قراءات ودراسات

الترجمة الفورية وعامل الزمن

بقلم دانييل جيل- فرنسا.. ترجمة الدكتور حسيب الياس حديد*

هنالك عنصراً جوهرياً آخر يتأثر به طلبة الترجمة الفورية أثناء تعليمهم حرفتهم بخصوص فهم اللغات عند الإصغاء ويتمثل ذلك بعامل الوقت . ويمكن قياس الوقت بأجزاء الثانية ولا يمكن ملاحظته في الحياة اليومية التي نحياها حيث ان الحاجات الوظيفية لا تتطلب رد فعل سريع . ولكن في الترجمة الفورية يصبح ذلك أمراً يسهل إدراكه وذلك بسبب ضيق الوقت الذي يعاني منه المترجم الفوري .

Daniel Gile: “Le traduction et l’intérprétation et le temps, META , Vol: 35, No. 1, 1990, p. 20-30.

فهم العبارات المتخصصة :

يتمثل احد الثوابت المهمة في عمل المترجم في ترجمة الخطابات المتخصصة  
” العلمية والتقنية ” على سبيل المثال ، ويعد عمل التحليل وإعادة الصياغة الدقيقة للخطاب مع الرصيد المعرفي للعوامل الخارجة عن اللغة أقل بكثيرمن عمل المرسل إليه الرسالة وهو عمل يتعلق بالترجمة حصراً وإنه نادر في المهن الأخرى إن لم يكن معدوماً . وبناء على ذلك غدا من الضروري اتباع الطريقة التي بوساطتها يفهم المترجم هذه العبارات المتخصصة .

وبغية التوصل إلى نتيجة فاعلة عملنا على بلورة نموذج لفهم العبارات المتخصصة من قبل المترجم الذي يشبه ” الشبكات الدلالية ” للذكاء الاصطناعي .

وطبقاً لهذا النموذج حتى ان الجمل الأقل تخصصاً تمت صياغتها بتراكيب منطقية أو وظيفية موجودة في جمل غير متخصصة : وحدات أسمية (الأسماء أو المجموعة الأسمية) محددة بصفات وترتبط فيما بينها بروابط وظيفية أو منطقية (سببية ، مقارنة … الخ) ، علماً أن أنواع الجمل هذه تنطبق بصورة عامة على الجمل غير المتخصصة أيضاً .

وعلى صعيد علم اللغة ، يتم التعبير عن الروابط أو الصفات بتراكيب تتضمن الصفات والأفعال أو “mot-outils”  أي الكلمات التي تستعمل للربط المستعملة في الخطاب غير المتخصص والتي تكون في متناول غير المتخصص . ويبلور المترجم انموذجاً لمحتوى الجمل المتخصصة تحت صيغة ” شبكة ” تتضمن الوحدات الأسمية والصفات والروابط . ففي إعادة صياغة الخطاب يقوم المترجم بإعادة ” إنتاج ” الروابط والصفات وإذا استطاع أن يجد ” المرادفات ” أو ” التكافؤ ” للوحدات الأسمية في لغة الهدف فإنه سيتم إيجاد حل للعديد من المشكلات في هذا المجال .

ويسمح هذا الانموذج بوصف أخطاء الفهم وتحليلها وكذلك يسمح بمعرفة أخطاء الترجمة. وعلى سبيل المثال : نعود إلى المثال السابق باللغة الإنكليزية :

Programmable function keys make work easier.

يمكن صياغته بوحدة أسمية وهي ” Function key ”  ثم  الصفة ‘Programmable” وعلاقة سببية تؤدي إلى وحدة أسمية “Easier work” تتكون من وحدة أسمية هي “Work” وصفة هي “Easier” وإذا اعتبرنا ان القدرة على برمجة “Touches-fonctions””المفاتيح الدالة”  التي تسهل العمل (هنا نجد غموضاً في الجملة) .

إذا كتب المترجم بالفرنسية تلك الجملة بالصيغة الآتية :

Le travail est rendu plus facile par des clés dont les fonctions sont programmables.

هنا نجد ان المترجم ارتكب خطأين في الفهم :

الخطأ الأول : يتمحور في طبيعة الوحدة وهي “Function key” حيث اعتبرها وحدتين مستقلتين ، أما الخطأ الثاني : فإنه يتعلق بالصفة “Programmable” فقد جعلها توصف الوظيفة “Fonction” وهذا لا وجود له في النص الأصلي .

الإنتاج اللغوي :

1. صعوبة إنتاج الخطاب :

يتحسس المترجم وخاصة المترجم الفوري ، وبسرعة لحقيقة أن إنتاج الخطاب لا يمكن أن يكون عملية تلقائية أو ” آلية ” كما نميل إلى الاعتقاد دائماً خاصة عندما يتعلق الأمر بصياغة خطاب أمين ودقيق وتحويله إلى تفكير واضح ، فالشيء واضح أثناء الصياغة الأولى من قبل المترجم الفوري الذي يعمد إلى ترجمة فورية وتتبعية ولكن لا يخلو ذلك من مشكلات وأخطاء أيضاً . ومن خلال تجاربنا العملية لاحظنا في المدرسة العليا للتراجمة والمترجمين “ESIT” في باريس ان خمسة من طلبة الترجمة الفورية وخلال سنة جامعية لاحظنا أن هذه الأخطاء والمشكلات ساورتهم طوال هذه الفترة .

ومن الأهمية بمكان أن نشير إلى ان صعوبة إنتاج الخطاب تتناقص تدريجياً أثناء الحياة المهنية للمترجم الفوري وممارسته المستمرة شريطة أن يتعوّد على ضغوط الترجمة الفورية وكذلك “Sociolectes”(الرؤية للعالم باللغة الاجتماعية) المستعملة في المؤتمرات ولكنه على الرغم من ذلك كله يبقى يساوره الشعور بصعوبة إنتاجه للخطاب خاصة فيما يتعلق باستحضار الكلمات والاختيار النحوي مقابل خطاب سريع ومكثّف من قبل المتحدث في الوقت الذي يتابع الفهم ولكن يتأخر الإنتاج بصورة متزايدة .

2. إمكانية نقد آليات الإنتاج مقابل التداخلات اللغوية :

يأتي هذا الشعور وبصورة أساسية لصالح الظروف الخاصة التي يتم فيها إنتاج الخطاب بالترجمة الفورية وهذا يعني الضغوط المتعلقة بالأمانة وبالوقت معاً . أما السمة الثانية لعملية إنتاج الخطاب التي يتحسس منها المترجم الفوري أثناء ممارسته لمهنته هي إمكانية نقد آليات الإنتاج مقابل تأثير لغات أخرى يستعملها المتكلم . وكما هو معروف للجميع ان التداخل اللغوي موجود لدى المجموعات ثنائية اللغة أو ثلاثية اللغة كما هو موجود لدى الأفراد أيضاً ، ولكن هذا التداخل اللغوي غالباً ما يشهد تسامحاً وبدرجة كافية من قبل الأوساط ثنائية أو ثلاثية اللغة حيث انها تعمل على إخفاء الطبيعة ” المرضية ” أو تخفيفها خاصة لدى المتكلمين المثقفين حيث تبدو هذه الظاهرة جلية لديهم أكثر من غيرهم .

وكما هو معروف يعدّ وجود اللغة التي نتقنها دون تكلمها (La langue passive) أمراً ملحاً في الترجمة الفورية وإن هذه الظاهرة تركّز على خطورة إظهار التداخل اللغوي الذي له تأثيراً محفزاً للمشاعر والأحاسيس ، ويعد المدرسين في مدارس الترجمة الفورية مراقبين نابهين للتداخل اللغوي .

واستناداً إلى  التحسس الأول يبذل المترجمين الفوريين جهوداً حثيثة من أجل الحفاظ على نقاء لغتهم وصفائها ، إلا أن التداخل اللغوي موجود فعلاً في خطابهم خارج المقصورة (المخصصة للترجمة الفورية) وكذلك خلال الترجمة الفورية ، وبعبارة أخرى عندما لا يكون هناك وجوداً ” ملحّاً ” للغة ” الدخيلة ” وهذا بدوره يعكس عمق آليات التداخل اللغوي .

و لا تبدو هذه الظاهرة جلية  عند المترجمين الذين يتمتعون بمستوى جيد كما هو الحال مع ما سبق ذكره والسبب الأول لذلك هو أنهم لا يعملون عادة إلاّ للترجمة إلى اللغة الأم فإن تداخل اللغة التي نتقنها (أي الأجنبية) يكون أقل من تداخل اللغة التي نفهمها ونتكلمها(La langue active) . والسبب الثاني هو ان الحضور ” الملح ” للغة الأصل أقل في الترجمة الفورية طالما ان المترجم الفوري ليس مجبراً ولا متضايقاً من إعادة الصياغة الفورية ولذلك فإنه يأخذ قسطاً من الوقت للكتابة بلغة الهدف . وعلى كل حال فإن التداخل اللغوي يكون كثيراً عند المترجمين الذين ليست لديهم خبرة كافية وكذلك في الترجمات السريعة .

3. ديناميكية المكوّن المعجمي في إنتاج الخطاب :

هنالك ناحية مدهشة حقاً وهي السهولة التي بوساطتها يستعمل المهنيون من المترجمين الفوريين مفردات تعلموها قبل أيام أو ربما قبل ساعات أو قبل دقائق قبيل المؤتمر إلا أن هذه المفردات سرعانما تكون في طي النسيان بعد المؤتمر .

وفي الحقيقة دفعتنا هذه الظاهرة وغيرها من الملاحظات العملية في الترجمة الفورية إلى دراسة معمّقة وعن كثب للمعرفة المفرداتية وديناميكيتها عند المترجم الفوري ومن ثم بلورة صيغة معينة متمثلة بالصيغة المعجمية التي تقوم على الانجذاب نحو المفردات .

وتمثل هذه الصيغة للمعرفة المعجمية لكل متحدث كمجموعة كلمات (كلمات معزولة وعبارات محددة ووحدات أخرى تكون قيد الاستعمال) بحيث تكون مركز جذب يدور حوله مدارات عديدة تمثل بدورها قواعد نحوية أسلوبية براقماطيقية (تداولية) “Pragmatique” للغة ذات العلاقة بحيث أنها تنطبع لدى المترجم . وتمثل المدارات القريبة من النواة منطقة نشيطة (تتضمن كلمات معروفة ومفهومة ومستعملة) بحيث ان المفردات هنا تثار من قبل المتكلم وبتعابير نشيطة ، في حين أن المدارات البعيدة عن النواة تشكل منطقة غير نشيطة (تتضمن كلمات مفهومة ولكن غير مستعملة بفاعلية) . ويكون البعد بين الكلمة والنواة نسبياً في الوقت المحدد والقدرة على المعالجة الضرورية لها عند استعمالها (في المنطقة النشيطة) أو القدرة على الفهم (في المنطقة غير النشيطة) . ويعبّر عن ديناميكية هذا النظام الجذبي عدة قواعد تقوم على الأسس الآتية :

1.    في حالة غياب أي استعمال فعّال أو غير فعّال للكلمات فإن هذه الكلمات تميل إلى الابتعاد عن النواة باتجاه المدارات البعيدة أي ان الكلمات تبتعد عن المركز .

2.    الكلمات التي لها اندفاع نحو المركز (يعمل المترجم الفوري على تقريبها نحو المدارات القريبة للنواة) .

3.    إن تقريب كلمات جذبها نحو المركز سوف تعمل على تقريب كلمات أخرى نحو المركز وذلك لوجود عوامل تتشابه فيما بينها من النواحي الصرفية والصوتية والكتابية والنفسية وغيرها .

4.    لا يعمل هذا النظام ” تنمية نظام المصاحبة للمفردات ” فقط داخل نظام جذبي واحد متعلق بلغة واحدة وإنما يعمل أيضاً بين نظامي جذب يتعلق كل واحد منهما بلغة مختلفة .

ومن المعروف عملياً أن التعلم السريع لوحدة مفرداتية بمناسبة انعقاد مؤتمر ما يشير إلى أثر جاذب سريع ويشير إلى نسيان سريع عند الانحراف عن المدار . وفي هذه النماذج نلاحظ عادة وجود التداخلات اللغوية التي ورد ذكرها آنفاً ويعزى سبب ذلك إلى وجود كلمات بلغة ثالثة على المدارات القريبة جداً يحوّل المتعلم اتجاهه نحوها أثناء بحثه عن كلمة في لغة أخرى .

4. المعلومات الثانوية :

وأخيراً هنالك عامل جوهري آخر يلعب دوراً في صياغة الأفكار التي تحسسنا فيها بفضل الترجمة والتي لها تأثيرات مهمة على توجّه المترجم في مجال الأمانة ويستند هذا العامل الى طبيعة المعلومات التي تتضمنها الجمل التي يراد ترجمتها . إن إحدى المسائل المهمة التي يطرحها المترجمون هي المسألة التي ترتكز على درجة الحرية التي يتمتع بها هؤلاء المترجمون مقابل الخطاب (الخطاب بالنسبة للترجمة الفورية والنص بالنسبة للترجمة التحريرية) الأصلي دون خيانته(أي تحريفه) .

إن هذه المسألة وملاحظة الصعوبات في إنتاج الخطاب تعطي الانطباع ان المتحدث نفسه ليس أميناً دائماً في فكرته أو في صياغة لها وهذه المسألة هي التي دفعتنا إلى تفحص إنتاج الرسالة وإيصالها بالترجمة .

استنتاج

لقد لاحظنا بصورة لا لبس فيها ومن خلال الصعوبات التي تواجهها الترجمة والمترجمين والمترجمين الفوريين ان الترجمة هي عنصر مهم مليء بالتحسس من نواحي مختلفة في مجالي فهم الخطاب وإنتاجه وإن آثار هذه النواحي على الترجمة بالغة الأهمية . ويعتقد أن هذه النتائج تتعدى إطار الترجمة وتشجع الباحثين في مجال علم اللغة التطبيقي على إجراء المزيد من البحوث في هذا المضمار مما يغني النشاط الترجماتي في الترجمة الفورية والترجمة التحريرية على حد سواء .

*جامعة الموصل – كلية الاداب

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق