ثقافة المقال

عن الأصوات الأدبية الجديدة وغياب النقد

مهند صلاحات

تشهد الساحة الثقافية العربية هذه الفترة حالة من الحراك الأدبي الذي قد يبدو أبرز أشكاله صعود عددٍ كبيرٍ من الكتّاب الشباب الذين يطرحون أنفسهم شعراء، قاصين، وروائيين، وهو ما أثار جدلاً حالياً حول نوعية هذا المشهد الجديد وكيفية التعامل معه، تحديداً على الساحة الأردنية والفلسطينية التي تبدو متشابهة في الشكل ومتشابكة بالحالة… وأيضاً في ظلّ إقرار بانحدار في المستوى الثقافي العربي العام لعدد من الأسباب التي قد يكون أهمها العزوف الواضح عن القراءة لدى المواطن العربي، وتراجع مستوى الإنتاج الثقافي والفكري العربي مقارنة بالسابق. ففي الوقت الذي يمكن أن يكون المشهد ضبابياً لغياب قراءات نقدية حقيقية للمشهد، نرى بعض النقاد يترفعون عن تقديم قراءات فيه وفي تلك الأصوات الشابة أو الأصوات الجديدة، كما يفضل البعض تسميتها، في الوقت الذي لا تزال هذه الأصوات الشابة مستمرة في محاولاتها انتزاع اعتراف الكتّاب والنقاد المكرسين على الساحة. فنراهم تارة يتهمون المنابر الإعلامية بتضييق الخناق عليهم أو عدم فتحها أمامهم بالأصل، وتارة أخرى يعتبرون أن تهميشهم بهذا الشكل باعتبارهم ‘كتّاب إنترنت’ هو ظلم حقيقي لهم، في حين يرى آخرون أنهم يمثلون صوت الحداثة في الكتابة العربية الجديدة وعدم الاعتراف بهم من قبل البعض يعتبر انحيازاً للمشهد الكلاسيكي، لأنهم، أي الشباب، القوة الدافعة والمحركة لأي مشروع أراد صانعوه له النجاح، معتبرين بذات الوقت أن اكتساب الشرعية لا يؤخذ بالرضا ولا بالتذلل ولكنه ينتزع.

لنقر أولاً أن من حق الأصوات الجديدة أن تجد منابرها لعرض نتاجها الأدبي الصالح للنشر ليتم تقديمه على طاولة النقد، فإن لم تجدها لتخلقها وخاصة في عصر عولمة وشبكة عنكبوتية، ومن ثم أن نفكر جلياً أكثر في مسألة المنابر الحالية هل هي حقاً كما تُتهم، مكرسةً لأسماء مجموعات وأشخاص محددين على حساب آخرين؟ والأهم من هذا كله، كل ما يُنشر تحت مسمى أصوات جديدة وقديمة أيضاً أين النقد الايجابي تجاهه؟ أم أن هنالك أزمة نقد عربية عامة؟ من يغربل ويوجه ويقول لتلك الأصوات الجديدة هنا أصبت وهنا أخطأت وهنا لديك نواة جيدة بحاجة لاشتغال أكثر؟ فمن يرى أن الكتابة الشابة لا تحتاج إلى إرشاد أو بوصلة أو ركيزة ومرجع تحدد هدفها وخط مسيرها، بالتأكيد مخطئ، لأن الثقافة الإنسانية هي ثقافة تراكمية تـُبنى فيها التجارب قديمها على حديثها لتشكل مشهداً حداثياً واضحاً ولا ينقطع، ودون امتزاج اللاحق بالسابق لا يكون هنالك حاضر.

العمل بفكرة الإلغائية التي بدأ بممارستها بعض النقاد تجاه الأصوات الشابة مرفوضة تماماً، لأن من ينتقد مشروعاً ما معتبراً إياه فاشلاً أو غير مرضي عنه، عليه أن يقدم بديلاً عنه أو على الأقل فليُشِرْ إلى مواطن ضعفه وقوته ويضعها بالميزان، الاقصاء الشمولي هذا هو منهج سياسي بين القوى السياسية ولا تصلح ممارسته في المشهد الثقافي. بنفس الوقت العمل على التعويم القائم على مجموعات شبابية جمعتها العلاقات الشخصية وصار صديق الشاعر شاعراً وصديق القاص قاصاً وصديقة الشاعر شاعرة، فهذا أيضاً يعتبر إشكالية غربلة، ويتحمل وزرها الناقد الذي لا يريد أن يرى المشهد أو لا يريد من رؤية المشهد سوى النظرة الإلغائية الشمولية.

غياب النقد الحقيقي الجاد عن قراءة المشهد الأدبي العربي وتحديداً الأردني والفلسطيني الحالي الذي نحن بصدده، جعلت الحالة الأدبية غارقة في حالة من الفوضى، لا أظن أنها شهدت مثيلاً لها في أي مرحلة سابقة تاريخياً، ووقوف النقاد موقف المتفرج والاكتفاء برفض كل ما هو جديد لا يضع المسؤولية على عاتق الأصوات الجديدة التي اختلط صالحها بطالحها، بل يضع المسؤولية كاملة على عاتق النقاد الذين يترفعون عن قراءة المشهد بشكل حقيقي وبأسس نقدية حقيقية.

إن غياب المشهد النقدي هو الخطر الذي يداهم الثقافة ويساهم في ترديها وانحدار في مستواها، خاصة أننا واقعون في مأزق عولمة لتحديد شكل الانتاج الأدبي القادم، ففي السابق, كان يجري الحديث عن مئات الكتّاب، ومع الوقت استطاع المشهد النقدي إفراز النخبة ليكونوا الواجهة. أما اليوم في ظلّ غياب المشهد النقدي الحقيقي فإن هذه المئات الصاعدة، ربما ستصعد كواجهة مشهد للأعوام القادمة، هذا يعني كارثة حقيقية حيث خلط الحابل بالنابل، وبما أن الرديء هنا أكثر إنتاجاً وغزارةً من الجيد، فيعني أن الطاغي للمشهد القادم سيكون الرديء. العولمة التي أتاحت تحويل المواقع الإلكترونية إلى بديل عن الصحف الورقية والمجلات المطبوعة، وأتاحت نشر ما هب ودب دون نقد أو تنقيح أو تصحيح حتى من أخطاء إملائية أو نحوية أو غيره، جعلت القسم العربي على شبكة الإنترنت فوضى عارمة بأخطاء إملائية ونحوية، ورداءة ومسروقات وانتحالات وغيرها الكثير، وتركُ المشهد كله بهذا الشكل دون حراك مقابل في وجه هذه الفوضى سيزيد أكثر في تردي الثقافة العربية وينتقص أكثر من مصداقيتها.

وإذا انطلقنا من قاعدة أن الكاتب هو من يعلق الجرس والناقد هو الذي يحدد لمن تقرع الأجراس، فعلينا أن نتساءل: إلى متى سيظل النقد هارباً عن قراءة المشهدية الثقافية الجديدة والاكتفاء برفضها من بعيد؟ منذ متى صار النقد نخبويا ويشمل فقط الأسماء المكرسة تاركاً الساحة تعج بالطالح أكثر من الصالح دون قراءة حقيقية؟ ومنذ متى صارت مهمة الناقد فقط كيل المديح أو كشف سرقات الأسماء المكرسة فقط؟ أليس هذا تحجيماً لدور النقد وسكوتاً عن حقيقة يتم تلويثها بما يسمى ظاهرة الأسماء الجديدة؟

* كاتب وصحافي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق