الرئيسية | الموقع | حوارات المجلة | الناقد الجزائري الدكتور شريف بموسى عبد القادر للمجلة الثقافية الجزائرية: لا أحبّذ التقسيم بين الأدب المشرقي والمغاربي ولكن….

الناقد الجزائري الدكتور شريف بموسى عبد القادر للمجلة الثقافية الجزائرية: لا أحبّذ التقسيم بين الأدب المشرقي والمغاربي ولكن….

يُعد الدكتور شريف بموسى عبد القادر واحد من أبرز المثقفين المغاربة المهتمين بقضايا اللغة العربية، وأحد الذين يدافعون عنها في الأبحاث والمؤتمرات والملتقيات الثقافية، وهو باحث وأستاذ جامعي بقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة تلمسان بالجزائر، وناقد يواكب المنجز الروائي الجزائري والمغاربي بجهد معرفي مميز، ومن أهم أعماله: (الفهرس البيبليوغرافي للرواية الجزائرية 2015 – 1947) وفي هذه الموسوعة النقدية المؤلفة من أربعة أجزاء إضاءة موضوعية على التجارب الروائية في دول المغرب العربي ما جعلها مرجعاً أكاديمياً هاماً بالنسبة للباحثين في الرواية المغاربية عامة والرواية الجزائرية على وجه الخصوص.
في هذا اللقاء، حاولنا إثارة أسئلة النقد والسرد والإبداع، والنشر:

المجلة الثقافية الجزائرية: كيف تقيِّمون المشهد الثقافي الجزائري في ضوء حالة التهميش التي تطال المبدعين الجيدين؟
شريف بموسى عبد القادر: من باب الموضوعية والتخصص، سأتناول المشهد الروائي في الجزائر. هناك مشهدان ثقافيان في الجزائر: مشهد رسمي تُديره مؤسسات الدولة بكل ما تملكه من موارد مالية وبشرية كبيرة، ومشهد غير رسمي يديره أفراد وجمعيات ثقافية ذوي موارد محدودة .. فالمشهد الرسمي يتجلى بتلك الهالة التي صاحبت مجموعة من المناسبات الثقافية في الجزائر ذات البعدين العربي والعالمي، كالجزائر وقسنطينة عاصمة الثقافة العربية لسنتي 2007 و2015 وتلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية سنة 2011؛ وما صاحب هذه التظاهرات من هيلولة في وسائل الإعلام الرسمية وطبعٍ لمئات الكتب والعناوين وتحويل روايات جزائرية إلى روايات سمعية كما حدث مع رواية ” ريح الجنوب” لعبد الحميد بن هدوقة الصادرة سنة 1971 ورواية “نجمة” لكاتب ياسين. ولكن صاحب هذا الطبع نوعٌ من الفوضى حيث غالباً ما تُنشر الأعمال الإبداعية لمبدعين معروفين منذ عقود بل ويُعاد نشر أعمال إبداعية مرّ عليها قرابة النصف قرن ونشر كل ما يتّصل بها من دراسات نقدية. وعلى سبيل المثال نذكر هنا : بدعم من وزارة الثقافة، أعيد نشر أعمال الكاتب الجزائري عبد الحميد بن هدوقة ومنها رواية “ريح الجنوب” الصادرة سنة 1971 أي قرابة النصف قرن، كما دعّمت الوزارة نشر دراسات نقدية عن مجمل أعماله وصدرت دراسات عنه سنة 2015 ضمن فعاليات قسنطينة عاصمة الثقافة العربية. هذا شيء جميل أن نهتم بكُتَّاب جيل الرواد، ولكن الأجمل منه أن ندعم الكُتَّاب الجُدد الواعدين وندعم كل دراسة نقدية من شأنها الاهتمام بكتاباتهم والتعريف بأدبهم، خصوصاً أنهم يحتاجون هذا الدعم الآن أكثر من جيل الرواد أو الجيل الثاني منهم والذي قُتلت إبداعاتهم بحثاً ليس فقط في الجزائر وإنما في الدول العربية الأخرى مثل الروائي واسيني الأعرج وأحلام مستغانمي والطاهر وطار وغيرهم. فمن غير المنطق أن تُصرف أموال وزارة الثقافة على إعادة نشر أعمال لكُتّاب جزائريين من جيل الرواد والجيل الثاني والذين مات بعضهم منذ مدة، ودعم نشر دراسات عن إبداعاتهم التي مضى على بعضها قرابة نصف قرن، بينما لا تقوم بالمثل مع جيل كتاب الألفية الثالثة الواعد من أمثال سمير قسيمي وياسمينة صالح وعلاوة كوسة وعبد الوهاب عيساوي ومحمد الأمين بن ربيع ومحمد فتيلينة وعائشة بنور وغيرهم كثير.
قد يقول القائل بأنّ وزارة الثقافة في إطار تظاهراتها الثقافية الكبرى كالجزائر وقسنطينة عاصمة الثقافة العربية وتلمسان عاصمة الثقافة الإسلامية، قد دعمت الكثير من الشباب لنشر إبداعاتهم. وسأجيبك بأنّه لم يكن للوزارة أيّ دور في اختيار الإبداعات لدعمها، وإنما الدور كلّه كان منوط بدور النشر الجزائرية هي التي تختار الإبداعات وترسل قائمة الكتب التي تنتظر موافقة الوزارة بتحمل تكاليف نشرها إضافة إلى التزام الوزارة بشراء ما بين 1500 و2000 نسخة من الكتاب بعد نشره لتوزعه على المؤسسات الثقافية التابعة لها كالمكتبات العمومية وغيرها. ومع أنّني لا أريد أن أعمّم، ولكن كان هناك الكثير من المحسوبية والعلاقات في اختيار دور النشر الجزائرية لإبداعات كتاب كثيرين الذين سيحظون بدعم الوزارة، وهذا ما يفسّر – في بعضٍ منه – تدني المستوى الأدبي والجمالي لإبداعات شبابية بعد نشرها حتى وصلت بعضها إلى مستوى خواطر شخصية.. أما الشق الثاني من المشهد الثقافي الجزائري فينشطه أفراد وبعض المؤسسات الثقافية، ومع قلة الإمكانات المادية والبشرية إلاّ أنّ بعضهم سجّل حضوره ثقافياً سواء على مستوى الفرد كالروائي سعيد خطيبي وعز الدين جلاوجي والروائي عبد الوهاب عيساوي ومحمد الأمين بن ربيع وسمير قسيمي وغيرهم. وأما على مستوى الجمعيات فأذكر على سبيل المثال لا الحصر، رابطة أهل القلم بسطيف التي تحاول جاهدة أن تضع عرفاً ثقافياً وهو مسابقتها السنوية للإبداع في الرواية ومسابقاتها الأخرى كجائزة القاص حسين فيلالي للقصة القصيرة؛ إضافة إلى جمعيات ثقافية أخرى كجمعية الجاحظية وغيرها.
بالمشهد الروائي والقصصي الجزائري ثغرات كبيرة مهما حاول بعض الأفراد والجمعيات الحدّ من اتّساعها. فما ينقصنا هنا ليس دعم طبع النصوص من طرف وزارة الثقافة، وإنّما آليات أخرى منوطة بدور النشر الجزائرية من شبكات توزيع الكتب والإعلان له وإشهاره على صفحات الجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي. وللأسف معظم دور النشر الجزائرية تقتات على دعم وزارة الثقافة لطباعة الكتب، حيث أصبحت مجرد مطابع وليست دور نشر إذ بعد طبع الكتاب لا تقوم دار النشر بتوزيعه على مدن الوطن ومكتباته، وإنما تضعه في بعض مكتبات المدينة التي توجد بها هذه الدار إضافة إلى العاصمة، وتنتهي مهمتها هنا. أين الإعلان والدعاية له والإشهار؟؟ حتى في مواقع الشبكة العنكبوتية تكتفي بعرضه بصفة محتشمة على موقعها على الفيسبوك إن كان لها موقع. وحينما أقول إنّ دور النشر الجزائرية أصبحت مجرد مطابع، فإنني أعني ما أقول، فحتى لو قدّمتَ كتابا ذا قيمة معرفية أو إبداعية كبيرة للنشر ولا ترتبط بمعرفة مسبقة – شخصية أو إبداعية – بمسؤولي دور النشر الجزائرية فستطلب غالبية دور النشر الجزائرية منك تحمُّل تكاليف طبع الكتاب وأنها غير معنية بتوزيعه. وفي حالات أخرى تلتزم في العقد بشراء 200 نسخة من الكتاب وتدفع المبلغ كلّه قبل الطبع. فدور النشر تنشر للكتاب المعروفين جداً حتى ولو كانت طبعات كتبهم لم يمر عليها وقت طويل.

 

المجلة الثقافية الجزائرية: لنسلط الضوء قليلاً على كتابك :(الفهرس البيبليوغرافي للرواية الجزائرية) .. إلى أي حد – برأيك – سيساهم هذا الجهد الفردي في تحقيق الهدف المرجو منه والذي أعلنت عنه في مقدمة الكتاب (خلق لُحمة بين الروائيين المغاربيين في القطر الواحد أو الأقطار المغاربية الخمسة)؟
شريف بموسى عبد القادر: أخذ مشروع “الفهرس البيبليوغرافي للرواية المغاربية إلى سنة 2015” مني وقتاً كبيراً امتد إلى أكثر من سبع سنوات أثمرت عن صدور الجزء الأول منه وهو الخاص ببيبليوغرافيا الرواية الجزائرية إلى غاية سنة 2015، وسيصدر الجزء الثاني الخاص ببيبليوغرافيا الرواية المغربية مع نهاية هذه السنة إن شاء الله. كان الهدف من هذا العمل هو أرشفة الرواية الجزائرية وترتيبها بحسب سنة الصدور الأولى وإلى غاية سنة 2015 بالنظر إلى الفراغ الكبير الذي ما زال يعرفه هذا المجال على صعيد الجامعات الجزائرية خاصة بحيث ما زال من الصعوبة بمكان معرفة ما يصدر في هذا القطر المغاربي من نصوص روائية جديدة. ولكن الهدف الضمني لهذا الفهرس هو خلق لُحمة بين الروائيين المغاربيين سواء في القطر الواحد أو في الأقطار المغاربية الخمسة. كيف ذلك؟؟ سأركز في إجابتي أولاً على الرواية الجزائرية والروائيين الجزائريين، فلقد ظهر في الألفية الثالثة روائيون وروائيات جزائريات جدد، بل هناك من ظهر منذ سنتين فقط أي سنة 2015. وبطبيعة الحال لا يمكن لأيّ روائي معرفة روائيين جزائريين آخرين يظهرون كل سنة، ناهيك عن معرفة عناوين رواياتهم. من هنا يمكّن هذا الفهرس الروائيين الجزائريين من معرفة كلّ ما صدر من روايات جزائرية إلى غاية سنة 2015، ومعرفة أسماء الروائيين الآخرين وعدد ما كتبوه من روايات. فأثناء قيامي بالتواصل مع الروائيين الجزائريين والمغربيين لسؤالهم عن بيانات رواياتهم، صادف أن وقعت لي مع بعضهم حادثتين تمثل درجة الهوة الكبيرة الموجودة بين روائيي القطر الواحد، فما بالك بالأقطار المغاربية الخمسة. لقد اتّصلت بروائي جزائري صديق أسأله عن رقم هاتف روائي جزائري شاب من مدينته أصدر روايتين كي أتّصل به لأتأكّد من بيانات روايتيه من حيث الطبعة الأولى، فردّ عليّ بالحرف الواحد بأنها المرة الأولى التي يسمع بها بهذا الروائي ناهيك عن جهله التام بروايتيه. تبيّن لنا هذه الحادثة، مدى عزلة الروائي الجزائري عما يجري في قطره وجهله التام بما يصدر من روايات جزائرية كل عام. فلو طلبت من أيّ روائي جزائري – حتّى وإن كان معروفاً – أن يذكر لك عناوين روايات جزائرية صادرة في الألفية الثالثة دون رواياته فلن يتجاوز على أكثر التقدير الثلاثين (30) عنوانا مع أنّ عدد الروايات الجزائرية في الألفية الثالثة (سنة 2000 إلى سنة 2015) يتجاوز 433 رواية، ولو طلبت منه أن يعطيك أسماء الروائيين والروائيات الجزائريات في الألفية الثالثة فلن يبتعد أكثر من ثلاثين اسماً مع أنّ عددهم يفوق المائتين (206 روائي وروائية). من هنا تكمن فائدة هذا الفهرس الذي يتيح للروائي الجزائري الاطّلاع على عناوين الروايات الجديدة وسنة طبعها بل وعدد صفحاتها أيضاً، إضافة إلى أسماء أصحابها. مما يجعله على اتّصال دائم بكلّ ما يتعلّق بإصدارات الرواية الجزائرية وزملائه الروائيين والروائيات. وهذا من شأنه أن يخفّف من عزلته الأدبية وينقص في الوقت ذاته من أمّيته المرتبطة بجهله بإصدارات الرواية الجزائرية الجديدة وأسماء الروائيين القدامى والجدد. وحينما يلتقي بأحد هؤلاء الجدد في ملتقى أو تكريم أو مناسبة ثقافية ما، فإنّ اطّلاعه على عناوين روايات الآخر واطّلاع الآخر على عناوين رواياته يخلق مناخا مناسبا للتقارب والتواصل بدل الابتعاد والتكبر والجفاء.
والملاحظة ذاتها تخصّ الرواية في الأقطار المغاربية الأخرى، أي يمكن لأيّ روائي مغاربي أن يكون على اطّلاع تام بما يصدره بلده من روايات جديدة وبما تصدره البلدان المغاربية الأخرى، حيث بإمكانه تفادي تكرار العنوان في رواياته القادمة اعتماداً على عناوين الروايات الصادرة في بلده أو البلدان الأخرى.

المجلة الثقافية الجزائرية: على ماذا اعتمدت لجمع المعلومات التوثيقية عن الرواية الجزائرية بتلك الدقة؟
شريف بموسى عبد القادر: لقد بدأت هذا المشروع سنة 2007 وكانت مكتبة قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة تلمسان ثمّ مكتبة فرانس فانون أو المكتبة الوطنية الجزائرية بالجزائر العاصمة هي حجر الانطلاق، إضافة إلى المكتبات العمومية لمدينة تلمسان ومدينة وهران. وقد بدأت في هذه الفترة بالاطّلاع على كتب الدراسات الأدبية والنقدية الّتي تُعنى بجنس الرواية العربية والمغاربية لأخذ عناوين الروايات وبياناتها، بالإضافة إلى رسائل الماجستير والدكتوراه الموجودة في المكتبات الجامعية لبعض جامعات الجزائر والّتي تناولت بالدراسة روايات مغاربية حديثة ومعاصرة. ثمّ توقفت بعد برهة من الزمن لاصطدامي بنقص في الروايات وبياناتها، لكن سفري بعد ذلك لثلاث مرات إلى دمشق وزيارتي لمكتبة الأسد جعلني أكتشف بعضا من الروايات الجزائرية الصادرة في طبعاتها الأولى بدمشق أذكر على سبيل المثال لا الحصر رواية واسيني الأعرج “وقائع من أوجاع رجل غامر صوب البحر” الصادرة في قسمين عن منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي بدمشق سنة 1981 ورواية “البطاقة السحرية” لمحمد ساري الصادرة سنة 1997 عن منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق ولديّ نسخ منهما. بعد ذلك قمت بتتبع كلّ ما يصدر من روايات جزائرية في الصحف والمواقع الإلكترونية، كما كان المعرض الدولي للكتاب الذي يُقام سنوياً بالجزائر فرصة ثمينة للاتصال بالروائيين والروائيات وأخذ بيانات رواياتهم. إضافة إلى اتصالي بكثير من الروائيين الجزائريين والمغاربيين على صفحاتهم الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي حيث أمدوني مشكورين بجميع بيانات رواياتهم الصادرة إلى غاية 2015. وقد استعنت أيّما استعانة بشبكة الانترنت، في البحث عن روايات مغاربية أخرى وتاريخ صدورها الأول، حيث استفدت استفادة كبيرة جداً من مواقع كثيرة في التحقّق من كثير من المعلومات الخاصة بالروايات وطبعاتها وعدد صفحاتها، وسنة صدورها الأول ودار النشر. ومن بين هذه المواقع الهامة جداً في عملي هذا، أذكر موقع المكتبة الوطنية المغربية والمكتبة الوطنية التونسية ومكتبة معهد الآداب العربية بتونس وغيرها. لقد كان للشبكة العنكبوتية فضل كبير في تصحيح بعض الأخطاء في الفهرس والتّحقّق من تاريخ الصدور الأوّل لبعض الروايات، والبحث عن عدد صفحات الروايات بطبعتها الأولى.

المجلة الثقافية الجزائرية: كناقد مهتم بفن الرواية هل تمكنت الأقلام الروائية الجديدة من خلق فضاء روائي رحب قادر على الوصول إلى القرّاء (العاديين والنخبة) في آن معاً؟
شريف بموسى عبد القادر: لا يمكنني الجزم بذلك، فأنا لم أطّلع على جميع الإبداعات الروائية الجديدة بل ولا حتّى ثلثها؛ ولهذا رأيي هنا سيكون جزئياً وليس عاما يعتمد على قراءاتي لروايات جزائرية قليلة لكتاب جدد قد لا تتعدى الثلاثين رواية في أحسن الأحوال. ومن خلال قراءاتي المتواضعة جداً لتجارب إبداعية جديدة يمكنني القول بشكل جزئي إنّ هناك كتابات لا تصل سوى للنخبة فقط لأنّ القارئ العادي ليس له نفس طويل وصبر على الوقوف لدقائق عند فقرات وجمل وكلمات ذات أبعاد رمزية عميقة، كما أنّه لا يتمتع بثقافة موسوعية كالتاريخ والفلسفة وغيرها تمكّنه من سبر أغوارها وقراءة ما بين السطور وفك شيفرتها واستخراج رموزها الدينية أو الفلسفية أو السياسية، نجد هذا جلياً في نصوص الروائي سمير قسيمي خصوصاً روايتيه “هلابيل” الصادرة سنة 2010 ورواية “كتاب الماشاء؛ هلابيل النسخة الأخيرة” الصادرة سنة 2016 نظراً لطرحهما موضوعاً جديداً جداً وتاريخاً واقعياً ومتخيّلاً غير مسبوق مع أفكار وجودية. بينما هناك روايات أخرى أظنها وصلت إلى القارئ العادي والنخبوي معاً، منها رواية “كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك” للروائي الجزائري المقيم في إيطاليا عمارة لخوص ورواية “دمية النار” لبشير مفتي و “لخضر” لياسمينة صالح الصادرتين في سنة 2010 واللّتين تُعدّان بحق من الروايات الجزائرية التي تطرّقت إلى طابو السياسة بنوع من الجرأة لم نجد لها أثراً في الروايات الجزائرية الأخرى.

المجلة الثقافية الجزائرية: لماذا لم تحظ الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية بحضور دولي على غرار نظيرتها المكتوبة بالفرنسية؟
شريف بموسى عبد القادر: يرتبط الحضور الدولي أولا باللغة التي تُكتب بها الرواية، فإذا كانت الرواية الجزائرية مكتوبة باللغة العربية فسيكون الحضور الدولي في الغالب حضوراً عربياً ومشرقياً على وجه الخصوص، أمّا إذا كُتبت الرواية باللغة الفرنسية فالحضور الدولي سيكون أولاً فرنسياً ثم قد يمتد إلى البلاد الفرانكفونية الأخرى ومنه إلى اللغات الأوروبية الأخرى وبالأخص الإنكليزية. قالرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية يجب أن تكون ذات مستوى عال جداً كي تُثبت نفسها أمام قريناتها من الدول العربية الأخرى وتستحق حضوراً دولياً عربياً، وهذا ما ينطبق على بعض الروائيين الجزائريين القلائل وعلى رأسهم واسيني الأعرج وكذلك أحلام مستغانمي في فترات قديمة سابقة وبعض الروايات القليلة التي تظهر مع المسابقات العربية للرواية. لكن في الغالب نجد أنّ الرواية العربية المشرقية وكذلك الآن الخليجية هي التي تحتكر هذا الحضور العربي لأنّ صاحب وسائل الإعلام ومال المسابقات هم من دول الخليج، وبالتالي سيكون هناك ضغط كبير يُمارس كي تفوز روايات بلدانهم بهذه الجوائز إضافة إلى مصر ولبنان حيث بدأت فيهما الرواية منذ أكثر من قرن وهم متغلغلون في وسائل الإعلام الثقافية في الدول العربية الخليجية، وبالتالي لديهم وزن كبير في هذه المناسبات الثقافية العربية.
بينما الرواية الجزائرية المكتوبة بالفرنسية لها حضور دولي فرنسي كبير، حيث لازالت فرنسا تعتبر الجزائر جزءاً من مستعمراتها الثقافية بعد أن فقدتها كمستعمرة مكانية، واللغة الفرنسية هي المفتاح الرئيس في هذا الارتباط الاستعماري، وبالتالي فكلّ ما يصدر من روايات بلغة فرنسا هو نوع من الامتداد للغتها التي يجب أن تُصان وتُحمى وتنتشر في الجزائر أكثر من السابق، بالإضافة إلى أنّ هذه الروايات الجزائرية وثيقة اجتماعية وثقافية مهمة عن المجتمع الجزائري بطبقاته جميعها. ولهذا فإنّ الروايات الجزائرية المكتوبة بالفرنسية ذات المستوى فوق المتوسط ستجد الدعم كلّه من فرنسا أولا والمجتمع الدولي بعد ذلك وستكون محلّ إشهار لها ولأصحابها وستكون حاضرة في المحافل الثقافية ووسائل الإعلام الفرنسية والدولية وتُتوّج بجوائز فرنسية وغيرها من الجوائز، ولعلّ هذا ما دفع ببعض الروائيين الجزائريين الذين بدأوا الكتابة باللغة العربية إلى التوجه للكتابة باللغة الفرنسية. إذن فمسألة اللغة الفرنسية في الجزائر وكلّ ما هو مرتبط بها هي من أولويات الثقافة الفرنسية، وبالطبيعة لن تخرج الرواية الجزائرية المكتوبة بلغة موليير عن ذلك.

المجلة الثقافية الجزائرية: في أحد أبحاثك المنشورة أشرت إلى مسألة غاية في الأهمية وهي: وجود أخطاء لغوية في روايات عربية حاصلة على جوائز عالمية .. كمثقف وأكاديمي ما هي الإجراءات التي يجب أن تُتخذ من أجل إعادة الاعتبار للغة الفصحى، وما دور الإعلام في هذه المهمة؟
شريف بموسى عبد القادر: حملت هذه الدراسة عنوان: الرواية العربية وأخطاء اللغة العربية: دراسة إحصائية في الروايات الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (2008-2015)، وقد أُلقيت كمداخلة على مسمع الحاضرين في المؤتمر الدولي الخامس للغة العربية المنعقد بدبي ما بين 4/7 ماي 2016، ثم نُشرت في الموقع الرسمي للمؤتمر وهي لا تزال منشورة إلى حدّ الآن ويمكن الاطّلاع عليها وتحميلها.
جاءت هذه الدراسة لترصد الأخطاء اللغوية الموجودة في أعلى هرم الرواية العربية من حيث القيمة الأدبية والفنية والتكريم؛ فاتّخذت الروايات العربية الفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (2008 – 2015) أنموذجاً للدراسة وإحصاء الأخطاء العربية الموجودة فيها، حتى تخرج بفكرة ولو مصغّرة عن حجم الأخطاء اللغوية المهول الذي يجتاح رواياتنا العربية جميعها.
ولقد خرجت هذه الدراسة بنتائج واستنتاجات كارثية وعلى جانب كبير من الخطورة سأذكرها كاملة لأهميتها البالغة والخطيرة على اللغة العربية:
خمسة وستون ومئة وألف (1165) هو مجموع عدد الأخطاء النحوية واللغوية في تسع (09) روايات عربية فائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية. هذا بغضّ النظر عن الأخطاء الإملائية الهائلة التي لم تُحصيها هذه الدراسة لضيق الوقت وخصوصاً عدم كتابة الهمزة في همزة القطع في الصفحات جميعها لروايات بكاملها كرواية “فرانكشتاين في بغداد”.
وإذا ما اعتبرنا هذه الروايات التسعة الفائزة بالجائزة العالمية للرواية، تمثّل مستوى عالياً من النضج والكمال اللغويين للرواية العربية، ومع ذلك فقد احتوت على هذا العدد الكبير جداً من الأخطاء اللغوية؛ فممّا لا شكّ فيه أنّنا سنصطدم بعدد مهول من الأخطاء اللغوية إذا ما فحصنا الروايات المرشحة للقائمة القصيرة وكذلك الروايات المرشحة للقائمة الطويلة، على أساس أنّها أقلّ نضجاً سردياً ولغوياً من الروايات الفائزة بالجائزة، وبالتالي أكثر أخطاء.
ومحاولة منا معرفة العدد التقريبي من الأخطاء اللغوية الموجودة في الروايات العربية المرشَّحة للقائمتين القصيرة والطويلة منذ سنة 2008 إلى غاية سنة 2015، قمنا بعملية حسابية سريعة، جاعلين في الاعتبار، عدد الأخطاء اللغوية في الروايات الفائزة بالجائزة هو العدد نفسه في روايات القائمة القصيرة وروايات القائمة الطويلة. فجاءت النتيجة على الشكل التالي:

سيجوب هذا العدد الهائل والمفزع من الأخطاء اللغوية (149120 خطأ) العالم العربي بفئاته البشرية المختلفة بدءاً من المثقفين والكتاب والنقاد، وأساتذة الجامعات وطلابها، ثمّ نزولاً إلى غاية تلاميذ المدارس بأطوارها المختلفة، الذين سيدرسون – في المستقبل القريب – نصوصا عربية مقرَّرة في كتبهم المدرسية مقتبسة من هذه الروايات الفائزة وغيرها من الروايات العربية الأخرى والمليئة بالأخطاء. تستدعي هذه النتيجة دقّ ناقوس الخطر، والعمل بسرعة على الحدّ من شيوع هذه الأخطاء اللغوية المشينة في رواياتنا العربية وخصوصاً التي تترشّح للجوائز العربية. لأنّها ستضرّ بسلامة اللغة العربية وفصاحتها أيّما ضرر.
ولهذا، فإنّ من بين أهمّ الإجراءات الفعالة في محاربة هذه الأخطاء في النصوص الإبداعية وحماية اللغة العربية منها :
▪ ضرورة فرض محكّمين أكاديميين لغويين ونحويين في المسابقات الإبداعية العربية جميعها بما فيها الجائزة العالمية للرواية العربية وجائزة كاتارا.
▪ اشتراط ضرورة خلوّ النصوص الروائية من الأخطاء اللغوية كي تفوز بجوائز المسابقات، أو ألاّ تتجاوز هذه النصوص عدداً محدوداً جداً من الأخطاء، على أن تُطبع النصوص الفائزة في طبعات مصحّحة.
▪ فرض التزام جميع أصحاب الروايات المترشحة للجوائز العربية باعتماد تصويبات اللغويين وتصحيحاتهم في طبع رواياتهم في طبعات تالية، وإلاّ لن يُقبل ترشيحهم للجوائز مرة أخرى.
▪ اقتراح تشكيل لجنة عربية مدعومة من وزارات الثقافة للدول العربية، متكونة من خبراء وأكاديميين لغويين ونحويين عرب، تكون مهمتها إعادة قراءة أشهر الروايات العربية وأكثرها انتشاراً منذ بدايات القرن الماضي وإلى الآن؛ ثمّ تقوم هذه اللجنة بتصحيح هذه الروايات من الأخطاء اللغوية وتنقيحها. ثمّ إخراجها في طبعات منقّحة ومصحّحة، واعتماد هذه الطبعات المصحّحة في الطبعات التالية لهذه الروايات في جميع البلدان العربية. كلّ هذا حتّى تتمكّن الأجيال العربية القادمة من قراءة هذه الروايات بلغة سليمة ليس فيها لحن أو خطأ قدر الإمكان. كما لا يمكننا نسيان الدور المهم والخطير الذي يلعبه الإعلام العربي المسموع والمقروء في الحيلولة دون تفشي الأخطاء اللغوية في لغتنا العربية الفصحى، ولهذا يجب أن يكون المدققون اللغويون للصحف والجرائد والمواقع العربية ذوي مستوى لغوي أكاديمي عال كي يقوموا بالتدقيق والتصحيح قبل النشر.

المجلة الثقافية الجزائرية: لنفتح نافذة – من خلالك – على الأدب المغاربي المعاصر (ميزات، الخصوصية، السمات).. بما يختلف عن المدرسة المشرقية؟
شريف بموسى عبد القادر: لقد كان الأدب المغاربي القديم عبارة عن تقليد للأدب المشرقي ولعلّ العبارة المشهورة للصاحب بن العباد “هذه بضاعتنا رُدّت إلينا” تجسّد هذا التقليد أفضل تجسيد. ولم يبدأ المغاربيون كتابة الأدب المغاربي الخاص بهم إلاّ إبّان الاستعمار الفرنسي، فنجد كلاًّ من محمد ديب وإدريس الشرايبي وغيرهما كتبوا أدباً مغاربياً خالصاً مستعيرين لغة المستعمر. ثم حذا حذوه الأدب المكتوب بالعربية، ليرسّخ مكانته على المستوى العربي والعالمي ولعلّ أسماء مثل واسيني الأعرج ومحمد زفزاف ومحمود المسعدي وإبراهيم الكوني وموسى ولد ابنو، تعطينا أفضل صورة على ما وصل إليه الأدب المغاربي المكتوب بالعربية من تتويج عربي وعالمي. لعلّ أهمّ خصوصية يمتاز بها الأدب المغاربي عن غيره المشرقي – وسنستعمل هذا التمييز هنا تجاوزاً وليس حقيقة – هي الازدواجية اللغوية والثقافية التي تحكم بيئاته الثلاثة (الجزائر/ المغرب/ تونس) والجزائر على وجه الخصوص، ما يجعله يستفيد من ذلك كثيراً من حيث اللغة والموضوعات. بالإضافة إلى اشتغال الكتابة المغاربية على الفكر والتراث المحكي، بل واتجاهها الآن إلى الكتابة الصوفية والعرفانية وهذا ما لا نجده في الأدب المشرقي إن صحّ التعبير. وكمثال على ذلك نجد الآن في المغرب اتجاهاً جديداً في الرواية أسّس له الروائي عبد الإله بن عرفة منذ حوالي خمسة عشر سنة بإصدار روايته الأولى “جبل قاف” سنة 2002، ثمّ أتبعها بثماني روايات أخرى آخرها رواية “الجنيد؛ ألم المعرفة” الصادرة سنة 2016. فهذا الكاتب المغربي/ المغاربي يقدّم مشروعه العرفاني أو الرواية العرفانية التي يؤسس لها في السرد المغاربي المعاصر والعربي كذلك، حيث تختلف تمام الاختلاف عما هو موجود في الأدب المشرقي الآن؛ فهو يستمد من الموروث الصوفي/ العرفاني مادة رواياته معتمداً في كتابتها على بدايات السور في القرآن الكريم والمتكونة من حرف وحرفين وثلاثة حروف كَـ “ص” و”ق” و”حم” وغيرها. ولم يكن مشروعه هذا وليد رواية واحدة أو روايتين وإنما هو لا يزال مستمراً بعد تسع روايات كاملة عبر ما يقارب الخمسة عشر سنة. لا أريد أن أخوض الآن في هذا الاتجاه الجديد في الرواية المغاربية والعربية، ولكن أردت فقط أن أبيّن مدى الاختلاف بين ما هو مشرقي وما هو مغاربي، ومع أنّني لا أحبّذ التقسيم بين الأدب المشرقي والمغاربي ولكن طبيعة كليهما المختلفتين جعلت منهما أدبين ينحوان منحنيين مختلفين بالرغم من تشابههما في اعتماد اللغة العربية إطاراً لأدبهما.

المجلة الثقافية الجزائرية: مازال الجدل قائماً بشأن النظرة المتبادلة بين المشرق العربي والمغرب العربي حول الإبداع.. كما تعلم ..دائماً هناك فكرة مقارنة بينهما رغم أن الانتماء العروبي لا يختلف بين المشرق والمغرب.. ما دور المثقفين العرب في إنهاء هذه الحالة الإشكالية التي يشوبها الكثير من العنصرية والفوقية؟!
شريف بموسى عبد القادر: مع أنّ هذه النظرة الفوقية للمشارقة تجاه المغاربيين موجودة ولكن لم تعد بتلك الدرجة كما كانت عليه في السابق لأنّ الأدب والثقافة المغاربيين أثبتا مكانتهما عالمياً إلى درجة أنّ حتى المشارقة بنظرتهم الاستعلائية لم يستطيعوا إغفال أهمية ما يقدمانه من جديد للثقافة العربية خصوصاً في مجال السرديات والفلسفة وغيرهما، بل وبدأوا يأخذون عن المغاربة.
بحديثنا عن دور المثقفين في محاولتهم لإنهاء هذه النظرة الاستعلائية الفوقية، نقف عند بعض الملاحظات :
▪ لا يهتمّ غالبية المثقفين العرب من القامات الأدبية المعروفة في المشرق والمغرب العربيين بهذه القضية – والتّيغالبا ما يصرّحون عبر وسائل الإعلام – بأنها غير موجودة أو افتعالية أو هي مسألة بسيطة، مع أنّهم يعرفون تمام المعرفة بوجودها وتغلغلها في كيان الثقافة العربية حتى وإن بدأت تفقد حدّتها مع نهاية العقد الثاني من هذه الألفية الثالثة بانتشار الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي والنشر الإلكتروني وغيره. ولعلّ تصريحات الكتّاب المغاربيين تلك، نابعة من أنّهم مشهورون جدا وغير معنيين بتلك النظرة الاستعلائية، لأنّها تطال غيرهم الأقل شهرة وغير المعروفين والّذين يمثّلون أكثر من تسعين بالمائة من الكتاب الذين يكتبون باللغة العربية. ولهذا فلن يقوم أيّ من هؤلاء الكتاب المغاربيين – إلاّ فيما ندر – بأيّة محاولة من شأنها محو هذه النظرة الاستعلائية المشرقية، لأنّها قد لا تخدمهم هم بالدرجة الأولى حين تنتشر كتابات أسماء مغاربية جديدة في المشرق العربي وتزاحمهم هناك. فإذا كان هذا هو حال المثقفين المغاربة المشهورين، فكيف يمكن انتظار مساعدة من المثقفين المشارقة بهذا الشأن (محاولة إنهاء إشكالية العنصرية والنظرة الفوقية) وهم المتشبعون حتى النخاع بالثقافة المشرقية، ولا ينتمون إلى البيئة المغاربية؟!
▪ فلو أخذنا على سبيل المثال كاتبين جزائريين ذوا شهرة أدبية عربية وعالمية مثل الروائي واسيني الأعرج والروائية أحلام مستغانمي، فلا يمكن لأحد أن ينكر موهبتهما الإبداعية وتميّزها، لكن لو تفحّصنا رواياتهما سنجد من بين ثلاث وعشرين (23) رواية لواسيني الأعرج صادرة في طبعاتها الأولى إلى غاية سنة 2015، هناك عشرين رواية منها صادرة بدور نشر مشرقية. والملاحظة نفسها نجدها في روايات أحلام مستغانمي، حيث إنّ الأربع (04) روايات الصادرة لها في طبعاتها الأولى، صدرت عن دور نشر مشرقية وليس مغاربية. وبالمقابل نجد روائياً جزائرياً كإبراهيم سعدي يكتب أكثر من ثماني روايات كاملة لكنه مشهور في المشرق برواية واحدة هي رواية “بوح الرجل القادم من الظلام” لأنها هي الوحيدة المنشورة بدار نشر مشرقية سنة 2002 (دار الآداب/ بيروت)، بينما الروايات السبع الباقية ليست بشهرة روايته السابقة لأنها منشورة بدور نشر جزائرية، مع ما يصاحب هذا النشر – للأسف الشديد – من تعتيم إعلامي وحدّ من التوزيع وعدم الاحترافية محبطة. والملاحظة نفسها تنطبق على البلدان المغاربية الأخرى فنجد كتّاب مغاربة من أمثال الروائيين المغربيين بن سالم حميش وعبد الإله بن عرفة حيث طُبعت غالبية كتبهم بدور نشر مشرقية هذا ما كفل لهم الانتشار والشهرة في الأوساط الأدبية بالمشرق إضافة إلى شهرتهم ببلدان المغرب العربي مع التذكير أنّ رواياتهما تستحق الشهرة أدبياً نظراً لمستواها اللغوي الراقي والذي يكاد يخلو من الأخطاء اللغوية، إضافة إلى المواضيع البكر غير المسبوقة وغير المطروقة في الأدب العربي بالنسبة لبعض رواياتهما. لكن شهرة هذه الروايات اتّسعت اتّساعاً كبيراً باعتمادهما على النشر في لبنان ومصر وغيرها من بلدان المشرق؛ فنجد أنّ بن سالم حميش نشر إحدى عشرة رواية كان نصيب عشرة منها دور نشر ببيروت والقاهرة، ولندن. أمّا روايته “بروطا بوراس يا ناس” كان نصيبها دار النّشر المغربية بالدار البيضاء سنة 1998، ولهذا لا يعرفها الكثيرون من الأدباء والقراء العرب حتى داخل المغرب.
▪ وأكمل هذه الأمثلة بالروائي الموريتاني موسى ولد ابنو الذي اشتهر بروايته الرائعة ” مدينة الرياح ” الصادرة سنة 1996 عن دار الآداب ببيروت والذي أصدر روايتين من بعدها صادرتين عن الدار نفسها. ومع ما تمتاز به رواية “مدينة الرياح” من جمالية وبعد تاريخي لمنطقة المغرب وجنوب الصحراء، إلاّ أنّه سيكون مآلها الإهمال لو نُشرت بدار نشر موريتانية أو مغاربية، ولما عُرف صاحبها واشتُهر مع أنّه أصدر ثلاث روايات فقط. هذا يحيلنا إلى أنّ شهرة أيّ كاتب مغاربي وانتشار كتاباته لا تزالان خاضعتين للمشرق العربي بوسائله الإعلامية ودور نشره على وجه الخصوص؛ أي أنّ أيّ كاتب مغاربي يكتب بالعربية يجب أن تمرّ كتاباته على المشرق العربي بدوره للنشر ووسائله الإعلامية الكبيرة – وخصوصاً الخليجية الآن – كي تنتشر وتشتهر.
▪ كما لا يمكننا أن ننسى محدودية دور النشر المغاربية وخصوصاً الجزائرية منها – بالمقارنة مع دور النشر المشرقية – وعدم احترافيتها حيث لا تزال أغلبها عبارة عن مطابع لا أكثر لا تقوم بإشهار لكتبها ورواياتها كما أنّ توزيعها للكتاب المغاربي لا يخرج في الغالب عن حدود بيئتها القطرية إن لم يتمركز في عاصمة القطر المغاربي فقط، هذا ما يجعل الكثير من كتابنا المغاربة – بعد نشرهم لأولى رواياتهم وكتبهم في بلدهم الأصلي -، يتّجهون إلى هذه الدور المشرقية التي تكفل لكتبهم التوزيع الأفضل والانتشار الأحسن.

 

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

الأديب المصري فكري داود للمجلة الثقافية الجزائرية: ما شدني للكتابة للأطفال ، إيماني بأنهم مستقبل هذه الأمة

تميز كتابات الأديب المصري فكري داود بطابع فكري وإنساني، والحقيقة أن تجربته الإبداعية تتسم بالتنوع …

4 تعليقات

  1. محمد اإحسايني- المغرب

    الناقد د/ شريف بموسى عبد القادر:
    اطلعت على مقال في المجلة الثقافية الجزائرية كأستاذ جامعي… ومهتم ببالشئون الثقافية، وفوق ذلك مهتم ومناصر للغة الضاد. وهذه الميزة الأخيرة تحمدون عليها. كما أن جهودكم حول الرواية المغاربية تفتح الباب للتوسيع في الأدب المغاربي. وعندما نقول الأدب المغاربي لايعني أن هناك انفصالاً عن بؤرة الأدب الغربي في المشرق. أنا كمغربي،لا أتبنى مبدأ المركزية.وقد درج علماء تاريخ الأدب العربي منذ قرون خلت على الإشارة إلى الأدب الأندلسي-كذا- أي أن هناك عدم تبني المركزية؛ فلا تنكر إذن جهود المغاربيين والأندلسيين وغيرهم من علماء >وأدباء”جزر البحر”. وأنا ل أؤيد قول أحد مشاهير المشرقيين،”هذه بضاعتنا ردت إلينا لأن هناك بصمات مغاربية وأندلسية.
    تحياتي
    محمد الإحسايني- صحافي وكاتب روائي

    • أ.د. شريف بموسى عبد القادر

      أشكرك جزيل الشكر على ردك الأكاديمي الجميل، كما أنني أوافقك الرأي بخصوص عدم انحيازي للمركزية في الأدب سواء المشرقي او المغاربي، ولكن هناك دائما تضخم للذات الأدبية المشرقية عند البعض فقط بالرغم من انتشار الأدب المغاربي عاليا بين الآداب العالمية نجد ذلك متجليا في كتابات الروائي إبراهيم الكوني وواسيني الأعرج وعبد الإله بن عرفة وبنسالم حميش ومحمد برادة وغيرهم . مودتي وتقديري

  2. Fatima Benahmex

    قرأت الحوار المطول ..و قد تطرقتم إلى قضايا مهمة بعضها يمس الرواية بشكل مباشر و يؤثر عليها مثل قضية النشر و حالته في الجزائر مقارنة مع طبيعة النشر و ما يصاحبه في المشرق .. و قضايا أخرى ظننت أننا تخطيناها مثل نظرة الاستعلاء من طرف المشارقة و لقد أضأت أستاذي نقطة مهمة كون المعنيين بابعاد هذه النظرة يرون أنها لا تمسهم و انهم غير معنيين بها لدى يتجاوزون عنها .. اما بخصوص عالمية الرواية العربية فقد ذكرتم أن الرواية الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية لديها فرص للانتشار عالميا مع العلم أن هذا الأدب حسب أراء الدارسين لا يحظ بذلك الاهتمام و أنه يظل في ركن الأدب الملحق .
    شكرا لك أستاذ على هذا المقال الثري.

    • أ.د. شريف بموسى عبد القادر

      شكرا لك على طرحك موضوع الأدب الجزائري المكتوب باللغة الفرنسية، وقد ذكرت أنّه يظل ضمن أدب الملحق. والحقيقة يعجب الفرنسيين إطلاق عليه أدب المستعمرات أو أدب المستعمرات السابقة. يحبون إطلاق هذه اللاحقة ” أدب المستعمرات ” التي تدلّ على التبعية والتقزيم مهما كان هذا الأدب استثنائيا. شكرا لك على الملاحظة التي قد تكون ذات يوم موضوع مناقشة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *