ثقافة السرد

الزواج المر رواية للكاتب الأردني العزوني

أسعد العزوني

قال مدير المكتب الكبير في المدينة لأعضاء مكتبه وهو يتصفح الملف الضخم الذي بين يديه: “هذه أغرب قضية مرت عليّ منذ أن عملت بالمحاماة طوال خدمتي التي نيّفت على الأربعين سنة”.
توقف المدير عن الكلام قليلاً، ثم استطرد قائلاً: ” عجيب أمر ذلك الرجل ! امرأته لا تحبه ، لا تطيقه ، ولا تحتمل رؤيته. باعها للخواجا. وعندما لم يقدر ذلك الخواجا عليها، يحاول إرجاعها لعصمته، مع علمه بما تكنّه له من الازدراء، وما تراه فيه من صفات تثير السخرية، وتبعث على الاشمئزاز.
غريب. غريب أمر هذا النوع من الرجال. إنهم بلا كرامة. بـل إنهم … بالتأكيد. شرد أعضاء المكتب – والذين كانوا يشكلون صفوة المحامين في المدينة – بأفكارهم، وانساقوا وراء خيالاتهم، ثم عاد كل واحد منهم لنفسه، يفتش في الذاكرة عن قضية مشابهة.
– حقيقة يا أستاذ، مرّت بي عدة حالات من هذا النوع، ولكـن القضية التي أمامنا هي الأغرب. قال أحدهم.
وقالت المحامية الوحيدة بيـن المحاميـن: إنكم معشر الرجال لا تختلفون، عن بعضكم إلا قليلاً. فإذا أردتم أن تطلقوا المرأة فإنكم تعطونها كل حقوقها،
وتبلغون في ذلك غاية الكرم، ومنتهى السخاء. أما إذا تجرأت هـي مرة واحدة، وطلبت الطلاق، دعوتم عليها بالويل والثبور، وعظائم الأمور، واستأسدتم بغتة، وهجمتم عليها هجوم الضواري، لإجبارها على التنازل عن كافة حقوقها، في مؤخر صداقها، وحضانة أطفالها، ونسيتم عيوبكم، والتي قد تكون بعظم الجبال، أو قد تصل عنان السماء. ويكون سعيها في ذلك، وكأنـه ضرب من المحال، أو شيء من الوهم والخيال. ولا تنال منه نقيراً، ولو كان ذلك الحق عظيماً كبيراً.
فرد عليها أحد المحامين: لا يا سيدتي ! أنتن – معشر النساء – مع كل بلية، ووراء كل رزية…، وأنتن سبب ما ينشأ من المشاكل الزوجية. فإذا كان الرجل قوياً، أو غنيـاً، ووقف أمامكن شامخاً كالطود، عظيماً كالجبل. قوياً كالصخر، فإنه بعينين. وإما إن كان على غير ذلك، وقصر في شيء، ووقع في الخطأ – ولو كان يسيراً – فإنه يصبح بقدرة قادر، بعين واحدة. هل تتذكرين يا سيدتي قصة “إنك أعور يا أبو أحمد”. ضحك المحامي، وضحك معه الجميع..!
يا جماعة ! يا جماعة ! القضيـة ليست هكذا. نحن أمام قضية خاصة لها طابع مميـز. أرجوكم، أرجوكم التفكير بهدوء، يجب أن نكسبها ! يجب ! إنها قضية الموسم، وأريد أن أنبهـكم جميعاً، وهذه القضية سيشترك فيها الجميع، ولهذا توقفوا عن استلام قضايا جديدة.
توقف مدير المكتب قليلاً لإشعال سيجارته وأضاف:
– غـداً سنقسم المهام، وأنـي آمل أن ننجز الموضـوع خلال هذا الشهر.
– قضيـة معقدة. ولكن علاج جزئياتهـا كلاً على حدة سيوفر لنا أسس الكسب، وبخاصة أن القاضي مـن النوع المستقيم الذي لا يهاب أحداً، مهمـا كان مركزه، كما وأنه لا يقبل رشوة من أحد !
توقف قليلاً وشرد بذهنه، ثم قال:
– هل تتذكرون ( … ) قبل التعدي الوزاري الذي طـال فيه؟ لقد أراد أن يطلق ابنته من صهره، لانه – حسب ما صرح لي بيني وبينه – تعارض أفكاره أفكار صهره ! وأراد كبير المحامين ان يتابع الحديث، غير أن المحامية التي لم يمض وقت طويل على التحاقها بالعمل في المكتب قاطعته قائلة:
– وهل طلقها؟
ضحك كبير المحامين وقال:
– لا، لا لم يحكم القاضي له بذلك لأن صهره قدم مستندات تثبت انه قادر من كل النواحي.
– وحموه؟
– لقد استعمل معم القاضي سياسة العصا والجزرة !
هذه أولاً بفصله من منصبه ! ولما لم ينفع معه هذا الأسلوب، عرض عليه رشوة بمبلغ خمسين ألف دينار.
– ورفضها ؟
– نعم رفضها !
– من كان محامي صهره ؟!
– أنا، نعم أنا.
– ألم تخف على مكتبك منه؟
– قطعاً لا.
– ألم يضايقك؟
– لعب معي لعبة الورقات الثلاث.
– وماذا كان موقفك؟
– لـم أضعف أمام تهديـداته بإغلاق مكتبي ! ولم أذعن لـه عندما هددني بالجماعة.
– ألهذه الدرجة ؟
– بل وأكثر. لقد عرض علـي مبلغ عشرين ألف دينار، مقابل رفض متابعة القضية.
– إذا رفضتها فإن بإمكانه أن يذهب إلى غيرك.
– هذا أكيد. ولكن الآخرين تلقوا تهديدات مسبقة حول هذا الموضوع وتعهدوا له خطياً بعدم قبولها .
– يعني كنت تريد التخلي عنها؟
– لا يمكن ! ولكنه فعل ظناً منه أني سأرضخ له.
– يعني كسب المكتب القضية؟
– بكـل فخر واعتزاز، لقـد تحديت الوزير، لأنه لم يكن على حق.
لقد طلبت ابنته دون أن يعلم، واستفسرت منها عن كل صغيرة وكبيرة فيما يخص حياتها الزوجية، وأفادتني بأن زوجها مثال الرجل المحترم والمخلص لبيته وزوجته و…
وأراد أن يكمل، لكن أحد المحامين قاطعه وقال:
– أخبرها عن موقفه بعد التعديل الوزاري.
– ضحك كبير المحامين، وأشعل سيجارته وقال:
– بعد التعديـل الوزاري الأخير، والذي استثنى منـه بسبب كثرة الشكاوى عليه، لتعامله مع الرشاوي اءني …
قاطعته المحامي والدهشة بادية عليها:
– جاءك يهدد. أليس كذلك؟
– لا! لم يأتي مهدداً.
– ولماذا جاء إذن؟
– جائني شاكراً.
– شاكراً.
– نعـم، جاء يشكرنـي لتصميمي على الموقف مع صهره، لأني بذلك ضمنت استمرار حياة ابنته الزوجية.
-غريب !!
– لا. ليس غريباً. فهذا النوع من الناس مريض، ويعاني من انفصام الشخصية.
– أكيد. أكيد. عندما كنت أعمل في المكتب السابق مـرت بي قضية مشابهة، ولكن بطلها لم يكن وزيراً بل سائق وزير.
– وهل كسب المكتب تلك القضية؟ سألها أحدهم !
– نعم. كسبها. ولكن بعد ثلاث سنوات.
– بعد ثلاث سنوات؟
– نعم. فسائق الوزير كان يتمتع بسلطة الوزير نفسه. والقاضي كان شاباً، تم شراؤه بسهولة ! ولكننا استأنفنا وكسبنا.
ضحك كبير المحامين، وقال بعد أن تحسس شعره الأبيض بيده اليمنى:
– لقد شاب شعر رأسي من هذه القضايا، وإني على يقين تام بأننا سنكسب هذه القضية التي بين أيدينا.
– أراك واثقاً يا أستاذ؟ سألته المحامية:
– كـل الثقة. لقد عرضت ملف القضية على حضرة القاضي ليلة البارحة، وشرحت له ما توفر لدي من معلومات. فأفادني بحقها في طلب الطلاق. ولكنـه يريد معلومات أكثر، تشكل أدلة وشهادات، لأنه شخصياً يعرف الزوج المخادع.
– يعرفه؟
– نعم يعرفه. ولا يرتاح لسماع اسمه.
– لماذا؟
– لأنـه سيء السمعة، مخادع، وذكي جداً، ولا يتـورع عن إتباع أقذر الطرق لتحقيق مآربه ! بل أنه ممن رضع الحليب الإنجليز.
– أغرب وصف أسمعه في حياتي.
– إنه يعني بذلك انه محنك، وبارع في التعامل مع مثل هذه القضايا.
– إذا هناك خوف؟
– لو خرجت القضية من هذا المكتب. فهذا جائز، ولكـن بما أنها بين أيدينا، فلا خوف مطلقاً.
شرد كبير المحامين بنظـراته قليلاً، وبعد إطراقه لم تدم تابع حديثه بعد أن حك ذقنه وكأنه يستجمع قواه: إنه رجل متنفذ، مع أنه ليس من أبناء هذا البلد.
– ليس من أبناء هذه البلد؟ سألته المحامية:
– نعم ! ولكنه تمكن من نسج علاقات وطيدة مع الجميع، ومع الخواجات، لدرجة أن الخواجات يعتبرونه واحداً منهم.
– خسرانه. قالت المحامية بلهجة تنم عن الخذلان، وتوحي بالمرارة.
– لا تخافي، سنكسبها بإذن الله. والآن سيأخذ كل منكم نصيبه من الأوراق الثبوتية بعد تصويرها، ويعطيني تصوره غداً صباحاً.
كبس كبيـر المحامين زراً مثبتاً على الطاولة، فدخل الفراش، وطلب منه تصوير الملف بحسب عدد المحامين.
وما هي إلا دقائق معدودة، حتى ناول الفراش كل واحد مـن المحامين ملفه الذي يحتوي على صور الشهادات والتقارير الثبوتية.
– أفضل أن ننقسم إلى ثلاث مجموعات ! قال كبير المحامين، واضاف:
– هذا سيسهل المهمة. وعلينا أن لا نغفل أية صغيرة أو كبيرة.
– عندي فكرة ! قالت المحامية بلهفة:
– ما هي ؟ رد عليها المحامين؟
– الصحافة، ستفيدنا جداً.
– بالتأكيد ! ولكن كيف؟
– لي صديقة في أكبر صحيفة في البلد!
– محامية؟
– لا! صحفية.
– ماذا تستطيع أن تفعل؟
– سأطلب منها إثارة هذه القضية في صحيفتها !
– هل تستطيع؟
– مغامرة! ومتنفذة! ولا يرفض لها أحد طلباً.
– إذاً لنضع لها برنامجاً من عندنا تتحرك على هدفه.
– أنا جاهزة.
أشار كبير المحامين على أعضاء مكتبه الانصراف لبدء العمل وطلب من المحامية أن تجلس بالقرب منه !
نهضت المحامية وجلست بالقرب منه وأخذا يخططان لهذه القضية من المنظور الصحفي.
وضعا الخطط وطلب منها ان تحدث صديقتها هاتفياً، لتطلب منها الحضور إلى المكتب لأمر هام!
رفعت المحامية سماعة الهاتف وطلبت رقم الصحيفة. وردت عاملة البدالة في الجريدة، وحولتها على القسم الاجتماعي.
كان الصحفية تهم بمغادرة مكتبها ولكن رنين الهاتف أجبرها على الرجوع!
– مساء الخير!
– أهلاً!
– أريدك في المكتب لأمر هام، ألديك متسع من الوقت؟
– خيراً إن شاء الله. ما هذا الأمر المستعجل؟
– ستعرفينه حال وصولك.
– مسافة الطريق. جهزي فنجان القهوة.
وضعت الصحفية سماعـة الهاتف ووقفت أمام المرآة لتعديل مكياجها وأسرعت إلى سيارتها.
– طاب مساؤكم ! قالت الصحفية لكبير المحامـين ولصديقتها المحامية ! ما هذا ؟ لم أتصل بك إلا منذ دقائق. فهل جئتنا على متن صاروخ. أم في طائرة نفاثة؟
نهض كبير المحامين مرحباً، وبريق عينيه يوحي بعلامات النصر والارتياح معاً.
– خير إن شاء الله؟
– كل خير ! اطمئني ! أجابتها صديقتها المحامية.
عدل كبير المحامين من جلسته وقال بترو:
– في الحقيقة لقد أشارت عليّ الأستاذة بالاستفادة من خبرتك الصحفية في القضية التي أمامنا !
– ما نوع القضية ؟
– طلاق ! قضية طلاق.
أشعلت الصحفية سيجارة، ونفثت دخانها في الجو وقالت بعصبية ممزوجة بشراسة اللبؤة الجريح:
– تباً للرجال ! ما أسهل الطلاق عندهم.
ضحكت المحامية، وقالت:
– يا حبيبتي، هذه المرة، المرأة هي التي تطلب الطلاق.
– أكيد. لم تتحمل. أيوجد في الدنيا من يتحمل قرف الرجال؟
ابتسمت المحامية ورمقت كبير المحامين بنظرة ذات مغزى وقالت:
– يا حبيبتي لا تنظري للأمور من خلال منظورك الشخصي. فإن كان حظك بائساً مع زوجـك، حتى وصلت الأمور بينكما لما وصلت إليه، فـلا أظن أن التعميم صائب في كل الحالات.
– لم يعد زوجي. لا أريده، لا أريده.
فهم كبير المحامين ان الصحفية مطلقة، وأيقن أنها ستقوم بواجبها خير قيام بعدما أدرك أنها مشحونة بشحنة قوية إثر تجربة مريرة فقال معقباً:
– أرجوك يا سيدتي أن لا تنظري إلى هذه القضية من زاوية واحدة، فالرجال ليسوا متشابهيـن. وكذلك النساء.
– بالتأكيد، ولكن..
لم يدعها كبير المحامين تسترسل في هذا الموضوع، بل قاطعها قائلاً:
– طبعاً، الجريدة التي تعملين بها تعتبر جريدة الصفوة لها قراؤها ومديروها، أليس كذلك؟
– بالتأكيد.
– وصفحتك تعتبر من أنجح الصفحات.
– أجل.
– من هذا الباب سندخل في الموضوع.
– أنا جاهزة.
– القضية التي نحن بصددها قضيـة امرأة استغلها زوجها – وما يـزال أبشـع استغلال، وهي تريد الانفصـال عنه بأيـة طريقة، وقد رأينا أن تساعدينـا أنت في المجال الصحفي.
– أمهلني أسبوعاً واحداً. أسبوعـاً واحداً فقط، وسأجعل البلد كلها تتحدث عن هذا الموضوع…ثم توقفت عن الحديث وتوقف من يعمل الفكر في الرأي الصائب، والعمل السديد، والمنهج الذي تود اتباعه، ثم قالت:
– من الغ سأبدأ الاتصال بالأطباء النفسيين وكبار الأخصائيين الاجتمـاعيين، ورجال الدين وعلماء الاجتماع، إضافة إلى القراء.
– عظيم. عظيم جداً. سيكون ذلك مفيداً لنا.
– غداً – بإذن الله – سأقابلها، وأنشر ما تقوله بالتفصيـل وسترون..
(2)

لم تنم الصحفيـة ليلتها تلك كما يجب، فقد استحضرت ذاكرتها قصص كل المطلقات منذ بدء الخليقة، واستدعت كذلك من خلال ذاكرتها القوية كافة قصص الرجال الذين قاموا بارتكاب أبغض الحلال إلى الله، ملونة بألوان الحقيقة تارة، وبألوان الخيال تارة أخرى.
وفي الصباح الباكر، نـهضت من سريرها، وتناولت فطورها على عجل، ثم احتست فنجان قهوة ممزوجاً بدخان سيجارة الصباح، ثم غادرت منزلها.
كانت تسيـر بشيء من التعقل والاتزان، ولكن أفكارها تشرق وتغرب، وتخلط الحلو بالمر، والسعادة بالشقاء، والرطب باليابس… وهكذا دواليك.
– ثم ينصب تفكيرها على صاحبة الشأن. أنا لا أعرف تلك المرأة.
– ربما تكون بدينة، وبعض الرجال لا يحبون النوم على الإسفنج.
– أخاف أن تكون قبيحة، وزوجها يرى كل يوم قوس قزح مرسوماً على خدود الفاتنات.
– أخشى أن تكون مصابة بالسل، وزوجها من النوع الذي يعشق الهبر.
– ربما تكون باردة العـواطف، والتلفزيون يشحـن الأزواج بفيلم السهرة الذي يعـج بالغنج والدلع لتسخيـن البطل.
– قد تكون من النوع الذي يؤمن بنظرية الأرنـب في الإنجاب، ومن ثم ينصب كل اهتمامها على أطفالـها، بينما الزوج يصبح في آخر سلم اهتماماتها.
– أنا متأكدة أن أمها هي السبب، فبعض الأمهات ما أن تشعر بخطيب جاء يطلب يد ابنتها حتى تنقلب إلى لبؤة مخيفة (كاسرة).
– ربما تكون موظفة، وتريد أن تعطي مرتبها لأهلـها كما هي العادة هذه الأيام.
– أخشى أن يكون لها عشيق آخر، تفضله على زوجـها مثل بقية نساء علية القوم عندنا.
أفكار متلاحقة هلت عليها كزخات في ليلة مطيـرة من ليالي كانون الثاني لم تستطع أن تقف عند واحدة منها.
بقيت الصحفية على هذا الحال، إلى أن وجدت نفسـها وجهاً لوجه مع الزوجة المقهورة.
– يا إلهي ! أنت.
– نعم أنا، ما الأمر؟ ومن أنت؟
– أنا صحفية جئت لأجري معك لقاء لطرح مشكلتك على صفحات الجريدة التي اعمل بها !
– ولكن القضية عند المحامي، وهو بصدد تقديمـها للمحكمـة.
– أعرف ذلك، إنني أنوي إجراء المحاكمة قبل أن تنعقد.
– كيف؟
– عن طريق الجريدة.
– كلام جرائد.
– صحيح، ولكنه وسيلة ناجحة.
– وهل الرقابة تسمح بنشر قصتي؟
– نعم.
– هل أنت متأكدة؟
– أجل، هل تظنين أن قضيتك تمس الدولة؟
– إيه يا أختي ! إن زوجي كل الدولة !
– ضحكت الصحفية ملء شدقيها، وأشعلت سيجارة، وفتحت حقيبتها، وأخرجت الكاميرا، وأخذت تعبث بها لتجهيزها.
– تقولين أنه كل الدولة؟
– نعم. إنه متنفذ.
– ما عليك، سآخذ لك صوراً بأوضـاع مختلفة: في المطبخ، في الصالون، وأنت تعتنين بأطفالك، وأنت تراجعين لهم الدروس، هيا، هيا.
قامت الزوجة، وارتدت ثيابها، ووضعت مكياجاً خفيفاً، ونادت أطفالها الذين لم يذهبوا للمدرسة بسبب العطلة الأسبوعية، وجلست الأم معهم لتراجع لهم دروسهم. وبدأت الصحفية التقاط الصور للزوجة وأولادها وهم على حالتهم تلك.
– الله ! كـم أنت جميلة وهادئة، كان يجب عليه التمسك بك، فنساء هـذه الأيام بحاجة إلى رجال على شاكلة الملك سليمان !
– آه من …
أرادت الأم أن تكمل، لأن عبـارة الصحفية استفزتها، ولكنها آثرت الصمت لأمر أرادته.
جهزت الصحفية المسـجل، وكبست الزر، وأشعلـت سيجارتها، وأخذت تستمع إلى الأم وهي تحكي قصتها مع زوجها.
– بدأت قصتي عندما تعرضنا لكارثة مدبرة نجوت منها بأعجوبة. كنت صغيرة عندما رضي أقاربي أن أكون وديعة عنده، وأمانة في عنقه، بحجة أنه قريبنا أيضاً، علماً بأنه لم يكن من أبناء البلد. لقد جاء مطروداً من الخارج واستطاع بطريق أو بآخر أن يمسـك زمام الأمور في المدينة. قبلت ذلك على مضض.
– ألم تعترضي؟
– يا ابنتي. كيف أعترض ؟ ولم أعترض ؟ لقد أجمع كبار العائلة على ذلك، والبنت عندنا لا رأي لها .
– وتزوجك؟
– قسراً. والله العظيم قسراً.
– وأحببته ؟
– رضيت بقسمتي ونصيبي. فقد جرت العادة أن تحافظ الـزوجة على بيت زوجها ولو كانت مكرهـة على الزواج به.
– وهل أحبك؟
– إنه لا يعرف الحب. لا قلب له مطلقاً لكنه أحب كنزي.
– هل عندك كنز؟
– ليس بمفهوم الكنز. ولكنه استغل وضعي. ومـا حل بأهلي، وأخذ يشحت على ظهورنا من البلـد، و من خارج البلد. ولا أخفي عليك أنني عثرت على رسائـل كان قد كتبها لجمعيات خيرية خارج البلـد. يطلب المساعدة بحجة أنني يتيمة، وأن أهلي تعرضوا لكارثة.
– ربما كان لا يستطيع الانفاق عليك، فبعض الزوجات يطلبن مصاريف تفوق مقدرة الزوج المادية.
– لا والله ! معاذ الله أن أكون من هذا النوع !
– ولكن أين كان يذهب بالفلوس ؟
– في البنك. اذهبي إلى البنك، وتأكدي بنفسك.
– ألم يكن يعطيك شيئاً؟
شردت الأم المسكينة بفكرها بعيداًن وقالت:
– لم يعطيني شيئاً.
– وكيف تعيشين أنت وأولادك؟
– لقد تمكنت في يوم من الأيام من الحصول على صيغة أمي في ركام بيتنا القديم دون ان يشعر.
– ألم تخبريه بذلك؟
– قطعاً. وإلا ضربني وأماتنـي جوعاً. وأخذ الذهـب لزوجته الثانية.
– أهو متزوج بأخرى؟
– وأخرى، وأخرى، وأخرى.
– وهل هو مزواج إلى هذه الدرجة؟
– وأكثر من ذلك.
– هل كان يضربك؟
– ضرباً مبرحاً.
– لماذا ؟
– أخبرته أنني لا أطيقه.
– هل هو مخلص لزوجاته الأخريات؟
– من كان على شاكلته فهو لا يعرف الإخلاص
– هل هن راضيات به؟
– …….!
– أنت جميلة ومثقفة. كيف تقيمين سلوكه؟ هل هو رجل سوي؟
– كلا. إنه مريض بداء العظمة. إنه يعتبـر نفسه أذكى رجال البلد. وهو كذلك.
– ألهذه الدرجة؟
– نعم.
– كيف يعامل إخوانه وأقاربه؟
– كما يعامل إبليس ضعاف الإيمان.
– أوضحي رجاء.
– لأبدأ معك منذ البداية. منذ أن جاء الخواجا النمـس الذي تسبب لنا بالكارثة، وبنى علاقات وطيـدة مع جده. منذ ذلك اليوم والخواجا يعتبره ابناً وفياً له.
– كيف ذلك؟
– لقد أحس أبناء البلد بنوايـا الخواجا، واتفقـوا على طرده، لكن زوجي كان ينقل له كل كلمة يقولونها في مجالسهم. و كان يقوم في الليل بترك بيته، والذهاب خلسة إلى بيت الخواجا للسهر والسمر معه .
– هذا يعني أنه ليس شرساً.
– عند الخواجا، وبين زوجته وبناته (المشلحات) يكون كالأرنب المريض، أما عندي وبين أولادي، فإنه يصبح كلباً مسعوراً.
– هكذا إذن؟
– نعم، وبالنسبة لأهل المدينة، كـان يذهب إلى الواحد منهم، ويسمعه كلاماً معسولاً، ويتفق معه على خطـة يضرب بها الآخر. كانوا يثقون به، لأنه كان يتحدث معهم بلباقة وحكمة. وبعد ذلك يذهب للآخرين ، ويكشف لهم نوايا البقية، وهكذا يشعل النار في المدينة.
– إن ذكاءه خارق.
– بل قولي نواياه شيطانية.
كان بالقرب منا أخوان له لا يتفقان أبداً بسببه، وذات يوم اتفق مع أحدهما ضد الآخر ! وكان في نفس الوقت يزين له القيام بعمل ضد أبنائي الذين تعرضوا للضرب والتنكيل من قبله وطردهم خارج المدينة.
كان أخوه غبياً عندما اطمئن له. وكان في نفس الوقت يحرض أبناء أخيه ضد أبيهم، وعندما انكشف السر توترت العلاقة بينه وبين أخيه، وكادت أن تحدث مذبحة بين الطرفين لولا تدخل بعض أهالي المدينة.
– وماذا حدث بعد ذلك؟
– انتقل بدهائه إلى أخيه الثاني.
– معقول؟ وبهذه السرعة؟!
– نعم. فالحظ دائماً يقف بجانبه، كما كان يستخدم ذكاءه في سبيل تحقيق مآربه الشيطانية.
– كيف؟
– تورط أخوه بمشكلة مع جار له، وتورطت الأمور، إلى أن أصبحت ضربة الفأس بفلس.
– وماذا فعل؟
– بعد أن تورط مع أخوه الأول مـع أولادي وأصدقائهم، وحدثت مشكلة مع أبنائه، اطمئن إلى ضعفه، وانتقل لإضعاف الثاني (كي يتسنى له الصلح العينـي مع الخواجا).
– ماذا تقولين؟
– لقد أظهر لأخيه أنه يؤيده – عكس الآخرين – وعندما انتهت المشكلة مع الجار، تبين أن اخاه ما زال قوياً. فزين له شراً آخر، أي مشكلة أخرى.
– معقول؟
– معقول. طبعاً معقول، لقد وقف معه وحرضه.
– لماذا؟
– لأن ذلك الأخ كان قوياً وغنياً، ويقف مع أولادي ضـد الخواجا.
– وما الذي يضيره من ذلك؟
– ألم أقل لك بأنه يريد إضعاف الثاني كما أنهك الأول؟
– إبليس بعينه.
– بل قولي: إن إبليس يعجـب من أساليب زوجـي الخداعية.
– وماذا حصل بعد ذلك؟
– استطاع الأخ الصغير الغني أن يشتري قطاع الطـرق من الخارج ويهاجموا الأخ الآخـر، ويخرجـوه من المدينة.
– وبعد ذلك؟ ماذا حدث؟
– أيقن زوجي أن الميدان قد خلا له، فأخـذ يعلن في البلد أنه سيلجأ للخواجـا، لأن أخوته الأغنيـاء قد تخلـوا عنه.
– ما هذا الصنف من الرجال؟
– نسيت أن أقول لك شيئاً، إنه باعنـي أنا وأولادي للخواجا.
ذهلت الصحفية من هول ما سمعت، فصرخت بصـوت عال:
– ماذا تقولين؟
– ما سمعته.
– كيف ذلك.
– عندما أيقن أن أولادي قد كبروا، وإننا لم نعد نطيق رؤيته، دبر لنا أمراً وافتعل مع الخواجا مشكلة.
– وما النتيجة؟
– استولى الخواجا على البيت، وتنازل لـه عني ريثما يتمكن أولادي من إعطائه توكيـلاً عاماً، للتصرف بكل شيء.
– وهل وافق أولادك على ذلك؟
– لا
– يعني سلمكم للخواجا كشقة مفروشة؟!
– ديلوكس وحياتك؟
– وماذا فعل الخواجا؟
– فليضرب رأسه بالحجر.
– لم أفهم.
– لم يقدر علي ولا على أولادي.
– وماذا ينوي أن يفعل؟
– يريد أن يتركنا.
– ولماذا تأخر.
– لأنه ينتظر الإشارة من زوجي.
– وماذا يريد زوجك هذا؟
– يريدني أن أرجع إلى عصمته، كي ينحني أولادي لـه، ويمتثلوا لأوامره.
– إنه مجنون.
– بل أذكى مما تتصورين.
وجدت الصحفية نفسها أمـام قضية غير عادية، فهـي مطلقة، وتعرف لماذا حدث الطلاق، وكيف تم. وبحكم مهنتها في الجريدة كأخصائية اجتماعية، أيقنت أنها أمام قضية من نوع آخر، الأمر الذي استفز فيها عاطفة المرأة وعقل الصحفي معاً.
– قولي لي ما عند: يبدو أن لديك شيئاً آخر.
– بعد أن أيقن الخواجا أنني أصبحت وأولادي مشكلة تؤرقه، قرر الاستغناء عني، ولكن بطريقة المخادعة والتمويه، لقد اقترح المصالحة مع الجميع.
– مع الجميع؟
– نعم.
– وماذا حدث؟
– تمـت جلسات الحوار، وكان أولادي حاضرين، ولكن مع أبيهم.
– يعني تم الاتفاق بينكما؟
ضحكت الأم وقالت:
– إذا كان يعتبر نفسه إبليـساً. فأولادي هم النـار التي خلق منها.
– يا سلام ! جاهزة.
– لقد قررنا أن نلعب معه بنفس الطريقة.
– وما الذي تنوون فعله؟
– الطلاق.
– وبعد الطلاق؟
– لا نريد منه شيئاً.
انتهت المقابلة بهذه الجملـة، وسارعت الصحفية إلى الجريدة، لتبث أوراقها ما حملته في صدرها من الألم.
وبسرعة فائقة، أعادت الصحفيـة صياغة المقابلة بعد أن كتبت مقدمة للموضوع تكفي وحدها لتأليب الرأي العام ضد هذا الزوج، ومن هم على شاكلته. وفي غضون ساعة، كانت الأوراق قد استقرت في قسم الكمبيوتر لصفها وبعد مرورها على أقسام التصحيح والإخراج والمونتاج، أصبحت في خضم هدير المطابع، لتخرج في الصباح الباكر قصة إنسانية تهز أركان أصحاب الضمائر الحية في كل مكان.
(3)

– اقرأوا قضية اليوم ! زوج يتنازل عن زوجته للخواجا !
– تزوجها قسراً وأخذ يشحذ عليها !
– زوج يذبح أبناءه عن عمد !
– اقرأوا عن الزواج المر !
– يا أصحاب الضمائر الحية ! أنتم قضاة هذه القضية.
كانت هذه العناوين التي ينادي بها موزعوا الجريدة هذا الصباح.
كان رئيس التحرير متخـوفاً من هذه القضية، وكان قد حضر مبكراً على غير عادته، لمواجهة أي طارئ قد ينجم عن نشر جريدته لوقائع هذه القضية غير العادية.
لم يكد رئيس التحرير ينهي فنجان قهوته حتى فوجـئ بجيش الموزعين يقتحم عليه مكتبه. ذهل عندما رآهم ولم يستطع قراءة أفكارهم بسبب الخوف الذي يتملكه!
في البداية لم ينبس ببنت شفة، واكتفى بحديث النفس:
– لقد وقع المحظور.
– يا أستاذ ! يا أستاذ َ لقد نفذت جميع النسـخ ولم نستطع تلبية طلبات القراء.
لم يصدق رئيس التحرير ما سمعه. وطلب من أحدهـم إعادة ما سمع. كرر أحد الموزعين ما قاله زميله.
أحس رئيس التحرير بالفرحة تغمره. وعلى الفور طلـب من عاملة البدالة أن تفتش عن الطباعين ليحضروا فوراً.
تذمر الطباعون بادئ الأمر، ولكنهم اضطروا للامتثال، بعد أن عرفوا دقة الموقف، ونفاذ الأعداد بهذه الصورة السريعة.
وما هي إلا نصف ساعة، حتى على هدير المطـابع، وتحرك جيش الموزعين من جديد، يغزو الشوارع في المدينة.
هذه الأرض على رحابتها، والمدينة على اتساعها، لم تحـط بفرحة رئيس التحرير الذي رفع سماعة الهاتف من فوره، وطلـب من الصحفية المذكورة، ذات العلاقة المباشـرة في هذه القضية الاجتماعية، الحضور فوراً.
صدقت توقعات الصحفية التي قدمـت إلى الجريدة في لحظات، وجلست مع رئيس التحرير، وهو بين الزهو والكبرياء، ومن يوجس خيفة من المجهول.
– لقد سجلت نجاحاً باهراً هذا اليوم. والمثل يقول: إن النجاح الكبير هو المحافظة على النجاح.
– تنفست الصحفية الصعداء، وقالت بشيء من الارتياح والفرحة: فهمت ما تعنيه يا أستاذ.
– وما الذي تنوين فعله؟
– سأنزل إلى الشارع، وأسجل انطباعات الناس.
قالت الصحفية بعد أن تزودت بالأفلام الإضافية، وبكرات التسجيل، ونزلت إلى الشارع لتقتحم البيوت، والمكاتب، والمحال.
كـان الجميع يعرفونها من خلال متابعتهـم كتاباتها في قضايا المجتمع، ولكنهم هذه المرة وجدوا أنفسهم أمام مارد من نوع آخر.
لم تضيع الصحفية وقتها، ومن فورها بدأت اسـتقصاء آراء الجميع حتى الأطفال والشيوخ وطلاب المدارس.
عاد الصحفية إلى الجريدة، وأفرغت ما في جعبتها على الورق، وذهبت لمقابلة رئيس التحرير.
– لقد أجريت مقابلات مع الناس. كل الناس !
– وماذا كان موقفهم؟
– أكثر من رائع. لقد تعاطفوا مع السيدة بأروع صورة.
عدل رئيس التحرير جلسته وقال:
– بعد هذا الحشد من الرأي المؤيد لتلك السيدة. علينـا أن نفكر بأنفسنا.
– ماذا تقصد؟
– سأبلغ قسم الإعلان والتوزيـع بمن فيهم المدراء، للنزول إلى الشارع لجلب الإعلانات والاشتراكات.
– فكرة صائبة.
أحس رئيس التحرير بالزهو وقال:
– مخ.
ضحكت الصحفية، وقالت بلهجة الواثق:
– إنني نيابـة عن جميع الزملاء، أطـالب بزيادة في الراتب قدرها 10%
وبدون تفكير هتف رئيس التحرير:
– موافق. واعتبري هذا الأمر قد نزل إلى لوحـة إعلانات الحائط في الجريدة.
سرى الخبر في الجريدة سريان النار الهشـيم ، ودبت الفرحة في قلوب الصحفيين الذين أرهقوا عمال “الكانتين” من كثرة طلباتهم.
أصبح حديث الناس هذا اليوم عن قضية الزوج الذي تنازل للخواجا عن زوجته، وعن رفضه الطلاق. كان التفاعل يأخذ أشكالاً متنوعة، فمن مهاتف، إلى زائر شخصي، إلى رسالة مستعجلة بالبريد، ولم تكتف الصحفية بذلك بل كتبت في اليوم التالي خبراً يقول:
“لقد تبرع أصحاب الفكر النير من أخصائيين في علم الاجتماع، ورجال دين أفاضل، إلى عقد ندوة بإشراف الجريدة في مبنى الجامعة، المدرج رقم 1. فعلى الراغبين بالاستماع الحضور تمام الساعة الخامسة مساء هذا اليوم”.
كان التوزيع في اليوم التالي قد تضاعف خمـس مرات، حيث لم تهدأ المطابع طيلة الليل والنهار سوى دقائق للتشحيم والصيانة، كما أن الإعلانات فرضت على رئيس التحرير زيادة عدد الصفحات من أربع وعشرين صفحة إلى ست وثلاثين صفحة.
وقبـل موعد المحاضرة بساعتين، ازدحـم مدرج الجامعة رقم 1 بالحضور، ولم يعد بالإمكان – حتى للمحاضرين – أن يشقوا الصفوف عندما حضروا في الساعة الخامسة إلا ربعاً، لقد وجدوا صعوبة في الوصول إلى مقاعدهم، الأمر الذي ملأها بسعادة غامرة.
كانت مقدمة الندوة الصحفية المشهورة التي استطاعت بلباقـة شهد لها الجميع، أن تدير الندوة، وتوصل المحاضرين وبقية الحضور إلى نقطة واحدة. وهي أن الطلاق حق مشروع للسيدة المظلومة، كما أنهم طالبوا بالإعدام لذلك الزوج غريب الأطوار.
وفي اليوم التالي ظهرت الجريدة بعناوينها المثيرة.
– علماء الدين… الزواج باطل والطلاق ضرورة ملحة.
– علماء النفس… الزوج مريض، والمصحة العقليـة مكانه الطبيعي.
– رجال القانـون… حبل المشنقة أولـى برقبة هذا الرجل.
– سيدات المجتمع … متوحش وجشع وتجب محاكمته.
– فلذات أكبادنا.. قلبه أقسى من الحجر.
– الرجال … نحن بريئون من هذا الصنف.
– المحامون يتبرعون بتولي القضية مجاناً.
(4)

كان مكتب المحاماة بكافة عناصـره منهمكـاً بقراءة وتمحيص ما ورد في الجريدة وإضافة النقاط المهمة في ملف الاتهام، مع تدعيمه بالآيات القرآنية والنصوص القانونية. وبينما كان كبير المحامين منهمكاً بقراءة الآراء واستخلاص المهم منها. وإذا بجرس الهاتف يرن ليعلن أن المحامي الخصم يطالب مقابلته بخصوص القضية نفسها.
ظن كبير المحامين أن الخصم يود إنهاء الموضوع وديـاً، لكنه خيب ظنه عندما دخل مكتبه يحمل حقيبته.
– طاب صباحك يا أستاذ.
– أهلاً بالزميل العزيز، تفضل.
– يبدو أن جنابكم لا يقدر الزمالة، ولا يحسب حسابـاً لأبناء العائلات.
التقط كبير المحامين الإشارة، وفهم المقصد من وراء هذه الزيارة. فأراد أن يفهم ضيفه غير المرحب به، ولا بزيارته في أنه ليس من هذا النوع عندما قال:
– أنت زميلي وضيفي في مكتبي، وهذا لا يمنع أن نكون ضدين في المحكمة ! وتوقف قليلاً…. ثم استدرك:
– أما بخصوص أبناء العائـلات، فأعتقد أن عصـر الإقطاع قد انتهى !
اشمئز المحامي الضيف من هذا الجواب وقال بحدة:
– ما الذي تقوله يا رجل؟ أبنا العائلات سيبقون على رؤوسنا! أليسوا هم أولياء نعمتنا؟
– أولياء نعمتك أنت يا زميلي العزيز.
ضحك المحامي الضيف، وحاول تهدئة الموقف بعد أن اشتم رائحة الإصرار والتحدي من قبل كبير المحامين وقال:
– يبدو أن أتعابك في القضية دسمة. معلوم، وإلا لما كان موقفك هكذا.
ابتسم كبير المحامين ابتسامة النصر، وقال بلهجة الواثق:
– صدقني يا رجل أنه لن يدخل هذا المكتب فلس واحد من وراء هذا القضية ! وأعتقد انك قرأت مع موكلك إعلانات السادة المحامين عن تبرعهم بالوقوف مع تلك السـيدة مجاناً.
أشعل الضيف سيجارة وقال بتهجم:
– نحن لم نفهم هذه النقطة.
– أية نقطة؟
– تدخل الصحافة في مثل هذه الأمور.
صمت قليلاً ونفث دخان سيجارته في الهواء وقال:
– على العموم سنضع غداً حداً لوضع الصحافة وتدخلـها السافر لصالح السيدة.
– كيف؟
– بسيطة! هناك مثل يقول: إذا عرفـت دية غريمك فاقتله.
– لم أفهم.
– إن موكلي مقتدر ! وقادر على كل شيء.
هز كبير المحامين رأسه وقال:
– أعتقد أن الأمور قد خرجت من أيدي الجميع. لقد قال الرأي العام كلمته.
حاول المحامي الضيف تجاهل ما سمع، وأجل ما جاء لأجلـه حتى نهاية الجلسة.
– اسمع يا عزيزي. لقد جئت لمناقشة هذه القضية.
– فقط؟
– …..!
– على العموم هات ما عندك.
انفرجت أسارير المحامي الضيف وقال:
– في الحقيقة: إن موكلي قد ضاق ذرعاً بزواجه من تلك السيدة.
فليتركها إذن. فالله يقول في محكم كتابه العزيز (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان).
– القضية يا أستاذ ليست بهذه الصورة.
– كلي آذان صاغية !
أحس المحامي الضيف أن كبير المحامين مهتم لما يقول، ولكنه خائف من النهاية، ففكر بإطالة النقاش في أمور هامشية على أنها من صلب الموضوع، وبعدها يفصح عن نيته الحقيقية وراء الزيارة.
– يا سيدي ! إن موكلي قد تحمل الكثير من ممارسات تلك السيدة وأبنائها فهي على سـبيل المثال عنيدة، يعني رأسها ناشف.
كان كبير المحامي مصغياً باهتمام لما يقوله المحـامي الضيف، وفي الوقت نفسه يدون بعض الكلمات على ورقه أمامه.
– أما أولادها، فلا أحد يتصور كم يكرهون موكلـي. نعم يكرهونه.
– هل هناك من يكره أباه بدون سبب؟
– هؤلاء الأولاد.
– بدون سبب؟
– نعم بدون سبب. فموكلي لم يقصـر بحقهـم، ينفق عليهم، يرعاهم ليل نهار، يأتيهم بأقدر المدرسين، ليقوموا على رعايتهم وتعليمهم.
ضحك كبير المحامين وقال بسخرية:
– يا له من أب عادل! لكني لا أفهم كيف يستطيع توفيـر كل هذا الوقت، وبذل هذا الجهد لهم، برغم وجود أبناء كثر له من زوجاته الأخريات.
– لقد ضربت على الوتر يا سيدي.
– صحيح؟ أي وتر؟
– أما أولاده من الأخريات فهـم مختلفون، ولا أمل يرتـجى.
– وأولاده من السيدة؟
– أذكياء، أقوياء الشخصية، لكن مع الأسف.
– لماذا؟
– نسخة طبق الأصل من أمهم، عنيدون، ولا مجـال لترويضهم.
– وأسلوب الضرب والعقاب؟
– لم ينفع معهم أي أسلوب.
بعد أن دون كبير المحامين ملاحظاته، سأل ضيفه بتهجم:
– قلت لي قبل قليل أن الزوجة عنيدة، ولا تحب موكلـي ؟ فهلا أوضحت لي هذه النقطة من فضلك.
للمرة الثانية تخيل المحامي الضيف سهولة تفجير القنبلة التي جاء من أجلها. ولكنه، ولمعرفته المسبقة بكبير المحامين حاول إطالـة النقاش لتبديد أفكاره.
إن موكلي لم يدع ولو مرة واحدة ضد زوجته. لقد كانت تشتمه…
– تشتمه؟ وتوقف قليلاً لإشعال سيجارة، ثم استطرد:
– نعم تشتمه. تصور أنه عاد إلى البيت مرة ووجدهـا وأولادها يرسمون له صورة حمار. فيهـا جميع ملامحه، وعلاماته المميزة.
ضحك كبير المحامين حتى القهقهة.
– حمار؟
– صدقني. وقد رأى بعينه اسمه مكتوباً عليها .
– وماذا فعل؟
-…..!
– لم تجب؟
أراد المحامي الضيف أن يتجاهل هذه النقطة. لكن كبيـر المحامين وضعه في موقف حرج حين قال:
– أنا أجيب عنك، لقد تنازل عنها للخواجا. أليس كذلك؟
طأطأ المحامي رأسه وقال:
– نعم لقد جرحت كبرياءه.
صرخ كبير المحامي بوجهه وقال:
– لو أن كـل زوج شتمته زوجته تنازل عنها للآخريـن، لما بقي زوج مـع زوجته. أي شـرع يقر هذا يا عزيزي؟
أحس المحامي الضيف أنه وقع في ورطة، فأراد أن يتفاداهـا بورطة أكبر دون أن يدري.
إنها سياسة.
سياسة؟ ما دخل السياسة بهدف المواقف؟
سياسة أبناء العائلات.
تجهم وجه كبير المحامين وأشعل سيجارة، ونفث دخانها في الهواء، وقال بسخرية:
– إنني على يقين أن القضية ليست قضية اجتماعية، ولكن لها أبعاد سياسـية (عائلاتية)، وبهذا فلن أتخـلى عنها حتـى النهاية.
حاول المحامي الضيف أن يهدئ الموقف ليتمكـن من الإفصاح عن عرض موكله الذي يرمي إلى إجبار المكتب على التخلي عن القضية فقال مازحاً:
– صدقني إن احترام أبناء العائلات نابـع من جيوبهم ودفاتر شيكاتهم. وصدقني أنـه لو جاء نـوري وأعطـاني شيكاً بمبلغ محترم، فسوف أعتبره ابـن عائلة.
تجهم وجه كبير المحامين وقال:
– ما الذي تقوله يا رجل ! أين اليمين الذي حلفتـه؟
– ……..!
تأكد كبير المحامي أن هناك أمراً وراء هذه الزيارة لم يوفـق المحامي الضيف في الوصول إليه. فأراد تبرعاً منه – لإنهاء الجلسة – أن يسهل الموقف أمام ضيفه حين قال:
– على كل الأحوال نحن زملاء، ويهمنـا التفاهم الدائـم بين أبناء المهنة الواحدة.
وتوقف قليلاً، واستطرد:
– ويا أخي مشاكل المجتمع لن تنتهي.
أحس المحامي الضيف بالنشوة، لأن كبير المحامي سهل له الموقف.
تنحنح المحامي الضيف، وتناول كوب ماء رشف منه رشفـة واحدة وقال:
– في الحقيقة يا أستاذ إنني جئت للتباحـث معكم حـول نقطة واحدة فقط.
– ما هي؟
– إن موكلي يعرض عليكـم مبلغاً محترمـاً لقاء تخليكم عن القضية.
أراد كبير المحامين أن ينفجر في وجه ضيفه المحامي، ولكنه أثر طرده بأسلوب مهذب.
– اسمع يا أستاذ َ قلت لك إنن لن آخذ فلساً واحداً من ورائها. ثم لو فرضنا أنني تنازلت عنها، فهناك الكثير من المحامين في البلد…
وتوقف كبير المحامين قليلاً ثم أضاف:
– وأظنك قرأت أخبار بعض الصحف بالأمس واليوم.
ظن المحامي الضيف أن كبير المحامين يساومه على المبلغ، وأوحى لنفسه أنه نجح في مهمته.
– أنت الحصان الكاسب.
– والصحافة؟
– قلت لك ماذا يقول المثل العربي.
إن كنت تعرف دية غريمك فاقتله.
– بالتأكيد!
– والرأي العام؟
– طز.
– الهذه الدرجة أبناء العائلات المتنفذون قادرون؟
– وأكثر من ذلك.
مل كبير المحامين من هذا الكلام الفارغ، فأراد إنهاء الجلسة عندما أوحى للضيف أنه على موعد خارج المكتب وذلك بعد أن اتصل بالسكرتيرة طالباً منها الاتصال بالبيت وإخبارهم بموضوع تأخيره.
أراد المحامين الضيف أن يفجر القنبلة بعد أن لمـس التساهل الظاهري من قبل كبير المحامين فقال:
– إذا ما قام مكتبكم بالتخلي عن القضية، فإن موكلـي سيقدم لكم شيكاً بمبلغ محترم, وبالدولار.
ضحك كبير المحامين بعد أن تمالك أعصابه وقال بعد أن وضع يده على كتف المحامي الضيف:
– لم يتعود مكتبنا المحترم مثل هذا الأمر.
– عشرون ألف دولار.
– ………!
– ثلاثون!
– ………!
– أربعون ألفاً!
– …….!
– خمسون ألفاً!
ضحك كبير المحامين ملء شدقيه، وعدل جلسته، وأشعل سيجارة ثم نظر إلى المحامي ابن العائلات ولم يتكلم.
– كلمة منك، وبعد ساعة سيصلك شيك بمائة ألف دولار.
لم يستطع كبير المحامين تحمل أكثر من ذلك. فقال بهدوء مصطنع.
– ولا مليون دولار يا عزيزي.
أحس المحامي الضيف أن سقف المبنى قد انهار فوق رأسه. دارت به الدنيا، وتحرك الشريط في خياله.
– عمولتي؟
– أتعابي؟
– فشلي مع هذا المكتب!
أمور كثيرة دارت في رأسه، ولكنه سلم أمره للقدر وقال لنفسه:
– ربما أتمكن من إقناع الجريدة بتغيير موقفها. ثم نتدبر الأمر بعد أن يهدأ الرأي العام.
لاحظ كبير المحامين وضع ضيفه فقال مواسياً:
– معلش يا ابني خيرها بغيرها، عن إذنك عندي موعد مهم.
انصرف المحامي – في انكسار – إلى الجريدة، وهو يمني النفس بإمكانية قبول رئيس التحرير رشوة.
لمعت برأس كبير المحامين فكرة الاتصال بالجريـدة لإخبارهم بالأمر، وعلى الفور رفع سماعة الهاتف، وطلب من سكرتيرته أن تطلب له الصحفية.
وبسرعة فائقة طلبت السكرتيرة الرقم، وحولته إلى مدير المكتب.
– طاب مساؤك.
– أهلاً بك يا أستاذ ! يسعدنا سماع صوتك.
– بارك الله فيك.
– هل أعجبك عدد اليوم؟
– صدقيني، أكثر من رائع: الدنيا مقلوبة، ونحن ضمنا القضية لصالحنا.
– بدها حفلة.
– على راسي. سندعو كل العاملين في الجريدة.
– كريم يا أستاذنا.
ردت عليه الصحفية بعد أن ضحكت، ثم أضافت:
– ليكن معلوماً لديكم أن الحفلة ستكون على حسابي.
– لن نختلف، سنجعلها مناصفة، ثم أردف قائلاً:
بالمناسبة، لقد غادر مكتبي الآن محامي الزوج.
– محامي الزوج؟
– نعم.
– وماذا أراد؟
– عرض صفقة.
– صفقة؟
– نعم.
– بكم؟
– بمئة.
– مئة دينار.
– دولار.
– مئة دولار.
قالت ذلك وواصلت ضحكتها.
– لا بمئة ألف دولار.
تهجمت الصحفية وتخيل لها أن كبير المحامين قد قبل المبلغ، فتابعت الحديث، ولكن بعصبية واضحة:
– وهل قبلتها؟
– اطمئني. طردته بأدب. فلسنا ممن يقبلون هذه الأساليب الحقيرة.
تنهدت الصحفية، وشعرت بالارتياح، وقالت:
– الحمد لله.
– على فكرة يا مدام.
– تفضل.
– إنه في الطريق إليكم كما أتخيل.
– أهلاً وسهلاً. ها ها ها
– كيف ترين رئيس التحرير؟
– أصلب مما تتصور ! أوليس هذا ما تعنيه؟
– أجل.
– كن مطمئناً. فلن ينال مثل هذا الصنف من البشر إلا الخزي والعار.
– بلغيه تحياتي.
– بالتأكيد.. وشكراً.
أقفلت الصحفية سماعة الهاتف، وأسرعت إلى مكتب رئيس التحرير.
كانت تلهث لأنها صعدت إلى الطابق الثالث دون استخدام المصعد، ودخلت المكتب – دون استئذان – على غير عادتها.
كان رئيس التحرير يقرأ صفحة قضايا المجتمع، ولكنه استغرب حول دخول الصحفية المفاجئ، ووقوفها عند رأسه.
– خيراً إن شاء الله.
– كل خير بإذن الله. كل خير.
– ولكني أراك تلهثين ! هل حصل لك مكروه؟
– اطمئن فأنا بخير.
أيقن رئيس التحرير أن الأمر خطير، وإلا لما دخلت عليه بهذه الصورة، فأراد أن يبادرها الحديث، لكنها لم تعطيه الفرصة عندما قالت:
– اطلب لي فنجان قهوة، وسأخبرك بكل شيء.
– اجلسي، اجلسي، ستأتيك القهوة حالاً.
جلست الصحفية على الأريكة المقابلة، وبدأت الحديث بعصبية ظاهرة.
– السخيف يعرض الرشوة على مكتب المحاماة الذي يتولى القضية.
– أية قضية؟
– قضية الزوجة التي طلبت الطلاق.
عدل رئيس التحرير من جلسته وقال:
– من أخبرك بذلك؟
– كبير المحامين بنفسه، لقد عرض عليه مئة.
– مئة دينار؟
– لا ! دولار.
ضحك رئيس التحرير وقال:
– قاتله الله، يعرض مئة دولار فقط؟
– لا، مئة ألف دولار.
ذهل رئيس التحرير.. ثم أردف بعد فترة صمت:
– هل وافق المكتب؟
– لا.
– رفضها؟
– نعم.
– الحمد لله.
أيقن رئيس التحرير أن هذه القضية لسيت عادية. وأن الزوج ليس عادياً ايضاً.
– هل توافق أنت على المبلغ؟
– لا، ولو مليون دولار.
– متأكد؟
– نعم، فأخلاقنا، وشرف مهنتنا لا يجيزان لنا ذلك، كما أننا كسبنا المبلغ في اليومين الماضيين فقط، إعلانات واشتراكات، ولا تنسي أننا تلقينا وعدا من قبل بعض الجمعيات النسائية الخيرية بمبالغ أخرى نظير موقفنا المؤيد للزوجة.
دخل الفراش حاملاً صينية القهوة، وقبل أن تحتسي الصحفية من فنجانها قالت لرئيس التحرير:
– عندي فكرة.
– ما هي؟
– أن تسجل المقابلة مع المحامي.
– كيف ؟
– بالفيديو.
– هل أنت جادة؟
– نعم.
– فكرة صائبة.
وعلى الفور نهضت الصحفية، ورفع سماعة الهاتف، وطلبت إحضار كاميرات الفيديو من الطابق الأول.
لم تمض دقائق حتى تم وضع الكاميرات في أماكن سرية في المكتب لاستقبال الضيف غير المرغوب فيه.
– اسمع يا أستاذ، أريد صفحة إضافية.
– لن أقول لا.
– يعني موافق.
– موافق طبعاً.
انشرحت أسارير الصحفية. وبصورة فورية رفعت سماعة الهاتف.
– قسم الإخراج؟
– نعم.
– أنا …
– عارف أية خدمة؟
– لقد سمح لي رئيس التحرير بصفحة إضافية.
لم يعجب رئيس قسم الإخراج هذا الأمر، فحاول التخلص منها قائلاً:
– الوقت…
لم تمهله حتى يتم حديثه… فبادرته قائلة:
– أوامر رئيس التحرير يا أستاذ.
أحس رئيس قسم الإخراج أنه قد أسقط في يده، فقال بعصبية واضحة:
– أريده مكتوباً.
– أتحدث من مكتبه.
ذهل رئيس قسم الإخراج لدى سماعه ذلك فقال بنفس العصبية:
– ليبلغني ذلك بنفسه.
أحس رئيس التحرير حرج موقف الصحفية، فتناول سماعة الهاتف منها وقال:
– يا أستاذ سيصلك الأمر الخطي فوراً.
– حاضر.
جلست الصحفية تحتسي فنجان القهوة مع رئيس التحرير. وبينما هما يتحدثان وإذا بجرس الهاتف يرن.
– أستاذ جاءك ضيف مهم.
– من هو؟
– المحامي…
– اسمحي له بالصعود إلى مكتبي بعد خمس دقائق.
– حاضر !
وضع رئيس التحرير السماعة وقال للصحفية:
– أريد أن يكون كل شيء مضبوطاً، وأنت ابقي معنا. مفهوم؟
– مفهوم.
– كوني هادئة.
– كل الهدوء.
أكمل فريق التصوير السري استعداداته، وما هي إلا لحظات حتى قرع الباب:
– ادخل.
– طاب مساؤكم.
– أهلاً وسهلاً، تفضل، خطوة عزيزة.
– أنا المحامي…
– أهلاً بك في مكتبك! تفضل.
جلس المحامي وأساريره منفرجة لهذا الاستقبال الذي تخيله مفرحاً. تبسم رئيس التحرير ابتسامة صفراء وقال:
– كيف تشرب القهوة يا أستاذ؟
– مضبوطة! مضبوطة مع كوب ماء رجاء!
رفع رئيس التحرير السماعة بنفسه وطلب قهوة مضبوطة وقال:
– أهلاً وسهلاً! زيارة سعيدة.
– أهلاً بك يا أستاذ!
أحس المحامي بأن رئيس التحرير سيوافق على عرضه الأمر الذي جعله يحس بالراحة.
– أهلاً وسهلاً بك في مكتبك ! أية خدمة؟
عدل المحامي من جلسته وأشعل سيجارة وقال:
– في الحقيقة إن موكلي يعتب عليكم قليلاً ! ولكنه يعذركم في الوقت نفسه!
ضحك رئيس التحرير وقال:
– يعتب علينا فهمناها! أما أن يعذرنا فهذه صعبة علينا! ضحك الثلاثة حتى القهقهة الأمر الذي جعل المحامي يشعر بأن الحواجز بينهم قد أزيلت.
– إن موكلي يعتب عليكم لأنكم وقفتم مع زوجته التي تريد الطلاق منه! ويعذركم لأن الصحافة بشكل عام تبحث عن الإثارة لتزيد من كسبها!
كظم رئيس التحرير غيظه ولم يشعر المحامي بوقع هذا الكلام عليه فتظاهر بإشعال سيجارة..
استغلت الصحفية انشغال رئيس التحرير بإشعال السيجارة فقالت بسخرية:
– ليطلقها يا أخي! ليطلقها موكلك!
ضحك المحامي وأراد أن يمازح الصحفية فقال:
– يعجبني في النساء أنهن متماسكات ! فما أن تسمع امرأة قصة امرأة مثلها حتى تتحيز لها.
لم يعجب الصحفية هذا الرد فأجابته:
– القضية ليست كما تتصور يا استاذ !
– أبسط مما تتصورين ! أجابها بعد أن احتسى قهوته.
– ألهذه الدرجة؟
– بل وأسهل من ذلك.
– أن يضـرب رجل زوجته، أو يشتمها ! أو يعاقب أولادها فهذا أمر عادي، ولـو أننا تخطينا عصر الحريم! أما أن يتنـازل عنها لغيره فهذا أمر يصعـب التفكير فيه!
ضحك المحامي ببله وظن أنها سهلة المرام فأراد أن يتجاذب معها أطراف الحديث بصورة أخرى:
– إنك رائعة ! أتمنى لو كنت محامية.
– إنني محامية.
– أكيد.
– نعم.
– وهل تعملين في سلك المحاماة؟
– لا في الصحافة.
– في الصحافة.
– نعم! إنها برأيي شبيهة بمهنة المحاماة.
أيقن المحمي أنه أمام امرأة غير ما كان يتصوره عنها فتحول إلى رئيس التحرير بابتسامته الصفراء.
– في الحقيقة يا أستاذ إن موكلي قد كلفني بمقابلتكم على انفراد لأمر خاص.
ذهلت الصحفية ونظرت إلى رئيس التحرير الذي فهم مغزى نظراتها وأوحى لها بالبقاء حين قال:
– قل ما عندك يا رجل لا أحد غريب بيننا !
– ولكن ..
– لا عليك!
– إن موكلي يتمنى على صحيفتكم وقف نشر كل ما يتعلق بالقضية ريثما يقول القضاء كلمته!
رمق رئيس التحرير الصحفية بنظرة لها معنى وقال:
– صدقني يا أستاذ أنك لو جئت إلينا قبل ان نتعرض لها لما رددناك خائباً! أما الآن فأنت تعرف أن الجميع يتحدثون عنها! يعني أن الموضوع قد خرج من أيدينا!
توقف رئيس التحرير قليلاً وأشعل سيجارة وقال بخبث:
– بالله عليك قل لي لماذا يرفض موكلك الطلاق، ولماذا تنازل عنها للخوجا ! ولماذا يريدها مرة أخرى ! هل يحبها؟
مرة أخرى يقع المحامي في مطب غبائه إذ أنه ظن أن رئيس التحرير يساومه فأراد مجاراته في الحديث حتى النهاية ومن ثم يعرض عليه المبلغ الهول.
ضحك المحامي ضحكة بلهاء وقال:
– في الحقيقـة يا أستاذ؟ إن موكلي لا يحب زوجته! ولكنـه يريد إذلالها لأنها عنيدة ولأنها لا تمتثل لأوامره ! وأنت تعرف أبناء الذوات لا يقبلون من أحد أن يرفض لهم طلبا!
ضحكت الصحفية ضحكة صفراء وأرادت منه أن يوضح أكثر:
– يا أستاذ القانون لا يأخذ بالعموميات ! أوضح.
– إنها عنيدة ! شرسة ! تصوروا أن الخواجا بجبروتـه لم يقدر عليها فأراد أن يتخلى عنها منذ زمن ولكـن موكلي أصر على رجوعها إليه!
– هكذا بالقوة؟
– قلت لك أن أبناء الذوات لا يحبون من أحد مخالفـة أوامرهم!
ضحكت الصحفية بخبث وقالت:
– يبدو أن موكلك هذا مغرم صبابة على ما يبدو.
تبسم المحامي ببله وقال:
– صدقيني إنه لا يحبها. ولكنها بالنسبة إليه كنز ! كنز !
– يشحذ عليها ! أليس كذلك؟
– سمها ما شئت!
– ما هذا الذي تقوله يا رجل؟ تدخل رئيس التحرير.
– هذا هو الواقع ! ولهذا فإن موكلي لن يقبل بتطليقها !
– حتى لو حكم القضاء بذلك.
– موكلي يستطيع شراء المدينة بأكملها !
– يعني أنه ضامن عودتها إلى عصمته؟
– وما الذي تريده منا؟
– أن تتخلوا عن القضية.
– بهذه البساطة؟
أيقن المحامي للمرة الثانية أنهم يساومونه على المبلغ!
– هناك مثل عربي يقول إذا عرفت دية غريمك فاقتله!
ضحك رئيس التحرير بخبث قوال هازئاً:
– بالسكين أم بالمسدس؟
ضحك المحامي ببله وقال:
– بالخنق !
اشمأزت الصحفية من هذا الكلام ولكنها تذكرت أوامـر رئيس التحرير لها بأن تلتزم الهدوء فاستعادت هدوئها وقالت:
– والخواجا ؟ ما موقفه ؟
– إنه الوجه الآخر لموكلي.
– هل أنت واثق؟
– كل الثقة .
تلمست الصحفية شعرها الناعم وقالت:
– لقد تعبنا من أجل هذه القضية، ولا أدري كيف سنتخلى عنها !
– بسيطة.
– ماذا تعني.
– كل شيء بثمن!
– بثمن؟
– نعم ! عشرون!
– عشرون ديناراً ؟
– لا، عشرون ألفاً.
– عشرون ألف دينار؟
– لا دولار!
– عشرون ألف دولار؟
نظرت الصحفية إلى رئيس التحرير وأشعلت سيجارة وقالت:
– وهل نبيع موقفنا بهذا المبلغ!
أيقن المحامي للمرة الرابعة أن الجماعة يقبلون من حيث المبدأ التنازل عن تأييدهم للقضية!
– ثلاثون.
– أربعون!
– خمسون ألف دولار!
لمعت عينا رئيس التحرير وأوحى للمحامي بشيء يدور في مخيلته وقال للصحفية:
– يبدو أن السيد المحامي ماهر في التسعير.
ضحكت الصحفية بخبث وقالت:
– تسعير الفجل يختلف عن تسعير النعنع!
لم يفهم المحامي ما قصدته الصحفية ولكنه تخيل له أنهم معترضون على المبلغ.
عدل المحامي من جلسته وقال لرئيس التحرير:
– لقد أبلغني موكلي أنه في حال موافقتكم على هذا الموضوع فإن الشيك سيصلكم في غضون ساعة من الآن.
لم يجب رئيس التحرير وتظاهر أنه مشغول بتقليب الأوراق التي أمامه، وكذلك فعلت الصحفية التي تظاهرت بالنظر إلى الشارع من الشباك:
شعر المحامي بالضيق ودون أن يتمالك أعصابه قال:
– مئة ألف دولار يا أستاذ ! هل أخبر موكلي بالموافقة؟
أشعل رئيس التحرير سيجارته وقال بهدوء:
– ولا حتى مليون!
صعق المحامي بهذا الموقف وتظاهر بعدم سماعه فقال:
– هل أبلغ موكلي بالموافقة؟ …. مليون دولار منع ألف اشتراك، وصفحة إعلانات لمدة سنة أسبوعياً!
– قلت لك ولا حتى مليون ! بره !
لم يتمالك المحامي أعصابه فمد يده إلى حقيبته وخرج بسرعة ليرتطم رأسه بزجاج الباب.
وعلى الفور بدأت الصحفية بتفريغ الشريط المسجل على الورق وانهمك المصورون بأخذ الصور عن الشاشة وعرضها على الصحفية التي اختارت المناسب منها وبعد ذلك نزلت إلى مكتبها.
كان كل شيء جاهزاً في غضون ساعة.
وفي الصباح كان جيش الموزعين يدور في الشوارع:
– مليون دولار ثمناً للتخلي عن السيدة المظلومة!
– رئيس التحرير يرفض المليون دولار.
– محامي الزوج يعرض الدولارات من أجل إذلال زوجته!
– اقرأوا أغرب عرض في العالم.
ذهل المحامي وموكله عن الكيفية التي تم فيها عرض القضية، ولم يدر بخلد المحامي أن كاميرات الفيديو كانت له بالمرصاد، وأما موكله فقد ازداد إصراره على تحطيم زوجته بأية طريقة .
(5)

كان وقع هذه الفضائح التي أثارها المحامي وموكله كبيراً على الخواجا خاصة وأن البعض أخذ يحرض الناس ضده فأراد أن ينجو بجلده ويوضح موقفه وبشكل علني ! ولكنه وقبل ذلك سرب معلومات عن طريق أعوانه بأن الزوج اتصل به سراً مئة وخمسين مرة، وأنـه هو الذي كان يحرضه على أن يعامل الزوجة بهذه القسوة.
وما ان وصلت هذه المعلومات إلى الصحيفة حتى قررت إجراء مقابلة معه ! ولكنها قبل ذلك فضلت التوجه إلى مكتب المحاماة لتسليمهم شريط الفيديو المسجل مع الصور.
أدارت محرك سيارتها، وانطلقت بها بأقصى سرعة بعد أن أشعلت سيجارة.
– ما أروع مهنة الصحافة ! قالت لنفسها ونفثت دخان سيجارتها في الهواء وأردفت تخاطب نفسها.
– ولكنها خطـرة ! ومع هذا فإني أحبها ! إنها الوسيلة الوحيدة التي تجعل من يمارسها دائم الحركة والتفكير ! ولكـن آه…
قالت لنفسها وصمتت:
لم يطل صمتها بسبب حادث سير وقع أمامها، وعلى الفور أوقفت السيارة ونزلت تحمل الكاميرا.
أخذت صوراً عديدة وأجرت بعض المقابلات مع الناجيـن ومع ضابط المرور الذي قدم بسرعة ثم غادرت المكان من فورها.
دخلت مكتب المحامي مرتبكة بعض الشيء بسبب الحادث المروري الذي صادفته وجلست عند السكرتيرة تصلح من مكياجها.
وبعد قليل أخبرت السكرتيرة كبير المحامين بمقدمـها وطلبت منها الصعود إلى مكتبه!
كان كبير المحامين منهمكاً في مطالعة بعض المجلدات التي تتعلق بقانون الأحوال المدنية.
– طاب مساؤك يا أستاذ !
– أهلاً بك ! ما هـذه القنبلة التي تفجرت دون سابق إنـذار.
– سأنتقم منه ! ومن كل الأزواج الذين هم على شاكلته!
– اجلسي ! اجلسي.
– أراك مشغولاً.
– بعض الشيء!
جلست الصحفية، ولكنها ما زالت تعاني من الارتباك بعض الشيء بسبب ما رأته أثناء الحادث المروري.
– أراك مرتبكة ! هل ضايقك أحد؟
– لا ! لا ! لم يضايقني أحد !
– ما بك إذاً !
– حادث ! حادث مروري !
– هل وقع معك حادث ؟
– لا ! بل صادفته في الطريق إلى المكتب !
– هل من إصابات ؟
– واحد ! فقط توفي ! واثنان جرحى !
عدل كبير المحامين من جلسته وتهجم وجهه وقال:
– لا حول ولا قوة إلا بالله !
– رحمة الله ! يقولون أنه كان طيبـاً في معاملته مع الناس!
– الطيبون لا تتحمل أرواحهم البقاء بيننا.
– يبدو ذلك!
دخل الفراش ومعه القهوة ووضعها أمام الصحفية التي أشعلت سيجارتها وما زالت اصابع يدها ترتعش.
استطاع كبير المحامين تهدئتها بعد أن حدثها عن القضاء والقدر ثم ناولها حبة مهدئ شعرت بعدها بالراحة!
– والآن إلى أين وصلتم؟
– كاد ملف الإدعاء أن يتم ! الجميع عندي مشغول بالجانب الذي يهمه !
– عظيم.
– وانتم هل من مشاريع جديدة ؟
ضحكت المحامية حتى ملئ شدقيها وقالت:
– لقد جاء المحامي عندنا بعد أن أخبرتنا بالهاتف وقمنا بعمل التجهيزات الضرورية لاستقباله!
– لقد فعلتموها إذاً؟
– لن يفوتني شيء ! سأنتقم منه ومن كل الرجال الذين هم على شاكلته ! أنسيت أنني مطلقة .
أشعلت الصحفية سيجارة أخرى وقامت لتناول كبير المحامين شريط الفيديو المسجل وملف الصور.
– تفضل هذه حصيلة أمس.
– عظيم ! عظيم !
– لقد خفت بعض الشيء.
– لماذا ؟
– خفت ان يكون مخالفاً قانونياً ويسبب لنا في مشكلة.
ضحك كبير المحامين وقال بهدوء:
– في الواقـع هي مشكلة فعلاً ! ولكنه لا يجـرؤ على ذلك.
– لماذا ؟
– إنه يريد رضاكم.
– …….!
– وعلى كل حال لو فعلها فسأقف له بالمرصاد. ألم يأت ليعرض رشوة؟
– بالتأكيد.
– كم عرض عليكم؟
– ابتدأ بعشرين ألف، وانتهى بمليون دولار، إضافة إلى ألف اشتراك وصفحة إعلانات أسبوعيـة كاملة لمـدة سنة.
– يا لطيف !
أخذ كبير المحامين يقلب الصور ويهز رأسه. وقام بعد ذلك ووضع الشريط داخل الفيديو، وعاد لمكانه لمتابعة الواقعة. لم ينقطع كبير المحامين عن الضحك وهو يرى المحامي يتذلل أمام رئيس التحرير والصحفية، بينما كانت الصحفية تشعل سيجارة تلو اخرى.
– سيكون هذا الشريط ضمن الأدلة على أساليب الخصم الدنيئة. وسأطلب من القاضي عرضه في قاعة المحكمة أمام الجمهور.
– هل أنت واثق من القاضي؟
– كل الثقة. وعلى العموم عندي موعد معه الليـلة في بيته!
– رائع.
– صدقيني أن هذه القاضي ليس كغيره. إنه لا يخاف في الحق لومة لائم. ولا يضع اعتباراً لمركز الخصم إذا ما وجد أدلة كافية لإدانته.
– ألا يخاف.
– ممن ؟
– المتنفذون؟
عدل كبير المحامين من جلسته، وأشعل سيجارة وقال:
– عن سجله القضائي نظيف، نظيف جداً.
– كثر الله من أمثاله. والحقيقة أن بعض القضاة هذه الأيام لا يليق بمقامهم المهنة.
– اطمأني.
– على العموم سأذهـب الآن إلى الخواجا لأخذ منه بعض المعلومات التي تهم القضيـة، وعسـى أن يتجاوب معي.
– لا تنسي زيارتنا غداً وربما رتبت لقاءاً ثلاثياً مع القاضي.
– هل يقبل؟
– ولم لا؟ إنه طيب جداً .
– أنا جاهزة في أي وقت. وداعاً.
كانت المسافة إلى مقـر الخواجا طويلة، وقد أحست الصحفية بالجوع فأوقفت سيارتها أمام مطعم. وتناولت فيه الشطائر وتابعت سيرها.
كان جل تفكيرها ينحصر في نفسية الخواجا.
– هل هو قاسي القلب؟
– لين؟
– متعاون؟
أسئلة كثيرة تطاحنت في مخيلتها.
وبعد أن أوقفت سيارتها أمام الفيـلا الضخمة، أخبرت البواب بأنها قادمة لزيارة الخواجا.
– هل عندك موعد مسبق؟
– لا.
– … !
– قل له أنا الصحفية !
– أنت ؟
– نعم !
– سأخبره في الحال .
انطلق البواب بسرعة واختفى بين جدران الفيلا:
– يا حضرة الخواجا ! الصحفية جاءت لزيارتك.
تجهم وجه الخواجا، وتمتم بكلمات لم يفهمها البواب. وقال له:
– لتدخل، مع أني لا أحب الصحافة ولا الصحفيين.
عاد البواب مبتسماً، وأخبر الصحفية بموافقة الخواجـا لمقابلتها .
صعدت الصحفية خلف البواب، ودخلت الفيـلا، ووجدت نفسها أمام مكتب ضخم ووجه عابس متهجم.
– طاب مساؤك أيها الخواجا.
– …..!
– هل أدخل ؟
– ادخلي. مع أنك جئت دون موعد سابق.
– ……!
جلست الصحفية، وكان الخوف يسيطر عليها ، خاصة بعد أن وجدت نفسها مع الخواجا وحيدين في مكتب ضخم.
– ماذا تريدين بالله عليك؟
– ….. !
– ماذا تريدين ؟ إني أسألك؟
تشجعت الصحفية بعد أن اشعلت سيجارة وقالت:
– صاحبكم!
ضحك الخواجا ملئ شدقيه وقال:
– صاحبنا، هل تقولين صاحبنا؟
– نعم، هل أخطأت؟
– إنه ليس صاحبنا يا مدام، إنه صاحب الشيكات.
أحست الصحفية أن هذه المقابلة ستكون مليئة بالمفاجآت الهامة. فأرادت أن تمثل دور الجاهلة في هذه الأمور.
– الشيكات؟ وما دخل الشيكات بزوجتـه التي تريد الطلاق؟
مسح الخواجا رأسه بيده وقال:
– اسمعي ! جئت إلى هنا دون موعد سابق، وأود أن أخبرك أنني لا احب الصحافة، ومع هذا سأقول لك كل شيء عنه وعن مجرى الأحداث منذ بدايتها؟
– …..!
– إن هذا الرجل المسخر يعتبر نفسه ذكياً، ولكن ليعلم أنه لن يكون أذكى منا! فنحن مشهـورون بالذكاء أيضاً. سنحطمـه في النهاية، سنجعل منه ومن قصوره حطاماً. نحن الذين صنعناه . وقد آن الأوان لسحقه.
أشعلت الصحفية سيجارة وقالت للخواجا بهدوء:
– رجاء أريد القصة منذ البداية.
– لا تتعجلي ! لا تتعجلي ! ستأخذين مني كل شيء لأني أريد ذلك وهذا جزء من اللعبة.
– …….!
– أنت تعرفين أن جده ليس ابن هذا البلد، لقد احضره جماعة آخرون من الخواجات إلى هنا، وضحكنا نحن عليهم، وأخذنا منهم ما نريد، ثم طردناهم من البلد. وأظن أن والدك قد أخبرك بهذا .
– …..!
– لعب معنا جده ضد العائلة التي تسلمنا أملاكها بعد أن دمرنا قصرها، ولا نـدري كيف نجت تلك الفتاة اللعينـة!
أرادت الصحفية أن تتكلم، لكنه منعها بإشارة من يده:
– تريدين أن تسألي مقابل ماذا فعل جده ذلك؟ أنا أقـول لك: لقـد فعل كل شي مقابل الشيكـات، الشيكـات الكثيرة التي لهفـها منا. مقابل استقرارنـا هنا، نحن كرماء في سبيل مصلحتنا، ولكننا لا نسمح لأحد باستغفالنا.
توقف الخواجا قليلاً وأضاف:
– وبعد أن قتل الخواجات القدماء جده، جاء هذا القرد، ومثل علينا دور الابن. وقفنا معه، دعمنـاه، هدايا وشيكات، وكان يزورنا ويعود محمـلاً بالهدايا والشيكات.
– وماذا بعد؟
– أليس عندك صبر؟
– …… !
– تزوج البنت برضانا عن طريق أقاربها الذين وضعوها عنده كأمانـة، ولكنه تزوجها قسراً ! ليشهد الرب أنه تزوجها قسراً !
حاولـت الصحفية أن تسأله، ولكنه لـم يأذن لها، وتابع كلامه:
– كانت المشاكل الزوجية بينهما كبيرة، وكنـا نعلم بكل شيء. كان يخبرنا بكل شيء، تصوري أنه كان يحدثنا عن أدق التفاصيل التي تحدث بينه وبينها.
توقف الخواجا قليلاً، ووجدت الصحفية فرصة للكلام:
– ألم يخف عنكم شيئاً ؟
ضحك الخواجا ملئ شدقيه وقال:
– أقول لك كان يحدثنا عن أدق التفاصيل وتسألين مثل هذا السؤال؟
مسح الخواجا رأسه بيده وتابع:
– ولما لم يستطع التغلب عليها بعـد أن كبر أبناؤها وأخـذوا يشكلون مصدر خطـر عليه، قدم إلينا وتنازل عنها لنا.
أخذت الصحفية صغيراً عالياً بواسطة فمها وقالـت دون اخذ الإذن من الخواجا:
– كلب.
ضحك الخواجا على هذه الكلمة وقال:
– شيكاتنا هي السبب. نعم لقد أغرقناه بالشيكات ! وكان سيفعل أكثر من ذلك لو طلبنا منه.
– وماذا بعد؟ سألته الصحفية.
– كنا نحن اللذين طلبنا منه التخلي عنها لتأديبها ، كي تعود إليه ذليلة هي وأولادها.
ضحكت الصحفية بعد أن أحست الهدوء في وجه الخواجا، وقالت:
– هل تم ترويضها عندكم؟
ضرب الخواجا بيده على الطاولة، وصرخ:
– إنها مجنونة ! لقد أنهكتنـا هي وأولادها ، فعلنا المستحيل، ولكن دون جدوى. صدقيني دون جـدوى، إن رأسها أقسى من الحجر.
– وماذا تريدون أن تفعلوا بها؟
– إننا جادون بإعادتها.
– إليه؟
– …..!
– إليه ؟ سألته مرة أخرى.
– إلى الجحيم. شرط أن نرتاح منها ومن مشاكلها.
– ولكنه يطالب بها.
– إنه كلب ! ألم تقولي ذلك منذ قليل ؟
– إنها لا تريد العودة إليه.
– هذه مشكلتها ومشكلته، لقـد حاولنا معها ، ولكن لا فائدة. لا فائدة.
– والعمل؟ إنها رفعت قضية طلاق.
ضحك الخواجا ملء شدقيه، وقال بوقاحة:
– ومن هو القاذي الذي يستطيع أن يحكم لها بالطلاق؟ لا يوجد أحد.
– لماذا ؟
– …….!
– أخبرني لماذا؟
– أصول اللعبة.
– اية لعبة؟
– لعبتنا.
– لعبتكم؟
– نعم، نحن وهو.
– أمازلتم معه؟
– هو الذي معنا، وسنتخلى عنه في الوقت المناسب!
– متى ؟
– عندما نقرر!
– ومتى تقررون؟
– عندما تنهكهما المشاكل. عندها سنتدخل.
– لصالح من؟
– … !
– لصالح من ستدخلون ؟
– لن أقول لك !
– لقد وعدتني أن تخبرني كل شيء !
– كل شيء أريده أنا، وليس أنت.
– أخبرتني قبل قليل أنه كان يزوركم.
– نعم.
– كم مرة تعتقد أنه فعل ذلك؟
ضحك الخواجا ملء شدقيه وقال:
– كثيرة هي زياراته. كان يأتي إلينا كثيراً لنقـل أخبار المدينة وأخبار زوجته وأولاده.
– كم مرة يعني ؟ هل تتذكر؟
– مئة وخمسين مرة. مئة وخمسين مرة. هل رضيت؟
– بالتمام والكمال؟
– …..!
أحست الصحفية أنها أخذت شيئاً كثيراً، ولكن هناك أشياء أخرى لم تستطع الحصول عليها بسبب نوعية هذا الخواجا. حاولت أن تستدرجه لتأخذ أكثر، لكنه كشر عن أنيابه، وهددها إن هي حاولت ذلك مرة أخرى.
لملمت أوراقها، ووضعتها مع المسجل في حقيبتـها ، وانطلقت إلى الجريدة. كان الإعياء بادياً عليها، ولكنها آثرت تفريغ الشريط على الورق قبل أن يتأخر الوقت. إلا أنها صعدت إلى مكتب رئيس التحرير الذي كان قلقاً عليها لتأخيرها.
– شعرت بالقلق عليك !
– رحلة متعبة.
– هل حصلت على معلومات من الخواجا ؟
– قليلاً .
– هل تفيد القضية ؟
– بالتأكيد، لقد ذهبت في البداية إلى مكتب المحاماة وصادفني حادث مروري مروع، راح فيها شخص واحد وجرح اثنان.
– وهل قمت بتصويره؟
– وأجريت لقاءات مع ضابط المرور، وبعض الركاب الناجين.
– عظيم ! هل حضر مندوبو الصحف الأخرى؟
– لم يحضر أحد.
– سبق صحفي إذن؟
– بالطبع.
توقفت قليلاً ثم تابعت ممازحة:
– أين قهوتي ؟
ضحك رئيس التحرير وقال:
– لك عصير برتقال طازج!
– أريد قهوة اولاً.
– حاضر. على أمرك.
تلمست الصحفية شعرها الذهبي وقالت:
– لقد ذهبت إلى الخواجا. كنت خائفة منه. وجهه يدل على أنه منجم للشر!
– وماذا حصل؟
– أعطاني ما أراده، ولم آخذ منه ما أريد.
– لماذا؟
– لأنه صعب. لكن ..!
– لكن ماذا؟
– يبدو أن هناك خلافاً بينه وبين الخصم.
– هل أخبرك الخواجا بذلك؟
– نعم ! إنه يهدد ويتوعد.
– يهدد من؟
– الخصم.
– لماذا ؟
– يقول إنه لم يصدق معهم. خاصة في الفترة الأخيرة.
– إلى الجحيم.
دخل البواب حاملاً صينية القهوة، ووضعها أمامـها وانصرف.
أشعلت الصحفية سيجارة ورشفت من فنجانها رشفة واحدة وقالت:
– نسيت أن أخبرك بشيء !
– ما هو ؟
– ربما أتمكن من مقابلة القاضي غداً!
– صحيح ؟
– إن شاء الله .
– وهل تنوين إجراء مقابلة معه؟
– بالتأكيد .
– موفقة .
أنهت الصحفية فنجان قهوتها، واستأذنت رئيس التحرير ونهضت على عجل، ونزلت إلى مكتبها لتفريغ الشريط وتسليم الكاميرا لقسم التصوير لتحمي الفيلم وتجهيزه كما يجب.
وفي الصباح تحرك جيش الموزعين:
– معلومات جديدة وأخبار مفيدة.
– الخواجا يؤكد أن الزوج كان يزورهم كثيراً.
– الخواجا يهدد ويتوعد.
– هذا مصير من يتعامل مع الخواجا.
– غداً مقابلة مع القاضي بخصوص القضية.
أصبح حديث الناس أيضاً هذا اليوم عن علاقة الخواجا بالزوج، وأخذوا يتندرون به.
– مسكين ! لتنفعه شيكات الخواجا.
– ما مصير الزوجة يا ترى ؟
– وأولادها ؟
– كان الله في عونها !
– ترى ماذا سيقول القاضي !
– ربما استطاع الزوج رشوته ! فمعظم القضـاة هذه الأيام مرتشون.
وقبل الظهر توجهت الصحفية إلى الجريدة، كانت فرحة بإنجازاتها التي جعلتها على اتصال دائم مع القراء من خلال الهاتف أو المقالات.
جلست على مكتبها وأخذت تقلب في كومة رسائل القراء التي كانت جميعها تشجعها على الاستمرار في موقفها ويهنئونها عليه. وبعد أن أحضر لها الفراش فنجان القهوة رن جرس الهاتف.
– مرحبا يا م دام.
– أهلاً بك ! هل من أخبار جديدة يا سيدي ؟
– نعم. الساعة الثامنة سنكون في بيت القاضي.
ارتسمت علامات الفرح والغبطة على وجهها لدى سماعها الخبر من كبير المحامين، فتركت فنجان القهوة دون أن تتمه، وصعدت إلى مكتب رئيس التحرير وأخبرته بالموعد طالبة منه أن يصدر أمراً لقسم الإخراج بترك مساحة نصف صفحة لها.
وافق رئيس التحرير على ذلك ! وغادرت مكتبه لمواصلة قراءة الرسائل الواردة إليها من القراء، ثم غادرت مبنى الجريدة متجهة إلى البيت لتأخذ قسطاً من الراحة، وتعد الأسئلة.
وقبيل الساعة السابعة، أدارت محرك سيارتها، وتوجهت إلى مكتب المحاماة لتجد كبير المحامين في انتظارها خارجه.
وعلى الفور تحرك الاثنان صوب بيت القاضي الذي كان ينتظرهما بوجهه البشوش وابتسامته الهادئة.
– أهلاً بكما، القانون والصحافة.
– ردت الصحفية عليه ممازحة، فليتقدم القانون إذن.
– لا ، بل الصحافة أولاً. أجابها كبير المحامين ضاحكاً هو الآخر.
ولكنها رفضت الدخول قبله.
تقدم كبير المحامين لتكون الصحفية في أثره.
– أهلاً بكما.
– أهـلاً بك سيدي القاضي. ردا عليه تحيتـه باحترام كبير.
ابتسمت الصحفية للقاضي ابتسامة ذات معنى وقالت:
– يا أستاذ ! أنا أفضل إجراء المقابلة والانصراف، لأتركك أنت والأستاذ المحامي معاً.
ضحك كبير المحامين وقال:
– مفاجأة لم أتوقعها منك، لقد جئنا للدردشة، وليس لإجراء المقابلات.
– لقد وعدت رئيس التحرير.
ضحك كبير المحامين مرة أخرى، وقال مخاطباً القاضي:
– والله العظيم، لا دخل لي في هذا.
عدل القاضي من جلسته وقال بهدوء:
– لا عليك.
قامت الصحفية، وحملت الكاميرا، وأخذت تصوره، بعد أن طلبت إليه تحريك يديه كأنه يتحدث، ثم جلست وأخذت تسأله:
– أستاذ ! أعتقد انك تتفق معي أن القضية التي نحن بصددها ليست قضية عادية!
– في الحقيقة يا ابنتي أن هـذه القضية ليست قضيـة زواج وطلاق، إنها فعلاً أبعـد من ذلك بكثير، إنها أولاً مصير إنسان، حـق تقرير مصير إنسان، بل عائلة بأكملها.
– هل أطلعت على تفاصيل اللقاء الذي تم بيننا وبين محامي الخصم؟
– لابد لي أن أسجل شكري لكم أولاً، ومن ثم أبدي أسفي واستنكاري للأسلوب الذي اتبعه المحامي معكم.
– لقد اتبع نفس الأسلوب مع الأستاذ المحامي أيضاً.
– أخبرني بذلك. والمهم في الأمر أن عرضه معكم كان مسجلاً بالصوت والصورة.
– هل تعتقد أن هذا سيفيدكم في المحكمة؟
– بالتأكيد ! إنه إدانة واقعة.
– هل سيكون نفوذ الزوج عائقاً أمامكم؟
– غالباً ما يكون النفوذ عائقاً، وحجر عثرة دون تطبيق العدالة، ولكنها با لنسبة لي لن تؤثر كثيراً. فقناعتي راسخة، وإظهار الحق أولى بأن يقدم على كل المخاطر، ولكن..
– ولكن ماذا؟
– علي أن أحكم بما رأيته من أدلة وبراهين وشواهد، أما ما عدا ذلك فليس من اختصاصي.
– أراك متخوفاً؟
– ليس على نفسي، فقد أجريت اتصالاتي مع الجهات المعنية..
توقف القاضي قليلاً، وأضاف:
– ولا أخفي عليك أن هناك أطـرافاً تحاول العبث بالقضيـة.
– وماذا سيكون موقفك؟
– لن يتغير.
– هل اطلعت على نص المقابلة مع الخواجا؟
– بالكامل.
– ما هو تعليقك عليها؟
– إنها وثيقة خطرة. إنها أطر وثيقة في الملف.
– هل من كلمة أخيرة؟
– لا داعي للخوف من عدالة المحكمة، لتطمئن الزوجة.
– شكراً.
نهضت الصحفية بعد أن شربت كوب العصير الذي قدم لها، وانصرفت إلى الجريدة بسرعة جنونية. وكعادتها دخلت مكتب رئيس التحرير الذي كان بانتظارها.
– هل أجريت المقابلة؟
– نعم.
– هل من مفاجآت؟
– نعم.
– إذن هيا، انهضي وسلميها.
نهضت الصحفية إلى مكتبها وأفرغت الشريط على الورق، وسلمته لقسم الإخراج.
بقي كبير المحامين مع القاضي حتى ساعة متأخرة، واستعرضا كافة المراحل التي مرت بها القضية حتى ساعة إعداد الملف، كما اتفقا على موعد عرضها في المحكمة، ووعد القاضي كبير المحامين بالتعجيل في النطق بالحكم.
– لقد كانت الصحفية خير معين لنا، قال كبير المحامين.
– إثارة الرأي العام في مثل هذه القضايا أهم من بعض بنود القانون.
– ولا تنسى أن رئيس التحرير ضحى بمليون دولار، وألف اشتراك، وصفحة إعلان أسبوعية لمـدة سنة.
– ألم تضح أنت بمثل هذا المبلغ؟
– نعم، حصل ذلك.
– هل تستطيع ان تقول لي لماذا؟
– مبدئي.
– وكذلك رئيس التحرير.
– إنه من الجماعة.
– أعرفه ! أعرفه ! إني أعرفه منذ أيام المدرسة ! كان منظمـاً في أفكاره، مجتهد في دروسـه، صلباً في آرائـه.
– يبدو ذلك.
– كنت أود أن أطلب من الصحفية شيئاً.
– ما هو ؟
– مقابلة ؟
– نعم.
– … !
– معك ؟
ضحك القاضي ورفع يده اليمنى وقال:
– صدقني يا رجل، هذه أول مرة تستطيع الصحافة سرقـة مقابلة مني، وأنت السبب في ذلكز على العموم فالمقابلة ستكون مع الزوج.
ضحك كبير المحامين والقاضي معاً، وقال كبير المحامين:
– أقسم لك أنه لا دخل لي بموضوع مقابلتك، وعموماً سأخبرها بذلك.
– ولكن هل توافق؟
ضحك كبير المحامين وقال:
– سترى بنفسك، وستكون المقابلة حديث الناس بعد غد بإذن الله.
– بلغها تحياتي، وأخبرها بأنني سأتحدث مع المسؤولين كي نخصص مكافأة لها على جهودها.
مط كبير المحامين شفتيه وقال:
– لا أعتقد أنهم سيوافقون على مثل هذا الطلب ! عموماً سأخبرها. واستأذن بالانصراف.
انصرف كبير المحامين بعد أن ودعه القاضي، وأدار محرك سيارته وتحرك بها صوب منزله.
(6)

في الصباح جلجلت أصوات الموزعين في الشوارع:
– القضية تأخذ أبعاداً جديدة.
– القاضي يطمئن الزوجة بأنها ستحصـل على الطلاق وتستقل.
– القاضي يعلن بأنه لا يخشى نفوذ الزوج.
– ضغوطات كبيرة على القاضي ليحكم لصالح الزوج.
وكالعادة، كان رأي القاضي، والمقابلة التي أجريت معه حديث الناس في الشارع والمقاهي والمكاتب.
توجهت الصحفية كعادتها إلى الجريدة وهي نشوى بما حققته من إنجازات في الآونة الأخيرة، دخلت مكتبها، وما هي إلا ثوان لم تتمكن بها من الجلوس على مكتبها لمطالعة رسائل القراء حتى رن جرس الهاتف.
كان رئيس التحرير على الجانب الآخر، فاستغربت الصحفية كيف عرف بمقدمها بهذه السرعة، ولكنها تداركت الأمر، ورحبت به، لم يطل الحديث بينهما إذ طلب منها الصعود إلى مكتبه فوراً!
خالج الصحفية مزيج من الشعور بالشك والخوف من هذه المكالمة، ولكنها استجمعت شجاعتها، ورتبت شعرها من جديد، وغادرت مكتبها. وما أن دقت باب غرفته حتى ناداها قائلاً:
– ادخلي.
دخلت الصحفية خائفة بعض الشيء. حيته، ولم تكد تتم جلوسها على الاريكة كاملة حتى فاجأها رئيس التحرير قائلاً:
– هل حصل مكروه لا سمح الله؟
– لا، أبداً.
– مالي أراك خائفة إذن؟
– … !
– أخبريني كيف أتصرف. ما الذي جرى؟
ابتسمت الصحفية ابتسامة صفراء، وقالت:
– أبداً والله لم يحدث شيء.
– إذن، لماذا أراك مصفرة تبدو عليك علامات الارتباك.
ضحكت الصحفية هذه المرة، وانفرجت أساريرها، وقالت بعد أن أشعلت سيجارة:
– بصراحة مكالمتك هي السبب.
ضحك رئيس التحرير ملء شدقيه، وقال:
– الله يجازيك يا شيخة.
وضحك الاثنان معاً، وأردف قائلاً:
– قهوتي في الطريق.
– لم تخبرني ماذا تريد، لقد خوفتني.
عدل رئيس التحرير من جلسته وقال:
– في الحقيقـة، لقد خابرن القاضي مبكراً، واقترح علي أن نجري مقابلة صحفية مع الزوج الخصم لتكون رأياً يعتد به في الملف.
كادت الصحفية أن تقفز من شدة الفرح، لكنها أمسكت نفسها، وصمتت لبرهة وجيزة ثم ما لبثت إمارات الفرح أن اختفت من محياها، ليحل محلها وجوم ثقيل. تمالكت نفسها، وأردفت قائلة لتخفي المشاعر المتنافرة التي ألمت بها:
– هل تعتقد بأنه سيوافق على ذلك ؟
– ولا يهمك، كل الأمور مرتبة من حيث لا تعلمين، فهو يرحب بك في أي وقت.
– بهذه السرعة؟
– نعم ! فالقاضي مهتم جداً بهذه القضية، والزوج يرجو تضليلنا أو تخفيف الضغوط التي أثقلت كاهله.
– متى تم تحديد الموعد.
– الثالثة عصراً.
– اليوم.
– نعم. وتفضلي بالانصراف لإعداد الأسئلة.
توقف رئيس التحرير قليلاً وأضاف:
– أرجوك التركيز على ما جاء على لسان الخواجا.
ضحكت الصحفية، وقالت بغنج:
– لن تفوتني هذه، اطمئن.
انصرفت الصحفية إلى مكتبها، وطلبت فنجان قهوة وأغلقت الباب. ساعة كاملة بعد أن طلبت من عاملة البدالة أن لا تحول لها أية مكالمة هاتفية أياً كان مصدرها، وبعد إعداد الأسئلة غادرت إلى البيت لتأخذ قسطاً من الراحة.
وفي تمام الساعة الثالثة بالضبط، كانت تقف بسيارتها أمام بوابة الفيلا.
– أهلاً بالأستاذة ! أهلاً ! إننا ننتظـرك ! قال كبير الحراس.
– هل السيد موجود؟
– إنه في مكتبه مستعد للقائك.
انطلقت بسيارتها خلف سيارة كبير الحراس، وما هي إلا ثوان حتى كانا يقفان عند الباب.
– أهلاً بالأستاذة، تأخرت دقيقتان ! قال الزوج وظاهر الأبهة بادية عليه.
– ازدحام سير !
– ولا يهمك ! أهلاً بك ! تفضلي.
كان الزوج قصيراً، مثقلاً بالهموم التي تسيطر عليه مـن كل جانب، بالرغم من تظاهره بالسعادة، وقد تأكدت الصحفية من هذا الانطباع بعد أن لمحت – دون أن يدري – شروده، وكأنه محاط بالمصائب من كل جانب.
جلس الزوج المتنفذ على مكتبه، بعد أن طلب لها فنجاناً من القهوة وأخذت هي تجهز نفسها للقاء المجهول.
رشفت من فنجان القهوة رشفتين، واستأذنت في إشعال سيجارة، وأخذت بالتقاط الصور.
كان الزوج على أحر من الجمر لبدء الحديث، ظاناً أن من سعى لهذه المقابلة، إنما يقف في صفه، وأنه قد يجني بعض الفوائد إن هو دلس وخلط، فبادرها:
– أهلاً بك تفضلي.
– عدلت الصحفية من جلستها وقالت:
– لماذا لا تريد تطليق زوجتـك، برغم إصرارها على ذلك؟
– تظاهر الزوج بالحزن، وشرد بذهنه بعيداً، ثم ما لبث أن استجمع قواه ليقول بصوت أجش، تفوح منه رائحة الدهاء والمكر:
– اسمحي لي أولاً أن أخاطب من خلال جريتكم الغراء أبنائـي وزوجتي وأن أقول لهم بأنني لم ولـن أنساهم، فهم في عقلي ووجداني وضميري، هم قرة عيني، لا يطيـب لي عيش ، ولا يغمـض لي جفن لما يتعرضون له من ظلم الخواجا الباغي الذي يكيل لهم الشتائم كل حيـن، دون ذنب اقترفوه سوى أنهم يريدون العودة إلى…
أراد الزوج المتنفذ أن يكمل لكن الصحفية قاطعته بعنف بعد أن أقنعت نفسها بأنه يمثل في كلامه، فأرادت أن تقطع عليه استغلال الجريدة لمصالحه الدنيئة.
– ولكنك يا سيدي، أنت الذي تنازلت له عنهم ! وبعتهم لـه.
أيقن الزوج أن هذه الصحفية ليست كغيرها، وأنها عفريته، فحاول التقرب منها قائلاً:
– أقسم بالله العظيم أنني لم افعل ذلك، لقد ضاعوا مني، الخواجا قوي، وأنا ضعيف، وإخوتي لم يساعدوني بما فيه الكفاية.
لم تنطل هذه الحجة عليها، فبلعتها وقالت:
– إنها تصر على الطلاق يا سيدي.
– هذا الكلام ليس صحيحاً، إنها تحبني.
ابتسمت الصحفية ابتسامة خبيثة وقالت:
– ولكنها ستلجأ إلى القضاء، كمـا أنها أوكلت محامي ليتبنى قضيتها.
– لا ! لا تصدقي ذلك، اذهبي واسأليها بنفسك.
– يبدو أنك لم تقرأ تفاصيل لقائنا بها.
– ….. !
– وما رأيك في ما نسبه إليك الخواجا، واتهمك به؟
وبأسلوب خطابي أجش قال الزوج:
– إننا لن تهتز لنا شعره، ولن نتزحزح من هذا المكان لسماعنا كلمة فارغة من هنا أو هناك، فوحدة العائلـة عندنا شيء مقدس، نحيا من أجله، ونموت من أجله.
توقف قليلاً ليرى وقع هذه الكلمات المنمقة على نفس الصحفية التي التقطت له صورة وهو يرفع يديه، ثم استطرد:
– ليعلم أهل المدينة كلهم أنني لن أتنازل عن موقفي، لا للرضوخ لرغبات الخواجـا البشع، لا للطلاق، لا للإشاعات.
– ولكن الخواجا يشهر بك، ويقول أنك زرتهم حوالي مئة وخمسين مرة، وأنك بالنسبة لهم بمثابة الابن ! ماذا تقول في ذلك؟
– لقد تعودنـا في هذه المدينة أن نعيش متحابيـن متساويين، لا فرق بين صغير أو كبير، كلنا خدم بهذه المدينة.
– والزيارات للخواجا؟
– اللهم نجنا من الإشاعات.
– إن الخواجا بنفسه يقول ذلك. ناهيك عن الصور والملفات التي تحوي ما كان يدور بينك وبينهم.
– …. !
– هل تعترف بذلك؟
أيقن الزوج المتنفذ أن الصحفية تستفزه، فأراد أن يكسب موقفها فقال بتودد:
– أرجوك إيقاف التسجيل للحظات.
أوهمته الصحفية بأنها استجابت لرغباته فنهض إلى إحدى الخزائن متظاهراً بأنه يبحث عن حاجة ما.
استغل الزوج المتنفذ وقوف التسجيل، فقال بلهجة الواثق:
– صدقيني إن مرتب الجريدة – كما أعرف – لا يكفيك مكياجاً. ما رأيـك أن تعملي عندي بمرتب لا تحلميـن به؟
شردت الصحفية بذهنـها، واستقرت على رأي، وهو مجاراته لأخذ المزيد منه بنفس طريقته، لأنها أيقنت أنها لن تستطيع الخروج حية من الفيلا إذا خالفته.
ابتسمت بخبث وقالت:
– كم سيكون مرتبي؟
تنفس الزوج المتنفذ الصعداء، وقال بلهجة الواثق:
– الآن نستطيع التفاهم.
– تفضل .
– ألف دينار.
– في السنة.
– في الشهر. في الشهر.
توقف الزوج قليلاً لدى وقع الصدمة عليها وأضاف:
– هذا عدا عن المكافـآت وما إلى ذلك، ناهيـك عن اشتراك مجاني في مجلات الأزياء الأوروبيـة التي أملكها.
لم تتوقع الصحفية هذا العرض. ارتبكت قليلاً، ولكنها استعادت هدوئها وقالت:
– موافقة.
– إذن، سأصـدر أمراً في الفيلا لتستلمي الوظيفة منـذ الغد.
– موافقة. ولكن دعنا نتحدث الآن عن زوجتك.
ضحك الرجل ببله وقال:
– زوجتي؟ من قال ذلك؟
– أليست زوجتك؟ ألم تقل قبل قليل أنك تحبها؟
ضحك الزوج ببله وقال:
– نعم. قلت ذلك للمسجل. ولكني الآن أقول الحقيقة.
– يعني أنك لا تحبها. أليس كذلك؟
– لن أغفر لها الإهانات التي أهانتني إياها.
– طلقها إذن.
– سأوقف حالها. سأبقيها معلقة. ولو إلى الأبد.
– لماذا؟
– هكذا ! أنا لا أقبل أن يخالفني أحد.
– يعني أنك متمسك برأيك؟
– حتى النهاية. مع أنني أعرف حقيقة أمرها.
– هلا أخبرتني!
– إنـها عنيدة، صلبة، لقد قتلت بعـض أبنائها انتقاماً منها، وحـرضت أخاً لي كي يقتل بعضاً منهم، ولكن لا فائـدة.
– والخواجا؟
– آه من هذا الزفت، جبان، جبان.
– لماذا؟
– إنها تضايقه، ومع هذا لا يقـوى على معاقبتـها بالصورة الصحيحة.
– هل ما قاله الخواجا عنك صحيح؟
– نعم. وللأسف أنه فضح أمري وأحرجني بين إخوتي، مع أنهم يتمنون اليوم الذي يجلسون فيه معه.
– والمدينة؟
– أوه ! كم هم أغبياء هؤلاء الناس.
وبدون أن ينتبه لها ، سرقت نظرة سريعة على جهاز التسجيل، حيث شارف الوجه الأول من الشريط على الانتهاء، فتظاهرت بأنها تنوي قضاء حاجة في الحمام.
وبحركة مؤدبة استأذنت منه بالانصراف قليلاً، وأخذت معها حقيبتها، وبعد قليل عادت وجلست وكان وجهه بشوشاً لأنه تخيل أنه كسبها إلى جانبه.
– أريد أن أسألك بخصوص المحكمة.
– طز ! لن يستطيعوا الحكم لها .
– وإن فعلوها؟
– سأقلب الطاولة على الساحر.
– وهل تستطيع؟
– سأحرق المدينة، علي وعلى أعدائي يا رب.
صمت قليلاً، شرد بذهنه وقال:
– اسلمها للخواجا، فأولاده بحاجة لتوفير المساكن لأنهم ينوون الزواج و…
– بهذه البساطة؟
– وأسهل من ذلك !
– وأنت ؟
– ما عندي يكفيني لأن أعيش كملك ابن ملك طوال حيـاتي.
– أين ؟
– في الخارج.
اكتفت الصحفية بهذا القدر واستأذنت بالانصراف، على أن تعود إليه صباح الغد. وقبل أن تنهض، دخل أحد الأشخاص حاملاً حقيبة كبيرة محشوة بالهدايا الثمينة.
– هذه هدية متواضعة لك، رمز محبتنا وصداقتنا.
قبلت الصحفية الهدية، وفي محاولة منها لإيهام الزوج المتنفذ بأنها قبلتها بحسن نية، طلبت منه أن يفتحها.
قام الزوج المتنفذ بفتح الحقيبة، فأخذت له صورة، ووقفت بجانبه بعد أن طلبت من الرجل الآخر أخذ صورة لها مع الزوج والحقيبة. سر الزوج لفعلتها، واعتبره رمز شكل وتعبير وامتنان. وهنأها على لباقتها وحسن تصرفها.
شعرت الصحفية بلسان متلعثم، وبسمة باهتة، فنفسها كانت تمتلئ خوفاً، ورجلاها تكادا لا تقويان على حملها، ورأسها يكاد ينفجر من أثر الصداع الناجم عن هذا الخوف المكبوت.
وصلت الجريدة، وصعدت إلى مكتب رئيس التحرير بعد أن أعطت مفاتيح السيارة للبواب كي يحضر الحقيبة إلى مكتب رئيس التحرير.
كان رئيس التحرير ينتظرها على أحر من الجمر، وما إن دخلت الباب دون قرعه حتى قفز من على مكتبه وصرخ:
– لقد قلقت عليك جداً.
– اقرأ على روحي الفاتحة قبل تفجير القنبلة، وتهاوت على الأريكة في حالة من الإعياء شديدة، وما هي إلا لحظات حتى دخل البواب حاملاً الحقيبة.
صرخ رئيس التحرير وقال:
– وهل القنبلة في هذه الحقيبة؟
هم البواب بالانصراف، فأوقفه رئيس التحرير وطلب منه أن يحضر للصحفية كأساً من الليمون.
تمالكت الصحفية أعصابها قليلاً، واعتدلت في جلستها، وقالت:
– دعني أوضح لك.
– هـات ما عندك. يبدو أن هـذه القضية ستقصف أعمارنا!
أجابته الصحفية بعد أن مسحت على شعرها بشيء من الزهو:
– عمري أنا، فقط !
أحس رئيس التحرير بأن الارتباك الذي يسيطر على الصحفية لم يأت من فراغ، فقال لها:
– أخبريني بكل التفاصيل.
– وبحركة مسرحية سريعة، ضغطت زر جهاز التسجيل وقالت: ستسمع الآن العجب العجاب.
ذهل رئيس التحرير لما سمع، وطلب منها إيقاف التسجيل، وطلب أن تخبره بنفسها عن الذي حدث، وكيف استطاعت تسجيل ذلك، والزوج في غاية المكر والدهاء.
سردت الصحفية عليه القصة بالتفصيل، وقامت وأرته ما بداخل الحقيبة. سيطر الخوف عليه، حك رأسه! ورفع سماعة الهاتف ليتحدث مع القاضي في بيته.
– أرجوك يا أستاذ! لقد جاءت الصحفية بقنبلة شديدة الانفجار وليس بمقابلة وعلينا أن نحسن التصرف.
– هون عليك يا رجل، ما القصة؟
أخبره رئيس التحرير بكل ما سمعه ! الأمر الذي أذهل القاضي وأسعده معاً. فوعده بالاتصال مع الجهات المختصة لتخصيص مرافق مسلح للصحفية، وحراس من أفراد الشرطة لحماية الجريدة، وبكل ذلك أقفل جهاز الهاتف.
– ولا يهمك. منذ الغد سيكون معك مرافـق مسلح، وسـيرابط أمام مبنى الجريـدة مسلحون. هل يعجبك هذا؟
– صحيح؟ الحمد لله.
– والآن انصرفي لتفريغ المقابلة وتسليمها.
غادرت الصحفية إلى مكتبها بعد أن أحست بشيء من النشاط والاطمئنان، وبدأت تفريغ المقابلة على الورق، واختارت لها مقدمة تفننت بانتقاء كلماتها.
نزل جيش الموزعين إلى الشوارع كالعادة:
– الزوج لا يحـب زوجته، ولكنه سيبقيها معلقة انتقاماً منها.
– الزوج يعترف بقتله بعض أبنائها انتقاماً منها.
– الزوج يعترف بعلاقته مع الخواجا.
– إنه يهدد بحرق المدينة أو تسليمها للخواجا.
– الزوج يتطـاول على الخواجا لأنه لم يستطع ترويض الزوجة.
وصلت الجريدة إلى الفيلا قبل أن ينهض الرجل من نومه. وعندما استيقظ وجدها على مكتبه. تصفحها ! قرأ العناوين ودون أن يصل إلى التفاصيل أخذ يضرب بيده على الطاولة:
– موامرة ! مؤامرة ضدي. كلاب. كلاب.
– أين الصحفية؟ العاهرة سأقتلها !
– سأنسف الجريدة.
جن جنونه، وعلى الفور استدعى أحد رجاله، وأمره بقتل الصحفية أثناء دخولها أو خروجها من الجريدة. وعلى الفور تحرك الرجل المسلح، وكمن في مكان قريب من مبنى الجريدة.
كان القاضي قد أجرى اتصالاته مع الجهات الأمنية المختصة لتخصيص مرافق للصحفية وحراس للجريدة، ولكن المسؤولين لم يتجاوبوا معه.
وكعادتها، تحركت الصحفية في الصباح إلى مبنى الجريدة، أوقفت سيارتها في موقف السيارات القريب من الباب وهمت بالنزول. وضعت رجلها اليسرى على الأرض وهمت بتحريك رجلها الثانية، وإذا برصاصتين تخترقان رأسها لتخر صريعة على الأرض والدم ينزف منها. وبعد أن تأكد الجاني من إصابته لهدفه، انصرف وكأن شيئاً لم يكن. ومن قبيل الصدفة كان رئيس التحرير قد تأخر بعض الوقت ليصل بعد الحادث بدقائق.
كان الناس قد تجمعوا حول السيارة. ونل بقية الصحفيين المتواجدين في الجريدة مع بقية العاملين فيها ليروا ما حدث، وليصوروا الحادث لنشره غداً.
– كانت تعلم بذلك مسبقاً ! صرخ رئيس التحرير:
– إنها هي ! صرخ أحد الصحفيين.
وعلى الفور حضر رجال الشرطة وسيارة إسعاف.
تم إجراء اللازم من قبل رجال الشرطة، وحملت الجثة إلى سيارة الإسعاف. وتوجه الضابط مع رئيس التحرير المنهار إلى الجريدة.
دخلا مكتب رئيس التحرير وجلسا.
أخذ الضابط في تهدئة رئيس التحرير، ليتمكن من أخذ أقواله. وليتأكد إذا ما كان أحد في الجريدة يضمر العداء للصحفية.
– هاك، اقرأ، وستعرف كل شيء، صرخ رئيس التحرير، ونال الضابط نسخة من الجريدة.
تفحص الضابط العناوين والصور، ورمق رئيس التحرير بنظرة ذات مغزى وقال له بعد أن هم بالانصراف:
– الله يعوض عليكم، انتبه لنفسك.
وعلى الفور، رفع رئيس التحرير سماعة التلفون، وأخبر القاضي بالحادث، وكذلك كبير المحامين.
سرى خبر اغتيال الصحفية في المدينة سريان النار في الهشيم، وألصقت التهمة فوراً بالزوج المتنفذ، ولكنه سارع كعادته في مثل هذه الظروف إلى إلقاء التهمة على الخـواجا. ولكي يبرئ نفسـه اتصل شخصياً مع رئيس التحرير معزياً، وليستغلها فرصة كي يشتم الخواجا. كما أنه عرض عليه إجراء مقابلة مدفوعة الأجر، لإلقاء التهمة علنياً على عاتق الخواجا الذي لا يحب أن يرى أهل المدينة متحابين ومستقرين. رفض رئيس التحرير هذا العرض. وأخبره أن كافة الدلائل تشير إلى أنه هو الفاعل. ولو أراد الخواجا قتلها لقتلها بعد أن أجرت معه المقابلة.
حاول الزوج المتنفذ الدفاع عن نفسه، ولكنه فشل في ذلك حين ألصق تهمة التعامل مع الخواجا ضد الصحفية. وأخبر رئيس التحرير أنه يشك إلى حد بعيد، بأن الصحفية قد تم تكليفها عمداً من قبل الخواجا لتقوم بإجراء المقابلة المزيفة معه، لإظهاره في صورة غير صورته الحقيقية أمام أهل المدينة.
لم يقتنع رئيس التحرير بهذا التبرير اللامنطقي، وأخبره بأنه تأكد بنفسه من الصور والشريط المسجل، وأنه لا مجال للتزوير قيد أنملة وتهكم عليه حين أخبره بموضوع الحقيبة.
وجد الزوج المتنفذ نفسه في روطة، وأن الجريدة سوف تشن عليه حملة لا يستطيع الدفاع عن نفسه أمامها، فأخذ يدور بنفسـه على المقاهي في المدينة ويتظاهر بالحزن على مقتل الصحفية التي وصفها أمام الناس بأنها ابنة المدينة البارة والمخلصة. والتي قضت حياتها من أجل الدفاع عن الحق في المدينـة. كما أنه وعد الناس بالتبرع للمشاريع الخيرية في المدينة وللأيتام. إضافة إلى أنه وعدهم بافتتاح مصنع للشكولاته في المدينة.
ضحك الناس عليه بعد انصرافه، وعلقوا بأن الشكولاته هي مأكول الناس الأغنياء، وأنه بذلك لم يرد الخير لفقراء المدينة، بل أراد محاباة الأغنياء الذين يأخذ منهم الخاوات غصباً.
وعند العصر التقى رئيس التحرير وكبير المحاميـن مع القاضي في بيت الصحفية حيث كان بيت العزاء، تعاتب رئيس التحرير والقاضي بداية على عدم إلقاء أو الاتصال بينهما، خاصة وأنهما كانا زميلي دراسة، وحاول كل واحد منهما إلقاء اللوم على الآخر. ولكن كبير المحامين حسم الموقف حين قال بأن زحمة المشاغل هي السبب في ذلك.
تباحث الثلاثة في الأمر، واتفقوا على وضع خطة شاملة لفحص هذا الزوج أمام أهل المدينة، والمدن التي حولها، وعلق كبير المحامين بأن نهاية هذا الزوج بدت وشيكة، لأنه لجأ إلى القتل والحيلة والغدر، وذلك سلاح ضعيف.
وفي نفس الوقت، اتفق القاضي وكبير المحامين على أن يقوم كبير المحامين بتسليم الملف للمحكمة في أقرب وقت لاستغـلال فرصة التهاب الرأي العام ضد الزوج المتنفذ.
وصلت الجريدة إلى الخواجا. وعندما اطلع على مقابلة الصحفية مع الزوج المتنفذ، وما جاء على لسانه فيما يتعلق به شخصياً، أمر رجاله هو الآخر بالقيام بعمل ما لتأديب الزوج.
– لقد تطاول علينا هذا المعتوه ! مـاذا يظن نفسه؟ إننا نحن الذين أوجدناه ! ونحن الذين نحميه: قال لرجاله ذلك ثم توقف قليلاً، وتناول ملفاً ضخماً كان يضعه أمامه على الطاولة، وأضاف:
– أريـد أن يفهم أننا نسير معه مثل ظله، نعد حركاته وسكناته! ليذهب أحدهم ويضع قنبلة في مدخل الفيلا. مفهوم! مدخل الفيلا.
حاول أحد الاعتراض على تفجير مدخل الفيـلا، واقترح نسفها ليكون عبرة المعتبر.
رفض الخواجا هذا الاقتراح وقال بهدوء:
– إن الرجل يحتضر، ولا نريده أن يموت بهذه السرعة، فقط أريد تأديبه. وأما فيما يتعلق بما سنفعله به مستقبلاً، فهذا منوط بي شخصياً. على العمـوم سيقوم الشخص المكلف بوضع القنبلة باستدعائه في الوقت الذي يتم فيه زرع القنبلة ليطلع بنفسه على موقفها.
وفي الوقت نفسه أمر أحد أتباعه أن يحمل الملف ويسلمه للجريدة. ويعلن عن هويته بأنه من أتباع الخواجا.
وعلى الفور، تحرك المكلف بمهمة التنفيذ، وذهب إلى الفيـلا، لم يعترضه أحد بل دخل دون أن يرافقه كبير الحرس. ووضع القنبلة في المكان المحدد لها وأكمل إلى حيث يقيم الزوج.
– طاب مساؤك يا سيدي. قال الرجل للزوج !
– أهلاً ! أهلاً بك ! تفضل.
– في الحقيقة لا وقت لدي، وإنما جئت لأبلـغك بأن السيد يود مقابلتك.
ضحك الزوج وقال:
– أهلاً به في أي وقت ليتفضل.
– لا ! إنه يريدك أنت لتقوم بزيارته لأمر هام.
شعر الزوج بالارتباك، واستعرض في مخيلته سير الأحداث المتلاحقة وأحس بأن الخواجا غير راض عنه، ولكنه لا يستطيع رفض مثل هذا الطلب للخواجا، وتمتم في أعماقه: قاتل الله الصحافة والصحفيين. ما أكثر مضايقاتهم لنا !
– بلغ السيد بأنني سأقوم بزيارته هذا المساء. نعم هذا المساء في منتصف الليل.
– لا تتأخرن أرجوك، وإلا…
قفل الرجل عائداً لإخبار الخواجا بذلك، وبعد أن غادر الفيلا سمع دوياً هز أركان المدينة.
كان الخواجا ينتظر على أحر من الجمر ليسمع رد الجواب، ولكنه هدأ حين أخبره تابعه بأن الزوج سوف يأتي في الساعة الثانية عشر من هذه الليلة. وفي الحال أصدر أمراً لرجـل آخر بأن يتوجه إلى الجريدة حاملاً الملف، ولكـي يبلغ رئيس التحرير بإرسال صحفي آخر، ليقوم بتصوير اللقاء بين الزوج والخواجا، كنوع من الإدانة الدامغة ضد الزوج.
تحرك الرجل ووصل مبنى الجريدة.
كان رئيس التحرير جالساً في مكتبـه ومهمومـاً لمقتل الصحفية، وكان شارداً يفكر في مصيره شخصياً، ولكن رنين جرس الهاتف قطع عليه شروده.
– أستاذ ! أحد يحمل لك هدية ثمينة يود مقابلتك.
قالت له السكرتيرة.
ذهل رئيس التحرير، وأحس بأن نهايته قد اقتربت.
– يبدو أن الضحية رقم 2 هو أنا.
– ماذا علي أن أفعل؟
– هل أتصل بالشرطة؟
– يبدو أن الشرطة متعاونة مع الزوج، وإلا لماذا لم يتم إرسال مرافق للصحفية وحراس للجريدة؟
أسئلة عديدة أخذت تطحن مخيلته. ولكنـه استسلم في النهاية لقدره، وأخبرها بأن تسمح له بالدخول.
دخل الرجل. وناوله الملـف، وأخبره أنه من طرف الخواجا.
ارتبك رئيس التحرير قليلاً لدى سماعه كلمة الخواجـا، ولكنه تمالك نفسه، وتناول الملف، وأخذ يقلب صفحاته.
كان الملف يحوي صوراً تجمع الخواجا وأفراد عائلته وهم يلتفون حول الزوج حين كان يأتي لزيارتهم متخفياً بالليل.
– ما هذا؟ سأل رئيس التحرير الرجل.
– إنه هدية من الخواجا لكم.
سال لعاب رئيس التحرير لهذه الهدية، وشكر الرجل بأدب دون أن يظهر اهتمامه الزائد به.
– إن الخواجا يطلب من جريدتكـم إرسال مصور في الساعة الثانية عشرة من هذه الليلة ليقوم بنفسـه بتصوير اللقاء الذي سوف يتم بينه وبين الزوج. أما نص الحديث فسنبعثه لكم غداً صباحاً.
وافق رئيس التحرير، ووعده بذلك، على أن يتم إرسال المادة في صباح اليوم التالي.
انصرف الرجل عائداً إلى الخواجا الذي كان متجهم الوجه، وأخبره بموافقة الجريدة على إرسال مصور خاص.
انهمك رئيس التحرير بمطالعة بعض صفحات الملف، والتمعن في الصور التي كانت تجمع بين بنات وزوجة الخواجا وهن شبه عاريات مع الزوج.
وعلى الفور أصدر أمراً لصحفي قدير آخر، بأن يعـد ملفاً ليتم نشره من واقع هذا الملف الكنز. وقد ذهل الناس صباح اليوم التالي لدى مطالعتهم هذا الملف واستغربوا كيفية حصـول الجريدة عليه.
قبل الثانية عشرة كان المصور الصحفي على أهبـة الاستعداد لتصوير اللقاء، وما هي إلا لحظات حتى ظهر الزوج، واستقبله الخواجا، ولكن ليس بالقبلات الحارة، بل بالتهديد والوعيد.
أنهى المصور الصحفي مهمته، وقفل عائداً إلى الجريـدة لتحميض الصور، وتنزيل صورة واحدة في الجريدة، مع توضيح بأن الجريدة ستقوم في اليوم التالي بنشر تفاصيل اللقاء كاملة.
كان اللقاء ساخناً بين الخواجا والزوج، وكان الخواجا هو الذي يشتم ويهدد ويتوعد، بينما الزوج يسمع ويبلع الإهانات فقط.
– اسمع يا رجل: إياك أن تتوهم بأنك تستطيع التصرف بدوننا! وإياك أن تتوهم أيضاً بأن الخواجـا الكبير سيبيعنا من أجلك!
تململ الرجل في مكانه، وقال بلهجة الترجي:
– استغفر الله العظيم يا خواجا. استغفـر الله العظيم. معاذ الله أن أفكر بذلك. أنتم أصحاب الفضل عليّ وعلى أسرتي.
صرخ الخواجا بوجهه وقال بحدة:
– إذن ما الذي قلته للصحفية؟
تسمر وجه الزوج، وتأكد تماماً بأن الخواجا هو الذي أمر بتفجير مدخل القصر.
– غلطة ! غلطة يا سيدي. أرجـوك أن تسامحني، ولن تتكرر بعد اليوم.
واصل الخواجا ثورته ضد الزوج وقال:
– يبدو أن أخطاءك قد زادت هذه الأيام، ولا مجال للتغاضي عنها. إن سمعتنا قد أصبحت بسببك في الوحل. ونحن لن نسمح بذلك.
– طلباتك أوامر يا سيدي.
– زوجتك؟
– ما بها؟
– نحن في ورطة بسببك وبسببها.
– أوضح.
– إنها مصرة على الطلاق، ونحن إكراماً لك لم نوافق حتى الآن على تقرير مصيرها والانفصال عنك.
– هذا أملي بكم.
– هذه مصلحتنا.
– ومصلحتي أيضاً.
ضحك الخواجا بخبث وقال: إلى الجحيم أنت ومصلحتك.
بلغ الزوج هذه الإهانة ولم يعلق عليـها، وبقي صامتاً كالثور الأخرس.
– والآن انتهت المقابلة. لتنصرف.
انصرف الزوج وهو بحالة نفسية سيئة، وأيقن أن الخواجا قد استغنى عن خدماته التي قدمها له طيلة سنين حياته.
وفي الصباح تأكدت شكوكه وجن جنونه عندما اطلع على ملف الزيارات التي قام بها للخواجا، وإلى صورة جديدة تم أخذها له الليلة الماضية، وتحتها توضيح يعد القراء بتفاصيل اللقاء في اليوم التالي.
أسقط في يده، ولم يقو على الوقوف على رجليه، فقد أيقن أن نهايته قد اقتربت لا محالة.
كان كبير المحامين منهمكـاً مع أعضاء مكتبه في قراءة ما جاء في عدد اليوم من الجريدة، وبينما هم كذلك، وإذا برئيس التحرير شخصياً يقتحم عليهم المكتب.
– طاب صباحك يا أستاذ.
– أهلاً بك. لقد جئت في وقتك.
– الله يستر من نهايـة هذه القضية! طول عمري أعمل في قضايا الطلاق ولم يصادفني مثل هذه القضية.
ضحك كبير المحمي وقال:
– ومن قال لك أن هذه قصة زوج وطلاق؟
– يبدو ذلك ! قال رئيس التحرير وجلس بعد أن تناول كبير المحامين الملف.
– ما هذا الملف الضخم؟
– إنه سجل الزيارات التي قام بها الزوج للخواجا.
– وكيف حصل عليه؟
– لقد أرسله الخواجا مع أحد أتباعه.
– معقول؟
– صدقني.
عدل كبير المحامين من جلسته بعد أن وضع نظارته على الطاولة وقال:
– أظن أنها نهاية المزوج قد اقتربت، وأن الخواجا قد استغنى عن خدماته.
– هذا ما خطر ببالي أيضاً.
– عظيم.
– ماذا ستفعل بهذا الملف؟
– سأسلمه للقاضي.
– متى؟
– غداً إن شاء الله.
– ولماذا الانتظار للغد؟
ضحك كبير المحامين وقال:
– سننتظر قنبلتكم القادمة.
– اية قنبلة؟
– تفاصيل لقاء الليلة الماضية.
ابتسم رئيس التحرير وقال:
– صدقني إنني منذ بدأنا بالتحقيقات في هذه القضية وأنا مرتبك جداً. الله يستر.
– توكل على الله يا رجل. لقد جلبت هذه القضيـة كل الخير لكم.
أشعل رئيس التحرير سيجارة، وارتشف رشفة من فنجان القهوة الذي وضعه أحد المحامين أمامه وقال:
– صحيح أننا كسبنا كثيراً من الإعلانات والاشتراكات، وازداد توزيعنا لكن خسارتنا للصحفية كانت كبيرة.
– حقيقة، كانت الصحفية نشيطة، ولكن هذا قدرها، ألا يقولون بأن الصحافة مهنة المتاعب.
– صحيح، صحيح، الله يستر من النهاية.
– النهاية اقتربت.
– كيف؟
– الزوج في طريقه إلى الجحيم.
– ماذا تقول؟
– كما سمعت.
– هل من جديد؟
– ألم تسمع؟
– بماذا؟
– بالانفجار الذي وقع في الفيلا.
– …!
صمت رئيس التحرير قليلاً، ثم استأذن بالانصراف.
أحس كبير المحامين بالارتباك الذي يسيطـر على رئيس التحرير فنهض وأوصله إلى الباب بعد أن حاول تهدئته.
انصرف رئيس التحرير إلى الجريدة، وبقي كبير المحامين في مكتبه يطالع الصور القديمة للزيارات ويتأكد من تاريخها.
كانت الصورة الأولى تظهر الزوج يقف بين يدي زوجة الخواجا. كان يظهر في الصورة فتى يافعا. بينما تبدو زوجة الخواجا كغوريلا تريد التهامه.
وكذلك كانت الصورة الثانية تظهره مع الخواجا وهو يشير إليه بيده بأن كل شيء يسير في المدينة حسب الخطة.
واصل كبير المحامين تفحصه للملف. ووصل إلى النهاية حيث أظهرت الصورة الأخيرة الزوج وهو يقف بين يدي الخواجا مهموماً أشيب الشعر.
جلس رئيس التحرير في مكتبه. وطلب فنجان قهوة، وشرد بذهنـه بعيداً يفكر بأبعـاد هذه القضية. وبينما هو كذلك، وإذ بالسكرتيرة تخبره بأن أحدهم يود زيارته لسبب هام.
– دعيه يدخل.
دخل الرجل ودون أن يتكلم ناوله مظروفاً كتب عليه خاص وسري لرئيس التحرير. وانصرف.
شعر رئيس التحرير بالخوف بداية. وأراد أن يهمـل المظروف. ولكن دافعاً قوياً غير رأيه.
– لأفتحه، العمر واحد والرب واحد.
قصه بالسكين أمامه مخصصة لذلك، وفوجـئ باللقاء مسجلاً ومكتوباً في نفس الوقت مع مجموعة صور إضافيـة تجمع الزوج مع الخواجا. وتظهر الخواجا يمارس ثورته ويفرغ غضبه ضد الزوج. بينما الزوج يجلس أمامه ذليلاً.
تفحص الصور. وقرأ النص بكامله. كان النص مصاغاً صياغة لغوية واضحة. شرد رئيس التحرير قليلاً. واشعل سيجارة وأخذ يقرأ بصوت عال:
– الخواجا: يبدو أنك نسيت من نحن يا جناب الأفندي.
– الزوج: معاذ الله يا صديقي العزيز. مقامكـم على رأسي.
– الخواجا: وما الذي أقرأه على لسانك في الصحف؟
– الزوج:…!
– الخواجا: أراك لا تجيب.
– الزوج: غلطة، لن تتكرر وحياتك.
– الخواجا: وضعنا لا يتحمل أية أخطاء يا أفندي.
– الزوج: قلبكم كبير، وأطمع في العفو.
– الخواجا: ….!
– الزوج: هل أطمع في العفو؟
– الخواجا: قلت لك أخطاؤك كثيرة، وتسبب لنا الضرر، أنت تعرف أن أولادي قادمون من الخارج. ويريدون بيوتاً واراضٍ أخرى.
– الزوج: وأنا في الخدمة ! طلباتكم أوامر.
– الخواجا: وزوجتك !
– الزوج: إلى الجحيم.
– الخواجا: هذا كلام ناس مجانين.
– الزوج: … !
– الخواجا: انكشفت لعبتك.
– الزوج: لقد أسهمتم في الموضوع.
– الخواجا: لأنك حمار.
– الزوج: … !
– الخواجا: يجب أن تتحرك.
– الزوج: خطط وانا أنفذ.
– الخواجا: لا ترضخ لطلبات زوجتك.
– الزوج: هذا رأيي أيضاً.
– الخواجا: يعني متفقين؟
– الزوج: لم يكن بيننا خلاف أصلاً.
– الخواجا: أريـد أن أحذرك من التعـامل مع الخواجا الكبير.
– الزوج: إنه معلمنا جميعاً.
– الخواجا: في السابق.
– الزوج: لم أفهم قصدك.
– الخواجا: لأنك حمار.
– الزوج: ماذا ستفعل لمواجهة المدينة؟
– الخواجا: من قال لك أقتل الصحفية؟
– الزوج: من أخبرك.
– الخواجا: مع أنك اتهمتني بها.
– الزوج: أصول اللعبة.
لم يستطع رئيس التحرير مواصلة تفاصيل اللقاء حتى النهاية، لأنه أحس بالقرب مما قرأ. وكذلك لأنه تسرب إلى نفسه خيط واه من الشك بأن اللقاء مزور. فحاول التأكد عن طريق الفيديو.
وضع شريط التسجيل داخل جهاز الفيديو وأخذ يراقب ويقارن ما يسمعه بما هو مدون أمامه. كان التطابق كاملاً.
أيقن أنه لا يوجد تزوير في العملية. وتأكد فعلاً من سوء نوايا الزوج، وأنه ليس إلا الوجه الآخر للخواجا.
لم يضيع وقته، بل نهض مسرعاً، وغادر مكتبه، وأخـذ شريط الفيديو مر على قسم الإخراج ليسلمه المقابلة المكتوبة لنشرها في الجريدة.
وبعد ذلك توجه إلى مكتب المحاماة.
دخل غرفة كبير المحامين. فوجده منهكاً في كتابة بعض الملاحظات التي تهم القضية.
– اجلس، قالها كبير المحامين دون أن يرفع نظره لدى الزائر.
استغرب رئيس التحرير من هذا التصرف. وجلس ينتظر كبير المحامين كي ينتبه لوجوده.
لم يمض وقت طويل حتى رفع كبير المحامين رأسه وفوجئ بوجود رئيس التحرير. نهـض من على مكتبه، وصافحـه بحرارة، واعتذر له عن هذا الخطأ غير المقصود، وجلس بجانبه.
– هل من جديد؟ سأله كبير المحامين.
– نعم ! معي قنبلة.
ضحك كبير المحامين وقال:
– أبعدها عنا من فضلك.
– تفضل هذا الشريط لترى بنفسك، وتسمع كل شيء.
تناول كبير المحامين الشريط، ووضعه في جهاز الفيديو، وكبس على الزر، وأخذ يستمع ويراقب.
– إنه الزوج، أليس كذلك؟
– بلى.
– ومعه الخواجا؟
– بالتأكيد.
– ماذا يفعلان؟
– لا تسألني !
– معك حق، كل شيء واضح.
تابع الاثنان تفاصيل اللقاء، واستمعا لكل كلمة قيلت.
– يا إلهي ! هذا دليل إضافي دامغ.
– هو كذلك.
– لنذهب إلى القاضي كي نطلعه عليه.
– لا مانع عندي.
نهض الاثنان وركبا سيارة كبير المحامين وتوجها إلى المحكمة. كان القاضي قد انتهى لتوه من آخر قضية كانت أمامه، وكان يهم بالانصراف لولا مجيء رئيس التحرير وكبير المحامين.
– سيدي القاضي: دليل إضافي آخر، قال كبير المحامين.
– من أين حصلتم عليه؟
– تم تسليمه للجريدة صباح هذا اليوم.
– يبدو أن هذه القضية سترهقنا أكثر من اللازم.
– هل معك وقت؟
– إذا كان يحوي سبباً مهماً سأراه معكما.
– إذاً تفضل.
تابع الثلاثة الشريط، وكان القاضي يسجل على ورقة أمامه بعض الملاحظات وبعد نهايته قال كبير المحامين:
– أعتقد أنه آن الأوان للنظر في هذه القضية.
– سأسلمك الملف غداً بإذن الله.
– أنا في انتظارك.
كان رئيس التحرير واجماً لا يقوى على الكلام، ولكنه بعد أن هم القاضي وكبير المحامين بالانصراف، سأله عن قضية مقتل الصحفية.
تنهد القاضي بعنف وقال:
– يبدو أن هناك اتجاهاً لتسجيلها ضد مجهول.
– وهل يعقل ذلك؟
– هذا ما بلغني شفوياً من مخفر المنطقة.
– والعمل؟
– سنتدبر ذلك في المستقبل. دعنا ننتهي من قضيـة الطلاق.
– نهض الثلاثة وانصرفوا.
أخذ كبير المحامين الشريط معه ليسجـل عليه نسخة إضافية، وودع عند باب مدخل العمارة التي تقع فيها مكتبة رئيس التحرير الذي غادر بسيارته إلى الجريدة ليطمئن على المقابلة ! وبعد ساعة غادر إلى منزله وهو يلعن الساعة التي دخل فيها عالم الصحافة.
وفي المساء عاد مرهقاً، لأنه لم يذق طعم النوم ولـولا خوفه من بعض الأخطاء في المقابلة لفضل عدم المجيء إلى الجريدة.
اطمئن على المواضيع بشكل عام، ودقق في المقابلة بشكل خاص، وغادر الجريدة على الفور.
وفي الصباح كانت أصوات موزعي الجريدة تجلجل في كافة أركان المدينة:
– اقرأوا اعترافات الزوج للخواجا.
– الزوج يعترف بأنه هو الذي قتل الصحفية.
– الزوج يعد الخواجا لتنفيذ كل ما يطلب منه.
– المدينة في خطر.
عناوين مثيرة كان يرددها الموزعون بصوت مرتفـع ! أثارت فضول قراء الصحف الأخرى الذين تهافتوا على شراءها. وتخاطفها من أيدي الموزعين.
لم تمض نصف ساعة. حتى نفذت الكمية المطبوعة، فعاد الموزعون إلى الجريدة يطلبون كميات أخرى.
جن جنون الزوج بعد أن أحضر له أتباعه نسخـة من الجريدة.
– ما الذي يجري ؟ هل انتهيت بهذه الصـورة ؟ أين نفوذي؟
– الخواجا هو الذي سرب المقابلة.
– أنا في خطر.
أخذ يصرخ كالمجنون. ولكنه في النهاية أدرك أنه ليس إلا لعبة في يد الخواجا، ولا مجال للخروج من هذا الدور الذي رسمه لنفسه.
– يبدو أن أجلي قد اقترب.
قال لنفسه وصمت قليلاً ثم أردف:
– أول شيء سأفعله هو تهريب كافة أموالـي خارج المدينة. وإذا ما اضطرتني الظروف إلى مغادرتها، فسأتركها كما دخلها أجدادي، وعليّ وعلـى أعدائي يا رب.
لم تسكت الزوجة بعد أن قرأت هذه المقابلـة، أحست بالخوف على أولادها أكثر من ذي قبل لأن الخواجا أخذ يضيق على بعض أبنائها.
– لأفعل شيئاً ! يبدو أن جلسة المحكمة لم تحدد بعد. ها هم يتفقون من جديد ضدي وضد أولادي ! لأتحرك.
وعلى الفور توجهت إلى مقر الجمعية النسائية، لتجـد أعضاءها في اجتماع طارئ لوضع خطة لبحث الموقف المتدهور.
– اطمئني يا أختـي، نحن لن ننساك، قالـت رئيسة الجمعية!
– ما الذي تنوون فعله؟
– غداً سندعو التجمع النسائي، ونقوم بمظاهرة نتوجـه بها إلى المحكمة للإسراع في النظر في الدعوى. لقد قتلت الصحفية بالأمس، وها هو يهدد حياتك باتفاق علني مع الخواجا.
لم تجب الزوجة التي كانت مطرقة وتشتعل غضباً، ولكن رئيسة الجمعية النسائية هدأتها حين قالت لها:
– صدقيني أننا سنقف معك حتى النهاية.
– هذا أملي.
لم تمكث الزوجة طويلاً في الجمعية النسائية، ولكنها اطمأنت لكلمات رئيسة الجمعية، وبعد ذلك غادرت إلى الجريدة.
وجدت رئيس التحرير جالساً على مكتبه مهموماً:
– أهلاً بك.
– أهلاً بك.
جلست الزوجة مقابل رئيس التحرير وكانت منهمكـة بعض الشيء، هدأها رئيس التحرير وطلب لها فنجان قهوة، وسألها عن وضعها:
– صدقني أنني ما زلت قوية ! وكما يقول المثل “يا جبـل ما يهزك ريح” . ولكني خائفة.
– خائفة ممن؟
– خائفة من الخواجا وزوجي على أولادي.
– والآن ما العمل؟
– أريد من زوجي ان يفهم أنني لست ضده، إنني أريد الانفصال لأنه لا يمكن أن نتفاهم معاً. وعلى العموم هذه القضية لنتركها للأولاد فإذا ما قرروا الاستمرار معه فأنا موافقة.
كانت الزوجة تقصد من ذلك الانحناء أمام العاصفة فقط لا غير الأمر الذي فهمه أيضاً رئيس التحرير الذي قام بصياغة خبر يدل على هذا المعنى.
احتست الزوجة فنجان قهوتها، وغادرت مبنى الجريدة إلى مكتب المحاماة.
كان كبير المحامين في المحكمة للدفاع عن أحد الموكلين في قضية مهمة. فأرادت الانصراف، لكن كبير المحامين أخبر سكرتيره عن طريق الهاتف بأنه قادم بعد نصف ساعة.
اضطرت الزوجة للجلوس، وانتظاره حتى يأتي لتقف بنفسها على كافة مراحل إنجاز ملف القضية.
وبعد نصف ساعة بالضبط، دخل كبير المحامين مكتبه ليجدها بانتظاره.
– أهلاً مدام.
– أهلاً بك.
– أخشى أن أكون قد تأخرت عليك !
– لقد جئتك من غير موعد.
– أهلاً بك في مكتبك.
– هل قرأت الجريدة اليوم؟
– بالتفصيل.
– وما هو رأيك؟
– لا أخفي عليك أن الوضع صعب. ولكننا مصممون على الفوز بالحكم.
– أتمنى ذلك.
طال النقاش بينهما وأخبرته عن تصرفات الخواجا معها ومع أولادها، خاصة بعد أن قدم بعض أولاده من الخارج.
– لا تخافي.
– أنا لست خائفة على نفسي. أنا خائفة على أولادي.
– أولادك رجال. والرجال قادرون على التصدي للصعـاب.
– هل قابلت القاضي؟
– نعم.
– هل فهمت منه شيئاً حول القضية؟
– الآن عندي موعد معه لتسليمه الملف كاملاً، كي يطلع عليه بنفسه. هذا ما طلبه مني.
– ولماذا طلب ذلك؟
– لأنه مهتم بالقضية، ولا يريد أي نقص في صحيفة الدعوى.
صمتت الزوجة، وفي حديث النفس قالت:
– أخشى أن يتراجع القاضي عن موقفه.
– هل تحدثين نفسك؟
– لا، بل أتساءل عن صلابة القاضي.
– اطمئني، فالقاضي صلب، وهو معك حتى النهاية.ن
نهض الاثنان، وركبا في سيارة كبير المحامين، وتوجها إلى المحكمة. كان القاضي في انتظار كبير المحامين في مكتبه.
دخل كبير المحامين – ومعه الزوجة – عند القاضي الذي بدا مرهقاً بعض الشيء. وما أن رآهما حتى حياهما بحرارة، ونهض من على مكتبه وصافح الزوجة قائلاً:
– اطمئني يا ابنتي ! اطمئني.
جلس الجميع، وكانت الزوجة شاردة الذهن ! فحاول القاضي تهدئتها.
– صدقيني أنني أعتبر قضيتك قضيتي. وقد طلبت من الأستاذ المحامي أن أرى بنفسي الملف قبل بدء الجلسة، حتى أنبهه إذا ما وجدت أدلة غير كافية، وصمت قليلاً ثم استطرد:
وعلى الفور تناول الملف من يد كبير المحامين. وأخذ يتصفحه ويستفسر عن بعض الأشياء.
بدى الارتياح على وجه القاضي عند انتهائه من تقليب صفحات الملف، وأخبرهما بأن موعد الجلسة الأولى والنهائية سيكون بعد أسبوع، وأنه سيعطيها صفة الاستعجال.
– وإني يا ترى هل سينفذ الزوج حكم المحكمة؟ سألته الزوجة.
ابتسم القاضي بهدوء وقال:
– أنا وبعد اطلاعي على الملف سأحكم لصالحك.
– وبالنسبة له؟
صمت القاضي، ووضع نظارته على عينيه، وأخذ يقلب الملف من جديد وقال:
– لا أريد أن أزيد همومك، فقضيتـك مرهونة ببقاء الخواجا في المدينة.
– وزوجي؟
– إنه الوجه الآخر للخواجا.
– وما فائدة حكم المحكمة؟
– إنه إجراء قانوني ليس إلا. ولكنـه لصالحـك أولاً وأخيراً.
أحست الزوجة بأن جبلاً سقط على رأسها . ولكنها تماسكت، لأنها لا تحب أن تضعف أمام الرجال.
تدخل كبير المحامين وطمأنها بأن حكم المحكمة سيتبعه إجراءات أخرى تعززه، ويكون الوضع في النهاية لصالحها.
تظاهرت الزوجة بالاقتناع، فاستأذنت الانصراف، نهض القاضي من على مكتبه، وصافحها مودعاً، وكذلك كبير المحامين وتوجهت ناحية بيتها.
استغرب أولادها من مغادرتها للبيت، فأخبرتهم أين كانت. لم يقتنع الأولاد بما قالته لهم على لسان القاضي.
– اسمعي يا أماه ! الحل بأيدينا. إذا لم نحصل على حريتنا فسنشعلها ناراً، أما المكان الذي لا تشتعل فيه النار فسنحطمه بأيدينا.
أحست الزوجة بالفرحة، لأن أولادها وفروا عليـها قول ذلك.
– صدقوني يا أبنائي الأعزاء، هذا رأيي. إن حريتنا غالية، وسوف لن نفرط فيها تحت أي ضغط مهما كان، واصلوا مشاكسة الخواجا وإنهاكه، أما تابعه قفه، فلنا معه حساب آخر، لكن لا تهتموا له.
صمتت قليلاً ثم تابعت:
– سيقضي عليه الخواجا بنفسه.
– ليذهب إلى الجحيم.

(7)

في الصباح سارت المظاهرة النسائية الصاخبة إلى حيث تقع المحكمة ! كانت النسوة متحمسات في الدفاع عن قضية الزوجة المظلومة، وإعادة التحقيق في قضية الصحفية التي تولت متابعة هذا الموضوع، وإثارته على مستوى الرأي العام.
مرت المظاهرة أمام مخفر المنطقة التي صدرت إليه الأوامر منذ ليلة أمس بالاستعداد لمواجهتها وقمعها، ومن ثم منعها من مواصلة طريقها إلى المحكمة.
كان ضابط المخفر من أزلام الزوج المتنفذ، وليبرهن على مدى إخلاصه قاد بنفسه عملية القمع، وكان أول من أطلع الرصاص على المظاهرة.
كان هدير النسوة أقوى من صوت الرصاص الذي أخذ يلعلع في البداية في الجو دون أن يصيب أحداً منهم. إلا ضابط المخفر وبعد أن رأى أن النسوة لم يأبهن له، أمر بإطلاق النار عليهن لتفريقهن.
أصيبت الأولى منهن، فازداد هديرهن أكثر من ذي قبل، وتكاتفن لمنع أفراد الشرطة الذين تم إحضارهم بأدواتهم القمعية من أمكنة أخرى. جن جنون ضابط المخفر، فماذا سيقول لولي نعمته إذا ما فشل في قمع المظاهرة، ومنعها من إكمال مسيرتها.
فكر قليلاً، وقرر بعد أن رأى بعض الأفراد العاديين يطلقون النار في الهواء بعد أن صمت آذانهم هتافـات النسوة اللاتي كانت تقول بصوت هادر:
– اقتلونا. نحن زوجاتكم وأخواتكم !
– أيها الشرطي. ماذا ستقول لأولادك بعد أن يسألوك من الذي قتل أمنا؟
– أيـها الشرطي. هل ستواجه ابنتك عندما تسألك عن أمـها؟
– ماذا ستقول لأمك عندما تسألك عن ابنتها؟
لقد قرر هذا الضابط أن يطلق النار بنفسه عليهن، ليثبت ولاءه لولي نعمته. وعندما اقترب منهن خذلته بندقيته، فأخذ يعبث بها، لكن النسوة لم يمهلنهن فهجمـن عليه، وأشبعنه لطماً وركلاً وخشماً بالأظافر، الأمر الذي سبب له جروحاً عديدة في وجهه ورقبته. وعلى الفور، حضرت سيارة إسعاف حملته إلى المستشفى.
استمرت المظاهرة بلافتاتها وهتافاتها على باب المحكمة، حاول الحراس إيقافهن، لكنهم لم يفلحوا، فأخبروا القاضي بصفته رئيساً للمحكمة.
نزل القاضي الوقور، فاستقبلته المظاهرة بالزغـاريد، وطلبن منه الاستماع لهن، خاصة وأنه هو الذي سيتولى القضية.
تكلم معهن القاضي بأدب وهدوء. وتقدمت منه رئيسة الجمعية النسائية وسلمته خطاباً توضح فيه مطالبهن.
فضه القاضي وقرأه، وهدأهن من جديد، ووعدهـن بأن يأخذ الحق مكانه، وأن يأخذ العدل مجراه.
اطمأنت النسوة لكلامه، وانصرفن من حيث أتين بهدوء، دون أن يقتربن من المخفر مرة أخرى.
(8)

ظهر خبر صغير في الجريدة يقول بأن الزوجة لا تضمر الشر والحقد لزوجها، لكنها تطلب منه عدم التآمر عليها، وأن يدعها وشأنها، أما قضية الطلاق بعد أن تحكم المحكمة به سوف يقررها أولادها.
سر الزوج المتنفذ بقراءته هذا الخبر، فأمر محاميه بالذهاب إليها وأخذ الهدايا، بعد أن طلـب الإذن من الخواجا الذي وافق على ذلك كي تهدأ الأمـور، وينفذ مع الزوج بقية الخطة التي تقضي على الزوجة وأولادها معاً.
– أرجوك يا سيدتي: إن موكلي أوفدني إليك ليسمع منك الرأي الأخير. وأنه يحبذ سحب القضية من المحكمة، لأن المحاكم كما تعرفين تستهلك الوقت، وتستنفذ الجهد.
قالها المحامي بتذلل واضح وعيناه على الهدايا.
ابتسمت الزوجة وقالت بهدوء:
– أنا موافقة على ما تقول ولكن بشرط.
– ما هو؟
– أن يبتعد عني وعن أولادي.
– …. !
– أراك لا تجيب ؟ لقد عرفنا الحقيقة المرة…
أرادت أن تكمل لكن المحامي قاطعها:
– أية حقيقة يا سيدتي؟
– العلاقة بين موكلك والخواجا ! وكذلك الرغبة الملحة المشتركة بينهما في القضاء عليّ وعلى أولادي.
– معاذ الله أن يكفر سيدي بذلك !
– والخواجا.
– الخواجا ! قاتله الله ! إنه لا يشبع ! لقد تناهـى إلى علم موكلي أن الخواجا يدبر له أمراً ما.
– أليس هو الذي نسف مدخل الفيلا؟
– ….. !
– ما لك لا تجيب؟ أليس هو ؟
– وماذا يقول سيدك ؟
اغتاظ المحامي من كلمة “سيدك” وأراد أن يجيبها لكنها لم تعطيه الفرصة حين قالت:
– يبدو أن “سيدك” لم تعجبك، أليس كذلك؟
– …… !
– اسمعي أيها المحامي ! القضية بيد القاضي، ولن أتنازل عنها، وبعد صدور الحكم الذي سوف لن ينفذه سيدك، سيتولى أولادي تنفيذه بطريقتهم الخاصة.
– والخواجا ؟
– الخواجا أيها السيد أجبن من سيدك.
– قرارك الأخير؟
– نعم !
أحس المحامي بالإحباط لدى سماعه لرأي الزوجة، فـهم بالنهوض. لكن صرخة من الزوجة، ظن أنها دعوة منها بالجلوس، جعلته يلتصق بالأريكة، وأخذ يبتسم لها ابتسامة صفراوية.
– هداياك أيا السيد.
– ما بها ؟
– خذها معك، لست بحاجة إليها.
– لكنك…
أراد أن يكمل، لكنها قاطعته عليـه فرصة الكلام عندما أشارت له بالانصراف فوراً قبل أن يحضر أحد أولادها.
أحس المحامي بأنه أسقط في يده، فنهض من جديد بتثاقل ظناً منه أنها ربما تتراجع عن موقفها.
لم تتراجع الزوجة عن موقفها، فأحس المحامي بالحرج، وتناول حقيبة الهدايا وانصرف إلى سيده الذي كان ينتظره على أحر من الجمر.
– بشرني أيها المحامي، هل وافقت؟
– لا يا سيدي ! إنها أصلب مما كنا نتوقع.
– رفضت العرض؟
– وبشدة.
– والهدايا ؟
– والهدايا..
تململ الزوج المتنفذ الذي كدره إصابة أحد أتبـاعه المخلصين في المخفر، وكذلك نجاح المظاهرة في الوصول إلى المحكمة، ومقابلة القاضي. وازداد تكدره عندما أخبره محاميه بموقف الزوجة.
– يا إلهي ! ماذا سأفعل بها ؟ لقد فعلت بها كـل ما يستطيع فعله رجل قاس لا ضمير له.
– طلقها يا سيدي.
– لن أطلقها.
– نحن خاسرون والمحكمة قريبة.
– لن أسلم بها.
نهض الزوج من مكانه، وخرج من قصره.
– لابد من الذهاب للخواجا الأكبر، فهو مفتاح الحل.
– آه ! يبدو أنني لم أعد كما كنت.
– لم أحسب حساب اللعبة الأخيرة.
– لا ! لعبتـها بطريقة صحيحة، لكن الخواجا جبان.
– وكذلك إخوتي.
– أنا في ورطة.
كان الزوج المتنفذ يحدث نفسه بطريقة توحي بأنه به مساً من الجنون. وصل إلى منزل الخواجا الأكبر خارج المدينة، وأخذ ينتحب كما النساء.
– ما بك يا رجل؟
– ….. !
– ما بك ؟ لم اعهدك كذلك؟
– الخواجا يا سيدي الكبير.
– لعنه الله، ما به؟
– لقد هددنـي بالاستيلاء على المدينة وطردني منها.
– ما الذي تقوله؟
– ما سمعته.
شرد الخواجا الأكبر بذهنـه بعيداً، وتناول ملفاً كبيراً وقـال:
– اسمع، أنا أتحدث معك بصراحة، لم يعـد الخواجا يهمني، لقد كان وكيلاً لمزارعي وأعمالي، ولكنه سرقني، وأخذ يشوه سمعتي في القرى.
أحس الزوج بالنشوة لدى سماعه هذا الكلام، وشعر بالاطمئنان.
– وماذا ستفعل به؟
– ليس أنا الذي سأفعل الآن.
– فمن الذي سيفعل الآن؟
– أنت.
– أنا ؟
– نعم أنت.
– كيف بالله عليك؟
– تدبر أمرك مع زوجتك.
– كيف وهي تصر على الانفصال.
– أشعرها بأنك موافق، أليست زوجتك حسب الشرع.
– نعم.
– إذن تصرف معها.
– دلني، كيف أفعل ذلك؟
– تصالح معها.
– والمحكمة؟
– مالك والمحكمة.
– سيحكم القاضي لها.
– دعه يحكم. أنا الذي آمر بالتنفيذ، نسيت أن المدينـة وما حولها من أملاكي أنا.
– لا لم أنسى.
– هيا انصرف الآن فالوقت ضيق.
انصرف الزوج وهو مطمئن لأن الخواجا الأكبر لم يعد مرتاحاً للخواجا الأصغر، وعرج في طريقه على زوجته وتحادث معها، وحثها على المصالحة كي يرتاح من ظلم الخواجا.
– أنا أريد الطلاق ! قالت له بتعنت واضح.
– لا أمانع. ولكن لندع الأمر للأولاد. أليس هذا رأيك.
– بلى.
– أنا موافق.
– اسمعي. لقد كنت اليوم عند كبير الخواجات.
– هذا أنت. لن تتغير.
– ما بي؟
– ذنب الخواجات.
– أريد أن أحمي نفسي.
– بهذه الطريقة.
– كل إخوتي على هذه الصورة.
– ولكنك متميز.
– لأنني أذكاهم.
– أريد الذهاب عنده.
– لا يستطيع استقبالك.
– لقد فعلها مرة.
– ظروفه لا تسمح.
– دبرتها معه؟ أليس كذلك؟
– ….. !
– لك ما تريد ! سندع الأولاد يحكمـون في الموضوع، أعدك بأن أسحب القضية من المحكمة.
– هذا رائع ! وقد أخبرني الخواجا الكبير بأنه سوف يعمل على إجبار مجلس عائلة الخواجا على إيقاف الخواجا الصغير عند حده.
– ……. !
بعد أن اطمئن الزوج المتنفذ على علاقتـه مع زوجته، انصرف إلى فيلته مرتاحاً، فبذلك سيعطي نفسه وقتاً أطول للتخطيط.
وفي اليوم التالي ذهبت الزوجة إلى المحامي، وطلبت منه تعليق القضية، لأن الوضع غير مناسب كما أفهمته، وقد أخبرته بان أولادها في خطر.
وافق المحامي على مضض، وذهب إلى القاضي وأبلغه بذلك.
امتعض القاضي لسماعه هذا الطلب، وأطرق يفكر:
– تـرى ما الذي جعلها تطلب ذلك؟ سألـه القاضي بعصبية:
– يبدو أن الأمور أكبر مما تتصور.
– هل عند تصور معين؟
– أولادها: إنها تخاف على أولادها. والقضاء لا يتمكن من حمايتها.
– كما خطر ببالي.
– لنعلق القضية فقط، ونرى ماذا سيحصل.
علم الخواجا الصغير بزيارة الزوج إلى الخواجا الكبير, وجن جنونه لأنه أصبح على يقين بأن الخواجا الكبير لم يعد بحاجة لخدمته، وعلى الفور قام بزيارته.
لم يهادنه أو يتذلل له كما فعل الزوج، ولكنه هدده بحرق مزارعه، وقتل عماله إذا ما استمر في سياسته المؤيدة للزوج وإخوته. وهدده بأنه باستطاعته أن يفعل الكثير في مجلس العائلة إذا ما انحاز الخواجا الكبير إلى الزوجة.
لم يأبه الخواجا الكبير له، وأدار له ظهره.
– اسمع يا كبير الخواجات. أنا لن أسمح بما يدور في ذهنك.
– ستنصاع بالقوة.
– أنا لا أخاف، عندي من القوة ما يجعلـني أدمر المدينة بأسرها.
– تذكر ما فعلته بالأمس.
– لن تفعلها معي.
– …… !
– لتعترف بعجزك أمامي.
لم يجب الخواجا الكبير عن ذلك، بل طرد الخواجا الصغير من بيته وأنذره للمرة الأخيرة بأن عليه أن يتجاوب مع قرارات مجلس العائلة، لأن الظروف في المدينة وما حولها قد تغيرت. فأولاد الفلاحين وأصحاب الأراضي المصادرة درسوا في الجامعات.
عاد الخواجا الصغير إلى بيته، وجمع أولاده، وقص عليهم ما سمعه عن الخواجا الكبير، وقد أدى ذلك إلى انقسام بين أولاده فمنهم من أيد الموقف، ومنهم من استهجن وعاهد للخواجا الصغير على الوقوف في وجه الخواجا الكبير.
بعد أن اطمئن الزوج المتنفذ إلى نوايا زوجته، وبعد أن وجد معظم أولادها الذين لا يعيشون في كنف الخواجا قد اجتمعوا عنده أخذ يتحرش بهم ويقتل بعضهم.
وفي هذه الأثناء وبعد أن تناهى إلى علم الخواجا الصغير أن مجلس العائلة قد أقر خطة الخواجا الكبير القاضية بأن يلين موقفه، هجم مع أولاده على المدينة، وأشعل الحرائق فيها.
2

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق