حوارات المجلة

المفكّر والأكاديمي العراقي د.عبد الله إبراهيم للمجلة الثقافية الجزائرية: الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية تستغرق في الإنشاء، والإطناب..

  • الإنشاء شحم ينبغي نزعه عن السرد وإلا أجهز على الرواية.. والمؤسف أن سوق الرواية ما زال يغذّي هذا الاتجاه الخطير في الكتابة
  • على الكاتب أن ينأى بنفسه عن المحاكاة اللفظية للعالم، ويختار محاكاته بالأفعال.
  • الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية تستغرق في الإنشاء، والإطناب.. لكن الجيل القادم من الكتاب الجزائريين سوف يثري الرواية الجزائرية فوق ثرائها.
  • طائفة كبيرة من الكتاب لا ترغب في اكتشاف أخطاء السرد.. فتمضي في غيّ لا فائدة منه

يُعد الدكتور عبد الله إبراهيم علامة فارقة في مسيرة النقد العربي المعاصر، فهو مفكر وأكاديمي وباحث متخصص في الدراسات الثقافية ومشارك في الموسوعة العالمية Cambridge History of Arabic Literature. وزميل معهد Sangalli للدراسات الثقافية والدينية في فلورنسا بإيطاليا، وعضو الهيئة العلمية لمعهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا.
في رصيده الإبداعي أكثر من 20 كتاباً منشوراً منها :(السرد والاعتراف والهوية، الكتابة والمنفى، والتلقّي والسياقات الثقافية، والسردية العربية، والتخيّل التاريخي، السرد والترجمة، وموسوعة السرد العربي(9 مجلدات).. بالإضافة إلى عدد من الجوائز الهامة من أبرزها: جائزة الملك فيصل العالمية في الآداب واللغة لعام 2014، وجائزة الشيخ زايد في الدراسات النقدية لعام 2013، وجائزة “شومان” للعلماء العرب لعام 1997.
 ومن المعروف أن ضيفنا كاتب موسوعي يراهن على الآداب الإنسانية المهجّنة ويربط بين السرد ومرجعياته، ويعمل وفق منهج علمي دقيق وقائم على التحليل والتطوير وإثارة الأسئلة الجوهرية، وهو مثقف إشكالي يحمل مشروعاً ثقافياً واسعاً وعميقاً يسعى من خلاله لتجديد المفاهيم النقدية التي يجري تداولها منذ مئة سنة.
الزميلة  باسمة حامد من أسرة تحرير المجلة الثقافية الجزائرية التقت الدكتور عبد الله إبراهيم ووقفت على أبعاد تجربته الإبداعية المميزة، فكان هذا الحوار:

  • الرواية العربية غاصت في التاريخ ولم تترك موضوعاً إلا وطرقته. 

المجلة الثقافية الجزائرية: “الرواية العربية – كما تعلمون- جريئة في طرحها لقضايا اجتماعية وسياسية شائكة، أرغب في أن نكتشف طريقة المعالجة السردية لتلك القضايا من منظور ناقد أكاديمي. وهل تعثّرت الرواية في تناول تلك القضايا؟
د.عبد الله إبراهيم: أوافقك الرأي في أن الرواية العربية طرقت أشدّ الموضوعات حساسيّة من النواحي الاجتماعية والسياسية والدينية والتاريخية، ففي قرن ونصف من تاريخها غطّت أحوال المجتمعات العربية ببحث مجازي شامل لم يتوقّف على مصائر الأفراد، إنما قدّم تشريحاً مجازي الأحوال الجماعات من المغرب إلى المشرق، وإلى ذلك غاصت في خفايا التاريخين القديم والحديث، ولا أكاد أجد موضوعاً إلا وطرقته. وبذلك تبوّأت مكانتها المرموقة باعتبارها “ديوان العرب” في العصر الحديث؛ لأنها انخرطت في معمعة التاريخ الاجتماعي بتفاصيله، وانتقلت من كونها نصّ جمالي إلى خطاب تمثيلي مرتبط بالسياق الذي ظهرت فيه.وعلى الرغم من انهماك الرواية في تمثيل العالم المرجعي، فلم تمكث أشكالها، ولا أبنيتها، ولا أساليبها، على حال واحدة، فقد كانت تتخطّي حالها بين عقد وعقد، وهذا مؤشّر دال على حيويتها، وقدرتها على استيعاب المشكلات الفنية التي تعرض لها، فقد ارتبطت بداياتها بالبناء التقليدي، وقوامه حكاية منشبكة بالسرد الصانع لها، وبمرور الوقت نزعت الاتجاهات الجديدة إلى الإفادة من تقنيات السرد التي قامت بوظيفة مزدوجة، فهي من جهة تلقي الضوء على كيفية إنتاج السرد، بما في ذلك وضعية الراوي وموقعه ودوره، وهي من جهة أخرى تعرض تمثيلاً سردياً مغايراً لما كان السرد التقليدي يقدّمه عن العالم.

  • الإنشاء شحم ينبغي نزعه عن السرد

المجلة الثقافية الجزائرية: حذّرت كثيراً من ظاهرة التكديس الإنشائي في الرواية، فهل لديك تفسير نقدي لها؟
د.عبد الله إبراهيم: لست محلّلاً نفسياً استبطن أعماق الكتّاب، وأخرج ظافراً بنظرية عامة، بل أتولّى تحليل الظاهرة السردية في سياقها الثقافي، وأرسم بعض مشكلاتها، ومن ذلك الإكثار من الإنشاء، ففي الحقبة شبه “الليبرالية” توفرت ظروف جيدة للإفصاح عن الرأي، فكان الكتّاب، وشخصياتهم، يفصحون عن كثير من أفكارهم، ويصرّحون بمواقفهم، فلا حاجة لهم للمواربة، وجدت ذلك ظاهرا عند نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وجبرا إبراهيم جبرا، والطيب صالح، غير أن الإنشاء اكتنف الرواية العربية مع الاستبداد الاجتماعي والديني والسياسي في حقبة استبداد التيار القومي والديني، فكأن الإكثار من الإنشاء هو تعويض عن حرية مفقودة، فالكاتب إما أنه يميل للترميز أو الاستغراق في نشوات تعويضة قوامها الإنشاء، وهو المكافئ السردي للصمت الذي خيّم على الجميع، لا يغيب على أحد كمية الإنشاء في روايات عبد الرحمن منيف، وحنّا مينه، وواسيني الأعرج، وإبراهيم نصر الله، وأمير تاج السرّ، وأحلام مستغانمي، وعبد الخالق الركابي، وعشرات سواهم، فهو، في تقديري، تعويض عن إسكات إجباري تعرّض له الكاتب العربي، فاحتال عليه بالكتابة الإنشائية، ربما يكون هذا تفسيراً مقبولاً لاستبداد ظاهرة الإنشاء، غير أنّ هذا لا يشفع لهم، من الناحية السردية، فقد ترهّلت بعض رواياتهم بتفوّهات مستفيضة من الإنشاء الذي عطّل الأفعال السردية، وحال دون نموّها، وسبغها بالرتابة، فلا يكاد القارئ الحصيف أن يتعقّب خيط الأحداث لأنه مغمور بالانفعالات والعواطف والغزارة اللغوية، والغريب أن هذا الضرب من الكتابة السردية وجد له طائفة كبيرة من القرّاء الذين ينجذبون للإنشاء الشعري في الرواية أكثر من انجذابهم للأفعال السردية، والحال، فالإنشاء شحم ينبغي نزعه عن السرد وإلا أجهز على الرواية، وخنقها، وقبرها، غير أن سوق الرواية ما زال يغذّي هذا الاتجاه الخطير في الكتابة، فكثير من القرّاء العرب يطربون للإنشاء العاطفي، ويتماهون مع الشخصيات المعطوبة بالحنين، والتوجّع، وقد صمّ بعض الكتّاب آذانهم عن سماع هذا التحذير، وسوف يكون مآل رواياتهم حزيناً. يفضح الأطناب الإنشائي عجز الروائي عن ابتكار الأحداث، ومن الضروري أن ينأى الكاتب بنفسه عن المحاكاة اللفظية للعالم، ويختار محاكاته بالأفعال.

  • معظم الروائيين ورثوا تقاليد الكتابة السردية عمّن سبقهم

المجلة الثقافية الجزائرية: وفي رأيك هل ستصل الرواية العربية إلى فضاء أرحب إذا نجحت بالتخلّص مما تسميه بـ(عيوب الكتابة الرديئة) كالإسهاب والإنشاء والعواطف المترهلة والجهل بمزايا اللغة. وهل لاحظت أن الروائي العربي يتفاعل إيجابياً مع النقد الكاشف للأخطاء السردية كالتي تشير إليها، ويسعى للتفاعل معها بما يفيد منتجه الإبداعي، فيعيد النظر فيما يكتب، ويقوم بتعديله في ضوء ذلك؟
د.عبد الله إبراهيم: لا يغيب عن أحد نرجسية كثير من الكتّاب العرب، وكأنّي بهم يهتدون بقول أبي العلاء “وإِنــي وَإِن كـنـت الأخـيـر زمـانـه لآَت بـمـا لــم تسْتـطـعـه الأوَائـــل”، فيصمّون آذانهم عن الإيقاع النقدي الذي يرسم للكاتب مخاطر استسهال الكتابة، والكتابة السردية تقوم على تراكم الخبرات، والمواظبة، والتعديل، وليس على الخواطر العاجلة، والانفعالات العارضة، وهي لا تقبل الركون على حال واحدة، ويرجّح لديّ أن التطور الكمّي سينتهي بتحسين نوع الكتابة السردية، وسبق لي، في أكثر من مناسبة، أن حذرت من “غشماء السرد” وقلت أنهم يريدون كتابة خليط من أشباه الروايات يمنحهم شرعية الاندراج في طابور الكتّاب الكبار، فيرمون في كتبهم بالخواطر، والهموم، والفضائح، وإلى ذلك يرثون العالم، ويتبرّمون به، ويثأرون من أعدائهم، ويشيعون الاغتياب، ولا يتركون شيئاً إلا ودفعوا به إلى وسط ذلك الركام من الأحداث الهزيلة، فتخيّم على صفحات رواياتهم ضروب من المواعظ الإنشائية، والشروح، والتفسيرات، والحوارات المهلهلة، والأوصاف المسهبة. يأتون بكل ذلك عاجزين عن دفع الشخصيات إلى حركة مفيدة، أو إتيان فعل يساعد في نمو السرد، بل يبالغون في العواطف المسترسلة، وتلك ذرائع فاسدة تقوم على جهل ببناء الشخصيات، وفيها يحلّ الكاتب محلّ الشخصيات، وينطقها بما يهوى، وعن طريقها يعظ، ويرشد، وينتقد، ويفضح، فالصحيح هو أن تشقّ الشخصيات طريقها حسب مقتضيات العالم الافتراضي الذي تعيش فيه لا طبقاً لشروط العالم الحقيقي الذي يعيش فيه الكاتب، وإلا انعدمت ضرورة الكتابة السردية.

المجلة الثقافية الجزائرية: أترغب في أن يصغي الروائي للناقد؟
د.عبد الله إبراهيم: إنني لا أفترض وعياً نظرياً لدى معظم الروائيين بالكيفية التي يشتغل بها السرد، فجلّهم ورث تقاليد الكتابة السردية عمّن سبقهم، وجروا عليها. وأرى أن أفضل مدرسة يتلقّى فيها الكتّاب مهارات السرد هي: الاستغراق في العوالم السردية التي أنشأها كبار الروائيين، فأولئك يجهزونهم بما هم بحاجتهم إليه من حيث عرفوا أم لم يعرفوا وليس النقاد. وعلى الرغم من أنّ الروائي يزداد خبرة فيما لو عرف حدود السرد، وعناصره، وطرائق الكتابة السردية، غير أنّ الأفضل له أن يتلّقى خبراته من كبار الكتّاب على أن يستقيها من نظريات السرد، فما من نظرية خلقت أديباً إن لم تكن قد أفسدته، وليس من شأن الكاتب الغوص في المعرفة النظرية بل التمرّس في كيفية بناء العوالم الافتراضية، وموردها استيعاب طرائق السابقين، والإفادة منها، ثم تخطّيها، وحذار من محاكاتها، والوقوع في حبائلها المُغرية. غير أن طائفة كبيرة من الكتاب لا ترغب في اكتشاف أخطاء السرد لا من كبار الكتاب ولا من النقاد، فتمضي في غيّ لا فائدة منه.

  • الاتجاهات الجديدة في الكتابة الروائية ظهرت استجابة لمطلب الحرية

المجلة الثقافية الجزائرية: كناقد أكاديمي تراهن على الأصوات الروائية الجديدة لأنها على حد تعبيرك: “دفعت بالرواية العربية إلى مرحلة جديدة لم تخطر للجيل الذي سبقها”. هل ترى أن الروائيين الشباب تجاوزوا أبوية الرواية الكلاسيكية بمتنها وسرودها ولغتها؟
د.عبد الله إبراهيم: تتوفّر للروائيين الشباب فرصة لم تتوفر للأجيال السابقة من كتاب الرواية، فمن الطبيعي أن الظروف الكتابية لجورجي زيدان أفضل من ظروف خليل الخوري، وأن ظروف نجيب محفوظ أفضل من زيدان، وأن ظروف الطيب صالح أفضل من ظروف محفوظ، وأن ظروف واسيني الأعرج أفضل من ظروف الطيب صالح، وأن ظروف أحمد سعداوي أفضل من ظروف الأعرج، أتكلم، بطبيعة الحال، عن الظروف العامة من ناحية تطور مستلزمات الكتابة، والطباعة، والأحوال الاجتماعية، والإعلام، ومجمل شروط الحياة، وليس عن الكفاءة والموهبة والخبرة، وأرى أن تحسّن شروط الحياة لابد يتبعه تحسّن تدريجي في الكتابة، وعاجلاً أم آجلاً سوف يلتفت الكاتب إلى الوراء، وسوف يرى أن الآخرين مهّدوا له سبل الكتابة، وذللوا صعابها، وعليه أن يجني ثمار كل ذلك، وإلا عدّ طارئاً على عالم الكتابة، ومتطفّلاً عليها، فالكتابة نتاج الاستمرارية وليس القطيعة، والروائيون يتناسلون جيلاً عن جيل على عكس الشعراء الذين ينبثقون فجأة في هذا المكان أو ذاك من غير تمهيد في أغلب الأحوال، فالأبوة السردية مكسب ثمين لا ينبغي التفريط به، لأن وظيفة السرد وظيفة تمثيل متواتر، وكل انقطاع فيه يخرّب النظام الوظيفي العام له، فيما لا يشترط ذلك في الشعر الذي يعتمد الخواطر والتأملات والانفعالات.
خاضت الرواية العربية، فيما أحسب، مغامرة جريئة في تطوير بنياتها السردية والأسلوبية، واقترحت لغة جديدة، وصار الاعتراف بها أمراً لازماً بوصفها الممثل الرئيس للأدب القومي في الثقافة العربية الحديثة. وهذه القاعدة تمنح الشرعية لظهور حقبة جديدة في تاريخ الرواية العربية، آن لها أن تعلن عن نفسها. أحسب أن الاتجاهات الجديدة في الكتابة الروائية ظهرت استجابة لمطلب الحرية: حرية الكتابة، وحرية الكاتب؛ فحرية الكتابة دفعت بأشكال جديدة لم تعهدها الأبنية التقليدية للرواية، وحرية الكاتب دفعت بموضوعات وقضايا لم يتنبّه لها الروائيون من قبل، ومنها موقع الكاتب في العالم الذي يبتكره السرد باعتباره مؤلفاً ضمنياً أو راوياً، لكن مطلب السرود الجديدة اقتفى أثر الوعي الجديد الذي رهن نفسه بالحرية.

المجلة الثقافية الجزائرية: وكأني بك تقصد ما اصطلحت عليه أنت بـ “الفصاحة السردية الجديدة”؟
د.عبد الله إبراهيم: نعم، أقصد ذلك، فالناقد الراصد لمسار الرواية سوف يكشف عن دينامية واضحة فيها، فمع توسّع تلك المدونّة، وتشعّب مساراتها، ظهر تيار يتخطّى الإخفاقات التي رافقت نشأة الرواية، ولازمتها خلال القرن العشرين، فمن شروط “الفصاحة السردية الجديدة” رشاقة في التعبير، والتركيز في الكتابة ينبغي أن ينصبّ على الأحداث، والأفعال، والمواقف، وليس التغنّي بالعواطف، والاستغراق في التأملات الذهنية.

  • السرد كان حاضراً في تمثيل الأحوال المتراجعة ..

المجلة الثقافية الجزائرية: إذا كان السرد، كما تقول، هو الأكثر قدرة على تمثيل متغيرات العصر. فكيف قارب الروائيون مشاكل العالم العربي الحديثة؟
د.عبد الله إبراهيم: سأشفع إجابتي المفصًلة عن هذا السؤال، هذه المرة، بأمثلة أستقيها من خارطة الرواية العربية، وسوف يقتصر حديثي على نماذج من العقد الثاني للقرن الحادي والعشرين، لأنه العقد الذي تفاقمت فيه المشكلات الجسيمة التي أوحى بها سؤالك، وهي مشاكل جذبت إليها اهتمام الروائيين، فقاموا بتمثيلها بأساليب جديدة، فقد أفرزت التغيّرات السياسية والدينية رؤى مأساوية للعالم، وحضر السرد لتمثيل الأحوال المتراجعة للأفراد، والجماعات، والمدن، والأوطان. ومن ذلك فقد طرق إبراهيم عبد المجيد الموضوع في روايته “الإسكندرية في غيمة” بأسلوب شبه تسجيلي مآل مدينة الإسكندرية التي بدأت بحال وانتهت بأخرى مخالفة، فما عادت الإسكندرية فضاء للتنوع الثقافي، وانحسرت روح التمدّن فيها، وتضاءل منسوب الفردية جرّاء غياب الحريات الشخصية التي سعت التيارات الدينية إلى محور أثرها، فكان أن خيّم الظلام عليها. انتقلت الإسكندرية من رتبة المدينة الدنيوية إلى رتبة المدينة الدينية، فقد وقع عبث في وظيفة الأماكن، وتغيير هوياتها، وتسرّبت إلى أوصالها خيالات دينية متطرّفة أطفأت الضوء الباهر للمدينة. ولم يكتف السرد برثاء مدينة توارى مجدها العريق، بل طُبع السرد نفسه بطابع الكآبة، والأسى، في تصويره لأفول الرّقي الذي أمسى أثراً بعد عين.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل اطّرد الأمر في روايات أخرى؟
د.عبد الله إبراهيم:
أجل، فقد ذهب خالد خليفة في روايته “لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة” إلى النهاية القصوى التي انتهت إليها مدينة “حلب” في ظل الاستبداد، والتنفّع، والتطرّف، فجاءت الرواية نبشا في هوية المدينة، وحفرا فيما تعرضت له من اختلال اجتماعي وقيمي خلال نصف قرن من الزمان. نفذ السرد إلى قاع المدينة الحاضنة لعائلة حلبية عريقة، فتوازى خراب عائلي خاص مع خراب اجتماعي عام، وحيث تناهبت أفراد العائلة نزوات التعهر، والشذوذ، والعجز، والخبل، والخوف، والنفاق، والتطرّف، والهجرة، والنزوح، وشبهة سفاح المحارم، فقد اجتاحت التقلّبات السياسية والدينية والقيمية مجتمع المدينة بأكمله، فقوّضت الاستقرار الطبقي، والوئام الأهلي. احتجب التمدّن، واستتر التحضّر، وغاصت حلب في حضيض الخراب. تفسّخت المدينة كما تفسّخ مفهوم الأمومة الناظم لحياة العائلة، ففيما اقترح السرد بداية متماسكة للعائلة، انتهى بأفراد شاردين عن مدينتهم وقيمهم من خال شاذ، وابنة متعهّرة، وأخرى شبه معاقة، وأم عاجزة صار التنكّر لها مطلباً، وأب تخلّى عن مسؤوليته. وهذا منحى أفصح السرد عنه بتمثيل دمج بين مصائر الأفراد ومصير المدينة. ولعل اقتران هذا التمزّق بسرد متشظّ أخذت به الرواية كشف ذلك الترابط بين تفكّك أحداث المرجع وتفكك أحداث السرد، فلقد قصدت الرواية إلى خلط هذا بذاك في إشارة لا تخفى إلى تداخل وسائط التمثيل بموضوعاته.

  • الآخر في السرد هو الدخيل المزعزع للهوية الثابتة للشخصيات

المجلة الثقافية الجزائرية: أنت تغوص عميقاً في الربط بين السرد ومرجعياته، فهل لديك أمثلة رديفة تدلّل على رأيك النقدي؟
د.عبد الله إبراهيم:
لدي ما يكفي من الأمثلة على ذلك، فقد عرضت نادية كوكباني، وهي من اليمن، في روايتها “صنعائي” صورة المدينة العريقة وهي تتنكر لتاريخها، باختيار موضوع العودة إلى الوطن. ابتكرت الرواية مقترحاً سردياً يقوم على توازي السرد بين “صبحية” الفنانة التشكيلية، التي تملك معرضاً ومرسماً للفنون في قلب صنعاء القديمة، و”حميد “الضابط المتقاعد، الذي ترك خدمته العسكرية بسبب فساد أجهزة الحكم، وكلاهما مولع بصنعاء القديمة، وتجمعهما رابطة من الألفة لا تبلغ حدّ الحب الكامل، لكن الذاكرة تجمعهما، فصبحية ابنة يمني ترك البلاد وعاش في القاهرة ومات فيها، لأنه لم يجد القدرة في نفسه للعيش وسط صراعات طغمة عسكرية فاسدة عاثت بمقادير البلاد، ومكث حميد في صنعاء غير أنه انطوى على نفسه بسبب الاستبداد، وعلى خلفية هذه التناظر قدمت الرواية وصفا موسّعا لصنعاء القديمة باعتبارها بؤرة جاذبة للشخصية، وأدرجت جانباً من تاريخها منذ سقوط حكم الإمامة في ستينيات القرن العشرين، حتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وظهر الاحتفاء بالمدينة في مقاومة لا تخفى لما تتعرّض له من تخريب.
ودارت أحداث رواية “أربعون عاماً في انتظار إيزابيل” لسعيد خطيبي، وهو من الجزائر، حول موضوع قريب من ذلك، ومدارها شخصية جوزيف رينشار، وهو رسام فرنسي في السبعينيات من عمره، يعيش في مدينة “بوسعادة” منذ أربعين عاما، يحاول أن يكتب كتاباً عن الكاتبة والرحاّلة السويسرية “إيزابيل إيبرهارت” التي عاشت في الجزائر في نهاية القرن التاسع عشر، ثم ماتت غرقا في عام1904 في منطقة “عين الصفراء” لكنه بدل أن يكتب عنها كتاباً يقوم بكتابة سيرته في مدينة “بو سعادة” في ظل ظهور الحركة الإسلامية في الجزائر في بداية العقد الأخير من القرن العشرين، ثم يضطر مع صديقه سليمان إلى مغادرة البلاد إلى فرنسا خشية من المتطرفين، ويوصي بأن يقوم كاتب يدعى “سعيد خطيبي” بنشر كتابه عن نفسه، وما فيه من أخبار عن إيزابيل إيبرهارت. وما خلت الرواية من استطرادات عن الأوضاع السياسية والاجتماعية في الجزائر عشية العشرية السوداء.
وإلى ذلك جعلت رواية “ليل العالم” لنبيل سليمان من مدينة “الرقّة” السورية مكاناً لأحداثها التي استغرقت نحو أربعين عاماً، لكنها ركزت على أحداث السنوات الأخيرة من تاريخ المدينة، حينما وقعت المدينة تحت سيطرة الجماعات المسلّحة، وانتهت عاصمة “للدولة الإسلامية” في ربيع 2014. كشفت الرواية مصير كثير من أهالي الرقّة من شتى الأعراق والأديان، وما تعرضوا له من حيف في ظل سيطرة النظام على المدينة، ثم سيطرة الجماعات المسلّحة، وأخيراً سيطرة الدولة الإسلامية عليها، وجعلها عاصمة لها، ومن خلال العلاقة الشفافة بين “منيب الحسن” و”هفاف العابد” ارتسمت مصائر الشخصيات، ومصير المدينة نفسه، انقلبت أحوال الناس بفعل قهر النظام، وجرى الانتقام منهم بفعل استبداد المتطرفين.

المجلة الثقافية الجزائرية: هل طرحت الرواية موضوعات أخرى لها صلة بالأحوال الاجتماعية المعاصرة، فمن الواضح أن هذه الأمثلة تعزّز وظيفة الرواية.
د.عبد الله إبراهيم:
يلزم شيئاً من التفصيل، فقد غطت الرواية العربية معظم المشكلات الأساسية في المجتمعات العربية، ومن ذلك فقد عالجت كثير من الروايات موضوع المنفى، والتشرّد، والاقتلاع، فقد كشفت رواية “طشّاري” لأنعام كجه جي عن الشتات العراقي المركّب من مزيج من الإحساس بالحنين إلى الماضي، والعمل على الاندماج بعالم المنافي من غير سقوط في الرؤية النرجسية التي تنكفئ على نفسها جراء المنفى، فتنجرف إلى علاقات شائكة، ويخيّم عليها السخط، وتصبح مرثاة حنين لماض ولّى، وأحجية لحاضر يتعذر الانسجام معه، وهو ما ظهرت أطيافه في رواية “تمارا” لـعلي الشوك”، فالخوف من الماضي دفع بـ”هيثم البغدادي” الشخصية الرئيسية، إلى الارتماء في علاقات استيهامية مع نساء يمثلن إيقونات جمالية له، فبدل أن يقوم بتعديل أفكاره وسلوكه مضى في علاقات قوامها مزيج من الرغبة والارتياب، فنشأ نوع من العلاقات الموزاية التي تروي ظمأ رجل مرتاب بنساء تتطابق أوصافهن الجمالية مع خيالاته الفنية، فكأنّ المرأة سلوى لرجل اقتُلع من جذره، ورُمي في أرض غريبة عنه. هذا شعور مريع بالاقتلاع، والانتزاع عن الوطن كشف عن طبيعة التخريب النفسي الذي تتعرض له الشخصيات على خلفية من فقدان الأوطان، وتعذّر الانتماء إلى مجتمع المنفى، فتلوذ بنوستالجيا للأصول، أو تغرق في علاقات استيهامية تكافئ بها ضياعاً لا سبيل للسيطرة عليه.

المجلة الثقافية الجزائرية: وهل طرقت الرواية العربية موضوع “الآخر” باعتباره من الموضوعات الحساسة ثقافياً؟
د.عبد الله إبراهيم:
نعم وقفت على موضوع “الآخر” فالآخر، في السرد، هو الدخيل المزعزع للهوية السردية الثابتة للشخصيات، وهو المختلف عن المجموع الذي ينوء بالمغايرة في المعتقد، أو العرق، أو اللون، أو الطبقة، فيقع نزعه عن نظام الانتساب العام للشخصيات، ويجري تمييزه إما بالرفعة أو الدونية حسب مقتضى الأعراف السائدة في ذلك العالم، وغالباً ما يكون موضوع إقصاء إذا دخل في نطاق جماعة صافية المعتقد أو العرق أو المذهب، أو موضوع استئثار إذا وجدته الشخصيات مركزاً جاذباً لعناصر السرد الأخرى، لم يبحث موضوع الآخر بشكل واف، فقد نُسبت الشخصيات السلبية إلى الأقليات الدينية والعرقية، فاللصوص، والمجرمون، والفاسدون، والمتهورون، والخدم، والسكارى، والخونة، والجواري، والعاهرات، والعشيقات، تنتقى، في الغالب من الأقليات، وتتنزه عن أن تكون من الأغلبية، ويرجح أن لا وعي المؤلّفين يعمل على اختيار الشخصيات وأدوارها، فينساقون وراء تخيلات سائدة، وغالباً ما يظهر السرد الأوضاع المزعزعة لشخصية الآخر في العالم المتخيّل بناء على الخلفية الدينية والمذهبية والعرقية، وتعج الرواية العربية بنماذج كثيرة من ذلك، فعلى سبيل المثال: رواية “شارع العطايف” لـلروائي السعودي عبد الله بن بخيت أفصحت بأسلوب شديد الوقع عن موقع الآخر في بيئة اجتماعية ضاغطة، فرسمت له موقعاً دونياً جعلته ينخلع عن الكتلة الاجتماعية الحاضنة له، وارتسم فضاء الكتلة الاجتماعية باعتباره فضاء كابحاً لحرية الأفراد المغايرين، ومعيقاً لأية علاقة اجتماعية سليمة معهم. وفي رواية “الحمام لا يطير في بريدة” لـلسعودي يوسف المحيميد لا تجرؤ الشخصية الرئيسية “فهد سليمان السفيلاوي” أن تروي الأحداث التي عاشتها في بلادها، فتستعيدها عبر سيل طويل من الذكريات السرية في بريطانيا، فقد تصبح موضوعاً للتهمة، فالعقاب، وبدتْ مدينة “الرياض” أشبه ما تكون بمدينة يحتلّها رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكّر، فأيّ امرئ فيها معرّض للاستجواب إذا ما كان برفقة امرأة، فلا يظهر سواهم في أرجاء المدينة يطوفون بسياراتهم، وترصدهم عينا “السفيلاوي “الذي حاول أن يقتنص فرصاً سريعة للقاء صديقاته في ظروف على غاية من الصعوبة. تسبّب المجتمع المغلق في عطب القيم الروحية للشخصيات كلّها، فكانت تلهث وراء ملذّات تنتزعها خطفا في عتمة الليالي، فالنساء معتقلات وراء حجب لا تنتهي، والرجال يجرون وراء متع عابرة، فلم يرتسم حب سويّ، بل افتراسات أقرب ما تكون للشذوذ منها إلى العلاقات السويّة بين الجنسين. ومعظم الشخصيات عاشت ذعراً كاملاً، إذ لم تتحقق سويتها الإنسانية بوجود منظومة قيمية مفروضة بالقوة وليس بالاختيار.
وقوام أحداث رواية “فستق عبيد” لسميحة خريس ثنائية العبودية والحرية، وبذلك طرحت قضية “الآخر”، تقصتها بتصوير مصائر مجموعة من الشخصيات التي تسعى للحرية لكنها تتعرض للاستعباد معظم حياتها، تقع الأحداث بين السودان، والجزائر، والبرتغال، ثم جريرة “سانتو أنتاو” في المحيط الأطلسي غرب أفريقيا، أما زمن الأحداث فيبدأ في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وينتهي في خمسينيات القرن العشرين. وتميزت الرواية برشاقتها اللغوية والايحائية، وبتصوير ممتاز للشخصيات الخيّرة والشريرة، واعتمدت لغة رهيفة في تصويرها لمشاعر الشخصيات، وعرض تجارب الترحال التي مرّت بها، وصنوف الأذى الذي لحق بها.

المجلة الثقافية الجزائرية: هذا في المشرق، فهل من أمثلة في المغرب؟
د.عبد الله إبراهيم: لا فرق بين مشرق ومغرب في الاستبداد الاجتماعي، فقد طرق محمد بن عبد الرحمن أمين، في روايته “مذكرات حسن مختار” مجاهل المجتمع الموريتاني الحديث. شُغلت الرواية بنزاعات الهويات العرقية في موريتانيا خلال الحقبة الاستعمارية وما بعدها في ظل الحكم الوطني الذي اختطفته طُغم عسكرية متوالية، وفضحت الكراهية المتمكّنة من تلك الجماعات من خلال سيرة شخص مهجّن عرقياً وثقافياً، كما فضحت، بتمثيل سردي أقرب إلى أن يكون تقريراً مسترسلاً، الطبقات المغلقة في المجتمع الموريتاني ممثلة بالقبائل والجماعات بخلفياتها العرقية والمناطقية، وسيل الدعاية الحكومية الخادعة التي تضمر وعوداً ما وقع تنفيذها.

المجلة الثقافية الجزائرية: وهل مثّلت هذه الروايات وسواها نمطاً سردياً مميزاً يمكن أن تشير إليه؟
د.عبد الله إبراهيم: لقد ازدهرت صيغة “التخيّل التاريخي” التي اجتذبت إليها عدداً وافراً من الروائيين، نذكر منهم، أمين معلوف، عبد الخالق الركابي، وأهداف سويف، وخيري الذهبي، وجمال الغيطاني، وواسيني الأعرج، ورضوى عاشور، وبن سالم حمّيش، وسواهم، ما أظهر اتجاها واضحا في الكتابة السردية، ومن ذلك ما له صلة ببدايات انتشار الاسلام في إفريقيا الذي اجتذب الموضوع بعض الكتاب منهم يوسف زيدان في روايته “النبطي”، ثم عمر فضل الله في روايته “ترجمان الملك” التي أفادت من النبذ المتناثرة في المرويات الإخبارية القديمة حول ذلك، لكنها بنت إطاراً سردياً متخيّلاً رمت فيه جملة من القضايا الخاصة بالأحوال السياسية للممالك الإفريقية في القرنين السادس والسابع الميلاديين، وتصوير حالة العبور من اليهودية إلى النصرانية، ثم ظهور المعتقد الإسلامي وراء البحر الأحمر، في شبه جزيرة العرب، وبداية ظهور العرب بصورة تجار، ثم هجرتهم الأولى والثانية بعد انطلاق الدعوة الإسلامية في بلاد الحجاز.
ومن ذلك رواية “رسالة النور” لمحمد طرزي التي تدور أحداثها في نهاية عهد الدولة الأموية وبداية عهد الدولة العباسية، وهي عن العلاقة التي ربطت بين الكاتبين: عبد الله بن المقفع وعبد الحميد الكاتب، وما أثمرت من رسائل صارت تعرف برسائل “إخوان الصفاء وخلّان الوفاء”، التي جرى اختلاف كبير حول نسبتها.
وتناولت رواية “خاتون بغداد” لشاكر نوري حياة “مس غيرترود بيل” سكرتيرة المندوب السامي البريطاني في العراق، ودورها السياسي بداية من الاحتلال البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى إلى وفاتها ودفنها في العراق، وتكشف الرواية عن سيرتها، وتفاصيل حياتها، وعلاقاتها العامة مع رجالات العراق في أول عهده الملكي، ودورها مع رجالات الإدارة الاستعمارية، فضلا عما قيل عن دورها الكبير في بناء العراق الملكي، وتظهر مس بيلفي الرواية باعتبارها الشخصية الرئيسية، وكل الشخصيات الأخرى تدور في فلكها، وتعطي معنى لأفعالها. واستلهمت رواية “يهود الإسكندرية” لمصطفى نصر نبذاً من أخبار اليهود وأحوالهم في الإسكندرية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، ومعظم القرن العشرين، وجعلت من العلاقات بين الشخصيات اليهودية موضوعاً لها، سواء خلال خدمتها للخديوي سعيد منذ عام 1862 وما انتفعت منه الطائفة اليهودية خلال عهده وصولاً إلى عهد الرئيس المصري السادات، ومن ذلك تحويل الأرض التي منحها الخديوي المذكور لممرّض حلاق يهودي يدعى” جون” لأنه شفاه من أمراضه الجلدية، وصولاً إلى تحويل تلك الأرض إلى مقبرة يهودية، وتحول ذلك الحلاق الأبله إلى قديس يهودي يزار قبره، واستغلال المكان لجعله مزاراً يهودياً عالمياً.

  • مواضيع النزوح والعنف لم تغب عن الروائيين الجدد..

المجلة الثقافية الجزائرية: ظنّي أن الترحّل والنزوح لابدّ أن يكون مثار اهتمام بعض الروائيين الجدد.
د.عبد الله إبراهيم: لم يغب هذا الموضوع عن الاهتمام، فالترحّل، والنزوح، والهجرة، وما صاحب ذلك من قلق، وشعور بعدم الاستقرار أفصح عن خطر تتعرض له مجتمعات كاملة في أحوالها العامة، وأعرب عن حال أفراد استوطن الذعر نفوسهم، وزعزع إحساسهم بالأمن، فوجد ذلك أثره في مدوّنة السرد، وتولّت تمثيله، وقد طرق الكاتب الإرتيري حجّي جابر في روايته “مرسى فاطمة” جانبا من أحوال المهاجرين في شرق إفريقيا، واستحدث حكاية حبّ لنظم أطراف الموضوع، وحبك عناصره، وجاء تركيب الأحداث متناسقاً، ومناسباً للموضوع، وقوامه الحب المستحيل الذي يجمع بين الراوي و”سلمى”، والراوي قروي من مشارف أسمرا في إرتيريا يعلّم العربية، يهاجر الى أسمرا ويعيش في منطقة “مرسى فاطمة”، ويعمل في السوق مع أحد التجار الصغار، ويتعرّف إلى “سلمى”، فيقعان في نوع من علاقة الحب المحال.
وتجسّد الترحال، بل الضياع بكامل معناه، في رواية “تغريبة العبدي المشهور بوِلْد الحمريّة” للمغربي عبد الرّحيم لحبيبي برحلة طويلة كاشفة لأحوال المجتمعات الإسلامية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، قام بها “وِلْد الحمريّة” من أقصى المغرب باتجاه المشرق، ثم عودته إلى موطنه مرة ثانية، إذ فيما كان الغرب يستجمع قوته، وينهض، كانت المجتمعات الإسلامية تغرق في سبات، ولا تستشعر الخطر المحدق بها، فقد خاب أملها في دار الإسلام التي أصبحت مرتعاً للطامعين.
وكان الترحال الجسدي والروحي مدار رواية “الأعتاب” للكاتب العماني محمد قراطس التي صورت التجربة الروحية للشاب “مستهيل العفّار” الذي خُذل بالثورة في بلاده التي راحت تأكل أبناءها الأبرياء، فانكفأ على نفسه، وتخلى عن سلاحه، وسلّم أمره للدولة التي عفت عن الثوار وأعادت دمجهم في المجتمع العماني، فاهتزّ شعوره الداخلي إلى نوع من التدين الروحاني الذي يقوم على الرؤى الصالحة، والأذكار، والصلوات، وقراءة القرآن، فكان أن ترك مدينته “صلالة” صوب الصحراء بحثاً عن جده الغائب “التويجاني”، فهداه اليقين في انجذاب روحي عبر شخصيات تزوره في الأحلام، وتطلب إليه اقتفاء أثر جده من غير تحديد دقيق لمكانه، وخلال رحلة التيه في الصحراء تتهيأ له مشاهد كثيرة عن جده الغائب.

المجلة الثقافية الجزائرية: تمور المجتمعات العربية بضروب من العنف الحقيقي والرمزي، فهل استثمرت الرواية العربية هذا الموضوع؟
د.عبد الله إبراهيم: نعم، عرضت الرواية ضرباً مُفرطاً من العنف لم يعهده السرد من قبل، وفيه تداخلت الظنون الهوسية للشخصيات بالكآبة الجمعية، فلاذت الشخصيات بالعقاقير المخدّرة سعياً إلى بلوغ حال من فقدان الوعي والنسيان، فكشف ذلك ارتباط العنف بحالات من الهوس النفسي في مجتمعات نخرتها الفوضى فراحت تبحث عن تغييب مقصود للوعي، أو أنها غاصت في هلاوس مؤذية جرّاء فشلها في التكيّف الاجتماعي، فتنطوي على ذواتها، أو تمارس عنفاً أعمى ضد غيرها غايته الاعتداء عليها، ومقاومة أي إصلاح لحالها، وما يرافق ذلك من توتر، وقلق، وينفصم وعي الشخصية عن جذره العقلي، فتصبح ضحية أوهام تكرارية، وأخيلة ذهانية بفعل الإدمان على العقاقير المخدرة.
وقف السرد على حالات مروّعة من الأوهام الشديدة، والتصورات المنقطعة عن الواقع، الاضطرابات النفسية الحادّة، فضلا عن تخيّل أشاء لا وجود لها، وتوهّم أحداث لم تقع، بل يتعذر وقوعها، سببه عدم انتظام أفكار الشخصيات في سياق مفهوم، كالاهتياج في السلوك، والتشوش في التواصل العاطفي، وما يعقبه انزواء في أجواء مغلقة، والهيجان الغامض، في نهج تكراري لمعاقرة المخدرات، والإسراف في تعاطي الكحوليات. ظهر ذلك في رواية “الفيل الأزرق” للكاتب المصري أحمد مراد، لكنّ العنف اتّخذ صورة أشدّ هولاً في رواية “النُمروذ” لأحمد صلاح سابق”، وهو مصري أيضاً، فالاستمتاع بعقاب بالآخرين من غير موجب يستدعي الإسراف في العنف، والاستغراق في التنكيل بالآخرين اتخذ سمة غريزة استبطنت الشخصيات، وتلبّسها، ووجدت سبيلها بالإفراط فيه، وكأنّه تنفيس عن غضب متأصل في الطبع، فلا سبيل للإحجام عنه، بل الإمعان في ممارسته، فما أعرضت عنه شخصية رئيسية من شخصيات الرواية، وما تورّعت عن التمرّس فيه تعبيرا عن نقمة غامضة لم ترتق أسبابها إلى ما جرى الأخذ به من فتك وشدّة، وهو عنف لا مسوّغ له غير الهوس في تعذيب الآخرين، والالتذاذ بعقابهم، في نوع من السادية التي لا تعرف حدّاً يوقفها، ولا رادعاً يردعها، فلا تفهم نوازع العنف في ضوء سلوك الشخصيات في العالم الافتراضي للرواية، بل تقبع متوارية في دواخلها ثم ما تلبث أن تنبثق كتيار جارف من العدوانية المدمرة حيث الرغبة في إحداث الألم تلازم الشخصيات من غير استثناء.
كشفت روايتا “الفيل الأزرق” و”النمروذ” عن منحى جديد في السرد لم تعن به الرواية العربية من قبل إلا على استحياء، وهو الإسراف في تمثيل العنف بناء على الغوص في أعماق الشخصيات، وفضح دواخلها المتوتّرة، وليس ينبغي القول إن الإثارة كانت الهدف المنشود من وراء ذلك، فحسب، بل هو تمثيل لعنف مجتمعي صار يبرز للعيان في غير مكان، وقد اتخذ لنفسه ذرائع دينية أو سياسية، أو جاء تعبيراً عن غياب القانون، فمضى الأفراد في تطبيق شرائعهم بعنف لا رادع له. ولعلّ تأويل ذلك يرتبط بالرغبة الذاتية في التدمير، وهي رغبة تنمو بتسارع ظاهر حينماً تنزلق المجتمعات إلى نوع من الكآبة العامة، فيتولّد عنف لا يتخذ طريقاً له في التعبير إلا بإيذاء النفس أو من هو في مقامها؛ فهوية العنف أنه يتّخذ شكل قصاص ينال الأقربين، ويقضي عليهم، من غير تأنيب للذات.

المجلة الثقافية الجزائرية: أتظنّ أن أمراً خطيراً ترتّب على العنف الذي تمكّن من النفوس؟
د.عبد الله إبراهيم:
نعم، لقد تحقق ذلك بسبب الكآبة الجماعية التي خيّمت على الفضاء العام، الكآبة الجماعية موضوع استأثر باهتمام صنع الله إبراهيم، ومؤنس الرزاز، وفؤاد التكرلي، وغالب هلسا، وعلاء الأسواني، وعلوية صبح، ومحمد برّادة، وإسماعيل فهد إسماعيل، ولطفية الدليمي، وعلي المقري. ، لكنه ظهر ذلك بوضوح لا مزيد عليه في رواية “أن تحبّك جيهان” لمكّاوي سعيد، فهي نموذج دالّ على ضرب من السرد الذي يتّخذ من البحث في الأحوال الاجتماعية الكئيبة هدفاً له، فيتنكب للمعايير الشائعة في الكتابة الروائية، إنما يقترح نمطا من البحث في مجتمع تتدهور أوضاعه، فيفصح عن ذلك بتمثيل لا يضع بينه وبين موضوعه فاصلا بل يباشره موضوعا للكتابة من غير اهتمام بالصنعة السردية. ولعلّ أشدّ ما يلفت الانتباه في هذا الضرب من السرد هو ظهور شخصية تحايث الأحداث، وتنغمر فيها، وترويها بنفسها، وتنتهي ضحية لها، فلا انفصال بين الشخصية والأحداث التي تحيط بها، وإلى ذلك ففيما كان السرد، من قبلُ، يجعل من الحدث نتاج أفعال الشخصية، فإنه فصل، في هذا النوع منه، بين الاثنين؛ فالشخصية تتمرأى في أحداث ليست من صنعها، وما عاد السرد تجميعاً لأحداث متناثرة، بل وقائع غير مترابطة تشاهدها الشخصية بعين فاحصة من غير رغبة في تغييرها أو تعديلها، فذلك ليس بمنالها، وهو خارج قدرتها، ولا يسكن الشخصيات نزوع نحو التغيير إلا على مضض، ومن ثمّ فلا وجود للمعادلة التقليدية في السرد، وقوامها استقرار الأحداث، ثم اختلال توازنها، وعودة الاستقرار مرة أخرى، فقد جرى تخريب منطق السرد التقليدي لصالح سرد يعرض الأحوال العامة في ركود من غير رغبة في اقتراح حلّ لها، فلا يعنى بنموّ الشخصية، ولا تماسكها القيمي، ولا فرادتها السردية، بل يرمي بها جاهزة بغاية كشف العالم الحاضن له وهو في أسوأ أحواله، ما يمكن اعتباره مرآة سردية لمجتمع تتفكك أواصر العلاقات فيه. وحدث هذا أيضاً في رواية “طائر أزرق نادر يحلّق معي” للمغربي ـيوسف فاضل التي نسجت بسرد شيق تجسدت فيه وجهات نظر الشخصيات أشبعت الموضوع حينما سلطت الضوء عليه من جوانب عدة، وموضوعها اعتقال الطيار “عزيز” في سجن القصبة بالمغرب بعد محاولته اغتيال الملك الحسن الثاني، ولم تخل الرواية من وصف المهمشين في الأرياف المغربية وهم يكابدون مشاقّ.

  • أعوّل كثيراً على تجربة السرد الجزائري ولكن..

المجلة الثقافية الجزائرية: والآن، دعنا نختم بالرواية الجزائرية، فبوصفك ناقداً متخصّصاً في الدراسات السردية، كيف تقرأ التجربة الروائية الجزائرية؟
د.عبد الله إبراهيم:
تعود تجربتي في قراءة الرواية الجزائرية إلى مرحل مبكّرة من حياتي الثقافية، ففي مقتبل عمري قرأت ثلاثية محمد ديب، وروايات كاتب ياسين، ومولود فرعون، ومولود معمري، وآسيا جبار، ومالك حداد،وأعجبت بها غاية العجب، فقد تكشّفت لي أحوال الجزائر خلال الحقبة الاستعمارية، ثم قرأت، بعد ذلك، أعمال الطاهر وطّار، ورشيد بوجدرة، فزاد اكتشافي للثورة الجزائرية وتداعياتها المريرة بعد الاستقلال، وانتقلت، بعد مدة، إلى قراءة أعمال واسيني الأعرج، وأمين الزاوي، وأحلام مستغانمي، ومحمد ساري، وجيلالي خلاص، وانتهيت أخيراً بأعمال بشير مفتي، وسعيد خطيبي، وعبد الوهاب عيسوي،وإسماعيل يبرير، وهذه أسماء خطرت لي عشوائياً من مدوّنة الرواية الجزائرية، وهي مدونة كبيرة، وغنية، ويرجّح أنه غاب عني الكثير منها لأسباب تتصل بعدم الإلمام الكامل بها، لكن أعمال هؤلاء الكتاب وسواهم رسمت لي صورة عن الرواية الجزائرية منذ منتصف القرن العشرين إلى العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، وهي صورة غنيّة عن سرد متلاطم الأمواج، ومع ما قامت به تلك الرواية من عمل جليل في تمثيل أحوال المجتمع الجزائري الحديث، فلديّ عليها ملاحظتان ينبغي عليّ التصريح بهما من غير تردّد لفائدة تاريخ تلك الرواية، أولاهما أنّ الجزء الفرانكفوني من الرواية الجزائرية يكاد يكون شبه غائب عن خارطة السرد العربي الحديث، فلا يكاد يُذكر في سياق الثقافة العربية الحديثة، وبالمقابل ما جرى الاعتراف به في تاريخ الأدب الفرنسي إلا باعتباره تابعا لذلك الأدب، ويعود ذلك، في تقديري، إلى التحيّزات الثقافية حول هوية الأدب الجزائري، وتدخّل شرط اللغة في تحديد هوية الأدب، وهو شرط فرضته المدرسة الفرنسية في الأدب المقارن، ونتج عنه أنها ترى كل الآداب المكتوبة باللغة الفرنسية ينبغي أن تنمي إلى الأدب الفرنسي، لكن تاريخ الأدب الفرنسي لم يراع هذا الشرط، فرمى الرواية الجزائرية الفرانكفونية على هامش تاريخ الأدب الفرنسي، فلا تكاد تذكر بعض نماذجها إلا بكثير من التردّد، والتحفظ، وعدم الاهتمام، فأمرها لا يستقيم بمقارنة الآداب الأصلية، وغير خاف على أحد أن لهذا الأمر نظائر فيما كتبه كثير من الكتّاب في العالم بالإنجليزية، ولم تستوعبه الثقافة الإنجليزية، وتدرجه بالمستوى نفسه لآدابها الأصلية، وأجرؤ على القول بأن الآداب المكتوبة بالفرنسية والإنجليزية من طرف كتّاب ليسوا بفرنسيين ولا بإنجليز يفوق في أهميته ما يكتبه أهل تلك البلاد، ففيه تنوع ثري، ورؤى عميقة، واستبصار تفتقر له الآداب الأصلية، وأراهن على الهوية المهجّنة للآداب الإنسانية، فالهجنة تغذّيها بأفكار جديدة، وموضوعات غير مطروقة، ومنظورات مبتكرة، ولكن ما يعاب على الآداب القومية هو أنها لا تفسح مجالا للآداب القادمة من حواضن ثقافية أخرى، فترمى على الهوامش للبرهنة على أهمية اللغة التي تكتب بها لا على قيمتها الأدبية، وأرى أن الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية وقع ضحية هذه الازدواجية التي ينبغي تخطّيها، وأهل الجزائر مؤهّلون لحلّ هذه الإشكالية التي تشطر أدبهم شطرين.
أما الرواية المكتوبة باللغة العربية، وقد ازدهرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، ولاحظت فيها استغراقاً في الإنشاء، والإطناب، وأحياناً الخطابية المشينة، وافتقر كثير منها إلى الرفعة الأسلوبية، وغابت عن أغلبها البنيات السردية المحبوكة، وسوف يثير هذا الرأي غضب بعض الأصدقاء من الكتّاب الجزائريين بالعربية، وربما يزعج قرّاءهم، ويرون فيه خدشاً لأهمية أدبهم الوطني، من مشرقي لا يعرف شيئاً عن آدابهم، وهذا أمر متوقّع على نحو شبه قاطع، غير أنني لن أخدعهم، ولن أخدع سواهم، بالثناء على أدب لا يستحقّ الثناء، ولا مصلحة لي في تأكيد هذا الرأي لأنني أعوّل كثيراً على تجربة السرد الجزائري الذي تابعته مدة تزيد على أربعة عقود، وشُغلت به، وظنّي أن النقاد الجزائريين أكثر قدرة مني في كشف الأسباب الكامنة وراء ظاهرة الإنشاء، وتكديس العواطف، ومجافاة صنع الأفعال السردية التي بها تتحدّد قيمة الأعمال السردية، وليس في الإطناب الإنشائي الذي يغمر الأفعال بالعواطف السيّالة، وأرجّح أن ذلك يعود الى رغبة الكتّاب في تأكيد أهمية اللغة العربية من طرف أنصارها بعد أن خلخلت التجربة الاستعمارية وضع تلك اللغة في السياق المجتمعي، وكتمت استعمالها الأدبي الطبيعي، وعطّلت التراسل العفوي بها، وذلك التراسل هو سرّ الكتابة السردية وليست تلك اللغة البليغة التي تترتب في ضوء شروط البلاغة المدرسية الموروثة، وعلى هذا أنتج التعريب أجيالاً من الكتّاب الذين وجدوا في العربية هوية لهم، وطريقة في التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم في رغبة لا تخفى لمحو الحقبة الاستعمارية، واستعادة الهوية الوطنية أو القومية،، لكنّ صلتهم باللغة واهنة في الاستعمال الأدبي، وفيها من المبالغة في الإنشاء ما يحتاج إلى علاج، وبدوري أدعو الأدباء الجزائريين للانخراط بشجاعة في معالجة هذه المشكلة التي لا تخفى على أمثالي، فليس ينبغي محاكاة المشارقة في الإطناب اللغوي بإنشاء ركيك يشكّل قوام الكتابة، وأتمنى على الروائيين ومعهم النقاد فحص هذه المشكلة، والتخلّص منها، فلا فائدة ترتجى منها في تحديد قيمة الأدب، ومع ما في هذا الرأي من صراحة، فأرجو ألا يكون مثار شكّ في أنني انتقص من مكانة الرواية الجزائرية.

المجلة الثقافية الجزائرية: أتراك قد قسوت قليلاً على الرواية الجزائرية، لكنني أتفّهم تقديرك لها؟
د.عبد الله إبراهيم:
ينبغي على الناقد أن يعرف أين يضع قدميه، لقد سلخت عدة عقود من عمري في معايشة الرواية العربية، معايشة قارئ وناقد، ونتج عن ذلك “موسوعة السرد العربي”، فلا أبخس أمراً إنما أحلل ظواهر تلفتني، وتدعوني لمناقشتها، ولكي أفي الرواية الجزائرية حقّها، كما رأيتها عند كبار روادها، فسوف أتوقّف على نموذج باهر منها من بين نماذج كثيرة، نموذج وجدته يبعث الأمل في ضرب من السرد الذي يستحق الاحتفاء، ذلك ما وجدته في رواية “الحَرْكي” لمحمد بن جبار التي أثارت قضية على غاية من الأهمية في كلّ من السرد والتاريخ، مدارها تجربة الجزائريين الذين تعاونوا مع الاحتلال الفرنسي خلال سيطرته المديدة على البلاد، ووصف مصيرهم حينما استقلت الجزائر، وغادر المحتلون أرضها، وكلمة “الحَرْكي”، كما هو معلوم للجزائريين، يقصد بها “الخائن” أو “العميل” الذي وضع نفسه في خدمة السلطات الاستعمارية ضد أبناء بلده، بتقديم خدمة للإدارة الفرنسية نظير المال والحماية، وهذا هو مدار الرواية التي صورت تجربة “أحمد بن شارف”الذي التحق بالفرنسيين طمعها بالمال والحماية من الثأر، فعيّن سائقاً، ومرافقاً، ثم خادما لضابط فرنسي، فاطّلع على مراسلاته العسكرية، وسجّل وقائع أعمال الكتيبة التي قادها ذلك الضابط في “عين الحلوف” خلال ثورة الجزائر بين الأعوام 1960-1962.
وجدت أن رواية “الحركي” قدّمت ضرباً أخّاذاً من السرد الاعترافي الذي ندر مثيله في الرواية العربية التي احتفت غالبا بالشخصيات الايجابية، وصرفت النظر عن السلبية المتورطة بأعمال منافية للمعايير الأخلاقية والدينية والاجتماعية والوطنية، وعلى هذا فإن الغوص في تجربة رجل يفتخر بأنّه خان بلاده، وهجرها طمعا بالحياة إلى بلاد باعتباره خادماً لها، ومحارباً في صفوفها، تعدّ تجربة جديدة تستحق التقدير، وقد غاص المؤلّف في البطانة النفسية للحَرْكي في شعوره بالعار الدفين من جهة؛ لأنه وضع نفسه في خدمة المحتلّين لبلاده، ورغبته في المضي بطريقته الخاطئة إلى النهاية.
كشفت الرواية عن البطانة النفسية للعملاء الفرنسيين في الجزائر، ونفضت الغبار عن مصائر عدد كبير منهم، وفضحت أدوارهم في خدمة المحتلين، وبذلك كشفت مستوى مغموراً من أحوال الثورة الجزائرية لم تقع معالجته بتوسّع في الكتابة السردية، فيما نعلم، ما يؤكد أهمية وظيفة السرد في كشف المستور من التاريخ الوطني ببلاد التي تعرضت للتجربة الاستعمارية، وتمثيل الأحوال الاجتماعية فيها بأفضل ما يتمكّن التاريخ منه، فزاوجت بين كونها شهادات رجل خائن عن تاريخ بلاده، ومذكراته عن حقبة قديمة في حياته، وسجل للأعمال التي شهدها واشترك فيها خلال الحقبة الأخيرة من الاحتلال الفرنسي للجزائر، ولم تكتف بتصوير الانقسام العميق في اختيارات فرنسا بين التخلي عن الجزائر، والاعتراف بها دولة مستقلّة وبين الحفاظ عليها جزءاً تابعاً لها، لكنها صوّرت أيضاً انقسام الجزائريين بين مَنْ يرى بقاء الفرنسيين حفاظاً على مكاسبهم وأمنهم، وبين مَنْ يرى الاصطفاف مع الثوار لانتزاع الاستقلال، ولعلّ أهمية الرواية تنبع، فضلاً عن كل ذلك، من كونها اعترافاً جديراً بالاهتمام لما سكتت عنه الكتابة السردية في كثير من البلاد التي خضعت للاستعمار، وما أحدثه ذلك من تغيير حاسم في مصير عدد كبير من الأفراد التابعين له. وهذا ينبئ لديّ أن جيلاً قادماً من الكتاب في الجزائر سوف يثري الرواية الجزائرية فوق ثرائها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

3 آراء على “المفكّر والأكاديمي العراقي د.عبد الله إبراهيم للمجلة الثقافية الجزائرية: الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية تستغرق في الإنشاء، والإطناب..”

  1. أقدِّم تقديري و احترامي للدكتور عبد الله إبراهيم على هذا الحوار الثري، و على آرائه الصريحة، الصادقة، التي تتوخى بالفعل مصلحة الآداب العربية.
    و أقدم تقديري و احترامي كذلك للمحاوِرة التي تبدت يقظتُها و فطنتُها، بما قدمت من أسئلة و استفسارات.

  2. حوار معرفي هام ، يحتاج إلى أكثر من قراءة، ويدعو إلى الوقوف مليا بُغية التأمل، وهو مع باحث أكاديمي كبير ومطلع، يجب على المهتمين بقضايا السرد الاطلاع عليه، هذا رغم قسوة الأحكام أحيانا، خصوصا فيما يتعلق بالرواية الجزائرية…تحياتي للدكتور والمفكر/ عبد الله إبراهيم، ولمجلة الثقافة الجزائرية.

  3. حوار ثري ..وفي غاية من الأهمية. ..وبصراحة ينم عن وعي حقيقي بآليات السرد وقضاياه وإشكالياته. لدى المتحاورين ..على حد سواء …ولكن ..يبقى السؤال الأهم …هل استطاع الروائي العربي أن يقنع القارئ برسالته ؟
    إذا كانت الرواية تعني الحرية .والتمرد على الواقع ..وتثير كثيرا من القضايا في جميع المستويات..وهي قضايا تمس الإنسان العربي المعاصر على وجه الخصوص …فهل ثمة تأثير لهذا الوعي .أم العكس هو الموجود ؟
    تحياتي إلى أستاذي الذي افادني بملاحظاته القيمة حين كنت أعد الماستر بليبيا ..وتحصلت على درجة الامتياز …كلي فخر واعتزاز بمعرفتك يا دكتور .وتحياتي للمحاورة المتألقة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق