حوارات هامة

حوار مع القاص الجزائري عيسى بن محمود: السرد ذاكرة العرب مثلما هو الشعر ديوانهم.

حاورته : جميلة طلباوي

عيسى بن محمود اسم لقاص جزائري أول ما يلفت انتباهك وأنت تجالسه وتتحدث معه هو ذلك الهدوء في شموخ و تخرج بنتيجة أنّك أمام رجل حكيم، فتتشوّق أكثر لقراءة كتاباته لتجد نفسك قد غصت في عوالم من دهشة و متعة السرد. صدرت له مجموعتان قصصيتان، الأولى رحيل عن منشورات الاختلاف 2006 ، الشليطة تغمر المدينة عن دار الكتاب العربي 2007 و مجموعة قصصية الكترونية عن دار الصداقة للنشر الالكتروني.  نلتقي به من خلال هذا الحوار ليحدثنا عن تجربته القصصية ، عن فكرة جبهة كتاب القصة القصيرة و مواضيع أخرى  في عوالم الأدب..

 

القاص عيسى بن محمود نحن نعيش عصرا يتحول فيه الشاعر والقاص إلى روائيين،  حتى أصبح يطلق على الرواية الديوان الجديد للعرب،  ما سرّ وفائك للقصة القصيرة؟

عيسى بن محمود: لنتساءل عن سر الهجرة نحو الرواية أولا، هل كل توجه من شاعر أو قاص نحو الرواية له مبرراته؟ إذ أنه بالنظر للمساحات التي تتيحها القصة قد لا نظلم البعض ممن عدوها ممرا إلى الرواية بأن نقول أن سبب هجرتهم يتلخص في مجرد البحث عن ألق لم تمنحهم إياه القصة القصيرة. فقد يكتب الواحد منا عديد القصص القصيرة و يصدر مجموعات قصصية و مع ذلك يبقى مغمورا، الوقت الذي يكتفي الروائي بعمل أو اثنين ليرسخ وجوده الثقافي كاسم. وقد ذكرني سؤالك بإشكالية كنت تطرقت إليها في مقال حول كون السرد ذاكرة العرب مثلما هو الشعر ديوانهم ، و حينما نقول السرد فإن المجال لا يشمل الرواية وحدها بل القصة القصيرة و الأقصوصة والقصيصة وهلم جرا من التسميات التي تم إطلاقها في غياب تجنيس حقيقي للعمل الإبداعي السردي. ولكننا نلاحظ أيضا عودة بعض الأقلام الروائية إلى كتابة القصة القصيرة.

وهل كانت بالمقابل القصة القصيرة وفية لك و أعطتك فعلا ما تريده من عوالم الأدب الساحرة؟

عيسى بن محمود: القصة القصيرة رغم اعتمادها التقشف اللفظي إلا أن ذلك يعطيها تلك الكثافة التي تزاوج بين لحظة ميلاد الشعر و ما تمثله من تيه نحو اللاوعي مع تحكم العقل المباشر في الفكرة بأسلوب مميز يحافظ على وحدة الحدث و يصل ذروة الشبق اللغوي حين القبض على التأزم. وبالتالي فإن ما تعطيه لنا القصة القصيرة هو نتاج ما نسبكه نحن من المساحات الواسعة التي نعدها موضوعا لها، ونحن هنا نستبيح كل المجالات مدادا للقص بزاوية نظر مخالفة للسائد. وكإجابة تقليدية عن تجربتي القصصية والتي أخالني لا أبارح مدخلها بعد لكوني أشتغل على التجريب لحد الآن فدعيني أرجع سر تعلقي بالقصص الى النص القرآني  أولا، فلقد حفظت أزيد من نصف القرآن الكريم في سن مبكرة جدا، وبنهم مفرط قرأت في تلك المرحلة السيرة الهلالية، ألف ليلة و ليلة ، كليلة و دمنة..فولجت تلك العوالم السحرية للقص، و كنت أحاول إكمال المشهد الذي يكون الكاتب قد أغفله عمدا ، ثم حسبتني قادرا على الكتابة إذ أثمرت المحاولات الأولى و التي كانت على درجة من النضج أن نلت الجائزة الأولى في الأدب الثوري 1984 كما اصطلح عليه حينها ، بقصة قصيرة لا أزال أذكر عنوانها “مسيو الريكات”، ثم تتالت المشاركات في المسابقات و النشر في الصحف الوطنية ، و من ثم الالتحاق بالجمعيات الثقافية ذات الصلة كإتحاد الكتاب الجزائريين و جمعية الجاحظية. وقد سبق لي أن أصدرت مجموعتين قصصيتين الأولى رحيل عن منشورات الإختلاف 2006 ، الشليطة تغمر المدينة عن دار الكتاب العربي 2007 ومجموعة قصصية الكترونية عن دار الصداقة للنشر الالكتروني.

هل يحتاج كتاب القصة  القصيرة في الجزائر إلى إنشاء جبهة ؟

عيسى بن محمود: الحقيقة أن واقع القصة القصيرة في العالم العربي في حاجة إلى تفعيل أكبر مما هو عليه الحال، وقد عرفت القصة في الجزائر بصفة خاصة مراحل لا أقول تطور و لكن أقول منفصلة ، فكل جيل بدءا من الرواد خاض  تجربة إما أنها لم تنقل للجيل الموالي أو أن الجيل الموالي لم يأخذ بها، إذ نجد أن جيل القصة القصيرة الحالي في الجزائر يخوض تجربته القصصية بمعزل عما سبقه يؤطر وينظر و يؤسس لهذا الجنس الأدبي كتجربة مستقلة عما قبلها. وبالنظر الى هذا الجهد في غياب تام للنقد و وسائط التفعيل الأخرى بات من الضروري الانتصار لهذا الجنس الأدبي ليس على حساب بقية الأجناس و الفنون و لكن بالمماشاة معها و هو ما حدى إلى العمل على تشكيل جبهة كتاب القصة القصيرة

ماذا يمكن أن يضيف هذا التنظيم إلى هذا الجنس الأدبي الذي لم يأخذ حقه كما ينبغي بين باقي الأجناس الأدبية؟

عيسى بن محمود: كثيرا ما تم الحديث في سنوات فارطة بين المهتمين على خلق آلية تجمع كتاب القصة القصيرة وإيجاد منابر لها من بينها محاولة تخصيص ملتقى وطني للقصة القصيرة مع أن التسمية كانت : ملتقى الأدب و الثورة ببرج بوعريريج بمعية القاص عباس قاسيمي ومحمد الصديق بغورة، لأعاود الالتقاء بالفكرة من جديد لدى مجاهد الجبهة الأكبر محمد رابحي الذي وجدته يحمل هذا الانشغال منذ ملتقى الجلفة للابداع الادبي والفني في طبعته الثانية ثم ببلعباس، وتم السعي مع الاديب علاوة كوسة على هامش مؤتمر اتحاد الكتاب الجزائريين الأخير إلى ايجاد أرضية الإنطلاق التي تمت منهجتها بملتقى سطيف بحضور فاعل للقاص سعدي صباح، الاديبة جميلة طلباوي و أسماء قصصية و نقدية وازنة في المشهد الثقافي، حيث تم الإعلان الرسمي عن تشكيل جبهة كتاب القصة القصيرة. وعودا على بدء فإن أسباب تشكيل هاته الجبهة تعد أهدافا نعتمدها لإحلال القصة في المكانة التي تليق بها  إذ نجد أن أهداف هذا التنظيم كما جاء في سؤالك الذي نعده حاليا تيارا فكريا فحسب هو: العمل على ضم كتاب القصة القصيرة على اختلاف مشاربهم و أساليبهم في الكتابة ، و إنشاء انطولوجيا تعكس مسار و تطور القصة القصيرة و من ثم التوثيق للأسماء و المنشورات و الاتجاهات التي كتبت فيها. إطلاق موقع الكتروني يختص في القصة القصيرة تفعيل الجانب النقدي و العمل على إدخال القصة القصيرة إلى الجامعة دراسة وتنظيرا. السعي على إنشاء مجلة ورقية متخصصة خلق الملتقيات و الندوات التي تتناول القصة القصيرة من كل الجوانب والإسهام في كل المساحات الثقافية الموجودة لإبلاء العناية اللائقة بهذا السحر السردي.

من بين ثمار هذه الجبهة إطلاق موقع إلكتروني للقصة الجزائرية حدثنا عن هذا المشروع.

عيسى بن محمود:إطلاق هذا المشروع كان يهدف أساسا الى استغلال هذا الفضاء الافتراضي لجمع الكتاب و المهتمين بالقصة القصيرة و متابعة راهن القصة كتابة ونقدا و تعريفا بالأعمال القصصية و إيصال الفعاليات الأخرى لجبهة كتاب القصة القصيرة التي ستعمل عليها من خلال الملتقيات و النشريات والندوات و غيرها. ولا أخفيك أن النص الإبداعي الجزائري يجد مكانته مع باقي الأعمال القصصية العربية، غير أنه على مستوى النقد لا مجال للمقارنة مع أشقائنا في المغرب و تونس على الأقل، و نتوخى أن يسهم هذا الموقع بإيجابية في هذا الجانب.

النشر الالكتروني أحدث ثورة في مجال نشر النصوص الأدبية، لكنّه يبقى مكمّلا للنشر الورقي الذي يعدّ الأهمّ ولا غنى لنا عن الكتاب، كيف ستتعامل جبهة كتاب القصة مع أزمة النشر، هل من حلول وبدائل؟

عيسى بن محمود: النشر الالكتروني فتح مبين نعمل على استغلاله بالطريقة و الكيفية التي تساهم في إثراء الساحة الثقافية الإنسانية ككل ، لكن فيما يتعلق بالجانب الورقي فإن المشكلة مزدوجة ، الأولى في الطباعة و الثانية في النشر ، شخصيا لا أجد مهزلة أكبر من أن يصدر عمل للكاتب دون أن يتواجد هذا المولود برفوف المكتبات و لا تتطرق إليه و سائل الإعلام المختلفة ، و يكتفي الكاتب بتوزيع 10 نسخ على أصدقائه ، و هو ما يحدو بنا إلى إيجاد آليات الطبع أولا عبر استغلال كل السبل المتاحة لدى المطابع و الهيئات الثقافية بما في ذلك وزارة الثقافة و الجمعيات الثقافية الوطنية ، و ثانيا العمل على إيصال الكتاب وفق منهجية قد تسطرها الجبهة لاحقا مع المؤسسات المهتمة ، ثم بتظافر جهود المنتسبين و تآزرهم فيما بينهم حيث نتوخى أن تكون التغطية حينها وطنية، مع العلم أن الجبهة ليست بديلا ثقافيا لما هو موجود إنما تعد إضافة نوعية لتفعيل ما هو كائن.

كنتم منذ أسابيع أعلنتم عن مسابقة الروائي الجزائري الكبير الراحل ابن هدوقة في الرواية و القصة، حدثنا عن هذه المسابقة؟

عيسى بن محمود: مسابقة عبد الحميد في هدوقة تقام لا أقول على هامش و لكن أقول ضمن الملتقى الدولي للرواية عبد الحميد بن هدوقة الذي تحتضنه ولاية برج بوعريريج سنويا، وقد سبق لهاته المسابقة أن كانت معبرا لعديد الأقلام الجزائرية الى الحقل الإبداعي الواسع ، و هي من ضمن المسابقات الجدية و المؤسسة لفعل ثقافي رزين بما نالته من مصداقية و فاعلية ، و دعيني أستغل فرصة هذا الحوار في التأكيد على أن نهاية استلام المشاركات 20 نوفمبر الجاري ، مثلما أوجه نداءا الى اللجنة العلمية على جعل هاته المسابقة دولية ، و أخال الملتقى سيقام أيام 14  15  16  ديسمبر بالمركب الثقافي عائشة حداد ببرج بوعريريج و يحضره أكاديميون متخصصون و روائيون من الجزائر و الوطن العربي و أوربا و الأقلام الإبداعية المهتمة.

عيسى بن محمود هو فنّان تشكيلي أيضا التشكيلي، لو تطفلنا على عالمك هذا ماذا نجد؟

عيسى بن محمود: الحقيقة أن الفن التشكيلي هو المهرب الذي طالما رافق تجربتي في القصة القصيرة، إذ كثيرا ما أتعامل مع الرسم كمشهد مشوه أو قصة لا يمكن أن تكتمل ، و مع أنه لا يعد زاوية للإجهاض القصصي إلا أنه كثيرا ما يكون أقرب إلى لحظة التأزم في القصة، وقد سبق و أن تجرأت على إقامة معارض لبعض أعمالي منها برج بوعريريج و تيزي وزو، مثلما شاركت بعدد قليل مع معارض لفنانين تشكيليين ، و مثلما هو الحال مع القصة القصيرة على مستوى التجريب، تتعدد اللوحات أيضا بين التجريد و المنمنمات والجمع أحيانا بين التجريدي والمنمنمات بالخط العربي .

بعيدا عن القصة و الفنون التشكيلية ، ما هي الاهتمامات الأخرى لعيسى بن محمود الإنسان؟

عيسى بن محمود: اتماهى مع الجمال و الخير و الصدق و أحاول عدم تفويت آية لحظة دون تحويلها إلى جمال سواء بالنحت أو الأشغال اليدوية أو تقييدها كصورة رقمية و هاته الأخيرة تعد أضعف الإيمان.

على ماذا يشتغل عيسى بن محمود حاليا؟

عيسى بن محمود: طالما راودتني الرواية عن نفسها و أخشى أنّي قد وقعت، دون تطليق سيدة الفنون طبعا القصة القصيرة.

كلمة في نهاية هذا اللّقاء.

عيسى بن محمود: أشكر لكم هاته الفرصة التي منحتمونيها وأخص شخصكم الكريم، أهنئكم بالعيد كما أهنئ الكتاب و المهتمين بالقصة القصيرة بهذا الميلاد الذي سيؤسس لهذا الجنس الأدبي بتظافر جهودهم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق