ثقافة المقال

شكرا أحبتي ووداعا !

سمير قسيمي*

هذه هي الورقة الثالثة التي أكتبها، رغبة في الإعلان عن أمر أعتقده مهما على الأقل بالنسبة لي. وكنت فبلها فد كتبت شيئا اضطررت لوفاة أمي قبل أقل من شهرين أن أؤجله لوقت لاحق، قم ضاع ما سودته فكتبت ورقة أخرى لم أنشرها بسسب تزامنها مع المعرض الدولي للكتاب، والذي حاولت قدر استطاعتي أن أحضر جميع أيامه، ربما لأنني شعرت بانتهاء آجال التأجيل، واقتراب موعد نشر ورقتي…. كنت في ذلك مثل الرجل المحتضر الذي لم تعد له من رغبة إلا أن يتفحص وجوه أحبته، حتى تكون آخر صورة يذكرها صوره تستحق أن تؤنسه في رحلته الأخرى، أو ربما كنت أبحث عن سبب يمنعني من الإقدام على قراري، تماما كحليم بن صادق حين وقف على حافة السطح وأخذ ينقب في ذكرياته لعله يجد فيها ما يثنيه عن فراره. ومثلما حدث لحليم بن صادق فلم أجد من بين ما أذكر إلا ما يدفعني إلى نشر هذه الورقة، فعلى عكس حليم لم أكن بقراري هذا أبحث عن نهاية لأي شيء، بل إنه في نظري وإن اختلف مع الأصدقاء والخصوم بداية رحلة أخرى لا أعلم حتى أنا إلى أين تقود، ولكن نهايتها لن تكون أبدا، في اعتقادي، أسوء من بدايتها، ولن تقودني في أسوء الأحوال إلى حيث قادت المشيئة بطل تصريح بضياع، أعرف أنني لن أصير مثله، مثل طفل لم ير أمه أبدا، وحين رآها حقيقة.. رآها في ماخور.

أشعر بذلك الرضا الذي اجتاح قلب قدور فراش وقد انتهى من كتاب أخيه، وبنفس الطمأنينة التي وجدها سيباستيان دي لاكروا حين اكتشف ألواح خلقون، وبشعوري هذا أرى أنه من الخيانة لأدبي أن يستمر سمير قسيمي في عمله، وهو موقن أن الغاية التي خطط لها منذ عشرين شهرا تحققت، وأن حلمه السخيف في نشر كتاب أصبح واقعا، وأن ما كان يرغب في كتابته قد كتبه ولم يعد لوجوده أي معنى غير المزيد من الشهرة والانتصارات المؤقتة، اللتين لم تكنا أبدا من أهدافه أو رغباته.

لقد آن لسمير قسيمي أن ينصرف، ويترك أولاده الثلاثة للحياة وللزمن بفعل بهما ما يشاء، يبقيهم أو يعدمهم.

بعد أن أنهيت “هلابيل” عرفت أنني لم أنته من عمل بقدر ما انتهيت من رغبة. شعرت باضطراب وضيق مخيفين، ربما لو كنت أشعر بشعور المرأة لقلت أنه كاكتئاب ما بعد الولادة. لاحقا أدركت أن شعوري لم يكن أكثر من شعور السيكلوب الذي قايض عينه بمعرفة موعد موته، لقد كنت مثله تماما باستثناء أن ما قايضت به لم يكن إلا يقيني من أن سمير قسيمي لن يستمر في الرواية أكثر من عامين، ليس ليموت كما أرغب أنا، بل ليعيش عبر أولاده الثلاثة أكثر.

وحتى أكون صادقا، فقد خططت لاعتزالي منذ فيفري المنصرم. بدأت في قطع علاقاتي بالصحفيين الذين انشغلوا بكتاباتي، ثم أصبحت أتعمد إثارة ما قد يجعلني غير مرغوب فيه، وفي النهاية ناصبت العداء لبعضهم. فقد كنت أقاوم رغبتي في التوقف الذي كنت أعلم في نفس الوقت أنه أكثر من ضروري، لذلك حاولت قد الممكن أن أصبح في نظر الجميع شخصا سافلا، حقيرا، مغرورا إلى أقصى حد. إلا أنني اكتشفت لسوء حظي، أنني ورغب حماقاتي لم أستطع دفع الناس إلى كرهي وطردي من قلوبهم، على الأقل أدركت أن سمير قسيمي الروائي أصبح متشبثا بالحب والحياة أكثر مني أنا الذي خلفته أول مرة، حتى أنني أصبحت مدركا بغباوة أنني إن لم أتخلص منه الآن فلن أتخلص منه أبدا.

هذه الفكرة الفظيعة في أن أبقى وجها من وجوه الساحة الأدبية، جعلتني أنتفض من جديد وأكتب نعي هذا الذي اعتقد أنه أفضل مني وهو الراغب في البقاء في عالم لم أسمح لنفسي وله بولوجه إلا لأمر واحد وواحد فقط، وهو أن أثبت لنفسي أنه باستطاعة أي شخص إذا امتلك الموهبة والإصرار أن ينجح. وما دام هذا اليقين قد رسخ في نفسي فلم يعد يهم أن أبقى أو يبفى هو، لم يكن سمير قسيمي الروائي إلا بطاقة مرور مؤقتة، أعادتني إلى رحابة الثقة واليقين، وما دمت قد عدت فلا داعي من بقائه ما دمت قد قفلت بلسانه ما رغبت في قوله.

في الأشهر العشرين التي قضيتها أديبا، لم أندم ولم أحزن على أي شيء، استمتعت بالكتابة والشهرة والنجاح، استمتعت بتلك الانتصارات الصغيرة التي حققها الروائي فيّ، وبمجادلات القراء والنقاد في رواياتي التي كانت مستقلة بشكل تام عن حياتي، واستمتعت أكثر بذلك الحقد والحسد الذي كنه لي البعض من الأصدقاء والخصوم، لا لسبب إلا لأن الفتى القادم من الغمور وقف على أعلى التل. وبقدر ما كرهوني بقدر ما أحببت أنا ذلك الفتى الذي ربما حين ينسحب ويدركون بوحشية أنه راغب فيما يلهثون خلفه كل العمر، ربما حينها سيكتشون ألا شيء يستحق فعلا ألا تكون طيبا. أقول هذا وقد غفرت لهم، حتى أنني لم أشعر أبدا أنني كرهتهم ذات يوم.

في النهاية، أحب أن أشكر كل الذين ساهموا في إسعاد الروائي فيّ، أحب أن أذكرهم قبل أن أسلم الروائي للذكرى، وأضع مصيره في أيدي شخوص رواياته، بعدما كانوا هم في يوم من الأيام في يده، ففي نهاية الأمر هم وقصصهم أكثر خلودا وجدوى منهم.

شكرا أحبتي ووداعا..

تبقى إيمايلاتي وهاتفي مفتوحة أسبوعا واحدا فقط بعد نشر هذا الإعلان

*روائي وإعلامي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق