قراءات ودراسات

قراءة في رواية العصيان لفاليري مارتن

داود جامع

– العبودية / الرق إن سُألت عن ما أكره أو أبغض في هذه الحياة ؟؟؟ فلا تَردُد في قولي كل الأفعال اللاإنسانية بمجملها أبغضها وعلى رأسها الرق فهو يشرِّع بابا كبيرا لعالم منفصل قائم بذاته من/ على فظائع يرتكبها الإنسان في حق أخيه الإنسان (وحتى أبنائه وإخوته في الدم) خاصة في ظل تشريعات (دينية / مدنية) تؤيده (تحميه/ تشرعنه) بمبرراتٍ أخلاقياتُنا وقِيمنا الإنسانية ترفضها. (الدينية لا أظن على الأقل في الموروث الفقهي التاريخي منه ) لا في الوقت الحاضر ولكن حتى في الماضي فلا يمكن تبرير الاستمرار في الاستثمار في معاناة وتعذيب البشر لكل تلك الفترات الزمنية وانتظار القرن الـ 19 مـ وما بعده لتحرير العبيد وتجريم الاتجار بهم بدعاوٍ مرفوضة ولاإنسانية والعار لمن يبرر لتلك الأفعال في وقتنا الحالي لتجميل صورة البعض أو لتلطيف بعض التشريعات الفقهية في الموضوع..
– تبدأ الرواية بذلك المشهد المخادع حيث تراقب غوديت رجلا في الجهة المقابلة للنهر عبر منظار يتلو صفحات من الكتاب المقدس على خمسة من عبيده الصغار كمقدمة لتلك اللعبة التي يجبرون فيها على التعري أمامه و تبدأ السادية باللعب بالغطس والالتصاق وشد للحبل، تكتفي غوديت مانن من المشاهدة لكنها تخبرنا لتكملة عن كيف وما ستنتهي إليه اللعبة – شبه الجنسية – بضرب واتهامهم من السيد بأصولهم البهيمية !!! هكذا تعرفنا غوديت مانن على -السيد الأبيض: ” هذا زوجي “.

– تستمر مانن في الرواية بالتحدث عن كرهها للحياة في الريف خاصة أنها تشاركها مع زوج تكرهه سواء في حضرته أو غيابه لأن هناك ما يذكر به دائما ” سارة ” عبدة البيت التي أعطيت لها كهدية من خالتها التي تخلصت منها حتى لا تزيد تعقيد حياتها أكثر لكنها وترت حياة مانن خاصة بعد ولادتها ابنين من زوجها ( الذي اتخذها ملجأه الجنسي ) تتشارك المرأتان بغضه بشدة تقرر على أثره مانن عدم الإنجاب منه ورفض معاشرته لها بتاتا ( بغضها لصفاته / ساديته أثناء الممارسة الجنسية ) أما سارة فبغضها يتعدى الزوج إلى غوديت مانن أيضا وابن لها من الزوج يعيق بعض طموحاتها في حياة خارج جنون العبودية.

– 1828 لويزيانا، قبل قيام الحرب الأهلية الأمريكية لكنها كانت سنة قيام تمرد للعبيد الآبقين ضد البيض تمرد قائم على العدوانية والترهيب بالفظائع كرد فعل عن ممارسات البيض الأكثر وحشية؛ يزحف أصحاب التمرد على المزارع المنتشرة على طول النهر ليلا وتكبيد البيض ( الأقل عددا بكثير ) خسائر مادية وبعض الأرواح، تُشكل على إثر ذلك دوريات للحراسة والمراقبة لا تنجح في كسر التمرد قبل أن يصل إلى مزرعة مانن وتبدأ لحظات من الرعب والجنون في المنزل تستغلها سارة للتخلص من سيدها للأبد واعتقاد خاطئ منها بأن تشاركه غوديت رحلته تلك للحياة الأخرى تاركة وراءها ابنها الأبيض للمجهول هاربة مع الصغيرة السوداء فقط.

– تنجو مانن من تلك الليلة وبخسائر ليس افظعها فقدان زوجها؛ بعد تجاوز محنتها المرضية وتماثلها للشفاء الغير كلي والذي سيبقى يذكرها مدى الحياة بذلك الهجوم، وانتهاء تمثيلية العزاء التي لم تشارك فيها تترك الريف وتتوجه للبلدة بشكل نهائي حيث تركت لها والدتها التي راحت ضمن موجة الكوليرا الأخيرة منذ أيام ليست بالبعيدة بيتا صغيرا وثروة تكفيها، مع مهمة أولى لها في الحياة الجديدة استرجاع سارة بأي ثمن واجبارها على تقاسمها للحياة مع ابنها الذي تركته خلفها من أجل الزواج بأحد السود الأحرار، الذي يعمل على التفاوض من أجل الخروج بأقل الخسائر ضررا وإن كان الأغلى تكلفة، لكن مانن ترفض المساومات في استرجاع ” اشيائها الهاربة ” خاصة من أسود حر عمل على المساعدة في فرار عبدتها منها .

– – فاليري مارتن تكشف لنا عن نظرة داخلية للعبودية في كل أشكالها المهينة ومكوناتها في نثر واضح، بسيط وموجز لدرجة تدعو للإشادة بقدرة الكاتبة مع لغة قوية تنجح في تقريبنا وتعريفنا بمؤسسة الرق التي كانت سائدة ومقبولة في الجنوب الأمريكي، لم تستعمل وتستغل المشاهد الوحشية لتقريب الصورة (على عكس روايات أخرى عالجت نفس الموضوع وعزفت على هذا الوتر ) التي كانت تمارس ضد العبيد لكنها اكتفت بإيصال فكرة اللاإنسانية التي يحملها السيد للعبد وكمية الكره التي تسود العلاقات بين المكونات في ذلك العصر: السيد، العبد، الثوري، المرأة، السود المحررون، الجنوبيون …

– يصل لفهم القارئ مدى انتشار العبودية، ومدى السهولة في استعباد الإنسان للإنسان وجعله شيئا لا كيانا حي وكونها شائعة ومبررة وعقلانية …، وهي جزء من النظام الطبيعي للحياة اليومية في ذلك الوقت، وأن أي انحراف عن هذا النظام كان ضد القانون ويعاقب عليه .

– المرأة في الرواية هي المحور الذي يقاسم أو يشارك العبودية موضوع المعالجة في الرواية وتوصيف حالتها وظروفها في ذلك الوقت وفي تلك البيئة مع مثالي المرأة الحرة – الزوجة غوديت مانن – التي لا تملك من أمرها شيئا إلا التصرف في عبيدها وشؤون بيتها ( على الأقل كانت سارة منجيتها من عذابات زوجها الجنسية والطبيب الذي كان عونا لها في مسألة عدم الإنجاب )،والعبدة – سارة – التي يكون استغلالها في الغالب جنسيا من الزوج وقهرها عاطفيا من الزوجة ( الا في مشهد واحد حيث يتعدى الى بادرة استغلال جنسي في لحظة شرود من غوديت مانن تقطع تلك اللحظة )، هذا المحور لا يقل أهمية أو معالجة من طرف الكاتبة له في الرواية .

– رواية إنسانية تستحق القراءة.
– العيب الأكبر والملاحظ هو آخر الرواية وكأن الكاتبة في عجلة من أمرها لإنهاء الكتاب !!!.وهذا أثر على قيمة العمل في رأيي .
– التقييم 6.5 / 10

الكتاب: العصيان.
المؤلف: فاليري_مارتن.
الناشر: دار السوسن
الترجمة: حسام خضور.
الصفحات: 230 صفحة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق