الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | الثقافة الأمازيغية وسؤال الحداثة (الحداثة المسرحية أنموذجا)

الثقافة الأمازيغية وسؤال الحداثة (الحداثة المسرحية أنموذجا)

*جميل حمداوي

حينما نتأمل مفهوم الحداثة (la modernité)، فإنه يتبادر إلى أذهاننا مجموعة من المفاهيم التصورية، مثل: الغرب، والعلمانية، والحضارة، والعلم، والثقافة، والتقنية…ويعني هذا أن الحداثة هي لحظة تاريخية متنورة عاشتها أوروبا في القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، بالثورة على رجال الدين والإقطاع والجهل والخرافة والشعوذة، باستلهام الحضارتين اليونانية والرومانية، والاستهداء بالعقل والمنطق، واستثمار الطبيعة، والأخذ بالفلسفة التجريبية ، والدفاع عن الإنسان وحرياته الخاصة والعامة، والدعوة إلى حقوق الإنسان الطبيعية والمكتسبة، وخلق المجتمعات المدنية، وتطوير الاقتصاد في ضوء الليبرالية الفردية، والانفتاح على الشعوب الأخرى ، وتأسيس المختبرات العلمية، وتشجيع الاكتشافات الجغرافية والملاحة البحرية بحثا عن المواد الأولية ومصادر الثروة.

وعليه، تحيل كلمة الحداثة على الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والدولة الليبرالية، والملكية الفردية، وصعود البورجوازية، واستخدام العقل والعلم في فهم الطبيعة وتفسيرها، واستعمال المنهج العلمي في دراسة الوثائق ، وتمثل الموضوعية في التعامل مع الظواهر المرصودة، وفصل الدين عن الدولة. وقد ترتب على هذه الحداثة أن تطورت أوروبا سياسيا ، واقتصاديا، واجتماعيا، وثقافيا. وأصبحت نموذجا للتمدن والرقي الحضاري والتطور التقني والصناعي والمعرفة الثقافية، ومهد الفلسفات النظرية والعملية. وأكثر من هذا، فقد سيطرت على العالم بفضل علمها وتقنيتها وقوتها العسكرية والمادية.

إذاً، ترتبط الحداثة، باعتبارها حقبة زمنية، بعصر النهضة الأوروبية، أو بعصر الإنسان، أو بعصر الأنوار ، وكان الغرض منها هو تحديث أوروبا وعصرنتها ماديا ومعنويا على جميع الأصعدة والمستويات. وقد استمرت هذه الحداثة حتى سنوات الستين من القرن العشرين، لتنتقل أوروبا إلى ما بعد الحداثة التي استهدفت تقويض الميتافيزيقا الغربية، وتحطيم المقولات المركزية التي هيمنت – قديما وحديثا- على الفكر الغربي، كاللغة، والهوية، والأصل، والصوت، والعقل…

وقد تمثلت الثقافة العربية الحداثة الغربية منذ منتصف القرن التاسع عشر، بفضل حملة نابليون بونابرت على مصر. فضلا عن الاحتكاك الثقافي بالغرب، وإرسال البعثات إلى الخارج، وهيمنة المستعمر على جل البلدان العربية، وترجمة الفكر الغربي، واستيراد تقنياته ومستجداته الفكرية والعلمية والأدبية والفنية…

ونحن، في هذه الدراسة المخصصة للمسرح الأمازيغي المغربي، سنتعامل مع مصطلح الحداثة بمفهوم التقدم، والتجديد، والتحديث، والتثوير، والتغيير، والانزياح، والتجريب، والتجاوز، وخرق المألوف، والخروج عن المعيار السائد.

إذاً، ما أهم تجليات الحداثة في المسرح الأمازيغي المغربي بنية، ودلالة، ووظيفة؟ وما أهم أنواع الحداثة ؟ وما مرجعياتها؟ وما أهم قضاياها الموضوعية وأسئلتها الكبرى ؟ تلكم أهم الأسئلة التي سنتوقف عندها في المباحث التالية:

المبحث الأول: الحداثـــة الفلكلوريـــة

نعني بالحداثة الفلكلورية اشتغال المسرحية الأمازيغية الحداثية على الفلكور المحلي أو الجهوي أو الوطني أو الإنساني، في ضوء رؤية احتفالية تأصيلية وتجريبية على حد سواء، بتجاوز المسرح الكلاسيكي السائد، وتمثل تقنيات التجريب والتحديث والتثوير. ومن أهم النماذج الدالة على ذلك مسرحية (ثشومعات/ الشمعة) للمخرج عبد الواحد الزوكي التي وظفت إيقاعا تراجيديا سوداويا ممزوجا بنقرات اليتم والظلمة ، مجسدة بذلك انهيار الإنسان الأمازيغي، وسقوطه جنائزيا في عالم الظلمة والموت. ويعني هذا، أن الإنسان، في مسرحية( الشمعة)، يعاني الوحدة والتهميش والتغريب والعزلة والإقصاء والظلم. وقد استعان عبد الواحد الزوكي بمجموعة من التقنيات الميزانسينية والمدارس الإخراجية للتعبير عن موت الإنسان الأمازيغي، وتصوير اضمحلال كينونته؛ بسبب الظلم الذي يمارس ضده، دون أي حق شرعي، أو سند قانوني.

وتتميز هذه المسرحية، على صعيد البنية الدرامية، بتشغيل الفلكلور المحلي والإنساني توظيفا احتفاليا رمزيا، وإغنائه برقصات كوريغرافية عالمية، إلى جانب تضمينه بعلامات سيميائية دالة على السلام والتواصل الإنساني، وحب الآخر مهما كان لونه وشكله وعقيدته، كما تعبر عن ذلك التشكيلات الإيقاعية الموسيقية، والتشكيلات الحركية والإيمائية، والرقصات الطقسية المعبرة.

ومن هنا، فمسرحية (تشومعات/ الشمعة) لعبد الواحد الزوكي، في الحقيقة، تجسيد لليتم الأمازيغي، وبحث عن حقيقة الإنسان في عالم التهميش والإقصاء والاغتراب الذاتي والمكاني.

المبحث الثاني: الحداثـــــة التجريبيـــة

يقصد بالحداثة التجريبية تمثل مجموعة من التقنيات والآليات المسرحية التي يؤمن بها المسرح التجريبي، مثل: تكسير الوحدات الأرسطية الثلاث: وحدة الحدث، ووحدة الزمان، ووحدة المكان. ومن الشواهد الدالة على ذلك مسرحية ( ثازيري ثاميري/ القمر العاشق) للمخرج فاروق أزنابط التي تجمع بين العقدتين: الرومانسية و التاريخية. ومن ثم، تصور هذه المسرحية – ذات القالب الرومانسي والتاريخي- مشاركة الإنسان الريفي في الحرب الأهلية التي قادها الجنرال فرانكو ضد اليسار ما بين سنتي1936و1940م، وقد ذهب ضحيتها الكثير من أبناء الريف الذين جندوا مقابل لقمة خبز؛ بسبب الجفاف الشديد الذي تعرضت له المنطقة، وانتشار البطالة والفقر وشدة الحاجة. وتتسم هذه المسرحية بصدقها في نقل علاقة غرامية بين مجند ريفي وعشيقته الوفية التي أحبته إلى درجة الجنون والموت، بعد أن تيقنت بموت خطيبها في ساحة الحرب.

ويتجلى البعد التجريبي في هذه المسرحية في الجمع بين حدثين: الحدث الرومانسي وحدث الحرب، والجمع بين مكانين: الريف وإسبانيا، والجمع بين زمنين مفارقين: زمن العشق وزمن الحرب. وتتضمن المسرحية مشاهد رومانسية مثيرة للرصد والفرجة؛ حيث تنقل لنا بعض المواقف الغرامية التي تجسد الإنسان الأمازيغي العاشق الذي يتسم عشقه بالعفة والوقار والنبل والشهامة وسمو الأخلاق، مع احترام المرأة الأمازيغية التي كانت مثالا للجمال والوفاء والتضحية والعمل الدؤوب وطاعة الزوج.

المبحث الثالث: الحداثة التجريديـــة

نعني بالحداثة التجريدية تلك الحداثة ذات الطابع الفلسفي المجرد التي تناقش قضايا إنسانية مصيرية عامة، وتعنى بالإنسان في اغترابه الذاتي والمكاني، وتعبر عن مصيره الوجودي، وتآكله الأنطولوجي، وضياعه الهوياتي.

ومن أهم المسرحيات المعبرة عن ذلك مسرحية( ثابذات/ بدأت) للبشير الإدريسي تأليفا وإخراجا. وقد عرضت سنة 2002م بالغرفة الفلاحية بالناظور. وتتناول هذه المسرحية قضايا فلسفية أنطولوجية شائكة، تتعلق بالإنسان المغترب، ووجوده المصيري، وكينونته الذاتية. كما تعكس هذه المسرحية ظاهرة القلق البشري، راصدة معاناة الفرد من الاغتراب الذاتي والمكاني، في شكل تساؤلات كونية فلسفية ميتافيزيقية مؤرقة وحائرة.

ومن أهم المخرجين الأمازيغ الذين انساقوا وراء موضة التجريد المخرج شعيب المسعودي الذي أبدع مجموعة من المسرحيات الرمزية ذات الطابع التجريدي ، مثل: مسرحية( أرباع أوجانا ياوظاد/ ربع السماء قد سقط) لتصوير آثار الزلزال المدمر بالحسيمة، ومسرحية(تمورغي/ الجراد) التي صور فيها واقع الإنسان الأمازيغي، وانهياره أمام متاريس التغريب والتهميش و طغيان سلطة الاستبداد. ويتجلى التجريد أيضا في تأثيث المخرج للركح المسرحي بواسطة جداريات فوضوية عابثة، في شكل لوحات تشكيلية تجريدية مليئة بالنفايات تارة، واستعمال الأشكال والخطوط والألوان السوداء للإحالة على صراع الخير والشر تارة أخرى. ومن ثم، تبدو السينوغرافيا المسرحية عند شعيب المسعودي مليئة بالرموز والعلامات المجردة الموحية التي تتخطى الواقع المرئي، وتتجاوزه خرقا وانزياحا وتثويرا.

المبحث الرابع: الحداثــــة الرمزيــــة

نعني بالحداثة الرمزية استعمال المسرح الأمازيغي مجموعة من الرموز للتعبير عن تناقضات الواقع الجدلي، بتجاوز اللغة التقريرية المباشرة، والانزياح عن المسرح الكلاسيكي، وتكسير قواعد المسرح المألوف، واستعمال العلامات السيميائية المعبرة لفظيا وبصريا.ومن أهم النماذج الدالة على ذلك مسرحية ( ثايوجيرث/ اليتيمة) للمخرج محمد بن سعيد التي تصور لنا اليتم الوجودي والكينوني والحضاري عبر مجموعة من الثنائيات المتقابلة والمتضادة بنيويا: الخير والشر، و الحياة والموت، والبياض والسواد. ويستعمل المخرج سينوغرافيا رمزية تجريبية مأساوية، توحي بالعبثية والتمرد والثورة على الواقع الموضوعي، بكل مقوماته السلبية، وأوضاعه المشينة. ويعني هذا أن مسرحية( تيوجيرت / اليتيمة) تعزف على إيقاع الهوية، والبحث عن الكينونة والإنسية الأمازيغية، واستنكار سياسة التهميش والإقصاء والنبذ، وتجسيد صراع الإنسان الأمازيغي مع السلطة في ضوء ثنائية الخير والشر.

ونجد هذا التصور الرمزي كذلك في مسرحية( ثاسيرث/ الطاحونة) للمخرج سعيد المرسي الذي قدمت لنا رؤية فلسفية لإنقاذ الإنسان الأمازيغي من التشتت والتمزق والضياع والتهميش. وتقوم هذه الرؤية على التشبث بالطاحونة التي ترمز إلى الهوية والكينونة الأمازيغية، والتمسك بتلابيب الإنسية الأمازيغية لغة وكتابة وحضارة ، وعدم التفريط في المقومات الأصيلة والتجذر الوجودي وإلا تعرضت هوية الإنسان الأمازيغي للاندثار والانقراض والضياع كباقي الإنسيات المهمشة في العالم.

وقد وظف سعيد المرسي، في عرضه الركحي ، تقنية السينمسرح على غرار المخرجين الألمانيين، مثل: بيسكاتور، وبيتر فايس، وبريخت… بغية استعادة الذاكرة التاريخية، وتصوير أمقران الجد الأمازيغي الأكبر الذي عاد من الماضي نحو الحاضر ، فوجد نفسه غريبا بين أحفاده المتغربين الذين فرطوا في كل المقومات الحضارية الدالة على الوجود الأمازيغي والإنسية الموروثة.

ومن هنا، فقد استعملت المسرحية الرموز والعلامات والإشارات الموحية، بتجاوز الخطاب التقريري المباشر. ومن ثم، فقد حضرت (تاسيرت/ الطاحونة) باعتبارها رمزا للهوية والكينونة الأمازيغية، ودليلا على وجود الإنسان الأمازيغي.

المبحث الخامس: الحداثـــة السرياليـــة

ظهرت الحداثة السريالية في الغرب سنة 1924م مع مجموعة من الدراميين والشعراء والفنانين التشكيليين كأندري بروتون، ولوي أراغون، وبول إيلوار، وبابلو بيكاسو، وسالفادور دالي، وأنطونان أرطو، وأندري ماسون، وبيريه، وبيكابيا، وجيوم أبولينير صاحب أولى مسرحية سريالية ( أثداء تيريسياس) التي ألفها سنة 1917م… ومن أهم مبادئ الحركة السريالية: التغني باللاوعي واللاشعور ، والثورة على العقل والمنطق والواقع الخارجي، والاهتمام بالباطن الروحاني والصوفي والميتافيزيقي، والانسياق وراء الأحلام والهذيان والجنون، والإيمان بالغموض والغرابة وهلوسات الذات والباطن. ومن هنا، فالمسرح السريالي هومسرح الأحلام الفردية، واستكناه اللاشعور الداخلي، واستنطاق المكبوتات اللاواعية المضمرة، والإكثار من الأشكال والحركات بدل استخدام الكلمة واللغة الحوارية.

وتحضر الحداثة السريالية في مجموعة من النصوص المسرحية الأمازيغية الحداثية ، كما في مسرحية( ثيارجا بلا ثيري) للمخرج الطيب المعاش؛حيث وردت هذه المسرحية الفلسفية في قالب سوداوي تراجيدي سريالي ، يقوم على استنطاق الأحلام، واستقطار اللاشعور الفردي ، والارتماء في أحضان الهذيان والجنون ، والانسياق وراء الصراخ والضحك والعبث. كما يذكرنا هذا العرض أيضا، في تجلياته الكبرى، وتقاسيمه الفنية وملامحه التشخيصية، بمسرح اللامعقول، أو بمسرح العبث الغربي كما لدى صمويل بيكيت، ويونيسكو، وأرابال، وصمويل بيكيت ، وألفرد جاري. ومن الأدلة المحيلة على الحداثة السريالية ، في هذا العرض المسرحي، اللجوء إلى خطاب الصمت والصراخ، واستعمال الضحك بشكل جنوني هستيري للتعبير عن سيزيفية الإنسان المستلب في واقعنا الرقمي المشيإ، وتصوير مدى انسحاقه أمام متاريس السلطة اللعينة، والإحساس بالغرابة والوحدة، وتأكيد ضياع الحقيقة في واقع الوعي والعقل والمنطق.

المبحث السادس: الحــداثـــة العبثيـــة

نعني بالحداثة العبثية أو العابثة تمثل مسرح اللامعقول، كما عند أداموف، وصمويل بيكيت، ويونيسكو، وإبسن، وأرابال…كما تستند هذه الحداثة إلى الجنون، والصراخ، والبكائية، والتمرد، والثورة على الواقع المنحط. وتعبر مسرحية المخرج نعمان أوراغ عن التوجه الميتافيزيقي الفلسفي في التعامل مع قضية الإنسان، وخاصة في عرضه المسرحي الذي قدم سنة 1999م، بقاعة سينما الريف بالناظور، بعنوان( ناخراقد حوما وانتامسفهيم/ خلقنا لكي لانتفاهم)، وقد أخذها عن الطيب الصديقي.

ويتبين لنا ، من خلال عنوان المسرحية، أن العرض يعبر عن سقوط الإنسان، وانعدام التواصل بينه وبين ذاته، وبينه وبين الواقع؛ بسبب رقمية المعطى الموضوعي، وتشييء الإنسان، وتعرضه للاستلاب حضاريا وكينونيا.

من أهم المسرحيات الأمازيغية الأخرى التي تندرج ضمن المسرح العابث مسرحية (ثيسيث/ المرآة) لسعيد المرسي . وتستعرض هذه المسرحية تجربة القلق والانتظار والعبث واللاجدوى لدى الإنسان الأمازيغي المعاصر، بتوظيف مجموعة من الكراسي على غرار مسرحية ( الكراسي ) ليوجين يونيسكو.

المبحث السابع: الحــداثـــة الكوريغرافية

تستند الحداثة الكوريغرافية المعاصرة إلى توظيف كل ما يتعلق بالحركة الديناميكية، كما في مجال الباليه ، والرقص، والميم، والرياضة البدنية. ونجد مجموعة من المخرجين المحدثين والمعاصرين يتعاملون كثيرا مع الجسد، ويوظفونه بطرائق مختلفة في مجال المسرح من أجل إيصال رسائل مشفرة مباشرة وغير مباشرة، مستفيدين من اللسانيات، والسيميائيات، والبلاغة الجديدة. ومن أهم المخرجين الذين تعاملوا مع شعرية الجسد والبانتوميم ولغة الصمت والقناع أندريه أوبي، وجان برنار، وكروتوفسكي، و جاك ليكوك، ومينوشكين…

ومن أهم المسرحيات الأمازيغية ذات المنحى الكوريغرافي مسرحية (نتات/ هي) للمخرج السوسي رشيد أبيدار التي تناولت علاقة المرأة بالرجل في هذه الحياة، في مختلف لحظاتها ومواقفها الدرامية الإيجابية والسلبية. ومن ثم، يقدم المخرج مشاهد المسرحية ومواقفها ضمن لوحات صامتة، تعتمد على شعرية الجسد، وبلاغة الحركات الناتجة عن لياقة البدن. بل تتحول بعض هذه الحركات إلى ألعاب سيركية بهلوانية، ورياضية بدنية ممتعة، وصراع حاد بواسطة الكاراتيه أو الكونفو. ومن ثم، تتحول المسرحية إلى حلبة تجسد الصراع الإنساني بين الرجل والمرأة، في مشاهد كوميدية وتراجيدية تثير الراصد المتفرج.

المبحث الثامن: الحداثـــة الميتامسرحية

نعني بالحداثة الميتامسرحية تناول قضايا تتعلق بالمسرح في حد ذاته، كرصد هموم المبدع والفنان المسرحي، وتبيان علاقة الفن بالواقع، وعلاقة الفن بالجمهور. ويعد هذا النمط من المسرح أهم تجل للتجريب والتجديد في المسرح الأمازيغي. وخير من يمثل هذه الحداثة مسرحية (ءيمحباس ءومزكون/ سجناء المسرح) للبشير الإدريسي تأليفا وإخراجا. و قدمت المسرحية سنة 1988م بالقاعة الكبرى بدار الشباب بالناظور. وتصور هذه المسرحية معاناة الفنان المسرحي الأمازيغي، وما يعيشه من إحباط مأساوي في مجتمع منحط، لا يعترف بالفن بصفة عامة، ولا بالمسرح بصفة خاصة. ومن هنا، يوقف المخرج مسرحيته في وسط العرض، دون أن يستكملها، فيترك للجمهور الفرصة لمناقشة القضية، بالبحث في ماهية الفن المسرحي، واستكشاف وظيفته في الحياة.

المبحث التاسع: الحــداثـــة الشاعريـــة

نعني بالحداثة الشعرية تحويل المسرحية إلى عرض شاعري مركب ومتميز، يتقاطع فيه البعد الدرامي مع البعد الشعري، مع توظيف سينوغرافيا شاعرية، وخلق أجواء فنية وجمالية واحتفالية زاخرة بالرموز والاستعارات والإيقاعات الشعرية والموسيقية والنغمية والحركية . ومن الأمثلة الدالة على ذلك مسرحية ( ثيرجا سثنيفست/ أحلام من رماد) لمحمد بنعيسى التي تبلغ درجة عالية من الرمزية الشاعرية ؛ حيث ترد المسرحية في قالب شعري حواري مفعم بالسوداوية والجنائزية المأساوية للتعبير عن واقع أمازيغي منبطح، في عالم موبوء ومنحط ومستلب، يفتقد القيم الأصيلة الحقيقية ، وتطغى عليه القيم الكمية التبادلية التي حولته إلى عالم وحشي قاتم.

وتحضر الحداثة الشاعرية كذلك في مسرحية( ثاوات ءيمظران/ باب القبور) للمخرجين محمد بنسعيد وأحمد جويني. والمسرحية انتقاد للمجتمع الأمازيغي ، وتسفيه للوعي المغلوط والسائد لدى الإنسان الأمازيغي، ودعوة صارخة إلى العمل والنهوض والتحرر بدل الارتكان إلى الخمول والصمت والموت.

المبحث العاشر: الحداثــــة السينوغرافيــة

نعني بالحداثة السينوغرافية تجديد عرض المسرحية على مستوى الإضاءة، والديكور، والتأثيث، والكتل، والأحجام، والموسيقا، والألوان، والأزياء، والماكياج، والتصوير، والبحث عن سينوغرافيا معاصرة ومتطورة فنيا وجماليا، من غير تلك السينوغرافيا الفلكلورية التقليدية التي كان يوظفها المسرح الأمازيغي، ولاسيما في منطقة الريف.

ومن أهم المسرحيات الأمازيغية التي تمثلت هذه الحداثة السينوغرافية مسرحية (أرام كثيرجا ايوكران /الترقيع في الأحلام المعلقة) لفرقة تيفاوين للمسرح من الحسيمة . وقد عرضت بدار الثقافة بمكناس بتاريخ 21يونيو 2013م، ضمن الدورة الخامسة عشرة للمهرجان الوطني للمسرح. وقد حصلت المسرحية على جائزة الأمل .

وهذه المسرحية كتبها عمر خلوق، وأخرجها سعيد آيت باجا، وساعد في إخراجها فريد الركراكي، وشخصها كل من مينة حراز ، ومحمد بن سعيد، وحدوش بوتزوكنت. في حين، تولى رشيد الخطابي مهمة السينوغرافيا، وعبد السلام فزاكة تنفيذها. وترصد هذه المسرحية تيمة الحلم في مختلف تجلياته الذاتية والموضوعية. فحلم الزوج هو أن يكون كاتبا. في حين، تحلم الزوجة بالإنجاب، وتريد أن تكون أما مثل باقي الأمهات . ومن حقها أن تقوم بدورها الطبيعي الذي من أجله وجدت في هذه الحياة. أما أخ الزوج، فيحلم أن يصبح فنانا وموسيقيا مشهورا.

وعلى الرغم من هذه الأحلام المشروعة، فثمة عوائق ذاتية وموضوعية تحول دون تحقق هذه الأحلام واقعيا. فالزوج لم يجد موضوعا مناسبا للكتابة سوى أن يحول مشكلته مع زوجته إلى موضوع للرصد والتحليل والتفسير. ثم ، فشل الزوجة في تحقيق آمالها وأحلامها ومتمنياتها المستقبلية؛ بسبب تعاسة الزوج، وفقره المدقع، وبؤس حياته، وكثرة المشاكل المادية، وخاصة مع مجيء الضيف الثقيل، أخ الزوج، يحمل حقائبه رغبة في الاستقرار معهما في بيتهما الضيق لمدة طويلة. وهذا الشخص، بدوره، يعاني من الأحلام المعلقة أو المجهضة؛ بسبب عدم وجود الفرص المناسبة لإظهار قدراته وكفاءاته ومواهبة في الموسيقا والغناء والتمثيل.

وتتميز المسرحية بحداثة السينوغرافيا التي استفادت من آليات تقنية معاصرة جميلة وجذابة، إلى جانب خفة حركات الممثيلين التي تذكرنا بخفة شارلي شابلن، أو خفة ممثلي السينما الصامتة في عشرينيات القرن الماضي.

وخلاصة القول، يتبين لنا، مما سبق ذكره، أن الحداثة المقصودة في هذه الدراسة هي حداثة التغيير، والتجريب، والتجديد، والتثوير، والانزياح عن المألوف والسائد. ومن هنا، فقد عرف المسرح الأمازيغي المغربي حداثة ثقافية وفنية كبرى ، تندرج ضمنها حداثات فرعية أخرى، مثل: الحداثة الفلكلورية، والحداثة التجريبية، والحداثة التجريدية، والحداثة الرمزية، والحداثة السريالية، والحداثة العابثة، والحداثة الميتامسرحية، والحداثة السينوغرافية، والحداثة الكوريغرافية، والحداثة الشاعرية…

أما على مستوى الأسئلة التي طرحتها هذه الحداثة المسرحية الأمازيغية، فيمكن الحديث عن مجموعة من الأسئلة المؤرقة، مثل: سؤال الهوية والكينونة والتاريخ، وسؤال المحلي، وسؤال الوطني، وسؤال الذات، وسؤال الواقعي والمجتمعي، وسؤال الإنساني والكوني، وسؤال الفن والمسرح، وسؤال الحلم المعلق، وسؤال التهميش والإقصاء، وسؤال القيم، وسؤال الوجود والمصير، وسؤال اللاعقل أواللاوعي، وسؤال التراث والفلكلور، وسؤال التجريب، وسؤال العبث، وسؤال التأثيث المسرحي، وسؤال الجسد، وسؤال الشعر…

أما عن مرجعيات الحداثة المسرحية الأمازيغية، فيمكن الإشارة إلى الاحتفالية بمختلف تجلياتها، والبريختية بمقوماتها الفنية والجمالية، والمسرح الرومانسي، والمسرح التجريبي، والمسرح السريالي، والمسرح الوجودي، والمسرح العابث ، أو ما يسمى أيضا بمسرح اللامعقول، ومسرح البيوميكانيك مع ماييرخولد، والمسرح الصامت والحركي.

 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

موضوعات “الموسوعة المختارية في مصنفات الأعلام الجزائرية عبر القرون”

أ.د شميسة غربي* آثرتُ في هذه المداخلة المُوجَزة؛ الحديثَ عن أحد المُصنّفاتِ التي شَيّدَ مُؤلّفُها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *