ثقافة المقال

إليكِ وحْدَكِ يا غزّة، في خِضمّكِ عن الأشياءِ التي تدعو للضحكِ والبكاء

أسعد علاء الصفطاوي

ما سيردُ الآن في هذا الذي أكتبهُ الآن، لا يعبّر عن رأي صاحبِه، ولا عن رأي من أتحدّثُ عنهم، ولا عن رأي الذين يقرؤون الآن، وليس هذا الذي هنا شيئًا مألوفًا، ولا عاديًا جدًا، وليست غزة كذلك، ولا الذين نسوا أنّهم فلسطينيين كذلك، لكنّها أشياءٌ تدعو فقط، للضحك والبكاء، للدحضِ وللشحطِ وتمزيق الهوية، لأن تلطمَ الأمُ خدّ ابنتها لا خدّها، وأن تقبّل رأسها ثمَ تضحك، (هذا فقط ما يسمونه أمراضٌ نفسية)… الأمراضُ النفسيةُ في غزّة لا ترتقي لهذا التناقض الملحوظ في الصفات الجنونية، بل تأتي لخطاب العامة من الغزيين، مثلًا، أن تبدأ الحكومة القائمة على غزة بجملة من الحملات، كانَ قبل الأخيرة منها حملة ‘مواطن كريم يحميه شرطي حكيم، هنا أنا أُؤكد على ذلك أجل نحن كمواطنين كرماءٌ جدًا بصمتِنا، عفواً، أقصد بالصمتِ على إخراس أفواهِنا، وعدم قيامنا بثورةٍ ضد هذا النظام الذي يقمعُ أجسادنا ويحشو أفواهنا بالقطن المبلل بالكاز، أجل حكماءٌ أنتم، بقدرتِكم على إخماد الكتّابِ، وتوجيه البلاغات التي تعتقدون بأنها كفيلة بإحداث حالة من الهدوء لدى كاتب غزة وحكماءٌ انتم وقتَ الخروج في المهرجان التأبيني لقائد الثورة ياسر عرفات قبل قرابة السنتين وقتلتم من قتلتم وفعلتم ما فعلتم وحكماءٌ أنتم بانتظار الشاب صغير السن، الذي خرجَ للصلاةِ وقتَ أن دعا تنظيم فتح لذلك، وبعد أن يسلّم عن يمينه ويسارِه، تنقضّون عليه لتنهشوا عظامهأجل حكماءٌ أنتم في جمع كاميرات الصحافيين الذين يحاولون نقل الحقيقة للإعلام، ومنعهم من تغطية الأحداث التي تجري، في محاولة بائسة لتقليد جنديٍّ إسرائيلي يغطّي عدسة كاميرا أحد المصوّرين، لكنكم هنا نجحتم أكثر في سحب الكاميرا كلّها

أجل حكماءٌ أنتم حينما تطفئون الشموع التي أُشعلت في الذكرى السادسة لرحيل الشهيد ياسر عرفات.كيفَ تجرؤون على ذرفِ دموعِ أمٍ تلبسُ الكوفية الفلسطينية وتُمسكُ في يدِها شمعة كانَ قد أشعلها لها ابنها الصغير الذي بجانبها، وهيَ تحاول إسكاتَ ابنتها الثائرة وهي تقول: ‘انهُ رئيسك، تاجٌ على راسِك، كيفَ تجرأُ على ذلك؟ حسبي الله عليكم، حسبي الله عليكم’ وبدورِ أحدكم الذي كان يقول: ‘تاج على راسِك انتِ بس، يلّا من هان يلّا’، أنا أستطيع عمل مسابقة صغيرة تحتوي سؤالا يُوجّه فقط للشرطة في غزة، كمّ مرة سمعتَ كلمة (حسبي الله ونعم الوكيل عليكم)؟ أنا أعتقدُ جازمًا أن المنافسة ستكون شديدة جدًا.بربّكم أخبروني أينَ الحِكمة في تصرفاتِكم هذه؟ كنتُ قبلَ يومين فقط أتحدثُ إلى مجموعة من الأصدقاء بعد نهاية زيارة من بضعة شباب قدموا من المسجد القريب منّا ضمنَ حملة حماس الأخيرة في تحسين العلاقات الاجتماعية بينَ الحركة والعائلات الفلسطينية في غزة قبلَ عيد الأضحى المُبارك وتوزيعهم الحلوى بأكياس نايلون سوداء اللون، قلتُ بأنّ حماس تخطو خطوات جديّة نحو رأب الصدع الذي تشكّل بعد الانقلاب الأخير قبل أربعة سنوات تقريبًا، وأن المصالحة قادمة قادمة لا محالة، ونحنُ أقرب إلى التسامح من الحقد، لكن، تبدّد شكّي اليقين هذا بعد مشاهدتي لكم بعينِ طفلٍ صغيرٍ وقفَ يحي ذكرى الشهيد ياسر عرفات في ساحة الجندي المجهول، وقلبه يخفقُ خوفًا من شيءٍ قد تفعلونه ضدّه، وأنتم تطفئون شمعةَ أمّه التي لا زالت تندم على انتخابها لكم…!من أنتم بلانا؟ سؤال صريح أطرحُه على كل الذين وجّهوا سلاحًا وكلمةً ضدّ شعبِنا، من أنتم بلانا؟ ونحنُ الذين نصّبناكم حُكمنا في انتخابات 2006، وأمّناكم على أخواتِنا وأمهاتنا وبيوتنا، وكنا على يقينٍ بأنّكم ‘قد المسؤولية’من أنتمْ بلانا؟ونحنُ الذينَ انتمينا لحركة فتحٍ مصادفةً، وانتخبناكم مصادفةً، وقُتلنا بأيديكم ليسَ مصادفةً.

آمالُنا وأحلامُنا بوحدتكم باتت كبيرةً، وكلّما اقتربَت الأعيادُ رأيناكم تلبسونَ البزّات السوداء الجميلة وتجلسون تصرّحونَ بأن المصالحة قد اقتربت ولم يتبقَ سوى ملفًا واحدًا، ثمَ سرعات ما تُؤجل المفاوضات على ذلك لما بعد العيد، وننتظرُ كلُنا معًا العيد القادم وما سيحملهُ من مفاوضاتٍ جديدة.

نحنُ، مللناكم، ومللنا أنفسنا بينَكم، اخرجوا من بيننا، اتركونا نستحقُ الحياةَ، خلّوا سُبلَ العيشِ لدينا، واذهبوا لأيّ بلدٍ آخرٍ أقيموا فيهِ ما شِئتُم، ولكن لا تقيموا بيننا ما سينزعُ منّا إنسانيتنا، وما سينزعُ من قلوبنا رحمتها، إن كانَ لابدّ من ثورةٍ ما تخلعكم منّا، فسيكون ما تريدون، غزة لمْ تخضع يومًا لاحتلالٍ إلا واندحر، ولا نظامٍ ظالمٍ إلا ورحل، جاءَت الحملةُ الفرنسية واستوطنت أرضنا ورحّلناهم، جاء الصهاينة إلى أرضنا ورحّلناهم عنها، وجاءَ من جاءَ ولكننا لم نكن لنرضَ من يستلب منّا أرضنا وحكايتنا وإنسانيتنا، كراسيكم فوقَ رؤوسِكم لا تحتكم، نحنُ من نُجلس من نريد، ونرفعُ من نريد، وأيضًا ننزعُ من نريد

أنا هنا شخصيًا وبتنوين الياءِ مشدّدةً أتحمّلُ نتاجَ ما سيحدثُ لي جرّاءَ ما كتبت، لكنني لن أتحملَ نتاجَ صمتِ هذا الشعبِ المسكين، الذي انغمسَ في خوفِه منكم، وانغمسَ في حالاتِه التي وضعتموه بها.في المطاف الذي لن ينتهي أبدًا، ارفعوا أيديكم إلى السماء استغفارًا عن كلّ الذي اقترفتهُ أيديكم، ثمَ صوّبوا أعينكم نحوَ الذي على أساسِه انتخبناكم. وكونوا منّا، لا علينا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق