الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | رقصة الكانكان

رقصة الكانكان

قصة أرتورو فيفانتي: 

ترجمة نور محمد يوسف.
مراجعة كرم محمد يوسف  

وقال لزوجته “سأذهب لقيادة السيارة . سأعود في غضون ساعة أو ساعتين”.

لم يغادر المنزل في الغالب لأكثر من الدقائق القليلة التي استغرقها الذهاب إلى مكتب البريد أو إلى متجر، لكنه أمضى وقته متسكعا يقوم بأعمال غريبة – السيد المصلّح ، هو الاسم الذي أطلقته عليه زوجته – و أيضا، وإن لم يكن يستفيد منه بما فيه الكفاية ، كان يقوم بأعمال الدهان – التي يكسب منها معيشته .

أجابته زوجته بزهو ” طيب ” ، كما لو أنه كان يقدم لها معروفا. في الواقع، لم ترغب أن تتركه يغادر. كانت تشعر بالأمان أكثر عندما يكون في المنزل ، وكان يساعدها في رعاية الأطفال ، وخاصة الطفل الصغير .

“أنت سعيدة للتخلص مني ، أليس كذلك؟”.

” آه هوه “، قالت بابتسامة جعلتها فجأة تبدو جميلة جدا – شخص يجب أن لا تفوت الجلوس معه .

لم تسأله عن مكان ذهابه. لم تكن أقل فضولية ، على الرغم من أنها كانت غيورة في صمت، وبطرق خفية.

كان يرقبها وهو يضع معطفه على كتفيه . كانت في غرفة المعيشة مع ابنتها الكبرى. وقالت الطفلة : ” ارقصي لي رقصة الكانكان ، يا أمي “، أمسكت بتنورتها ورقصت الكانكان ، كانت تحرك ساقيها عاليا باتجاهه.

ببساطة لم يكن مجرد مشوار كما قال لها ، ولكنه كان ذاهبا إلى مقهى ، ليقابل سارة ، التي عرّفته عليها زوجته التي لن تشك بها أبدا ، وسيذهب معها إلى منزل على بحيرة لا تعرف زوجته عنه شيئا – كوخا صيفيا كان يمتلك مفتاحه .

وقال “حسنا، وداعا”.
“وداعا” ، ردت عليه وهي ما تزال ترقص.

فكرا قليلا في تصرف زوجته إذ أنه لم تكن هذه هي الطريقة التي يتوقع بها زوج رد فعل زوجته وهو على وشك أن يتركها ليذهب لامرأة أخرى . توقع أن تكون منشغلة بأعمال الخياطة أو الغسيل وليس في رقصة الكانكان .ما الذي تقصده بحق السماء ؟ كان يتوقع أن تكون منشغلة بعمل شيء غير ممتع وغير جذاب مثل رتق ملابس الأطفال . لم تكن ترتدي جوارب أو حذاء وبدت ساقاها بيضاوان جدا وناعمان وجذابان وكأنه لم يلمسهما يوما أو يقترب منهما . كانت قدماها التي تتأرجح في الهواء علوا وهبوطا وكأنهما تومئان له.عقدت تنورتها بشكل مثير . لكن لماذا تتصرف على هذا النحو الآن ؟ ابطأ خروجه من المنزل . كانت عيناها مليئتان بالسخرية . ضحكت كثيرا .وضحكت الطفلة معها وهي ترقص. كانت لا تزال ترقص أثناء مغادرته البيت .

فكر بكل الصعوبات التي واجهها في ترتيب هذا اللقاء الغرامي ….الذهاب إلى مقصورة الهاتف والاتصال بسارة في مكتبها ( كانت متزوجة أيضا ) ، خروجها من البيت ، اتصاله بها مرة ثانية ، الهاتف المشغول ، النقود التي تختفي في الهاتف وتغيب عن العين ، كيف فتح باب علبة الهاتف لكي يستعيدها ، أخيرها وجدها على الخط ، كيف طلبت منه أن يتصل بها ثانية الأسبوع المقبل…وأخيرا تم تحديد موعد .

وأثناء انتظاره إياها في المقهى ، فاجأ نفسه بأمل أن لا تأتي . كان الموعد عند الساعة الثالثة . الآن الساعة الثالثة وعشر دقائق. حسنا هي دائما متأخرة . نظر إلى الساعة ثم إلى المنظر الذي يظهر من النافذة بحثا عن سيارتها . ظهرت سيارة تشبه سيارتها لكنها ليست هي – لا يوجد أمتعة على ظهر السيارة . أعطاه ظهر السيارة الأملس نوعا من السعادة الخاصة . لماذا يا ترى ؟ الساعة الآن الثالثة والربع . ربما لن تأتي . كلا . إن كانت ستأتي هذا هو الوقت المثالي لوصولها . الثالثة وعشرين دقيقة . أه. الأن هناك بعض الأمل . الأمل؟ كم كان غريبا أنه يتمنى أن تغيب . لماذا حدد هذا الموعد إن كان يأمل أن تغيب ؟ لم يكن يعرف لماذا ولكن إن لم تأت سيكون الأمر أكثر بساطة . كل ما يريده الآن هو تدخين سيجارة وارتشاف فنجان من القهوة لأنه يشتهيهما وليس ليشغل نفسه بعمل ما . لكنه انتظر ، وأخيرا وصلت في الساعة الثالثة وثلاثين دقيقة . بادرها قائلا : ” لقد فقدت الأمل في أن تأتي ”

ذهبا بالسيارة إلى المنزل الموجود بقرب البحيرة وبينما هو يحتضنها بين ذراعيه لم يستطع أن يفكر بها . فكر بحياته التي لم يستطع أن يعيشها .

قالت له بعد أن لاحظت شروده :” بماذا تفكر ؟”
لم يجبها للحظة ، ثم قال : ” أتودين أن تعرفي بحق فيما أفكر ؟ ”
قالت بقلق ظاهر : ” نعم ”

قمع ضحكة كادت تخرج منه ، كما لو كان سيقول لها شيئا تافها أو سخيفا جدا . “كنت أفكر في إنسانة ترقص الكانكان “.

أجابته قائلة بكل ثقة : ” أوه … للحظة ..كنت أخشى أنك تفكر في زوجتك .”

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

فصل من رواية : المحروسة لا تشبه غرناطة / بلقاسم مغزوشن

كانت السّماء سِنجابيّة في تلّة بوزريعة و لا تسمع سوى خشخشة العشب المستحلس، المستعصي لكنس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *