الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | قراءة في رواية الموت عمل شاق

قراءة في رواية الموت عمل شاق

داود جامع

– ” الموت موجود لا بوصفه نقيضاً للحياة، بل بوصفه جزءاً منها ” هاروكي موراكامي؛
في الحرب الحياة عمل شاق، أما الموت !!؟؟ فربما انطباقُ قول موراكامي عليه سيكون ببلاغةٍ أدبية أكبر. منه على حالة يسودها سلم .
– في رواية خالد خليفة: ” الموت عمل شاق ” التي يمكن إختصارها على أنها مواجة لقدسية الحياة في عبثية القتل تحت أو في ظل لاإنسانية طاغ صوتها في سماء سوريا زمن الحرب الحالية جاعلة من الموت ” خلاصا يثير حسد الاحياء ” وملاحقا أمواتها حتى في عبورهم لحدود الضفة الثانية للحياة الأخرى حتى ولو بكلابٍ شاردة أو اعتقالات لجثث كان أصحابها بالنسبة للنظام مجرد ” مجموعة وثائق وأرقام وليسوا كيانا ” تؤدي دورها الإنساني أو الحياتي لذا لا يجب أن تبقى عالقة قبل تصفية حساباتها معه وعبورها للعالم الآخر ” فالحياة والموت مجموعة أوراق رسمية ” يجب توثيقها في سجلات أقبية مخابراته ( تراجيديا كوميدية لا تعلم معها هل تضحك من الموقف أم تبكي لحال الإنسان في ظل الحرب وما يفعله بأخيه )؛ سرد برع خالد خليفة من خلاله في تصوير مشاهد أكثر من واقعية جاءت لتكون أحيانا كتعبير عن مرحلة ما بعد نهاية العالم ( post-apocalyptic ) والتي ذكرتني برواية ” كورماك ماكارثي – الطريق”.

– في فيلم الساعات يسأل ليونارد زوجته فيرجينا وولف: لم يجب أن يموت أحدهم ؟ تجيبه وولف : ” يجب أن يموت أحدهم من أجل أن يقدر بقيتنا قيمة الحياة أكثر.” لا يبدو أن لهذه القمية أهمية كبيرة في ظل الإنتشار الرهيب للموت في سوريا حتى صار الإعتبار بأن يكون ” الموت حلا نهائيا لمعضلة الحياة، الموت الجماعي نوع من الحل. كثيرا ما تخيل (بلبل) مجموعات من بشرية تنتحر في طقس جماعي لأن الحياة أصبحت ملوثة إلى هذه الدرجة، لا يمكن احتمال العيش وسط طوفان بشري يحرض على القتل إلى هذه الدرجة ” يغوص خالد خليفة في عمق النفس والطبيعة البشرية وفي بعض الخلفيات المستترة حتى يصل إلى أن سيرورة الأحداث كانت نتاجا طبيعيا لما كانت عليه سوريا حتى وصلت إلى تلك النتيجة الحتمية التي لابد من المرور عليها: ” كل ما حدث كان يجب حدوثه، سيرة طبيعية للوهم الذي عاشه الجميع، الحياة في أزمنة العار والصمت الذي عاشوه سنوات طويلة يجري الآن دفع ثمنهما، الجميع سيدفعون الثمن، الجلاد و الضحية، تصحيح خطأ الحياة المنافقة، قد يكون ثقيلا إلا أنه لا بد منه في النهاية “.

– نتعرف على حدود اللاإنسانية في هذه الرواية وما تبعه من نتائج هذه الحرب في سوريا وتبعاتها التي لم تمح بساطة اللغة التي استعملها خالد خليفة من سطوتها على مخيالي وأنا اقرأ ولا سلاسة السرد من فظائعية الإجرام خلال هذه الحرب التي سيخسرها كلا الطرفين
* الرواية :

– في لحظة شجاعة نادرة من بلبل وفي رهبة لحظات الاحتضار يوافق الابن على تنفيذ وصية الاب عبد اللطيف الأخيرة بدفنه في قريتهم العنابية المناوئة مع أخته ليلى المتوفاة منذ 50 سنة لا غرابة في الطلب ولا صعوبة في التنفيذ للوهلة الأولى من عزم الابن تنفيذ وصية الأب البسيطة، يخبر أخاه بوصية الأب وتأتي أختهم الوحيدة لمرافقة الجثة معهما إلى مثواها الأخير إلى قريتهم المناوئة للنظام؛ هذه الرحلة سيكون الغالب عليها هو الصمت وتصاعد للغضب وانفلات للمشاعر و تلاعب من القدر بالأربعة على طول الطريق بتهديد وخوف من فقدان للحياة أو للجثة؛ نكتشف قوة صبرهم وتحملهم في لحظات رعب واعتقال في حواجز أمنية ( تصلح لكل شيء إلا للأمن ) تصادر حتى جثة بدعوى إعتقال صاحبها ولو في حالة وفاة!!! رحلة غير عادية لإخوة غلب الفشل على حياتهم يريدون النجاح في هذه المهمة التي ستكون ربما آخر ما يجمعهم؛ رحلة تطهيرهم من عبئ ظل يثقلهم لسنوات بلا تسويات كانت هذه الرحلة فرصتها المواتية، إسترجاع للماضي ومحاكمة له وللذات وللآخرين من غير أحكام ولا شهود للإثبات سوى راو عليم ( لم يفسد الرواية ) تستمر الرواية في اتباع رحلة الإخوة بجثة أبيهم فيما يعيدنا الراوي إلى الماضي في تعاكس الجثة ذاهبة للعنابية والحكاية منها بدأت حكاية عبد اللطيف ومن معه وإليها ستعود جثته …. الرواية يفضل أن لا تفسد بكشف أحداثها .
– رواية تستحق القراءة ( شخصية ليلى وشخصية عبد اللطيف تستحقان المراجعة والتوقف عندهما )
– التقييم: 7.5/10
***

الإقتباسات:
* اللحظة الأخيرة دوماً عاطفية، غالباً غير مناسبة للتفكير لا مجال فيها لمحاكمات عقلانية، ويتكثف فيها الزمن.
مراجعة الماضي وتصفية الحسابات تحتاج إلى هدوء وتأمل طويلين لا يمارسهما المقبلون بعد لحظات على الموت، يرمون على عجل بأحمالهم، ويمضون لعبور البرزخ إلى الضفة الأخرى التي لا قيمة للوقت فيها.
* لم يعد الموت فعلا يستدعي الانفعال , بل أصبح خلاصا يثير حسد الأحياء.
* العزاء الصامت يزيل رهبة الميت .
* لم يعد الموت فعلاً يستدعي الانفعال، بل أصبح خلاصاً يثير حسد الأحياء.
* كل شيء يبدو قريباً من الموت في هذه الفوضى.
* في الحرب مرور جنازة حدث عادي لا يثير أي شيء سوى حسد الأحياء الذين تحولت حياتهم إلى انتظار مؤلم للموت.
* أسوأ ما في الحرب تناسل الأفعال الغرائبية، وتحول القصص المأساوية إلى حدث عادي.
* الموت واحد في كل الأوقات، إلاّ أنه عبء ثقيل على الأحياء أحيانا.
* ممارسة السخافة هي دوما جزء من هالة النفوذ.
* البشر بالنسبة للدولة مجموعة وثائق وأوراق وليسوا كيانا روحيا.
* الحياة هي مجموعة أفعال تافهة لابد ستنتهي.
* لحظة المكاشفة في الحب تشبه باقة ورد تطفو على صفحة نهر، يجب التقاطها في الوقت المناسب، النهر سيجرفها ولن تنتظر طويلا، هي لحظة مكثفة للاعتراف بالرغبات العميقة.
* المعنى الحقيقي للحب هو ما نفقده و ليس ما نعيشه.
* الحب هو أن تقضي شيخوخة سعيدة مع حبيبتك.
* حين تمضي الحياة لا تفيد الذكريات سوى في نبش مزيد من الألم.
* في الحرب يكفيك أشياء صغيرة للأمل.
* في الزحام تكون الوجوه حيادية، تلهث للخلاص من الجماعة.
* ماذا تفيد الفاتحة ميتا، كل مايفعله الأحياء من أجل الميت يخصهم وحدهمن يرضي غرورهم.
* الحياة والموت مجموعة أوراق رسمية.
* رابطة الدم لا تكفي للعيش في كذبة الوئام العائلي.
* التفكير جريمة حقيقية تستوجب المساءلة.
* لا تعرف شكل الحياة التي تريدها لكن من المؤكد أنها تعرف شكل الحياة التي لا تريدها.
* كل ما حدث كان يجب حدوثه، سيرة طبيعية للوهم الذي عاشه الجميع، الحياة في أزمنة العار والصمت الذي عاشوه سنوات طويلة يجري الآن دفع ثمنهما، الجميع سيدفعون الثمن، الجلاد و الضحية، تصحيح خطأ الحياة المنافقة، قد يكون ثقيلا إلا أنه لا بد منه في النهاية.
* الإيمان هو الطريق الأقرب للراحة النفسية، لكنه لم يعرف الطريق إليه، يحتاج إلى إيمان قوين يبعده عن الأسئلة المؤرقة لا نصف إيمان.
* التفسخ إهانة حقيقية للجسد وليس الموت.
* يتقبل البشر من الأطفال كل أنواع اللامعقولن كأ، احترام الخيال مرتبط بمرحلة معينة من العمر.

الكتاب: الموت عمل شاق.
المؤلف: خالد خليفة.
الناشر: دار العين للنشر
الصفحات : 206 صفحة

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

موضوعات “الموسوعة المختارية في مصنفات الأعلام الجزائرية عبر القرون”

أ.د شميسة غربي* آثرتُ في هذه المداخلة المُوجَزة؛ الحديثَ عن أحد المُصنّفاتِ التي شَيّدَ مُؤلّفُها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *