ثقافة السرد

قصص قصيرة جدا للمغربي: محمد سعيد الريحاني

الكاتب المغربي محمد سعيد الريحاني

 

لا للاغتيال

لأنه لا يملك يدا، لم يطرق، الباب المفتوح.

ولأنه لا يملك أذنا، لم يستأذن أحد ولم يتوقع سماع إذن.

ولأنه لا يملك عينا، لم يلتفت لا يمينا ولا يسارا.

ولأنه لا يملك غير فوهة، فقد صوتها مباشرة خلف جمجمة الرجل الجالس وراء مكتبه لتحرير مسودته.

ولأنه لا يجيد من الحروف سوى حرفا واحدا قاتلا، فقد أطلقه رصاصة مدوية شتتت الجمجمة ولونت الورقة بالأحمر.

سرى الدم في شرايين الورقة فبدأت تنبض بالحياة وحروف الإدانة تكتمل عليها:  ” لا للاغتيال“.

التحدي

رجل بثلاثة أطفال وزوجة ربة بيت وعمل غير قار لا يمكنه إلا أن يقبل بالعرض الذي قدمه له زملاؤه العمال في ضيعة الفلفل الذين يخبرون فعل الحبة الواحدة من الفلفل الحار كما يخبرون عجز الإنسان على تحمل حرارتها وابتلاعها وهضمها. العرض يقضي بتناوله نصف كيلوغرام من الفلفل الحار مقابل مبلغ مالي يعادل ثلاثة رواتب شهرية متتالية من العمل اليومي المتواصل. قبل العرض فتحلق حوله المراهنون وأعطوه الكيس البلاستيكي وبدؤوا يراقبون سير العملية ويتدخلون حين يقتضي الأمر تصويبا أو تذكيرا بشروط الرهان.. كان الرجل يأخذ حبات  الفلفل الواحدة  بعد الأخرى ويعرضها أمام المراهنين قبل أن يقضمها على ثلاث دفعات ثم يعرض على المراهنين نصل الفلفل قبل أن يرميه أرضا. ولأن الرجل كان وفيا في إنجازه فقد عم الصمت الحلقة حتى لم يعد يسمع فيها غير صوت القضم والمضغ والبلع في البيت، كانت فرحة الزوجة والأبناء كبيرة لكن الرجل لم ينعم بالنوم تلك الليلة فالحرارة التي أحس بها خلال فترة تحلُّق المراهنين حوله لم تفارقه خلال الليل بل ازدادت وتركزت في وسط وجهه وكلتا أذنيه. وفي اليوم الموالي، لم يذهب للعمل فقد ازدادت درجة الحرارة وتركزت أكثر في أنفه الذي بدا أكبر حجما من ذي قبل. في اليوم الثالث، غابت الحرارة عن كل مناطق وجهه وغاب معها إحساسه بأنفه. في اليوم السابع، في جو البيت رائحة نثونة تتبع الأهل مصدرها حتى وصلوا إلى أنفه. عند الطبيب، علم بأن عليه إجراء عملية جراحية لبتر أنفه بمبلغ مالي يعادل رواتب عشر سنوات متتالية من العمل اليومي المتواصل في حقول الفلفل.

عَلَيَّ وَعَلَى قبيلَتي

لم تترك الخنازير محصولاً زراعياً إلا دمرته. لكن سكان القبيلة، باستثناء الشكوى،  لم يطوروا موقفا موحداً يؤهلهم لاتخاذ إجراء حازم اتجاه الخنازير البرية القادمة من الغابات المجاورة. اعتقد أحدهم أنه بإمكانه إثارة عزيمة القبيلة وإيقاظ همتها بالخطابة، فأعد خطبة حماسية شدد فيها على الشجاعة والمروءة والإقدام والحس بالكرامة وقيمة العيش الكريم ولما لم ير تجاوبا، أعتقد أنه بتطوعه للذهاب للغابة ببندقيته في يده سيتبعه أهل القبيلة بعدما سيتأكدون من قوة إرادته وصدق قوله في طريقه إلى الغابة، كان يلتفت بين الفينة والأخرى على أمل لحاق رجال القبيلة به لكن الناس لزموا عتبات بيوتهم وظلوا يرقبونه بعين ناقدة. واصل الخطى ليخفي قلقه وخوفه من المغامرة بمفرده مع ضواري الغابة مباشرة وراء الستار الأول من أشجار البلوط عندما توغل في الغابة ولم يعد يرى وراءه لا العيون ولا الآذان، أيقن أنه صار لوحده يناضل من أجل قضية لا تهُم أحداً غيره. فتمكن منه الخوف. وفي تلك اللحظة بالذات، ظهرت له طلائع قُطعان الخنازير البرية ترعى على بعد أمتار فأمسك ببندقيته مقلوبة اتجاه عينيه وضغط على الزناد فانفجرت جمجمته وانفجر معها نظام قطعان الخنازير فانطلقت مذعورة هاربة هائجة على الأهالي المُتَسَمّرينَ عند جنبات الغابة في انتظار سماع أخبار “عنترة” القبيلة.

الكرامة وبركة السماء

في مكتب رئيس الاستعلامات،  صوب المعتقل سبابته إلى عين الرئيس مهددا: ــــ لا تصرخ وإلا ستفقد صوتك إلى الأبد!

اغتاظ الرئيس واستشاط غيظا وبدأ يصرخ في وجه المعتقل وراء مكتبه لإعلان سلطته في مقامه ففقد صوته. نهض أحد الأطر من مقعده  ووجه أمرا لا يقبل التأجيل للمعتقل: ـــ أعد للسيد الرئيس صوته وإلا ستندم الندم الكبير!

رد عليه المعتقل ببرود مبالغ فيه: ـــ لديك الحق في صرخة واحدة وقد استنفدت ذلك الحق. مع الصرخة الموالية، ستفقد السيطرة على أطرافك اليمنى.

حاول الإطار الصراخ ثانية لإظهار التحدي لكنه سقط سقوط بقرة مشلولة بفم فاغر لا يقوى على التحكم فيه أو حتى إغلاقه. أغلق باقي الموظفين باب المكتب الدي يتواجدون جميعا فيه وتحلقوا حول المعتقل الذي هَمَّ بالخروج عبره  دون إذن أو استئذان أو  ترخيص من أحد، متوسلين: ـــ أيها الرجل عال الحس بالكرامة!  أيها الرجل ذو الكرامات!  أعد الرجلين إلى حالهما، فضلاً!

لكن ” ذا الكرامة والكرامات” خرج عبر الباب الموصدة أمام ذهول المتوسلين الذين خبروا بالعلم والتجربة بأن الباب الموصدة لا يمكن لآدمي اختراقها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق