ثقافة المقال

أحذية.. ورؤساء !

بقلم: عشيري عبد السلام*

نسمع يوميا و نشاهد صور عديدة عن موجة غضب جماهيري عارم من مواقف و قرارات جائرة  و  سياسات متناقضة لحكومات تستمد شرعيتها من سياط جلاديها ومن أصوات و أقلام  الوصوليين  و الموالين إليها.  اضرابات و اضطرابات مسيرات حاشدة   و اعتصامات لا متناهية وبعد حرق العجلات وغلق الطرقات جاءت مؤخرا فكرة النضال ألحذائي ( أو بالأحذية) طريقة ابتكرها الصحفي العراقي منتظر الزيدي خلال حضوره ندوة صحفية للرئيس الأمريكي الاسبق ببغداد يوم 14 ديسمبر 2008… نزع حذائه و رماه على وجه بوش الابن مخاطبا إياه “هذه قبلة الوداع.. يا كلب “.  سجن  الزيدي  وتحول  بعدها إلى بطل قومي رفع نخوة العرب  في زمن  الردة و الهزيمة  و اصبح  رمزا عالميا مناهضا للهمجية الأمريكية و عولمتها المتوحشة. منتظر انتظره يهودي حاقد   بعد خروجه من سجن أبو غريب في باريس  ورماه بحذائه  ردا  لكرامة بوش المخذول. و منذ أيام   قرأت عن محاولة مماثلة بالسودان لقذف عمر البشير   من طرف مواطن فقير وحمد الحرس الخاص الله كثيرا لان الخف( بضم الخاء) لم يصل إلى وجه رئيسهم لضعف الرامي و عدم مقدرته على حسن التسديد بسبب المجاعة و الملاريا التي أنهكت جسده النحيف. أحذية الرعية تؤرق حكامها وحكم الرعاة يثير مخاوف شعوبهم و يزيدهم إصرارا على ابتكار و سائل جديدة تواكب العصر للتعبير عن الغضب و مرارة اليأس من حياة اجتماعية قاسية و مظاهر البذخ المتزايدة   فهي تسابق الزمن لفرض منطقها المناهض و إسماع صوتها المعارض بطرق حضارية فردية و سلمية و برمزية ذات أبعاد معنوية سلبية   كضربة ” قبقاب ” ( شبشب ) أو رمية حذاء.تصرف صغير الحجم لكنه كبير الوقع و أثره النفسي لا يمحى من الذاكرة الشخصية أبدا. و ما دامت أحذية البسطاء تثير الهلع و القلق لأصحاب المعالي الأجلاء.          ادعوا – وبكل براءة- القائمين على تنظيم ملتقيات حكامنا و تجمعاتهم الشعبية العفوية منها و الانتخابية أن يغيروا وجهتها من الصالات المكيفة و القاعات الرياضية إلى المساجد و دور العبادة لضمان تقيد الحضور بآداب الزيارة و ترك أحذيتهم عند مداخل أبوابها و بذلك ينتهي انشغال حكامنا و يزول خوفهم من    ” فردة صباط ” طائشة تعكر صفو خطاباتهم الحماسية الاستهلاكية و المحضرة على المقاس.

في الزمن الذهبي عدالة سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه- أدبت الأبناء و أبهرت الأعداء فاحتار رسول كسرى لما رأى خليفة المسلمين يرقد في العرى بلا حرس ولا وزراء   في سوق شعبي و تحت جذع شجرة عرجاء مستلقيا على ظهره يغط في نوم عميق يفترش الأرض. يده اليسرى تحت رأسه وسادة ويده اليمنى على عينه تحميه من حرارة الشمس. لقد كان المشهد خياليا.. فقال قولة صدق أصبحت مثلا وظل الجيل بعد الجيل يرويها أمنت لما أقمت العدل بينهم فنمت نوم قرير العين هانيها و ردد عبارته الشهيرة ” عدلت فأمنت فنمت يا عمر ” أما في الوقت الحالي فان قهر ذوي الأمر (منكم) اشد واكبر. جعل شعوبا بأكملها ترفض واقعها المزري  و تنتفض غيضا و لو بأضعف الإيمان.

حروب النعال و صراع القطيع و الغربان لا زال متواصلا ومن منتظر البغدادي إلى أمحمد النوبي حلقات مستمرة لمسلسل الغضب الشعبي العربي من المحيط إلى الخليج.  والأكيد أن المواطن العربي المغلوب على أمره مستعد لنزع حذائه و حتى ردائه و العيش حافي القدمين إذا ما تنازل حكامه عن كبرياء الزعامة وحب الإمامة و توقف قادته عن إهانته و عجلوا باحترامه كمواطن شريك لا كعبد مملوك ينفذ و لا يسال   يطبق    و لا يقرر.  مواطن يعترف له برشده و وعيه.  يسمع ويسمح له بالاختلاف مع غيره وبعدم مصادرة رأيه. ها انا ادق الناقوس      ( مجددا) فاحذروا يا أولي الالباب من قذف الأحذية على الوجوه و الرؤوس. ما رأيكم   في لحظة جنون نحمل فيها معا شعار ” مواطنون بلا أحذية و حكام بلا سياط “

*كاتب وإعلامي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق