الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | حدود الأدب الهامشي

حدود الأدب الهامشي

د.عمارة بوجمعة*

إذا كان من الصعوبة وضع حدود ثابتة للأدب الهامشي لتعقد مفهومه وتنوع إشكالاته الاجتماعية والفلسفية والفنية، وتوزع ميادينه على أكثر من حقل علمي وثقافي، فإن حضوره في الأدب ظل قائما منذ تشكل التراث اليوناني،. يكفي هنا أن نذكر موقف الفيلسوف أفلاطون من الشعر الغنائي، ثم منزلة هذا الفن من الفنون الأخرى والمعارف الأخرى المختلفة التي صاغت حكمة اليونان. لقد كان دائما هناك في تاريخ الآداب الإنسانية فواصل بين الأدب المركزي الرفيع والأدب الهامشي المتسم عادة بالسوفية والدونية والرذيلة.إنه تقسيم كان يقع دائما ضمن المعايير الأخلاقية والفنية. وهكذا ظلت هذه المفاضلة بين أدب رفيع وأدب وضيع هي السمة العامة المحددة لتاريخ الآداب الإنسانية. وبجدر هنا أن نذكر بعض السمات التي حددت هامشيات الأدب العربي مثل الأدب السوقي وشعر العميان وشعر الصعاليك وأدب الطرائف وغير من الظواهر الفنية التي تربت في أدي سلم القيم الأخلاقية والفنية. ومعنى ذلك أن الهامش كان يتحدد في الثقافة العربية داخل الأشكال الفنية التي تتعارض أو تنفصل عن منظومة الأعراف الجمالية والأخلاقية والاجتماعية والتي كان لها تأثير كبير في الإبقاء على نوع معين من الآداب ودفع نوع آخر إلى الاندثار والنسيان.
وفي هذا السياق يشير الناقد شرف الدين مجدولين أن علاقة الهامشي بجماليات التعبير الأدبي القديم تنطوي على تعقيدات جمة، مردها إلى تداخل عمليات الهامشي في نصوص وأنواع ذلك التعبير( فالهامشي مبدئيا هو المثال الإنساني المقصى من دائرة الاهتمام والمنبوذ في عرف الأخلاق والمقموع من قبل مؤسسات المجتمع والعقل والعقيدة والسلطة. وبهذه الرؤية ميز الناقد في التراث العربي ثلاثة مستويات من التمثيل الهامشي، أولههما تلك الأنواع التي غدت هامشية بالنظر إلى جنسها التعبيري كالحكايات العجيبة والخرافات والسير الشعبية، في مقابل الشعر والنثر الفني والخطابة التي اعتبرت أدبا رفيعا، وثانيهما تلك التي تكمن هامشيتها بالنظر إلى ما تصوره من عوالم سفلية للمنبوذين والخارجين من مثل قصص الشطارة ونوادر الحمقى وأخبار اللصوص وذوي العاهات والشواذ، وأما ثالث تلك المستويات فأدب كتبه هامشيون في التراث كأدب القرامطة والباطنية والزنادقة وغيرهم.
وإذا كان الأدب الهامشي يتحدد في جميع الحالات في مقابل الأدب الذي تنتجه المؤسسة، فإن دلالة الهامش تعني بذلك كل أدب ينتج خارج المؤسسة سواء كانت مؤسسة سياسية أو اجتماعية أو ثقافية ، وهو بذلك يقع بعيدا عن الرعاية والاحتضان وكثيرا ما يجري العمل على نبذه واستبعاده. غير أن استبعاد هذا الأدب وتغييبه لا يعني إخراجه من التداول الاجتماعي، فكثيرا ما يحظى هذا الأدب بشهرة واهتمام اجتماعي يتجاوز ما يكون للنصوص التي ترعها السلطة وتعمل على نشرها.
وفي هذا المعني يلاحظ الناقد شرف الدين مجدولين، أنه على الرغم من أن بعض الأشكال الفنية تعرضت للنبذ والإبعاد من قبل المؤسسة الثقافية إلا أنها حظيت في المقابل من التداول الثقافي والانتشار.
وفي هذه العملية القائمة على الاستقطاب والعزل، لم تكون المقاييس الموضوعية هي الحكم بين النص الأدبي وغير الأدبي، وإنما كانت هناك معايير أخلاقية هي التي تتحكم في عملية الفرز، ذلك أن قيم النصوص الأدبية ودلالاتها تتأسس على نظام معين للقيم واستراتجيات ثقافية معينة وايدولوجيا توجه القراء وتحدد لهم مراجعهم وتمنحهم افتراضاته المسبقة.

المراجع:

المقال مراجع

 

*جامعة سيدي بلعباس

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

موضوعات “الموسوعة المختارية في مصنفات الأعلام الجزائرية عبر القرون”

أ.د شميسة غربي* آثرتُ في هذه المداخلة المُوجَزة؛ الحديثَ عن أحد المُصنّفاتِ التي شَيّدَ مُؤلّفُها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *