعرف من اين تؤكل الكتف .
– سأعزف على هذا الوتر .
– أتمنى لك النجاح .
وعلى الفور غادر القزع إلى قريته ، وجمع رجاله المقربين وأطلعهم على الخطة وأخبرهم أن داوود الشاطر موافق عليها ، وبعد ذلك ، قام بإرسال رجاله المخلصين إلى تلك القرية متخفين بزي رعاة أغنام وبائعي حليب ، وأخذ يتصلون بالناس في قرية أبي جبار .
وبعد أسبوع ، عادوا إليه يحملون تحيات السذج الذين قابلوهم ، طار القزع فرحاً ، وغادر قريته متجهاً إلى داوود الشاطر ليخبره بكل ما حدث ، ولم يكن داوود الشاطر اقل فرحاً من القزع ، إذ وعده بالطلب من الشاطر الكبير الاشتراك في الهجوم ، وقتل أبي جبار .
لم تمض أيام حتى اصبحت الخطة جاهزة .
– اسمع يا قزع، إنك تقول أن رجالك حددوا المزارع التي يقوم أبو جبار بزراعتها ، وكذلك الآبار الارتوازية .
– صحيح .
– سيقوم هؤلاء الرجال بتخريب المزروعات وتسميم الآبار ، وبعد أسبوع نقوم نحن بالهجوم على القرية .
– اتفقنا .
غادر القزع إلى قريته وجمع رجاله المقربون مرة اخرى وأمرهم بالتوجه إلى قرية أبي جبار سراً لتنفيذ المهمة .
ركب الرجال المكلفون بهذه المهمة خيولهم ليلاً ، وتوجهوا إلى حدود القرية ونفذوا ما كلفوا به دون علم أن الآبار لم تكن سوى برك عميقة للتموين والمزارع ، إنما كانت نباتات برية .
كان رجال أبي جبار يراقبون الوضع جيداً ، وقد ضحكوا إلى حد القهقهة وهم يخبرون أبو جبار بفعلة رجال القزع .
بعد أن عاد القزع وأخبروه بأنهم نفذوا المهمة ، قام بزيارة إلى داوود الشاطر ليبلغه بدوره بذلك ويتفقا على ساعة الصفر .
وبعد أسبوع بالتمام والكمال قام رجال الشاطر والقزع بمهاجمـة قرية أبي جبار وكلهم أمل بالسيطرة عليها .
كان رجال أبو جبار جاهزين للمواجهة ، حيث صدوا ذلك الهجوم وجردوا المهاجمين مما كان بحوزتهم من ماء وغذاء ، الأمر الذي اضطرهم للشبر من البرك المسمومة الأمر الذي قضى على معظمهم ، وعاد من بقي منهم حياً يجر الخيبة وراءه .
جن جنون القزع وآل الشاطر وقرروا أن يقوموا بهجوم آخر بعد أن يحرقوا قرية ابي جبار بمن فيها .

أخذت الأمور تتكشف رويداً رويداً في كافة القرى – وخاصة قرية القزع – بعد وضع طويل اللسان في السجن ، وتهديد الجميع بنفس المصير إذا ما تطاول أحدهم على القزع ، أو على أي من آل الشاطر ، خاصة بعد أن سمح القزع لآل الشاطر بزيارة القرية وشراء أراضيها .
لم تتجاوب القرية معه ، إذ أخذ الناس بعد الصلاة في المسجد ، وعلى البيادر في الحقول ، وحتى النساء وهـن يملأن جرارهن ماء من الآبار ، يتحدثون عن علاقة القزع بالشاطر ، وأن هذه العلاقة تعود إلى عشرات السنين ، وان القزع تآمر على زينة وباع قصر أبيها وأراضيه لآل الشاطر .
كان رجال القزع المخلصون المنتشرون في كل مكان، يوصلون له الأخبار أولاً بأول . وبسبب ذلك أحس بأن القرية ستنقلب عليه يوماً ما ، ولذلك لجأ إلى آل الشاطر الذين نصحوه بأن يعمل على تأديب أهل قريته ، حتى لا يفكروا بقتله .
كانت الخطة التي وضعها آل الشاطر للقزع بأن يتم وضع السموم في الآبار ، الأمر الذي أدى إلى موت ثلث سكان القرية دون أن يكتشف السر ، وكذلك قام رجاله بسرقة ممتلكات الناس وحرق بيادرهم وتخريب مزارعهم .
ذهل أهل القرية مما حدث لهم ، فتوجهت جماعة منهم للقزع لطرح المشكلة أمامه ، عله يجد حلاً ، وكعادته سمع القزع لهم كل ما قواله ووعدهم خيراً .
طالت الأيام ، ولم يحرك أحد ساكناً ، فاتفق أهل القرية على أن يتناوب الشباب القادرون على حراسة آبارالمياه والمزارع والبيادر والحقول .
وذات ليلة ، وبينما كان ثلاثة شباب يرابطون بالقرب من البئر ، اقترب رجل ملثم وبيده قارورة ، وحاول فتح البئر الذي كـان مقفلاً ، فلم يستطع ، وبعد أن أراد الرجوع من حيث أتى ، ولكنه فوجئ بالشباب الثلاثة يقطعون عليه الطريق بصورة مباغتة ، ويطرحه أحدهم أرضاً .
حاول الشاب الثاني أن يضرب رأسه بالنبوت ، ولكنه صرخ فيهم أنه عبد مأمور ، ولا دخل له .
– أخبرنا يا جبان ، من كلفك بتسميم البئر ؟
– أخبركم شرط ان لا تنقلوا على لساني شيئاً .
– نعدك .
– إنه القزع .
– القزع ؟
– نعم ، إنه القزع ، وهذه ليست أول مرة نقوم فيها بالتخريب وتسميم الآبار .
– ولماذا يفعل ذلك ؟
– بناء على نصيحة من آل الشاطر .
– هكذا إذن .
– نعم .
تم تربيط الرجل الملثم ، وعادوا به إلى القرية، واجتمع الناس في المسجد وعلموا بالحادثة ، وفي الصباح توجهوا إلى القزع وأخبروه أنهم وجدوا رجلاً من قرية قريبة يريد تسميم البئر .
دارت الدنيا بالقزع ، وأحس بأن صخرة كبيرة وقعت على رأسه ووعدهم بإجراء تحقيق مع ذلك الرجل الجاسوس ومحاكمته لدى قاضي القرية ، وطلب منهم رؤية الرجل لكنهم رفضوا ذلك وأخبروه أنه سيراه عند القاضي .
لم يستطع القزع إخفاء ثورة الغضب فأخذ يصرخ فيهم .
– أنا المختار ، وأنا إمام المسجد ، وأنا مأمور الضرائب ، وأنا القاضي .
– ألم تقل يا مختار أنك ستحقق في الموضوع ، وتعرض الأمر على القاضي .
– لا أنكر .
– ونحن لا نعترض .
– أريد رؤية الرجل الآن .
كان القـزع معتاداً على مثل هذه الموقف ، فكان كل ما تأزم الوضع في القرية يتقمص دور النساء ويجهش بالبكاء ، فيضعف أمام بكائه أهل القرية .
وعندما لم يتجاوبوا معه ، أخذ يجهش بالبكاء مثل امرأة فقدت زوجها الفحل لتوها ، وأيقنت أنه الذكر الأخير في هذا العالم .
ونظراً لسذاجة أهل القرية ، فقد ضعفوا أمامه ، وأمروا الشباب الثلاثة بإحضار الرجل الملثم .
صعق القزع عندما رأى أحد رجاله المخلصين مقيداً بالحبال ولكنه كتم غيظه وأخذ يضرب الرجل بنفسه وهو يبكي ويقول له :
– يا خسيس كم دفع لك أبو جبار ؟ كم دفع لك أبو النسوان؟ كم دفع المجنون؟ كم دفعت لك أم الفهد؟ كم دفعت لك زينة بنت سالم المناع ؟
وأثناء ذلك كان يسأله :
– هل أخبرتهم شيئاً ؟
– لا يا سيدي .
وعندها أحس القزع بارتياح لدى سماعه ذلك ، وواصل بكاءه أمام أهل القرية ، وأخبرهم أنه سيذبحه بنفسه ، وبالفعل أفاق الناس ، ووجدوا الرجل مقتولاً وملقى على مزبلة القرية .
لم يشعر أهل القرية السذج بالرضى عن قتل الرجل ، لأنه عبد مأمور، فتوجهوا إلى القزع ، وطالبوه بعرض الأمر على القاضي، ولكنه رفض وطرد أهل القرية بعد أن وبخهم .
أخذت القلائل تعم قرية القزع ، وكانت البداية انهيار بيته دون أن يعلن عن السبب ، وجفت المزروعات ، وماتت بسبب السموم التي وضعت في آبار المياه ، وكثرت الوفيات وعز رغيف الخبز .
كان موسم السنة سيئاً ، فلا مزروعات أثمرت ، ولا بيادر امتلأت بالقمح والشعير والعدس كالعادة . ومما زاد الطين بلة عند القزع أن خلافاً جديداً ظهـر مع زينة بـنت سالـم المناع ، لأنها اكتشفت مؤامرة جديدة يدبرها القزع ضدها ، وكذلك توسعت شقة الخلاف مع أبي جبار وأن أبي النسوان رفض مصالحة القزع ودفع الأتاوة له حيث واجهه بحقيقة وضعه :
– اسمع يا قزع ، دفعنا لك في الماضي بحجة انك تصرف على زينة بنت سالم المناع المسكينة ، فتبين لنا أنك كنت تستولي على كل شيء .
ووقفنا معك ، فوقفت مع أبي جبار .
– ولكنك تريد مصالحة أبي جبار .
– إنه جاري .
– ولكنه حرق زرعك واستولى على بيادرك .
– ألم تكن هذه رغبتك، ألم تحرض على ذلك .
– أنا لم أفعل شيئاً من هذا القبيل ، إنما أهل القرية هم الذين فرحوا له ومعه .
– أنت لا تشبع ، ولا يمكن السكوت عن أفعالك .
أحس القزع أن الجميع يحاصره بعد انكشاف أمره ، فأراد تأديب أهل قريته كي لا يثوروا ضده ، فأصدر قوانين عجيبة غريبة منها ممنوع زراعة القمح ، ممنوع حفر آبار المياه ، ممنوع التجول في الليل ، وأن على أهل القرية أن يناموا منذ الساعة السادسة ليلاً .
أيقن أهل القرية تماماً أن القزع ليس واحداً منهم ، وأخذوا يعلنون أنه لا يمت لهم بصلة ، وأنه ينتمي إلى عائلة آل الشاطر ، وبعد انكشاف أمره ، اعتلت صحته وبدا عصبياً يثور لأتفه الأسباب .
وذات ليلة ، وبينما كان الناس يغطون في نوم عميق، هز القرية انفجاران كبيران دمر أحدهما مخبز القرية الوحيد، أما الثاني فقد دمر بئر القرية ، وتسارع الناس لتفقد مكان الانفجارين ووجدوا أحد رجال القزع مصاباً ، وعند سؤاله عن سبب تواجده في ذلك المكان اعترف لهم بكل شيء ، جن جنون القزع ، وأقسم بالله العظيم أن يبيد كل أهل القرية إذا ما تحرك أحد منها ضده ، وبعد يومين أعلن عن موت ثلاثة من أقرب المقربين له .

لم تكتف زينة بالغرفة التي أخذتهـا من الشاطر ، وأخذت تعمل على منحها غرفاً أكثر ، وذهبت إلى الشاطر الكبير وأخذت تتظاهـر بالبكاء أمامه :
– هل يرضيك يا كبير الشطار أن أملك غرفة واحدة ، وأنت تعرف أن القصر كان ملكاً لأبي ؟
– لا والله ، والله لا يرضيني ذلك .
– غداً سأتزوج وأنجب أطفالاً ، أين سينامون ؟
– أنا كبير الشطار، والكل يأتمر بأمري ، منذ الغد ، سيكون لك نصف القصر والمزارع .
بداية رفض داوود الشاطر ما طلبه منه الشاطر الكبير الأمر الذي أغضبه :
– اسمع يا داوود، إنك تعرف أن القصر ليس لك ، وأنك اشتريته بلفوسنا لأننا أردنا التخلص منك بسبب أفعالك الدنيئة والخسيسة، وأنك تعرف قبل الآخرين أن اتفاقي كان معك منذ البداية على هذا الأساس .
– يا كبير الشطار إنك تعرف أن القصر قد تم شراؤه من القزع منذ وقت طويل .
– وماذا يعني ذلك ؟
– نعيده للقزع ، فهو الأولى .
– ليذهب القزع إلى الجحيم .

أخذت الأمور تستقر عند زينة شيئاً فشيئاً ، وتحسنت ظروفها وظروف رجالها بسبب تحسن المواسم وفتح أسواق جديدة لها .
إلا أن ذلك لم يـدم طويلاً، حيث وقع ما يكدر النفس ويقلقها ، فذات يوم وقع عراك بين رجالها ، قتل فيه العديد منهم ، وعلى الفور عملت على تهدئة الموقف ، وأجرت تحقيقاً سريعاً ، ظهر على إثره أن أم الفهد دخلت على الخط لإرباك زينة ، وبسبب ذلك قامت زينة بزيارة سريعة مفاجئة لأم الفهد تلومها على فعلتها ، وتهددها إن هي أقدمت على مثل هذه الفعلة مرة أخرى .

يبدو أن هذه السنة اتسمت بالشجارات والمشاكل لدى الجميع؛ فبعد الخلاف بين رجال زينة دب الخلاف بين داوود الشاطر ورجاله بعد تسليمه نصف القصر لزينة ، فقد ظهرت التحزبات بين عمال المزارع والري ، والرعاة والمياه والتسويق ، كل فريق لوحده .
أخذ الجميع يكيلون الاتهامات لبعضهم البعض، ولداوود الشاطر في نفس الوقت .
ولم تقف الأمور عند هذا الحد ، بل تعدت إلى عمليات التخريب ، حيث تم تدمير البئر الرئيس . وعلى إثر ذلك اشتبك حراس الشاطر مع العمال ، ووقع العديد من القتلى . فقام الشاطر على الفور بإجراء تحقيق ، تبين فيه أن الشاطر الكبير يقف وراء الموضوع .
أحس داوود أن الشاطر الكبير يتآمر عليه ، فعمد إلى الاتصال بأصدقائه في مدينة الشاطر ، واوعز لهم بإثارة المشاكل في تلك المدينة بعد أن وعدهم بمكافأة مجزية إن هم أنجزوا ما أوكل لهم من مهام على أكمل وجه .
ولم تمض سوى أيام قليلة حتى عمت الفوضى والمشاكل مدينة الشاطر الكبير ، وخرجت الأمور عن المألوف .
تحرك رجال الشاطر الكبير لضبط الأمور، وإعادتها إلى ما كانت عليه ، وأخذوا يفتشون كافة الأزقة والشوارع والساحات والمزارع بحثاً عن الهاربين ، وتظاهر داوود الشاطر بأنه يتعاطف مع الشاطر الكبير ، ولكي يبرهن على ذلك بعث مجموعة من رجاله المخلصين لمساعدته في التفتيش عن المجرمين ، وكان قصده من وراء ذلك إشعال الفتنة من جديد ، ومعرفة الأصناف الجديدة من المحاصيل التي يزرعها الشاطر الكبير .
انطلت الحيلة على الشاطر الكبير ، وسمح لرجال داوود الشاطر أن يبحثوا عن مثيري الشعب بأنفسهم ، فدخلوا المزارع والازقة والشوارع ، وبينما هم يتجولون في المزارع ويسجلون كل ما يرون ، اكتشفوا مزرعة شاسعة معدة لتربية الجراد .
ذهل الرجال لهول ما رأوا ، واستفسروا من العمال عن سبب إقامة مثل هذه المزرعة ، وكان ذهولهم أكبر عندما عرفوا أن الشاطر الكبير يعمل على تربية الجراء لإرساله إلى كافة القرى في الموسم القادم لالتهام مزروعاتها .

استقر الوضع عند أبي جبار بعد فشل الهجوم على قريته ، والتقى بزينة بنت سالم المناع ، وأبدى استعداده لمساعدتها ، واتفق معها على دعمها بإرسال بذور محسنة إليها ، وحفر آبار إضافية ، وكذلك التعهد بشراء كافة منتوجاتها .
وبينما كانت زينة تشرف على العمال وهم يزرعون البذور ، فوجئت بأحد رجالها يخبرها بأن رجلاً من رجال أبي جبار قد تنكر بزي راعي أغنام يقوم بتسميم آبار داوود الشاطر .
ارتبكت زينة بداية ، ولكنها نهرته ، وأخبرته أن يخفي الأمر عن بقية الرجال ، خشية أن يتسرب الخبر لداوود الشاطر ، وذهبت إلى إحدى المزارع ، فوجدته يرعى أغنامه .
– أيها الرجل ، ماذا تفعل هنا ؟
– كما ترين ، أسرح بأغنامي .
– اسمع ، أنا زينة ، وأنت من رجال أبي جبار .
– بالضبط .
– ماذا تفعل هنا ؟ أخبرني الحقيقة .
– جئت لأخبرك أن أبا جبار مصمم على استرجاع قصرك وكافة ممتلكاتك .
– غادر المنطقة فوراً ، وأخبر أبا جبار أن الوقت لم يحن بعد.

عندما افتضح أمر الشاطر الكبير ، أراد أن يطوي صفحة الماضي مع أبي جبار ، فطلب منه تحديد قرية يلتقيان فيها لبحث أمور الخلاف المستفحل بينهما .
فكر أبو جبار بالموضوع ، ووصل إلى قناعة بأنه أقوى مما يتصور الشاطر الكبير ، ولهذا رأى أنه لا ضير من اللقاء . خاصة وأن أبا جبار بحاجة لفتح أسواق جديدة لتصريف منتوجاته .
التقى الاثنان ، وكانا في بدايته توترين ، إذ أن الأمور أخذت تميل إلى تهدئة الموقف ، واعتماد الحوار ، شريطة أن يكشف الشاطر الكبير أوراقه :
– اسمع أيها الشاطر ، إن إغلاق المنافذ، وقطع المياه عن قريتي ، حفز سكانها على تطوير أنفسهم ، ودفعهم إلى حفر الآبار التي يستطيعون بها تعويض النقص من مصادر المياه المقطوعة ، أي أنهم اعتمدوا على أنفسهم بدلاً من شراء واستيراد كل شيء من الخارج .
– أنا لست غبياً يا سيد جبار، إنني أعرف كل شيء .
– طالما أنك تعرف كل شيء ، وتدعي أنه لا يفوتك شيء مهما كان صغيراً أو كبيراً ، فلماذا يرابط رجالك على أبواب ومنافذ قريتي ؟
– لسبب أنت تعرفه جيداً .
– أنا لا أعرف سوى موضوع أبي النسوان .
– وهل تصدق أنني فعلت ما فعلته من أجل هذا الخنزير ؟
– نعم ، لقد وهبكم كل شيء .
– وهل كان يجرؤ على مخالفة أوامرنا في السابق ؟
– أنت أدرى .
– نعم ، أنا أدرى ، ولا أنكر ذلك . أنا لا أنكر أنني أنا الذي مهدت لكل ما حدث بينكما .
– لماذا ؟
– لكي أنتهي من موضوع زينة وابننا داوود .
– هكذا إذن ؟
– نعم .
– وهل تعتقد أن ابنكم داوود أصبح آمناً ؟
– بكل تأكيد .
– ما الذي جعلك تعتقد ذلك ، وتذهب في تأكيدك إلى هذا الحد من الثقة ؟
– لأنني أنا صاحب هذه الفكرة ، ولقد أفدت الطرفين .
– على كل حال ، دعنا من كل هذا ولندخل في التفاصيل .
– تفضل .
– ما الذي جعل رجالك يهجمون على رجالي مؤخراً ؟
– هذا هو لب المشكلة .
– لم تجب على سؤالي .
– سأكون واضحاً وصريحاً معك .
– وأنا أسمع لك.
– لقد خالفت أصول اللعبة أثناء خلافك مع الخنزير أبي النسوان
– كيف ؟
– لقد سرقت أشياء مهمة تخصني من بيت أبي النسوان، إضافة إلى أنك قتلت بعض رجالي ، واستوليت على السموم التي كانت بحوزتهم .
– ألم تكن مهمتهم تسميم آبار القرية ؟
– بلى ، ولكنها الحرب .
– ورجالي دافعوا عن آبار قريتهم .
– لترجع كل السموم فوراً .
– ليس لدي ما تتحدث عنه .
– إن معلوماتي الأكيدة تفيد غير ذلك .
– ليس عندي ما أقوله لك إذن .
استطاع أبو جبار الواثق من نفسه أن يتحدى الشاطر الكبير ، وينهي اللقاء على هذه الصورة ، فاستشاط الشاطر الكبير غضباً وغادر مكان اللقاء دون أن ينبس ببنت شفة .
أدرك أبو جبار أن الشاطر الكبير سينتقم من القرية شر انتقام ، فتوجه إلى جاره أبي لفه الذي كان الشاطر يعاديه ، لأنه كان يبتاع القمح والشعير من أناس غيره .
– ما الذي جرى بينك وبين الشاطر الكبير ؟
– يريد السموم .
– وهل أخذها ؟
– ما دمت أتنفس فلن يصل إليها .
– ظننت أنك ضعفت أمامه .
– ليس أنا يا أبا لفة .
– اسمعني يا أبا جبار ، وفكر في ما سأقوله لك .
– ولهذا جئت لزيارتك .
– نتفق .
– وننفذ الاتفاق ، ونلتزم بكلمة شرف .
– كنا أعداء ، لا أنكر ذلك ، ولكن يجب أن نتفق في مواجهة الشاطر الكبير .
– موافق .
– أسواقي مفتوحة لأهل قريتك ، وأسواقك مفتوحة لأهل قريتي.
– لا أمانع ، ولكن ماذا بشأن أم الفهد ؟
– ما أقوله ينطبق على أم الفهد .
– ولكنها في صفهم .
– إنها أخبث مما تتصور ، وبعد يومين ستصلك منتوجاتنا على شكل هداية في البداية .
لم يمض يومان إلا والطرق سالكة بين قرية أبي جاب روكل من قرية أم الفهد وقرية أبي لفة ، واصبحت آبار القريتين مفتوحة لسكان قرية أبي جبار ، وأخذت القوافل تفرغ حمولتها من المساعدات الغذائية في قرية أبي جبار ، الأمر الذي أثار الفزع لدى كل من الشاطر الكبير وداوود الشاطر والقزع .

أحدث موقف أم الفهد بالذات خللاً بيّناً في علاقتها مع داوود الشاطر ، فلم يكن منه إلا أن توجه إلى القزع ، وطلب منه دعوة مخاتير القرى للاجتماع به في قرية القزع ، وعلى الفور أرسل القزع بعض رجاله للقرى ، وبلغوا الرسالة ، وعادوا من حيث أتوا
وبعد يومين كان معظم المخاتير قد وصلوا إلى قرية القزع .
طلب الشاطر من القزع أن يخرج من مكان الاجتماع كافة الخدم ، فتم له ذلك .
والغريب أن داوود الشاطر كان على علاقة وثيقة وقديمة مع المخاتير ، إلا أنه طلب من القزع أن لا يوجه الدعوة لبعضهم .
وقف داوود الشاطر أمامهم مزهواً بنفسه ، وقال :
– اسمحوا لي أن أقف أمامكم ، أخاً لكم ، لأهنئكم على مواقفكم المشرفة ، وقدراتكم الرهيبة ، لقد أنجزتم المهمة التي أوكلت إليكم أحسن إنجاز، ومثلتم الدور المنوط بكم أبدع تمثيل فكان منكم المهرج والشيخ وبائع الحلوى …
والآن سأزف لكم ما أحار في تسميته بالبشرى أم النبأ السعيد ، وهو أن أخانا القزع الذي سيستضيفنا الآن في بيته ، له سبق الإخلاص عليكم جميعاً ، وصدق التعاون والتعامل ، لأنخ ضحى بكل شيء من أجل أن ينعم أولاد أخيه ، وهم أولادي ، بالأمن والأمان ، حتى ولو كان ذلك على حساب راحته وصحته ووقته وأعصابه .
وإنني ايها الإخوة الأعزاء لعلى يقين أن هذه المرحلة تتطلب منا المزيد من الصلابة والتماسك ، وبذل المزيد من الجهد، ومضاعفة العمل فسكان القرى لا يؤتمن جانبهم ، ولهذا أعددت خطة لإحكام السيطرة عليهم .
بعد ذلك وقف القزع ، وقال :
– أحبتي، اسمحوا لي الآن أن أشكركم بالنيابة عن أخينا العزيز على نفوسنا ، والأثير لقلوبنا ، على ما بذلتم من جهود أدت إلى تحقيق ما كنا نطمع جميعاً في تحقيقه ، وهو تمكين أخينا الشاطر من الاستيلاء على قصر زينة ومزروعاتها وإنه لولا هذه الجهود ما استطعنا تحقيق أهدافنا، أو الوصول لشيء من غاياتنا التي سعينا لتحقيقها ، كما أود أن أخبركم عن الخطة التي نسعى لتنفيذها في المرحلة القصيرة القادمة ، نيابة عن أخينا الكبير داوود .
منذ هذا اليوم ، سنمنع سكان القرى من تربية المواشي ، لأنه سيزودنا باللحوم والحليب ، وكذلك سنمنع سكان القرى من زراعة الأراضي ، لأنها ستكون مراعي لأغنام أخينا داوود ، ولأنه سيقوم بتزويدنا بالخبز والحبوب ، وغيرها مما سنحتاج إليه .
إضافة إلى أننا سنمنع سكان قرانا من حفر الآبار ، أو تجميع مياه الأمطار في سدود أو خلافه ، لأن مصادر مياهنا سيتولى رعايتها أخونا داوود ، وسيقوم بتوزيع ما نحتاج إليه بنفسه وهو خير من يتولى مثل هذه المهام ، ويشرف على تنفيذها . فهل أنتم موافقون؟
– موافقون ، موافقون ، قال الجميع بصوت واحد .

كعادتها ، كانت زينة بنت سالم المناع، الغائب الحاضر في كل اجتماع من اجتماعات مخاتير القرى ، ومع غيابها إلا أنها علمت بما اتفقوا عليه ، وأرسلت المعلومات مع أحد رجالها لأبي جبار .
رجع داوود الشاطر إلى القصر ، وأبلغ رجاله بما تم الاتفاق عليه. وأخذوا يضاعفون عملهم ، يحدوهم الأمل بتثبيت أقدامهم في القصر ، وإحكام سيطرتهم على المزارع أكثر فأكثر .
وذات يوم ، صعق الشاطر لدى سماعه خبر موت القزع ، دون أن يعرف من قتله ، فبعض الشائعات قالت : إن القاتل هو الشاطر الكبير ، وأخرى قالت : إن أهل قريته هم الذين قتلوه .
وعندها أرسلت زينة بنت سالم المناع تخبر أبا جبار عزمها على تنفيذ خطتها ، وما عليه سوى أن يبعث رجاله لمساعدتها ، وفي الوقت نفسه طلبت من رجالها الذين يشرفون على تربية الكلاب والذئاب أن يمنعوا عنها الطعام لمدة سبعة أيام كاملة .
وفي ليلة كان القمر فيها بدراً ، أصدرت زينة أوامرها لرجالها بأن يسمحوا للكلاب والذئاب أن تنطلق من كهوف السفح إلى مزارع داوود الشاطر .
دب الذعر في القصر ، وخرج داوود الشاطر وأولاده ورجاله لتفقد ما يجري في المزارع ، وقاموا بمطاردة الوحوش الجائرة مرة أثر مرة ، وقام رجال أبي جبار مع رجال زينة بمهاجمة داوود الشاطر وتم قتل الشاطر ، وخروج من بقي حياً من أولاده خارج المزارع، وعاد القصر لزينة بنت سالم المناع .

دار الينابيع للنشر والتوزيع
2003