الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | مَقطع من رواية “بيت حُدُد” لفادي عزام

مَقطع من رواية “بيت حُدُد” لفادي عزام

فضل وفيديل.
-فيديل بدي سمّيه فيديل..
صاح أبي بعد أن أخبرته الداية أن المولود ذكرٌ سليمٌ ومعافى ولا أثر لمتلازمة داون عليه. في ذلك اليوم القائظ من صيف عام 1974. في ضيعة هادئة بالقرب من دمشق.
هذا الإعلان صحبه امتعاض خالي الشيخ محمود:
-لكن فيديل اسم نصراني.
-لا حبيبي، فيديل هو فيديل كاسترو العظيم، لا نصراني ولا بيعرف الله تبعكم كمان.
وانطلق يملأ كؤوس العرق ويحتفل بصخب مع أصدقائه الشيوعيين بقدوم ولي العهد معافى بعد ابنتين سليمتين وذكر يحمل متلازمة داون.
أمي التي تخضع عادة لشطحات أبي، الأستاذ توفيق عبدالله مدرس الرياضيات الشيوعي الصاخب، همست لأخيها الشيخ الطيب مواسيةً، بعد أن استعاذ بالشيطان الرجيم من كفر الأستاذ التنح يابس الرأس.
-دعك منه سيكون اسمه فضل، فهو فضل من الله عز وجل.
بين رغبة أبي في أن أكون محاميا مثل كاسترو، وتمنيات أمي بأن أكون داعية وشيخاً مثل أخوالي. نشأت باسمين. في العاشرة خالي يجاهد لكي يحفظِّني القرآن الكريم، وأبي يلهب مخيلتي بقصص غيفارا وكاسترو وثوار العالم وأناشيد الحرية. وتنتهي كل النقاشات بين أبي وخالي بصلية شتائم للدين من أبي وبموجة غضب ووعيد بالحرق في نار جهنم مع كمية من الدعوات من خالي على الشيوعيية والملحدين المتجبرين بأن يريهم الله عجائب قدرته.
لم يستجب الله للشيخ حمود، لكن المخابرات السورية هي التي استجابت. فاعتقل أبي المعارض اليساري المزمن لمدة أربع سنوات، وخلالها جعلت مني أمي بمساعدة أخوالي شيخاً صغيراً بعد أن استفردوا بي بغياب الأب الضلالي.
أبي الذي اكتشف موهبتي بالرسم، حولتها أمي إلى موهبة في الخط العربي، وأقنعني خالي بأن التشخيص حرام. أتقنت حفظ نصف القرآن، وما يفوق مئتي حديثٍ شريف. قرأت السيرة النبوية لابن هشام والأغاني لأبي فرج الأصفهاني، وألفية ابن مالك، وأصبحت العبقري الصغير في اللغة العربية والتاريخ والديانة. مثار إعجاب كل المدرسة. ومع لحية لم تمسسها شفرة حلاقة، وصلت إلى الثانوية العامة إماماً صغيراً وفقيه البلدة وشيخَ أمي التي كنت أكبر أمام عينيها كما رسمت دائما في مخيلتها. ولكن اسمي في الهوية وسجلات النفوس بقي له رطانة السحر اليساري.. فيديل.
خرج أبي من المعتقل وكأنه كبر عشرين عاما، حطّموه لكن لم يكسروه. ما آلمه هو ما آلت إليه حالتي. شعر بالخيانة وطعنات في الظهر والخصر والكبد. ولم يستطع أن يشهر غضبه كما هو متوقع منه، لأن أخوالي صانوا بيته وحمونا من العازة وذل السؤال في غيبته الطويلة.
طرده النظام من التدريس وصنّفه كخطر على الجيل الصاعد. فانطلق إلى قطعة الأرض المحيطة ببيتنا يعمل فيها بكد. وحين نستيقظ لصلاة الصبح أنا وأختاي وأمي، كنا نسمعه يتمتم بكفريات لا تنتهي لآلهة السماء وعكاريت الأرض.
تحول بعدها إلى صامت وحيد. يعزق ويفلح بأرض بور ميتة يحاول غرس شجيرات في أرض عقيمة لكن إصراره وعناده المستمد من البغال هو من جعل من أرض جرداء مالحة غير قابلة للاصلاح جنة عجائبية من الأشجار اليانعة.
كان يأكل وحيداً، ويعمل وحيداً وبالكاد يتبادل الحديث مع أيٍّ كان. ترافقه ربعيّة العرق التي يشربها كل مساء بجانب البيت أو على السطح ، ونادرا ما يزور أو يزوره أحد من أصدقائه القدامى كان مصدوما بتخليهم عني لمشايخ الطرنيب، كما يحلو له السخرية منهم.
ومع انهيار جدران برلين وبداية البيريسترويكا كان الحلم الأحمر قد جفّ وتحول إلى أصفر باهت ونكاية، وعلى عادة المعاندين كبّر صورة لكارل ماركس في وسط غرفة الضيافة، دون أن يزيل لوحات أمي المطرزة الله محمد، يا رب بارك هذا البيت، يس والقرآن العظيم.
لينزلها خالي بتشجيع من أمي ويضع مكانها لوحة منمنمة لِلَّهِ مُلْك السَّمَوَات وَالْأَرْض يَخْلُق مَا يَشَاء يَهَب لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَب لِمَنْ يَشَاء الذُّكُور.
حدق طويلا في مكان لوحته الضائعة ولم يتكلم بحرف بل انكفأ أكثر إلى وحدته الصامتة.
مثل كل الكحوليين من مدمني العرق أصبح نحيفا بوجه حرثته الغضون، متآكل الأسنان.
حين نجحت بمعدل عال في البكالوريا، رفض حتى تهنئتي لمّا أعلنت أنني سأدرس الشريعة بتشجيع من أخوالي، مع وعد منهم أن أكمل دراستي بعد التخرج في الأزهر على حسابهم.
لم أكن أريد له أن ينكسر رغم سخطي عليه وعلى إلحاده وسكره وحياته التالفة، فقررت أن أعطيه شيئاً من البرّ الذي يستحقه الأب. قلت له:
-حاضر يا أبي سأدرس الحقوق كما تريد. ولكنني لن أكون سوى نفسي.
عيناه المحاطتان بهالات من السواد التي تتخللها أخاديد عميقةٌ تبّسمت لي بامتنان وهمس لي بصوته المتكسر وكأنه استسلم أخيراً لمناصري الله، الذين قهروه في أضعف نقطة لديه، ولده. قال:
-الله يرضى عليك يا ابني. هلق صار فيني ارتاح.
أذكر تماما ذلك اليوم 13 تموز عام 1992 استيقظنا فلم نجده، لم نعبأ كثيراً، ولكنه بعد الظهر عاد بسيارة أجرة ، نادى عليّ لأساعده بتنزيل الأغراض.
خروف مذبوح، وأكياس مليئة بالهدايا، وزّع بعض اللحم على الجيران، جمع أختيي لأول مرة ، قبّلهما وأعطى كل واحدة منهما فستانا واسكربينة وصندوقا من الأكسسوارات. خصّ أمي بثوب جديد، عباءة مطرزة لن تلبسها أبدا ولكنها ستحتفظ بها بحب في خزانتها. أخذني جانبا أمسك بيدي، وضع فيها ساعة ذات كستك فضي فاكتشف أنها متوقفه عن العمل، شتم أمَّ وأخت الصين الشعبية وشيوعيتها الخربة. أخذها من يدي وحاول هزها قرب أذنه وتحريك الزنبرك خاصتها من دون جدوى، وضعها تحت قدمه وهرسها خبطا بقدميه برفقة صلية من الشتائم لابن الحرام الذي خدعه. وحين هدأ أخرج من جيبه ثلاثة آلالف ليرة وقال لي:
-كان بودي أن أؤمن لك أكثر من ذلك ولكن هذا كل ما لدي يا حضرة المحامي.
ثم أولم لبعض أصدقائه القدامى غداء من المشاوي من صنع يديه. وكأنه استعاد نفسه وصلابته وروح الدعابة. حتى أمي لم تعترض يومها وعادت لها الابتسامة. حين غادر الضيوف. ساعد بجلي الصحون والأواني أمام دهشة الجميع. ثم أمسك يدي أمي وقبلها وقال لها:
– أنت ست عظيمة لأنك تحملتيني كل هالسنين.
مازح أختيي ولأول مرة في حياتنا شاهدنا أبانا بهذه الحنيّة والطيبة. خصّ أخي فداء بكيس من الألعاب والثياب، وأخذني جانبا:
– ربما أكون أسوأ أب في العالم، ولكن يوما ما ستفهم. ستفهم أن الله الذي يحاولون أن يقنعوك به متواطىء مع السفلة وقحاب البعث، لو كان موجودا لسمع لأربعين ألف ضحية قتلهم السفاح بحماة بدل أن يرجع ويبارك له ويتركه جاثم على قلوبنا.
وتابع بهدوء أكثر:
يا ابني أنت حر بشو ما بدك، بس أنا بشكرك لأنك حققتلي شيء صغير كنت أحلم فيه، أنا ما ظل عندي ولا حلم كلو انكسر واندعس بس أنت قبلت تفوت على كلية الحقوق، هذا هو الانتصار الصغير يلي ما بدي أخسره.
رغم سخطي عليك لأنك دخلت التدين قبل ما تعرف الحياة بس أنا فخور فيك، وحابب قلك شغلة وحدة.. الإيمان ما ألو دخل بالتدين.
التدين طقس وطريقة لتعرف الدرب إلى الله، والإيمان هو تكون منحازا للحق والخير وتعيش الحياة بروح الله الجميلة. صعب تفهم أو أقدر أشرحلك.
بس لو كان في مستشفيات أمراض نفسية بالقدس ومكة ودمشق بزمن الأنبياء لكان توفر على حياتنا كل هذا الهراء… كانوا حطوا الرسل بمصحات عقلية وارتحنا منهم.
أنا شيوعي لأنو بس يصير العالم كثير أمريكي وبعثي وإسلامي وأخو منيوكة ما في حل غير يكون الإنسان شيوعي.
أنا ما كنت أب منيح بس فيك تفتخر بشغلة وحدة أنو كان عندك أب شريف ونظيف ما كذب على حالو ولا خان من أمّنو ولا سرق بحياته.
-أبي ما في داعي لهذا الحكي.
انتابتني الرغبة بأن أضمه وفعلت، وهمست له:
– أنت أنظف أب بالعالم. وأنا أبنك فيديل فخور فيك.
وتعانقنا..
شدني إلى صدره، ولأول مرة في حياتي أحظى بالقوة والأمان. لحظات لن أنساها ما حييت. عناق عوّض سنوات من سوء الفهم والفقدان. استمر لثوان قبل أن يسترد طبيعته:
– يالله روح انقلع عاملي فيها فيلم هندي…
واستدار ليمسح دموعه. بعدها حمل المسجلة القديمة وقنينة عرقه وتبغه وذهب خلف الدار، حيث يعمل عادة. أوصل الماء إلى جذوع الشجيرات التي اعتنى فيها طويلا. وضع المسجلة بعد تزويدها ببطاريات جديدة على حافة صخرة مرتفعة، ألقمها كاسيت لأسمهان وانهمك بريّ الأشجار وتمسيد سيقانها.
من بعيد كنا نراقبه ونظنه يتحدث معها. قالت أمي:
-بيّك في حالة من حالتين إمّا جنّ أو الله هداه، بس قلبي مو مطّمن أبداً.. الله يجيرنا.
ثم رأيناه يجلس تحت شجرة المشمش الكبيرة وبدأ يلف سجائره ويدخنها على مهل وهو يرتشف رشفات متواترة من كأس العرق الكبير وينظر صوب غروب ذلك اليوم.
ما أن اختفت الشمس والأفق الأرجواني بدأ بالتلاشي كان قد أجهز على نصف لتر من العرق ونصف سجائره التي اتضح أنه كان يلغّمها برشات من الـ دي دي تي DDT، المبيد الحشري الفتاك بسوس الأشجار.
ومع انسدال الظلام كان قد تسمم تماما، بينما صوت أسمهان يصدح في مساء رخو وشاحب:
يا ديرتي مالك علي لوم لا تحزني لومك على من خان.
أخذناه إلى المشفى، حاولوا إسعافه ولكن الدكتور الذي أخبرنا بموته قال لي: إنه فتح عينيه لمرة واحدة وحكى له بصعوبة:
-بترجاك يا دكتور تركني روح.
وأضاف الطبيب:
-كان يمكن إنقاذه ولكن لأول مرة في حياتي أرى مريضا لا يريد الحياة يريد أن يغادر بهذا الإصرار.
ومات.
ستنصت فتاة الإعلان إلى فيديل يروي هذه الحكاية في وقت متأخر من تلك الليلة، وحين تنبهه أنه شرب الكثير من الفودكا. كان ليتر الأبسولوت قد تناقص إلى مادون النصف. نظر إليها وكأنه تفاجأ بوجودها، فسألها: ذكريني باسمك؟
ردّت بغنج محاولة الاقتراب لعناقه: شو ما بدك سمّيني؟
لم تكن تعرف أنها أيقظت الوحش للتو فنترها بعنف. وتوجه إلى الخزانة حيث يحتفظ بعدة كاملة من السياط والأقنعة وأدوات الألعاب الجنسية التي يحرص على اقتناء أفضلها. تناول خيزرانة ذات قبضة مزخرفة بعناية، واستدار عائدا إليها بوجه صخري وعينين محمرتين من السّكر الشديد تبرقان بلمعة شيطانية خالية من الحياة.
أمرها بصوت حازم أن تخلع كل ملابسها، حاولت الرفض فانقض عليها جالداً إياها على فخذيها وإليتيها ممزقا ثيابها الداخلية مستمرا بلسعها فيما توجعاتها تتحول إلى صرخات مكتومة فثبتها وضاجعها بعنف خال من أي إحساس.
قبل أن تهدأ طلب منها آمراً المغادرة بعد أن وضع دستة من المال في يدها. سوت ملابسها على عجل مبتسمة وهي تدسّ الخمسة آلاف درهم في حقيبتها:
– إيمتا ما حبيت تحكي عن بيَّك أنا موجودة.
دفّرها للخارج مقاوما رغبته بصفعها وأقفل الباب وعاد إلى الكنبة لينهار في نوم عميق.

 

*دحنون

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

فصل من رواية : المحروسة لا تشبه غرناطة / بلقاسم مغزوشن

كانت السّماء سِنجابيّة في تلّة بوزريعة و لا تسمع سوى خشخشة العشب المستحلس، المستعصي لكنس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *