الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | الرواية النسوية بين التعددية والخصوصية

الرواية النسوية بين التعددية والخصوصية

د. ماجدة حمود*

(خاص): مصطلح النسوية
إن استخدام مصطلح (النسوية) في الخطاب النقدي، لا يُقصد منه إثارة النعرات الجنسية بين الذكر والأنثى، وذلك بتفضيل المرأة على الرجل، بل يضطر الدارس لاستخدامه لكونه يختزل جملة بأكملها (الأدب الذي تكتبه المرأة) وبذلك لا يُمنح هذا المصطلح أبعادا تقييمية، وبالتالي فهو لا ينطلق من رؤية ضيقة، تشيد بتفوق جنس على آخر، أو عزل الإبداع النسوي عن الذكوري، وإنما يوحي بأن الإبداع لابد أن يبدأ من نبض المعاناة الخاصة (سواء أكان على صعيد جسدي أم اجتماعي أم روحي …الخ) لكن وظيفة المبدع أن يكسوها حلة عامة، إذ تتجلى لنا عبر لغة، تشمل الفكر والشعور والتخييل، أي مكونات جمالية، تشكّل بنية الرواية الفنية، وأسس التشويق فيها.

مصطلح التعددية
يشمل هذا المصطلح تعدد الأصوات أي الآراء المختلفة وتعدد الفضاء المكاني والزماني والثقافي…الخ وبذلك يقصد بالتعددية تقديم عدة وجهات نظر متصارعة، تعانيها الشخصية، مما ينعكس إيجابيا أو سلبيا على تطور أفكارها ووجدانها، إذ ينضج وعيها مع الزمن، أو ينكص، كما أن هذا المصطلح يشمل اختلاف لدى شخصيات الرواية، من هنا يتوجب على الروائي أن يكون ديموقراطيا، يسمح لكل شخصية بحرية التعبير عن وجهة نظرها الخاصة بها، حتى لو كانت مخالفة لآرائه، فلا يبدو طاغية، يقهر الآخر، ويقمعه، ويملي عليه رؤيته الخاصة، ومثل هذا التعدد يحتاج إلى ثقافة موسوعية وعميقة، يمتلكها المبدع، مما يسمح للمتلقي التعمّق في آراء مختلفة دون تسليط الضوء على رأي دون آخر، وبذلك تتاح الفرصة للآراء المختلفة بالتعبير عن رؤيتها الخاصة بها.

الرواية السيرية
توحي بتعدد الجنس الروائي واتساع صدره لأجناس أدبية متعددة، فهي تحتاج أشكال تعبير متعددة، توحي جميعها بحميمة صوت الأنا (سيرة، رسائل…) وبذلك يجتمع في الرواية السيرية جنسان أدبيان (الرواية والسيرة الأدبية) فنتعرف على تفاصيل حياة الروائي، دون استخدام اسمه الشخصي؛ لهذا فإن الرواية السيرية يجتمع فيها الخيال بالواقع، وإن كانت نسبة التخييل أقل فيها من الرواية العادية برأيي، كما نسمع صوت (أنا) المؤلف إلى جانب صوت (الآخر) المخالف لوجهة نظر المؤلف.
إننا حين نتأمل الرواية النسوية السورية (ما بين الخمسينيات والتسعينيات) نلاحظ أن أكثر التقنيات الروائية المستخدمة فيها هي تقنية اليوميات والرسائل، حيث يتماهى صوت البطلة بصوت المؤلفة عبر ضمير المتكلم (أنا) فنعايش لغة البوح والاعتراف بكل حميميتها وعفويتها التي توحي لنا باندماج مشاعر البطلة بمشاعر المؤلفة، فتنطق بلغة القلب، التي تذهب سريعا إلى قلب المتلقي! لهذا يمكن أن يلاحظ المتلقي أن الصيغة لأكثر انتشارا في الرواية النسوية هي (صيغة المتكلم) التي تستطيع دمج الصوتين معا (المؤلفة والشخصية الروائية) كما أنها تستطيع إشاعة جو الألفة في الرواية، فتنقذها، أحيانا، من الرتابة الإيقاعية بفضل حرارتها وصدقها، خاصة حين تتنوع، ويتداخل فيها لغة الأعماق (بما فيها من أحاسيس وذكريات وأحلام …الخ) ولغة الواقع المعيش!! لكن هذه الصيغة تحمل مخاطر تعبيرية، فهي بقدر ما تمنح لغة الشخصية، التي تمثل وجهة نظر المؤلفة، حميمية وألفة، يمكن أن تحرم منها الشخصيات الأخرى، التي لا تمثل وجهة نظرها، وبعبارة أخرى تحرمها حق التعبير عن (أناها) وصوتها الخاص بحرية.
إذاً تعني التعددية في الرواية منح الشخصية حق التعبير عن رؤيتها الذاتية، التي قد تعارض وجهة نظر المؤلف، وبذلك يصغي المتلقي إلى تعدد الآراء والاتجاهات والعقائد، فلا يطغى صوت أو وجهة نظر واحدة (يتبناها الروائي) على وجهة نظر الآخرين.
مع الأسف قلما تتجلى هذه التعددية في الرواية النسوية*، ولو تأملنا ملامح البطلة الأساسية لدى الروائية السورية، لوجدناها تحمل الملامح والصفات والمؤهلات الثقافية ذاتها، التي تحملها المؤلفة، حتى إنها تشاركها الانتماء الحزبي والعمل والحياة في المنفى بعيدا عن الوطن (بطلة حميدة نعنع مثلا في رواية “من يجرؤ على الشوق”) وقد تشاركها معاناتها الاجتماعية (كالطلاق مثلا) كما حصل للكاتبة هيفاء بيطار في “يوميات مطلقة” كما قد تشاركها مهنتها في الكتابة الروائية، ففي رواية غادة السمان “سهرة تنكرية للموتى” يجد المتلقي البطلة (ماريا) تشارك الروائية متاعب مهنة الكتابة! وبذلك نعايش هيمنة صوت المؤلفة على صوت الشخصية، مما يقتل استقلاليتها، رغم أنها تختار اسما للشخصية غير اسمها، إذ لم نجد أية كاتبة سورية، وربما عربية، تجرؤ على منح اسمها لبطلتها رغم التماهي معها، كما فعل الروائي الأردني غالب هلسا والسوري نبيل سليمان ..الخ، إذ مازال تعبير المرأة عن ذاتها، عبر اللغة الأدبية محفوفا بالمخاطر، وكثيرا ما توجه أصابع الاتهام نحوها، حين تجسد شخصية نسوية، تتمرد على الأطر التقليدية، فيتمّ الخلط بين الشخصية الروائية وذات المؤلفة، هذا على صعيد الكتابة الإبداعية، التي يفترض فيها التخييل، فكيف يكون الأمر على صعيد المذكرات، التي يفترض فيها الصدق الوقائعي، حيث نسمع صوت المؤلفة صريحا دون مواربة!
وقد لاحظنا أن غادة السمان هي الكاتبة الوحيدة، التي تعترف بأنها تكتب مذكرات في روايتها السيرية “الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية” لكنها تخالف أفق توقع المتلقي، حين تستخدم فعلا للكتابة يكافئ اقتراف الإثم (أقترف) مما يوحي بخوف لا شعوري، قد يصيب المؤلفة، فتنهال عليها لعنات مجتمعها نتيجة جرأتها في التعبير عن ذاتها.
رغم هذا فإن هذه الكاتبة وجدت في الإبداع الروائي منقذا لها، لكنها قررت أن تختبئ خلف قناع اسم وهمي هو (زين) لتسقط على لسان بطلتها أفكارها ومشاعرها دون خوف، كما استطاعت بفضل هذا القناع تقديم تفاصيل حياتها بجرأة وحرية، فتنطلق لغة الأعماق على سجيتها، دون أن يستطيع المتلقي العادي إسقاط ما تقوله البطلة، وما تفعله على حياة الكاتبة الشخصية.
وبذلك تتيح لغة (الأنا) فرصة انطلاق صوت المؤلفة حرا عبر صوت بطلتها، يجسد قهرها كما يجسد أحلامها في تجاوز بؤس واقعها، لهذا كانت شخصية المرأة في الرواية النسوية شخصية محورية، ذات سمات نرجسية، تعكس إحساس المرأة المبدعة بالتميز، ولاشك أن هذه النرجسية تعدّ نوعا من التعويض عن إحساس الغبن والقهر، الذي مازالت تتعرض له المرأة في مجتمعها المتخلف، لذلك لن نستغرب أن تصبح نادية (بطلة حميدة نعنع في روايتها “من يجرؤ على الشوق”) الأمل في إنقاذ أمتها العربية! أما بطلة أنيسة عبود (عليا) في رواية “النعنع البري” فهي تختصر كل النساء و”تملأ المدينة حضورا وحياة وجمالا” وبذلك أحاطت الروائية المرأة بـ “هالة أسطورية” تجعلها محور الكون!
إن كل ذلك بسبب إحساس المؤلفة بتضخم الذات، هنا يحسن بنا أن نشير إلى أن النرجسية التي لحظناها لدى المرأة (المبدعة) نلاحظها لدى الرجل (المبدع) أيضا، إذ يبدو لنا من الصعب أن نطالب المبدع بالتجرد من ذاته، لكن بإمكاننا أن نطالبه بأمر يشكل صلب الإبداع الروائي: وهو أن يفسح المجال للأصوات الأخرى في روايته أن تعبر عن صوتها الخاص، فلا يطغى صوته أي رؤيته للحياة عليها، وهذا هو التحدي الذي تواجهه في الرواية العربية اليوم في رأيي.
إن المتأمل في الإبداع النسوي يلاحظ أن الكاتبة حين تبتعد عن خصوصيتها الذاتية، قد يسقط خطابها الروائي في التعميمات ومتاهات الرموز، دون أن نجدها تفلح في مدّ الجسور بين لغة الهم الخاص والهم العام (كما رأينا في رواية ماري رشو “الحب في ساعة غضب”) لذلك بدا لنا الفضاء الرمزي لدى الكاتبة فضاء روائيا هشا على الصعيد الفني!

خصوصية الإبداع النسوي:
لاشك أن محاولة تلمس خصوصية المعاناة تعني تلمس خصوصية الخطاب الروائي النسوي، الأمر الذي يعني تلمس جماليات خاصة بهذا الإبداع، ولا يعني أفضليته على إبداع الرجل!
ضياع صوت الرجل:
تستطيع علاقة المرأة مع الرجل أن تجسد أنواع القهر التي تتعرض لها، وتنغّص حياتها، كما يمكن أن تكون علاقتها به مصدر فرح لها ومبعث أحلامها في تحقيق ذاتها، وذلك عبر علاقة الحب والزواج والأمومة، لذلك رأينا كثيرا من الروائيات، يجعلن هذه العلاقة محور إبداعهن، وينتقمن من قهر الرجل بأن يلغين صوته الخاص، ويهيمنّ عليه؛ لهذا لن يستغرب المتلقي شيوع لغة التوتر في هذه العلاقة، إذ آلم المرأة (المؤلفة/ البطلة) أن ترى هذا الرجل عبر عدة أقنعة، يخبّئ وراءها وجهه الحقيقي، لذلك ألصقت به عدة صفات ذات دلالات سلبيةـ تنـزع عنه الصفة الإنسانية (ذئب، وحش، ديك…) كما تجلت ملامح علاقة الرجل بالمرأة عبر لغة التناقضات! التي تفضح ازدواجيته، وادعائه التحرر فيما يخص ملذاته، لكن يخبّئ في أعماقه أفكارا تقليدية، يمارسها على أهل بيته، وتحقق له مكاسب اجتماعية، يجنيها كل يوم!
إن المتتبع للعلاقة بين الرجل والمرأة في الرواية النسوية السورية، يمكن أن يلاحظ أنها علاقة مشوّهة، حتى إننا نكاد نفتقد وجود علاقة سوية مع الرجل، تقوم على الندية، فالكاتبة حين تبدو متعاطفة معه، تمنحه صفات أنثوية، وحين تتوتر علاقتها به تمنحه صفات وحشية! كما في رواية هيفاء بيطار “أفراح صغيرة، أفراح أخيرة”
تبدو البطلة لنا، أحيانا، وقد امتلكت قدرات أسطورية تضمن لها التفوق الكاسح على الرجل، لا في العاطفة مجال المرأة الأزلي، بل في مجال الهم الوطني الذي يكون، غالبا، من اختصاص الرجل في مجتمعنا! وبذلك تنتقم من النظرة الدونية السائدة، التي تضعها في إطار هش وهامشي، فتجعله تابعا للمرأة، أحيانا، وذلك حين تجعل بطلتها تتفوق على الرجل، فتلتحم بقضايا الوطن، عندئذ يتم إلغاء صوتها الخاص، الذي ينبع من خصوصية التجربة الإنسانية والجسدية…الخ حتى إننا كثيرا ما نجد المرأة الناجحة في الحياة العامة (في الرواية النسوية) تمتلك صفات الرجل (مثال ذلك شخصية نادية في رواية “من يجرؤ على الشوق) كما يتم إلغاء صوت الرجل الخاص به، الذي ينبع من خصوصية حياته وتجاربه؛ ليقترب من صفات الأنوثة، كل ذلك لتأكيد نزعة التفوق لدى الكاتبة! وجدنا مثالا لذلك لدى (غادة السمان، أنيسة عبود، هيفاء بيطار…) فكأن الكاتبة تسقط ما ترغبه في الحياة على الرواية.
وهكذا فإن المرأة، التي تحس بالاضطهاد، لا يمكن أن ترى الأمور رؤية موضوعية، إذ لابد أن تسقط معاناتها على الآخر، الذي قد لا يكون مسؤولا عن ذلك!
من هنا نستطيع القول بأننا قلما نسمع صوت الرجل الخاص به، فصوت المرأة المثقفة (الذي هو صوت المؤلفة) هو الصوت المحوري الذي يسيطر على فضاء الرواية النسوية، كما أننا نكاد نفتقد صوت المرأة الأمية أو التقليدية، من هنا يمكننا القول بأن هذا النوع من الرواية مازال أسير السيرة الذاتية، في معظم الأحيان، التي تخضع لهيمنة صوت المؤلفة بكل ما تتبناه من آراء ومعتقدات.

لغة الحب والقهر
تجلّت علاقة الحب في الرواية النسوية عبر لغة القهر أكثر من لغة الفرح، فقد حاصرت الأعراف الاجتماعية المرأة، وقد تبنّى الرجل النظرة التقليدية، التي تقدّم له مكاسب على حسابها، مثلما حاصرها التردد بين التوق إلى حياة حرة والخوف من عواقب اندفاعها!
بدت لنا لغة الحب مع بدايات الرواية النسوية لغة خجولة (وداد سكاكيني “الحب المحرم”) وقد انتبهت الكاتبة في الخمسينيات أن مشكلة التصريح هذه مازالت مشكلة الرجل كما هي مشكلة المرأة، وإن كانت أكثر ضغطا على المرأة! فالرجل (سهيل) قد لا يجد الجرأة للبوح بمشاعره نحو حبيبته، في حين نجد المرأة (البطلة نديدة) مازالت لا تجد جرأة للتعبير عن الحب بينها وبين ذاتها! لكن بعد ما يقرب من عقد من الزمن (1959) نجد الكاتبة (كوليت خوري) في رواية “أيام معه” باتت أكثر قدرة على التعبير عن هموم المرأة العاطفية، فبدأنا نعيش خصوصية الصوت الأنثوي، ونتلمس حاجاته وأعماقه بلغة واضحة قريبة من لغة اليومي المعيش الممتزجة بشفافية، تجعلها أقرب إلى لغة الشعر، وبذلك تستطيع أن تعبّر بحرية عن خصوصية أعماق المرأة وانعكاس تجربة الحب عليها؛ وبذلك بدأت الكاتبة السورية مغامرة الدخول إلى أعماق المرأة، لتطلع المتلقي عليها، فيعيش معها أفراح الحب وقدرته على تجديد حياتها، وتغيير قناعاتها، فتتيح له الفرصة الاطّلاع على إحساس المرأة بالحب، وكيف يملأ كيانها وحياتها فرحا وأملا، لهذا ليس غريبا أن يصبح هدفا أخيرا منقذا لها، بل يصبح بديلا عن العالم كله، كما تقول (نادية) بطلة (حميدة نعنع)
لكن يلاحظ المتلقي أن المرأة الروائية نادرا ما تقدّم لنا لغة الحب المقترن بالفرح، إذ تبدو هذه العاطفة محاطة لديها بالمنغصات الداخلية والخارجية، فتمتزج لغة الحب بالحزن، مما يحيل تلك المشاعر إلى عبء ثقيل، تسعى المرأة للخلاص منه، في كثير من الأحيان، وبذلك عايشنا الحب وقد أحاطت به الهموم والمسؤوليات والخيبات، فتحول إلى منغص، يملأ حياتها ألما، خاصة حين تريد أن تعيشه واقعا لا حلما، بل تحسّه يكاد يصبح مرادفا للسأم والحزن والخوف! خاصة حين تكون هذه العلاقة محاطة بالمحرمات (الاجتماعية، الدينية…) إذ كثيرا ما يجد المتلقي في الرواية النسوية المرأة تعيش علاقة حب (مع رجل متزوج) لا آمل فيها بحياة مستقرة معه، فتبدو حساسيتها للكلمة إذ يمكن لكلمة واحدة، ينطقها الرجل، أن تغير مجرى حياتها، لذلك تندفع إلى إنهاء علاقتها به!
وبذلك يلاحظ في هذا النوع من الرواية أن “شخصية العشيقة” باتت تُخجل المرأة المثقفة، وهي حين ترفض مثل هذه العلاقة الآنية، التي تؤرّقها، تعبر عن توقها لعلاقة تمنحها السكينة والعلنية! ولهذا نلاحظ أن الكاتبة جعلت الأمكنة المغلقة والمظلمة (القبو، السيارة…) فضاء لعلاقة الحب المحرّم، التي تنحرف عن الشرعية!

لغة الغضب والتحدي (الطلاق)
جسّدت الرواية النسوية عبر لغة الغضب أقسى تجربة يمكن أن تتعرض لها المرأة في حياتها (تجربة الطلاق) إذ تجتمع في هذه التجربة أنواع القهر الاجتماعي والنفسي، إذ لا يكفي إحساسها بالفقد أو المهانة والخيانة والإهمال، حتى يضاف إلى ذلك حصارها بسياج الممنوعات الأسرية والمحرمات الاجتماعية! وقد استطاعت هيفاء بيطار في روايتها “يوميات مطلقة” تقديم تجربة عانتها، وتبرز خصوصية هذه التجربة نظرا لصعوبة الحصول على الطلاق (ناضلت أكثر من أربع سنوات بسبب عراقيل تضعها الكنيسة) وبذلك أطلعتنا على الملامح الشقية والمعاناة الداخلية للمرأة المطلقة، ليس فقط في صعوبة الحصول على الطلاق، وإنما بسبب قلقها على ابنتها، التي من الممكن أن تتمزق طفولتها بينها وبين طليقها.
وبذلك أتاحت الرواية النسوية للمتلقي معايشة أوجاع المطلقة وقد حاصرها الرجل والمجتمع، حتى إن الطلاق يصبح نقطة ضعف في حياتها، فهي في نظر الرجل كائن جنسي فقط؛ لذلك يحاصرها بسوء الظن! مثلما يحاصرها به أبناء مجتمعها!
وبالإضافة إلى هذا الحصار الخارجي ثمة حصار داخلي، يتجلى في شعور الفشل والإحباط، ومما يضاعف هذه المعاناة أن المرأة تعيش في مجتمع شرقي متخلف، يلقي اللوم عليها في فشل زواجها، ربما كان الأفظع من ذلك، معاناتها الداخلية، فهي تعيش قهر حاجتها للحياة وللحب ومحاولة الرجل استغلال تلك الحاجة؛ لذلك لن نستغرب سقوطها في لحظة ضعف أمام الرجل الذئب الذي يحسن الصيد!!
مع هذه التفاصيل نعايش لغة معاناة، توحي بانطفاء شعلة الحياة في أعماق المطلقة! عندئذ يحس المتلقي أنه أمام أزمة ذات محطمة، تحاول النهوض والتحدي؛ لتجديد حياتها الراكدة، لكن ثمة عوائق تحول بينها وبين هذا التجدد، وقد بيّنت هيفاء بيطار أحد هذه العوائق عبر لغة صدامية مع السلطة الدينية المسيحية!
ومن جهة أخرى تنتبه الكاتبة (أنيسة عبود) في روايتها “النعنع البري” لمعاناة المرأة المتزوجة والتي تعيش طلاقا روحيا، إذ يطلقها الزوج عاطفيا وجسديا، وتتحول إلى مجرد أثاث منـزلي! في حين ينطلق؛ ليعيش الحياة على هواه بعيدا عن قيود الحياة الأسرية.
ولعل هذا الطلاق العاطفي أشد قهرا للمرأة من الطلاق الشرعي، إذ يبدو الرجل منطلقا في حياته خارج البيت مهملا إنسانية الزوجة، التي أصبحت في نظره شيئا يكمّل ديكور البيت لا أكثر!!

الأمومة وخصوصية التجربة:
يجسّد الإبداع خصوصية صوت المرأة، الذي ينبع من تجاربها الشعورية والجسدية، خاصة تجربة الأمومة، التي يمكن أن يكون ثمة لقاء بينها وبين مشاعر الأبوة، إذ تتجلى في هذه المشاعر إنسانية الإنسان بأجلى صورها، فتبدو لغة المحبة والتضحية والعطاء حية، تحيي قيما متجددة!
يلاحظ المتلقي أن الرواية النسوية استطاعت أن تجسد لنا حساسية العلاقة مع الطفل وجماليتها، رغم ما قد ينغصها من قلق وخوف، فعلى سبيل المثال قدمت لنا الكاتبة هيفاء بيطار معاناة الأم المطلقة، حين ترى ابنتها تتمزق أثناء الانتقال بينها وبين أبيها، فتجلّت لنا حميمية العلاقة وعمق مشاعر الأمومة وروعتها، إذ بفضل هذه المشاعر تقوى المرأة، فتختفي لغة القهر من حياتها؛ لتفسح المجال للغة الفرح والحب، وبذلك تتيح الرواية النسوية معايشة أجمل إحساس ينبض في أعماق المرأة، ويشكل خصوصية نظرتها للحياة، حيث تنفتح على معاني سامية، يؤسسها العطاء دون مقابل والحب، الذي لا حدود له، فينعكس ذلك إيجابيا في تعاملها مع ذاتها ومع الآخر.
وهكذا قدّمت هذه الرواية لحظات مشرقة في حياة المرأة بفضل مشاعر الأمومة، التي تنفتح على حب الطفل ورعايته، مما ينعكس حبا للبشر جميعا، فبدت لغتها تنطق بخصوصية تجربتها في الأمومة، وإن تتوسع في رصدها، كما فعلت الروائية التركية إليف شفاق في روايتها السيرية “حليب أسود” (ترجمة أحمد العلي، مسكيلياني للنشر، تونس، 2016).
وقد تتيح لنا الرواية النسوية أيضا معايشة لغة تجسّد حالة فقدان المرأة للأمومة وانهيار حياتها الزوجية؛ لهذا يجد المتلقي الرجل يلاحقها بصنوف العذاب والعلاج.
لكن يُلاحظ أن هذه الرواية، قلما تهتم بمعاناة المرأة العاقر، حين تفتقد تلك المشاعر والأحاسيس بافتقادها الأمومة! فلا تهتم بتجسيد الطرق، التي تعوّض فيها هذا الفقد، هنا نتساءل: هل الرواية كانت انعكاسا لتجربة المرأة في الحياة واختزال لسيرتها الذاتية، إذ يلاحظ أن معظم الروائيات السوريات، هنا، قد خُضن تجربة الأمومة.

خصوصية العلاقة مع الزمن:
استطاعت الرواية النسوية السورية أن تجسد للمتلقي حساسية المرأة أمام غزو الزمن، كما استطاعت أن تجسد لنا انعكاس ذلك على علاقاتها مع ذاتها، ومع الرجل.
تبدو لنا خصوصية تعامل المرأة مع الزمن في أجلى صورها، حين تبلغ البطلة سن الأربعين، فنجدها تعاني حساسية أزمة منتصف العمر، أي أزمة مفترق، تقف عليه حياتها بين الكهولة والشباب؛ لذلك وجدنا بطلة هيام نويلاتي (ماريا) في “أرصفة السأم” وبطلة هيفاء بيطار (هيام) في “أفراح صغيرة أفراح أخيرة” تعانيان هذه الأزمة!
يلاحظ المتلقي أن المرأة، من أجل تجاوز إحساس الملل والخوف من الزمن، ومن أجل تأكيد أنوثتها أمام نفسها وأمام الآخرين، تعيش قصة حب لا تقنعها، مع شاب يصغرها بعشر سنوات أو مع رجل متزوج، مع أنها تدرك أن هذه التجارب لا أمل فيها، إذ لا يمكن أن تقدّم لها استقرارا نفسيا، لكنها رغم ذلك توحي لها بأنها مازالت شابة ومرغوبة.
كما أتاحت الرواية النسوية للمتلقي فرصة معايشة حساسية المرأة (هيام) المفرطة تجاه بصمات الزمن على وجهها، فهي تتخيل وجودها بعين الخيال قبل أن تراها بعين الحقيقة، فنجدها تتابع مراحل ظهورها وتطورها، منذ أن كانت وهما إلى أن صارت واقعا (خيال تجعيدة، خط رفيع، يتضح تدريجيا؛ ليصبح تجاعيد، وبعد ذلك أشبه بأثلام) وبذلك يتحول مرور الزمن إلى معول، يحفر وجه المرأة ويشوه جمالها، وقد تجلى هذا الأرق الذي تعانيه بسبب قهر الزمن عبر التخييل، حتى تحوّل أشبه بوسواس قهري، فلم تعد المشكلة فقط في آثاره المدمرة للجمال (تجاعيد) بل ما تتخيله من أذى يطعن بشرتها قبل حدوثه!
وهكذا حين يقهر الزمن المرأة، يصيب العطب روحها، وينعكس سلبا على علاقتها بالرجل، فنجدها تلوذ بعلاقة حب لا ترضيها، مما يزيد إحباطها، فالخلل الداخلي الذي يسيطر على المرأة أحيانا بسبب عبء الزمن والخوف منه، لا يمكن أن يصلحه، برأيي، أي ترقيع خارجي!! من الممكن أن يكافئ ما تجريه المرأة من عمليات تجميل، تلجأ إليها لخداع نفسها قبل الآخرين.
مع رواية أنيسة عبود “النعنع البري” تنتقل حساسية المرأة لمرور الزمن من أفق لغة الهم الذاتي إلى أفق الهم العام، إذ نعايش التفاصيل المشوهة لوجه المدينة (أكياس القمامة السوداء) فنحس أن إيقاع المدينة المزيفة ينتظم على حركتها وعلى بصمتها السوداء؛ لهذا تلتبس بالزمن، الذي يبدو وحشا لا يرحمها، فنسمع صوت (عليا) يقول:”الزمن وحش يطاردني”
يبدو لنا إحساس المرأة بعبء الزمن قد انصهر ببشاعة القذارة التي تلوث مدينتها، وبوحشية هذا الزمن الذي يطارد القيم الأصيلة ويحاول التهامها! كما يطارد جمال المرأة؛ ليفترسه، فيمتزج الخيال بالإحساس؛ ليقدّم صورة خاصة برعب الزمن، الذي يلاحق المرأة!

خصوصية الصورة النسوية:
تشكل اللغة المشهدية التي تتجلى عبر حوار الشخصية مع ذاتها أو مع الآخر أو مع المكان، مما يتيح الفرصة للمتلقي لمعايشة أبرز جماليات التعبير الروائي، إذ تلتقط العين مشهدا تصويريا يحمل بصمة المؤلف الخاصة ويجسد عالمه ونبض معاناته في كثير من الأحيان، وبذلك تتيح رسم معالم الشخصية وتزوّدها بدلالات جمالية، تغني ملامحها، وتبرز خصوصية تجربتها.
إن خصوصية الصورة لا تعني الالتصاق بهم المرأة الخاص دائما فقد وجدنا مثلا غادة السمان في “الرواية المستحيلة: فسيفساء دمشقية” تستخدم تقنية يمكن أن ندعوها بـ”تقنية المرايا” ولا تخفى الصلة الحميمة بين المرأة والمرآة، إلا أنها تستخدمها في رسم شخصية الرجل الانتهازي (معين) التي تتلوّن حسب الظروف والمرحلة التاريخية التي تعيشها في فترة الانقلابات العسكرية (في الخمسينيات من القرن العشرين) وقد ساعدت هذه التقنية على إبداع صورة للرجل (حربائية) أي متعددة الوجوه بقدر تعدد المرايا التي أحاطت غرفة نومه! فكانت كل مرآة ينظر فيها إلى نفسه، تعكس مرحلة تاريخية من مراحل حياته، فيعايش المتلقي تلوّن أفكاره ومواقفه حسب رغبة قائد الانقلاب العسكري!!
استخدمت أنيسة عبود لغة مشهدية تنطق ببعض المعاناة التي قد تواجه المرأة، فتصوّر أحد أقسى أنواع القهر الجسدي، الذي تتعرض له المرأة خاصة (الاغتصاب) وقد تحول إلى قهر عام وبات اغتصابا روحيا أي اغتصاب الفساد للقيم والمثل، هذا ما أحست به (عليا) إثر طردها من العمل لرفضها السير في طريق الفساد والرشوة!
مع ألفة الأدلبي في رواية “دمشق يا بسمة الحزن” نعايش صورة فنية لمعاناة المرأة الداخلية، تجلت تفاصيلها المشهدية في بيت الأسرة القديم عبر صوت بطلته “هلّ الربيع فقد بدأت البراعم تنطلق من أغصانها وتشرئب إلى أعلى…شجرة الليمون الهرمة معتزة بصبيانها الخضر، إنها قادرة على العطاء على الرغم من هرمها، فلِمَ لا تزهو وتبتهج؟
فراشتان تهومان في الجو، ترقصان إحداهما ترفرف حول الأخرى، فإذا فازت بلمسة انثنت منتشية هاربة تعود الأخرى إلى ملاحقتها والدوران حولها وتستمران في الرقص …الكائنات حولي تمور بها الحياة، تمارس حقها بفرح وحيوية إلا أنا إنسانة محرومة مما لم تحرم منه الحشرات الصغيرة والديدان الحقيرة…”
يلاحظ المتلقي أن البطلة استمدّت أدواتها التعبيرية من لغة الطبيعة (الأشجار المزهرة في الربيع، والنباتات المورقة ببراعم غضة…) فأسقطت عليها الروائية مأساة (صبرية) التي تقارن بين حرمانها من الحب، وبين احتفال الطبيعة بمظاهر الحياة، إذ اختارت مشهدا يوحي بالتجدّد في فصل الربيع، حيث يزور البيوت، فيملؤها خضرة وحياة، عندئذ نسمع صوت الراوية البطلة يصف بلغة الحسرة هذا التجدد، الذي يطال النبات والحشرات، وينأى عنها.
وبذلك استطاعت هذه اللغة التصويرية المرهفة، أن تجسّد لنا أعماق الشخصية وخصوصية معاناتها، فقد حُرمت الحب والزواج، ووئدت حياتها في قفص، إذ قضت عمرها، تخدم والديها العجوزين؛ لهذا حين توفي والدها، الذي عاش عشر سنوات مشلولا، فقدت معنى حياتها!
وبذلك حاولت الكاتبة أن تسقط على المشهد الطبيعي معاناة الشخصية، فيبدو مجسدا كل الأفراح التي حُرمت منها!
​وهكذا لاحظنا مدى التطور الذي حدث في الرواية النسوية السورية منذ الخمسينيات إلى أواخر التسعينيات، فبدت لنا اللغة الروائية أكثر حيوية وجمالا، إذ بدأت تبتعد عن الرتابة والثرثرة، ولعل من أسباب حيويتها قدرتها على تقديم أعماق المرأة المضطربة عبر اللغة الشعرية، وتقديم هموم المرأة الاجتماعية عبر لغة الواقع التي تمتزج أحيانا بلغة الشعر! وقد ساعدها في ذلك استفادتها من إنجازات الرواية الحديثة، واستخدامها تقنية تيار الوعي، التي تقدم عالما مختلطا في فضاءاته المكانية والزمانية وفي أصوات شخصياته، وإن كان ما يؤخذ عليها هو هيمنة صوت المؤلفة، الذي يخنق استقلالية الشخصية سواء أكانت نسوية أم ذكورية، حتى باتت هذه الشخصية صدى، يردد ما تراه المؤلفة، وما تؤمن به!!!
***
*من أجل التوسع في الروايات المذكورة في هذه الدراسة، يمكن مراجعة كتابي “الخطاب القصصي النسوي: نماذج من سورية، دار الفكر، دمشق، ط1، 2002

**ناقدة أكاديمية سورية

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

قراءة في رواية: لعبة المرايا

الدكتور عبدالله المعقول “جراء” مؤلف للكاتب المغربي المصطفى غزلاني (ط1،منشورات عكاظ،2015). يفهم من وجه الغلاف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *