الموقع

الشراكة الأورومتوسطية وسياسة الجوار الأوربي هل هي آمال وأحلام .. أم تحديات وأوهام

بقلم / أميرة البطريق*

إذا كان لكل حقبة زمنية مقولة تحدد سماتها ، وشعار يبلور اتجاهاتها وعنوان يبرزأهم خصائصها وتوجهاتها فأن الحقبة الزمنية التي اعقبت سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانيات ، وسقوط حائط برلين وخروج الولايات المتحدة منتصرة من حرب الخليج الثانية في بداية التسعينيات إضافة إلي سقوط ” نظام القطبية الثنائية ” وظهور العالم ذي القطب الواحد والنتوءات المتعددة وزيوع الشعارات والمبادرات بالشكل الذي دعا البعض إلي تسمية هذه الحقبة ” حقبة الأطروحات والمشروعات والمبادرات المكثفة والناقصة “… ولعل أبرزها مبادرة الشراكة في الشرق الأوسط ومشروع الشرق الأوسط الكبير ، وحملة الدبلوماسية العامة الامريكية لكسب العقول والقلوب من خلال قنوات إعلامية موجهة باللغة العربية  والتي تصاعدت وطأتها بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر وغزو أفغانستان والعراق وما سابقها ولاحقها من توترات وتطورات وتفاعلات تشابكت معها قضايا الارهاب والديمقراطية والصراع والحوار والهوية لتشكل أجندة عالمية جديدة تفرضها الضغوط الخارجية وتدعمها الضغوط الداخلية في مسعي لأعادة تشكيل العالم العربي والاسلامي سياسياً وثقافياً حيث كان ولايزال محل أطماع الكثير من الدول الغربية التي تطلع الي مد سيطرتها إلي هذه المنطفة الغنية بالثروات لنهب خيراتها وتعزيز نفوذها ، فمنطقة الشرق الأوسط بصفة عامة تعد بمثابة المدخل الرئيسي لإعادة صياغة خريطة العالم وفق  الرؤية الامبراطورية الجديدة فهي عصب الاقتصاد العالمي ( أكبر احتياطي عالمي من البترول والغاز ) بالإضافة  إلي موقعها الجيو استراتيجي ومكانتها الحضارية فالسيادة علي  العالم تبدأ بالسيطرة عليها ولعل هذا مادفع الاتحاد الاوربي إلي ان يضع لنفسه هدفاً طموحاً يتجلي في جعل منطقة الشرق الأوسط ” منطقة تبادل وحوار ” وقد كانت تحذوه في ذلك رغبته الراسخة  في أثبات وجودة ودوره الفعال بالمنطقة وذلك من خلال مجالس كلاً من كورفو ( يونيو 1994) ، وايسن (1994)  ، وكان ( يونيو 1994) ، وأنعقاد المؤتمر الأورومتوسطي لوزراء الخارجية في يومي 27-28 نوفمبر 1995 ، وأنتهاءاً وليس آخراً بإطلاق الاتحاد من أجل المتوسط عام 2008الذي يعد أيذاناً ببناء منطقة أورومتوسطية للسلام والاستقرار والرخاء لشعوب المنطقة والتقارب الثقافي بين الشعوب الأوربية وبلدان جنوب المتوسط

وبذلك تمثل أهمية اعلان برشلونة بمحاوره الثلاثة ( السياقي والأمني – الأقتصادي والمالي – الأجتماعي والثقافي والانساني) وما تمخض عنه من شراكة – أورومتوسطية في كونه عمل أوربي فريد عكس بالأساس حجم الاسهام الذي يمكن للجانب الأوربي تقديمه فيما يتعلق بتحقيق الاستقرار في منطقة المتوسط بصفة عامة ومنطقة الشرق الاوسط بصفة خاصة ، والتخفيف من حدة الهيمنة الامريكية في أدارة عملية السلام بالمنطقة التي سعت جاهدة إلي  تقليص ومحاصرة الدور الأوربي وأبقائه في الحيز الضيق،حيث أظهرت واشنطن عدم أرتياحها لعملية برشلونة كمشروع منافس ” للشرق أوسطية ” علي الرغم من التطمينات الأوربية  الدائمة للأدارة الأمريكية ، الا ان الشيئ الجدير بالذكر هنا هو تباين الأراء بين دول الأتحاد الأوربي نفسها حول مغزي هذه الشراكة  والذي تراوح بين ثلاث أراء أوربية مختلفة كالآتي:

ينطلق الدور الأوربي في منطقة المتوسط بهدف تحقيق هدفاً من الأهداف الآتية :

Ø    المسئولية الأنسانية أو الدور التنموي الذي يضطلع به الجانب الأوربي أزاء جيرانه في منطقة البحر المتوسط .

Ø    تحقيق الأمن الجماعي في منطقة المتوسط .

Ø التنافس الجيوبولتيكي والاقتصادي بين أوربا والولايات المتحدة أو بما يعرف “بسياسة مناطق النفوذ “

ولعل هذه الأهداف الثلاثة هي التي دفعت أوروبا (أو على الأقل أطراف رئيسة وفاعلة في المجموعة الأوروبية) إلي أن تبدي ميلاً نحو اتخاذ مواقف سياسية أكثر استقلالية عن المواقف الأمريكية تجاه قضايا المنطقة العربية، ولئن كان ضجيج الإعلام يمنح الرغبة الأوروبية حجماً أكبر من واقعها السياسي الفعلي، وحتى المعنوي على الأرض، فإن الكثيرين يرشحون أن  الدور الأوروبي يتجه نحو التنامي والتحول إلى دور مؤثر في مجريات الأحداث بالمنطقة،بهدف استقرارها لاعتبارات عدة لعل أهمها تكوين أ سواق واسعة لدول الاتحاد الأوروبي بشكل يعزز اقتصاديات الدول الأوروبية، كمقدمة لتشكيل كتلة اقتصادية ضخمة تقف في مواجهة الكتل القائمة أو تلك الآخذة بالتشكل .،كما لا يجهل الأوروبيون مخاطر استمرار التوتر والأزمات في المنطقة العربية، حيث تظل الدول الأوروبية وخاصة المتوسطية منها ترقب بقلق إمكانات وصول إفرازات تلك الأزمات إلى عقر دارها، فالأزمات الشرق أوسطية مرشحة في كل لحظة لانفجار يحمل إلى أوروبا تداعيات أمنية، أو موجات هجرة بشرية بحثاً عن الأمن والاستقرار لذلك تسعي دول الاتحاد الأوربي إلي استعادة أدوراها الإيجابية والفعالة للسيطرة أو علي الأقل التخفيف من حدة الأزمات السياسية المتعثرة في الشرق الأوسط .

ومن ذلك يمكن القول أن الاتحاد من أجل المتوسط ، اليورميد، الشراكة الأورومتوسطية، مصطلحات عديدة طفت مؤخراً على سطح السياسة الدولية لتفتح جدلا واسعا حول شراكة دول البحر المتوسط وحوار الثقافات، وأحترام حقوق الانسان والديمقراطية ، والموضوعية المطلقة في ادارة الأزمات المختلفة وغيرها من الحقوق التي تتبناها العديد من البلاد والحكومات ، وما ستؤول إليه تلك الشراكة من مردودات وتداعيات قد تتراوح ما بين الإيجابية والسلبية الأمر الذي يستلزم معه ضرورة  إخضاع تلك المنطقة المتأججة بالصراعات للدراسة والتحليل .

*ماجستير في الإعلام السياسي

وممارس في مجال التنمية البشرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق