الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | عذبة: قصة عشق كنعانية (١)

عذبة: قصة عشق كنعانية (١)

صبحي فحماوي

الإهـداء
إلى عمي عبد الرحمن الحسن
الذي بقي هناك
تحت شجرة البلوط الكنعانية العملاقة .

• كل الطيور تعود ،
أنا مقتنع أنها ستأتي إلى هنا مرّة أخرى!
ستهبط فوق هذه البقعة.
• الطير الذي لا يعرف عشه، يستحق أن يضرب بالحذاء، حتى يفتت!
• الجسر أقوى من الرجال، وأذكى منهم ،
لأنه لا يغادر مكانه ،
أما الرجال حين يتركون الجسر، فإنهم ينتهون !
• أيتها الطيور السوداء الهاربة.. لن تظلي بعيداً هكذا إلى الأبد.

(عبد الرحمن منيف.. حين تركنا الجسر)

1-
منذ ساعة انهيار الحدود العربية الإسرائيلية، تحت باب التطبيع، دبت الحمى في جسد عماد المنذر، وكأنها حريق يشعل البيت بمن فيه، فهبّ واقفاً في غرفة نومه الصغيرة، وكاد رأسه أن يصطدم بسقفها، ثم دخل إلى الحمام مودعاً، وبعد خروجه نظر في المرآة إلى وجهه المكفهر، ليتأكد من دقة حلاقته ومدى حيويته. ثم فتح بابيّ خزانته الخشبية البنِّية القديمة ،بأنين فصالاتها الصدئة، فأخرج منها بدلة رسمية يتيمة زرقاء كحلية اللون، مقلّمة بخطوط سوداء، كانت مخبأةً لأيام المناسبات. وبسرعة لبسها على قميص أخضر، وحزم عنقه برابطة موشّاة باللون الأحمر، وهو يطابق تناسق ألوانها مع بدلته المنسدلة على جسده النحيل، ثم مشط شعره الأشيب، وفتح زجاجة عطر كان يخبئها للمناسبات، وسكب كمية لا بأس بها في يده، ووزعها على كلتا راحتيه، ثم طبطب على فوديه وكتفيه، لينشر أريجها، فيعبق من حوله. كان يحاول التأكد من أنه ما زال محط إعجاب النساء. وأمام المرآة، سأل نفسه والقلق يأكله: – هل ستقبل بي عذبة على هذا الشكل العجوز المتصابي؟ صحيح إنها ما تزال طفلة في مخيلتي، ولكنها بالتأكيد كبرت كما كبرت أنا، بعد طول هذه السنوات العجاف! بيدين مُربكتين، رتّب ياقة قميصه المثنية، وخرج مسرعاً من بيته الخاوي على عروشه، حيث لم يزل فيه أعزب طوال تلك السنين، وهو بانتظارها، ولم يتزوج بعدُ! ودخل في زقاق المعسكر، المكتظ بالبيوت الطوبية المتراصّة على بعضها البعض.
طريقهم في معسكر أنصار 20 ضيِّق وشبه معبد بحفريات ورمال وصفائح، تتوسطه قناة مياه مجار زرقاء مسودّة اللون، وقطط تتحرك فوق كومة من النفايات المتناثرة فوق فراغ ينبعج من الطريق، والطوابق العليا من المباني على واجهتي الطريق طائرة في الهواء القاتم المصبوغ بنفايات المدينة المجاورة، حيث قررت بلدية مدينة أنصار 20 تجميع نفاياتها، وحرقها على مشارف معسكرهم، الذي يقبع شرق المدينة، فتفوح منها روائح خانقة، تقتل الجو، وترى الأبخرة السامة المتصاعدة من النفايات، والسابحة في فضاء المعسكر، والمتسربة من بين شروخ جدران البيوت، داخلة من غير استئذان،”ولا إحم ولا دستور!”، فصارت روائحها النتنة، توليفة ذات مذاق خاص، وملامحها رمادية اللون تشكل مناخاً خاصاً بمعسكرهم ، فتسكن رئاتهم، وتصير جزءاً من مكونات دمائهم، مثل نيكوتين السجائر . وقبل خروجه باتجاه المدينة، حيث مكتب الحافلات المؤدية إلى حيفا، يمر عماد المنذر بجاره (أبو سمير)، صاحب بقالة النجوم، ذي الكرش المنتفخ، والرقبة الغليظة، والتي يقبع فوقها رأس صغير، تخرج منه حشرجات تنفسه بصوت عال، يتحدث وهو يرفع فمه إلى أعلى، وكأنه يقاوم الغرق.. يشتري من عنده علبة مشروبات غازيّة، ويبلغه الخبر، فيدهش أبو سمير :” هذا تطبيع أستاذ عماد! “يقول له من وراء حاجز الدكان” هذه الزيارة تتعارض مع المقاطعة العربية” !
“بلا تطبيع بلا بلوط!” يجيبه عماد المنذر ” فأنا عائد إلى بلادي”! يسمع حوارهما جارهما العجوز أبو البطيخ، الذي يلبس قمبازاً قديماً من الساتان الفضي المخطط طولياً ، وعلى رأسه حطّة بيضاء، وعقال أسود، وعلى عينيه اللتين تشبهان حبتي تين مُفعصتين، والغائرتين إلى أعماق كُرَتِه اللحمية، يضع نظارةً طبيةً سميكة، عليها دوائر مغبّشة “كعب كباية” ويجلس على دكة إسمنتية أمام الدكان، يلعب (المنقلة) مع صديقه أبو سامح،الذي كان يلف رقبته بحطة عراقية مخططة بالأبيض والأسود، ويثني ساقه اليمنى، تحت ساقه اليسرى. يرمي أبو البطيخ حصوات اللعب التي بيده اليمنى بنزق، ثم يقول له ساخطاً:” إن شاء الله إلى الجنة يا عماد”!
وعماد المنذر الذي لا يلتفت إليهما، يفهم (قصد أبو البطيخ الحُشري ، على الطاير!)، ففلسطين هي جنة الدنيا، وجنة الآخرة! ولكن اللئيم كان يعني؛ (إن شاء الله تروح ما ترجع)! وكعادته فهو لا يهتم بالمزاح، ولا تهمه آراء الآخرين، خاصة إذا كان هو مقتنعاً بها. وهو الآن متعجل للسفر، وطوال الطريق من معسكر أنصار20 في ولاية عروبستان، إلى مدينة حيفا، ومن ثم إلى قرية الفريديس في جبال الكرمل، حيث تعيش محبوبته عذبة، وهو يعيش حالة من الهلوسة. إنه بالعربي مسطول من هول الدخول في اللامعقول. ومخه المُنَعثل يشتغل باستنفار لم يسبق له مثيل. فهذا السفر يعيد إليه ذكرى أيام البلاد، منذ أن كان يلعب في الحارة مع عذبة ابنة جارهم أبو العبد، وكان عمر كل منهما أربع سنوات، وحتى هذه اللحظات المدهشة، والتي تشده بشوق عارم للعودة إلى رفيقة طفولته. فمنذ أن صعد الحافلة، أخذ عماد يستعيد شريط ذكريات طفولته، وكأنه يعيش اليوم عامي سبعة وأربعين وتسعمائة وألف، وثمانية وأربعين و.. وعلى شفا الاجتياح الصهيوني لفلسطين. كررها مرّة أخرى. اجتياح فلسطين! لا! لا! لابدّ إنها مزحة سمجة! هل معقول أن يُجرِّفوا شعباً كاملاً من وطنه، هو وبيوته وأشجار زيتونه وبلوط غاباته، ثم يستوردوا أشخاصاً آخرين من دول مختلفة، ليحلوا محلهم، فيُكوِّنوا دولة جديدة بمستعمراتها، وبمجوهرات يهودها وبرتقالها وصنوبرها، وكأن شيئاً لم يكن! أعتقد أن ما حلمت به طوال الأعوام الماضية، كان كابوساً ثقيلاً ! لا أصدق أن ما حصل قد حصل! هل معقول أن.. أكيد إنها مزحة سمجة، فكثيراً ما أحلم أنني أعيش في البلاد، ثم تحصل زلازل، وكابوس ثقيل يجثم فوق رأسي، ويغبِّش الرؤية أمام ناظريّ، فأرى دبابات تقع من سطوح جيراننا مثل السحالي الديناصورية فتدخل غرفة نومي فأصحو ويهجم مجندون على كروم العنب فيعلكون أوراقها وقطوف الحصرم وتتشقق الأرض فتبتلع جيراننا دار أبو محمود والشيخ قاسم وجحشهم الذي أسمعه ينهق وأراه يهوي أمامي في واد سحيق والصخور تذوب في سائل طيني ناري أحمر ينساب في قاع الوادي وتمر من سفوح السهوب وملايين من النمل الذي يأخذ بالتضخم والانتفاخ فيتحول إلى تنِّينات تبخُّ نيران البركان وترش عليها زفرات من أنوفها فيرتفع اللهيب الذي يحرق وجهي فأراه يذوب من الجهة اليمنى مثل البوظة التي تذوب بالحرارة وأصير بفود واحد فأحاول أن أداري سوأتي وأظهر أمام المرآة بفودي الأيسر لأقنعها بأنني كامل الأوصاف وكان المذياع ما يزال يبث أغانيه العاطفية بصوت عبد الحليم كامل الأوصاف سرقني والـ.. خدوني والخيول تقترب منا أنا وعذبة بجانبي فأحتضنها وأحاول حمايتها من لهيب النيران الصاعدة من شقوق البراكين ومن صدور خيول حديدية جامحة وليست خشبية محنطة مثل حصان طروادة متجهة نحونا والخيول تستمر في اجتياحنا وذئاب الغابة تتجمع حولنا تتفرج علينا وتتضاحك كنت أشاهدها وهي تفتح أفواهها فاقعة من الضحك ويحكُّ ذئب رقبته بقدمه فتمسك قدمُهُ ثعباناً غارقاً في فرو رقبته تنسله من بين الفرو فينسل الثعبان طويلاً غليظاً يبخ سمومه في وجه الذئب فيقرمشه الذئب بأسنانه فيهدأ خوفي ولكن الذئب يموت متسمماً ببخات فم الثعبان فيزداد رعبي والنيران تزداد لهيباً والمجندون قادمون بمدافعهم كل منهم يحمل على كتفه مدفعاً تنوء عن حمله دبابة مجنزرة والأشجار تتهاوى في أتون البركان فيتحول لونها الأخضر إلى اللون الأحمر ودخان الطوابين وثغاء المواشي وبكاء الأطفال ودعاء العجائز في المساجد والكنائس ومقاومة الشباب بعصي من بوص وعيدان ذرة وأظافر النساء الحمراء تغوص في لحوم المجندين المهاجمين فتنزف دماؤهم وهم يتضاحكون ورقصات الدبكة على البيادر والشبابة والأرغول. ويا ميجنا، ويا ميجنا، ويا ميجنا! وكبير البلد يقف هناك يصغر حجمه ويصغر ويصغر فيصير ديكاً أحمر يقف بجانبي وقد تغضّن وجهه وتجدّر وتجمعت عليه كتل من الالتهابات الجلدية التي كنا نعرفها بجدري الدجاج صرت أضحك وصار هو يحدِّق في وجهي فأكتم ضحكاتي وأبلعها فأغص بها وأروح أكحُّ وأكحُّ وأكحُّ إلى أن أفيق من نومي! يا إلهي! ما هذا الرعب الذي يصيبني !

* رواية للأديب الفلسطيني صبحي فحماوي تتشرف المجلة الثقافية الجزائرية بنشرها بالاتفاق معه. 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

فصل من رواية : المحروسة لا تشبه غرناطة / بلقاسم مغزوشن

كانت السّماء سِنجابيّة في تلّة بوزريعة و لا تسمع سوى خشخشة العشب المستحلس، المستعصي لكنس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *