قراءات ودراسات

شعرية النثر في كتاب تراتيل لعينيك للمؤلف سليمان الصدي

دة. سمر الديوب*

تُعد الشعرية في الخطاب ظاهرة لافتة في تجربة سليمان الصدي، نبدأ بملاحظتها من العتبة النصية “تراتيل لعينيك”، والعتبات الفرعية ” أجراس الحب، سفر الياسمين، زوبعة فنجان، أتصدقني السماء؟” وقد اعتمد في خطابه السردي على لغة شعرية أكثر من كونها نثرية، فاللغة الشعرية لدى سليمان الصدي ملمح مهم على امتداد صفحات كتابه. والشعرية بمفهومها الحديث تعني – حسب تودوروف- تلك الخصائص المجردة التي تصنع فرادة الحدث الأدبي، أي الأدبية (1) يعني كلام تودوروف أن اهتمام الشعرية ينصب نحو الكلمة لذاتها، وفي ذاتها. أما رومان جاكبسون فيرى أن الشعرية تتجلى في كون الكلمة تدرك بوصفها كلمة، وليست مجرد بديل من شيء، ولاانبثاقاً للانفعال، وتتجلى في كون الكلمات، وتركيبها، ودلالاتها، وشكليها الداخلي والخارجي ليست مجرد أمارات مختلفة عن الواقع، بل لها وزنها الخاص، وقيمتها الخاصة.(2) فالكلمة – عنده- تدرس بوصفها مستقلة عن أي سياق. لقد تكلم النقاد العرب القدامى على جنسين أدبيين كبيرين هما: الشعر والنثر، وقسموا النثر إلى خطبة ورسالة وحكمة ومثل… لكنهم تكلموا أيضاً على نوع من الكلام هو وسط بين الشعر والنثر، يأخذ من النثر ترسله، ومن الشعر تخييله دون وزنه وقافيته، لكنهم لم يدرجوه ضمن الجنس الشعري، ولم يطلقوا عليه تسمية شعر منثور، أو قصيدة نثر، أو نثر شعري. بل سمّوه قولاً شعرياً. يعني الكلام السابق أن العرب نظروا إلى الشعر بوصفه شعراً، والنثر بوصفه نثراً، وإن اقترب النثر من لغة الشعر، أو اقترب الشعر من لغة النثر. وتختلف قصيدة النثر عن النثر الشعري –كما يرى دعاة هذه القصيدة- بأن النثر الشعري إطنابي، سردي، وصفي، يتضمن إيقاعاً، وتكراراً لبعض الصفات الشكلية. أما قصيدة النثر فمختصرة، إيحائية، ليس لها شكل إيقاعي مسبق يقيدها”3″. يصعب تسمية الخطاب السردي لدى سليمان الصدي خطاباً نثرياً؛ ذلك لأنه خطاب شعري بالدرجة الأولى، وسننطلق من فكرة أن النص الإبداعي يتمرد على كل القوانين، ويتجاوز القوالب الجاهزة. فالإبداع يعتمد على التجاوز، والتخطي.

1- شعرية العتبة النصية

ومن المصطلحات النقدية الحديثة مصطلح قصيدة النثر، وهو مصطلح غير موفق –في رأيي- ذلك لأن قصيدة النثر تحيل إلى وجود طرف مقابل هو قصيدة الشعر. فالقصيدة قصيدة وما التفعيلات والأوزان التي حاربها أصحاب قصيدة النثر إلا حرية مضبوطة. كما الأعداد؛ فلمستخدمِها حرية تشكيلها. لكن ضمن نظام عدديّ محدد. أما قصيدة النثر فتُخرج الشعر من شعريته. وقد وفّق المؤلف -في رأيي- حين أطلق على كتابه اسم خواطر اغترابية. فهي من وجهة نظره ليست شعراً، وليست نثراً. إن لها جنسية نثرية لكنها تحمل الكثير من سمات الشعرية في إطار ما يعرف بالتقاطع الأجناسي. وهو الأمر الذي لاحظه الشاعر محمود عبد الواحد حين قال في مقدمة الكتاب: ” وبعد.. فهذا هو تراتيل لعينيك… جرح فيه الكثير من الكبرياء.. غربة فيها الكثير من الانتماء.. وهو نثر فيه الكثير من الشعر..” وتنطلق قراءة هذا الكتاب من سمات الشعرية الموجودة في النص الأدبي “تراتيل لعينيك” ونبدأ بتلمس أول ملامح هذه الشعرية في صورة الغلاف؛ إذ يمكن أن ننظر إليه على أنه علامة أيقونية، فهو يجمع بين الوطن، والمرأة البعيدين القريبين، فتنسجم صورة الغلاف والخواطر الاغترابية. كما يمكن أن نلمح الشعرية في  العتبة النصية الأولى، وفي العتبات النصية الفرعية. وبذلك يمكن أن ندرج الكتابة عند سليمان الصدي ضمن بلاغة تقوم على آلية الانعتاق من آلية  الالتزام بأية محددات فاسحاً المجال أمام عمليات التداخل الأجناسي. فيبدو متمرداً على حدود الجنس الأدبي، وتعمل الكتابة عنده على إنتاج شعريتها الخاصة ذات الصفة التعددية. وبذلك يتجاور الخطاب التاريخي، والسياسي، والغزلي، والديني، والفني.  يعلن المؤلف عبر العتبة النصية عن مفارقة، وتضاد. فيرفع التراتيل لعينيها: للحبيبة، للابنة، للأم، للأرض. فتوحي التراتيل بجو ديني مهيب، أما العينان اللتان تتوجه التراتيل إليهما فهما كنز لا ينضب من الأسرار، تستودع فيهما الحبيبة جمالها، والأم حنانها، والابنة براءتها، والشام سحرها! وتتضح دلالة العتبة النصية الأساس في العتبة الفرعية “خواطر اغترابية” إنه مغترب، مرتحل، غير مستقرّ، وإنها مفارقة تشكل عتبة نصية، نلج منها إلى ما يؤكد هذه الدلالة في العتبات الفرعية ” عندما لا تحبينني، أنشودة إلى القلب، سورية، دمشق، بغداد، محمد الدرة ” والاشتراك التأويلي بين النص والقارئ هو الذي يتيح هذه الدلالات المتعددة. من هنا ندرك علاقة التقابل بين العنوان الأساس، والعنوان الفرعي. فالتراتيل للعينين توحي بالغزل، والخواطر الاغترابية توحي بالألم. وهو أمر يخلق نوعاً من التشاكل الدلالي والسيميائي بين العتبات، والعالم المتخيل الذي يشيده النص. وكأن المؤلف يقوم بفعل الاختلاف، والتأصيل عبر تعلقه بملامح الشعرية من خلال نص يميل إلى النثر الفني. وتختلف النصوص بحسب مستوى حضورها، وتفاعلها مع تراتيل لعينيك على الرغم من الوظيفة الإشهارية المهيمنة على فضاء العنوان. تحيل العتبة النصية إذن إلى خطابات متنوعة. ويأتي الإهداء: ” إلى أيقونَتَيْ روحي، ونجمتي عمري،الوردتين البتولين، ابنتي القريبتين البعيدتين:نانسي و لارا،وإلى القامة الطاعنة في شموخها وجلالها،أمي” خطاباً يندرج ضمن الأفعال الدالة على التواصل العاطفي بين الكاتب ومن حوله، يحمل حميمية يتوجه بها إلى أعز أقربائه. فثمة تشاكل سيميائي بين عالمي النثر، والشعر؛ لذا تستمر التراتيل الشعرية حاضرة بقوة في الفصول النثرية. فمن العتبات الفرعية ما يندرج في الحياة اليومية، ومنها ما يندرج في الهم الوطني، والخطاب العشقي للمرأة، والشام، والوطن العربي بعامة؛ لذا يمكن أن ننظر إلى العتبات النصية على أنها ملتقى نصوص وعلامات، لغة مفتوحة على مستويات متعددة منها السردي، ومنها الشعري، تندرج في كلٍّ خطابي.

2-شعرية التوقيعة

يعني الحديث عن التوقيعة، أو الومضة حديثاً عن النزعة البلاغية الشعرية، وعن تقنية الانزياح، والإيحاء، والتكثيف اللوني، واستنطاق رموز الطبيعة وصورها. وقد جنح الشعر العربي الحديث نحو القصيدة القصيرة، ونحو التكثيف، والتركيز. فقد غدت القصيدة تعبيراً عن لحظة انفعالية محددة، وأضحت هذه القصيدة شديدة الشبه بفن التوقيع؛ لتكثيفها، وإيجازها. ويمكن أن نلمح جماليات التوقيعات في هذا الكتاب؛ لاعتقاده أن هذا الشكل الأدبي يشبه التوقيع في توخي الإيجاز، وعمق المعنى، وكثافة الإيحاء. فيحوّل عبر التوقيعة شعريته إلى خطاب اتصالي يثير انفعالات المتلقي، ويجعله يشاركه مشاعر الشعب المحتل، وعذابات الاغتراب.

يقول معبراً عن وجعه العشقي تجاه حوران بلدته: “حوران، ص 67”

أحْبَبْـتـُك ِفوقَ الحُبِّ ، فوقَ مستوى الكلام

أحببتُ الحُبَّ فيك

وأحتمي بحبِّك من غدر ِالزمن

وضياع ِالمكان

ليت الكونَ يستحيلُ غيما ً

ويمطرُ خيرا ً

على ترابـِكِ

خطأ ً ظنَّ الناسُ عجائبَ الدنيا سبعا ً

بك ِيا ريحانة َحبِّي

عجائبُ الدنيا صرن ثمانيا

وتعتمد التوقيعة على حقول دلالية محددة أبرزها: الزمن، والحزن، والموت. وقد سميت توقيعة؛ لأن الشكل الأدبي يشبه التوقيع في الرغبة في الإيجاز، وكثافة العبارة، وعمق المعنى. فتثير التوقيعة لدى المتلقي الدهشة، وتدخله إلى عالم الأديب، وتنجم شعريتها عن موقف انفعالي، وقد تأتي في خاتمة المقطع، أو القصيدة، كما سبق، فتحمل الكثير من الإشارات والرموز؛ لذا تتركز فيها بؤرة الشعرية. أما التوقيعة التي تأتي في نهاية المقطع فهي جزء من قصيدة تسير في تسلسل، وهدوء إلى أن تأتي التوقيعة، فتحدث فجوة توتر هي شرط الشعرية، أو ما يسمى بالسمة الانفجارية في التأمل، والدلالة، والإيحاء. ويمكن أن نقول إن التوقيعة هي التي تحدث التوتر الشعري، فالتباين فيها يولّد حال إدهاش، ومتعةَ قراءةٍ تجعل هذه القراءة كاشفة.

يقول: ” محمد الدرة، ص 72،73 “

آه فلسطين ، يا أرضَ الأنبياء

فيكِ يُحْتـَضَرُ الوردُ ولكنه لايموت

فيك تحزنُ القوافي

عبثا ًيحاولُ الذئبُ نهشَ لحمكِ

تشتاقين إلى صباح ٍ

لم يأتِ بعدُ ولكنه سيأتي

في انتظار ِزغرودةِ النـَّصر ِ

شابَ شَعرُك

ويقول: “دمشق، ص117”

في عروبتكِ يخضرُّ قلبي

في تاريخكِ تنتشي روحي

في أزقَّتكِ أرى جنـَّـتي

دمشقُ يا معجزة َالخالق

نسجها على مهل ٍ…

فكانت درّة َالختام ِ.

إنها شعرية الومضة، شعرية التقابل والتضاد المعبرة عن الحال النفسية المتأزمة لدى سليمان الصدي: تأزم في الزمان والمكان، تعدد في الظلال الرؤياوية، استرسال سردي، فتأزم، فتشوق إلى النهاية التي تبلغ عندها الأبيات ذروة الختام. إنها المفاجأة الأسلوبية. وهنا نتساءل: هل هي جمالية شعرية جزئية، أو جمالية سياق عام؟

يكون التركيز على جمالية السياق؛ ليكون لخطاب الأديب وظيفة انفعالية تولد وظيفة تنبيهية لدى المتلقين تصل بالسرد الشعري إلى لحظة الإدهاش. ولعل أجمل ما في شعرية التوقيعة أنها تولي أهمية كبرى للمتلقي، فيُظهر الشاعر درجة من الذكاء تتطلب بالمقابل من المتلقي أن يكون على درجة عالية من النباهة؛ ليستوعب التوقيعة المتضمنة رمزاً وسخرية، والمولدة غير المُنتظر بالمنتظر -على حد تعبير جاكبسون-. إنها شعرية ناجمة عن السياق العام في القصيدة، وتأتلف مع سمات شعرية أخر؛ لتوليد ما يسمى بشعرية النثر.

3- الانزياح

هو استعمال اللغة استعمالاً يخرج بها عن المألوف، والمعتاد. فيضمن المبدع لنفسه التفرد، و قوة الجذب. فلغة الشعر انزياحية؛ لأنه يفجر النظام اللغوي؛ أي يحيد بالكلمات عما وضعت له أصلاً.

يقابل مفهوم الانزياح لدى النقاد العرب القدماء مصطلح العدول، وهو يدخل في باب مايجوز للشاعر، والفصيح دون غيرهما. ويرى ابن الأثير العدول من أشكل ضروب علم البيان، وأدقها فهماً، وأغمضها طريقاً. (4) وقد نظر النقد الحديث إلى الانزياح بوصفه أهم عناصر الشعرية، ووسيلة للتفريق بين اللغة الشعرية، واللغة العادية؛ إذ يرى جان كوهن أن الفرق بين الشعر والنثر كميّ أكثر مما هو نوعي. إذ إنما يتمايز هذا النوعان الأدبيان بكثرة الانزياحات، والفرق في هذه الكمية يمكن أن ينحدر إلى أقل ما يمكن.”5″ ولايعني هذا الكلام أن الأمر سيكون عشوائياً، لايلتزم بالدلالات المعجمية. فالألفاظ تكتسب دلالات أخر تحقق الدهشة. ” فإذا كانت حداثة الأدب، حداثة الكتابة تقتضي إلغاء وظيفة اللغة التبليغية لتحويلها إلى مجرد صمت مطلق فذاك شأن لانتفق عليه؛ لأننا نعتقد أن وظيفة الكتابة تظل في أي صورة تصورتها، وفي أي ثوب نسجتها، وفي أي سبيل سلكتها- وبأي لغة بلّغت بها- تظل- في كل الأطوار، وفي غير هذه الأطوار إن صح تمثل هذا كتابة باللغة، للغة، عبر اللغة.” (6)

اللغة لدى سليمان الصدي لغة انزياحية، ابتعدت عن مدلولات أرادها. ويصل التعارض بين المدلول المعروف والجديد إلى حد التناقض أحياناً. وهو يجعل المتلقي في كثير من الأحيان يصاب بالدهشة، وخيبة التوقع التي تحقق جمالية للنص، وشاعرية، ويصل الأمر بالقارىء إلى مرحلة لايستطيع أن يضبط إيقاع الكلام؛ لغلبة عنصر المفاجأة عليه. و يمكن القول: إن شعرية التلقي تنافس شعرية النص، وشعرية المرسل. فترتبط المفاجأة بالمتلقي، والانزياح هو الذي يحققها. وتقوم شعرية الانزياح على جذب الانتباه، وهو المرحلة الأولى للوصول إلى لذة النص. يقول: “ضياع،ص98”

حياتي صنـَعْتها

محطاتُ السَّفر وموانئُ الشواطئ

ولم أحصدْ في غربتي سوى حزني

أكلت عمريَ المهاجر

لا أريد أن يلتهمني دودُها

أتيتـُك شاكيا ًشَجَني

عذرا ً إن كانت قصيدتي إليكَ من دون إيقاع

لأن المزنَ لاتضبطُ موسيقى المطر

ويقول: ” دمشق، ص115″

ضميني يا شآم أنا العاشق الولهان

علـّني أروي غليلَ شوقي المتنامي

اعذريني إن تغرّبتُ عنكِ

أنت العارفة كيفَ كنتُ أعانقُ طيفك ِ

كيف كان حجرُ الصوّان

يردّد صمتي وأحلامي

لكلّ المدن شواطِئها ولغاتها

لكنك اختصرتِ العالم كله

فاستوطنَ سحركِ في عظامي

لأنكِ عنوانُ قلبي

أوردتي … تاريخُ أيّامي

أحبّك الآن ، وقبلُ ، وبعدُ

كأني أحبّك من ألف عام

تعدّ المفاجأة أهم ما يولده الانزياح، وتظهر في هذا النص قيمة في ذاتها. وهي ترتبط بالمتلقي أولاً. وقد غيَّر الانزياح وجهته أكثر من مرة في هذا النص، وبدا أنه أراد الانفلات من أن تضبط قاعدته. فلا يضبط المزن موسيقى المطر، وقد استحالت الشام تاريخ أيامه، سكنه عشقها من قبل الولادة. وهي فكرة تحيل إلى مقولة الأكر المقسومة التي تحدث عنها ابن حزم في كتابه ” طوق الحمامة في الألفة والألاف”7″ فقد فسّر الحب العذري بمقولة الأكر المقسومة التي تقول إن الله تعالى حين خلق الأرواح جعلها أكراً ثم قسمها، فشرع القسيم يبحث عن قسيمه؛ لأنه قدره، وليعيد التكوين الطبيعي له، فلا يبرح يشعر بوجع عشقي إلى أن يتحد بطرفه الثاني، فتحدُث الراحة العشقية. الشام مكان لكنه مكان حيّ في داخله، مكان يسكن فيه، يحمله في حقيبة سفره إلى الغربة، ويحمل قيماً شديدة الإيجابية، كما يحمل جمالاً خاصاً، ولا تتحقق راحته إلا فيه، وبه.

ويأتي إسناد الفعل إلى غير الفاعل الحقيقي؛ ليحقق جمالية خاصة للانزياح، فقد أسند الحصاد إلى الحزن، لا إلى الزرع، وأسند الاستيطان إلى السحر، وتتتالى الانزياحات، فللمدن شواطئ ولغات، وحجر الصوان القاسي يرأف لحاله، فيردد ألمه وآهاته. إن ثمة علاقة بين الشعرية، والأسلوبية. وتعد الأسلوبية الانزياح التركيبي أحد ملامحها المهمة التي تصب في مجال الشعرية. أما الانزياح عن القواعد فقد مال إليه الشعر الحديث كثيراً لكن تحت عنوان الخرق، والتجاوز، لا تحت عنوان الضرورة الشعرية، ولغة الشعر لغة انزياحية أولاً. وقد خرج المبدع عن القاعدة في كثير من الأحيان، فكثيراً ما يتقدم المفعول به على الفاعل، والخبر على المبتدأ، يقول: “ذكريات الحب الضائع، ص 49، 50”

سأرسلُ صواعق غضبي

لتعرفَ أنَّ الموتَ في عينيَّ قد عَـشقت

وأنك لولا مرافئُ حبِّي

ماولدْتَ ، وما أبحرت

تمدَّدْ على شواطئ ِنفسي

فسفينة ُ رجولتـِك لن تبحرَ

إلا ّفي أوردتي

أتـُذيقُ غيري خمرَ حبِّك

وأنتَ من شربت كأسي

فإن لم تتلألأ في سماءِ روحي

إن لم تنظمْ قصائدك من وحي حبّي

إن لم أجْعَلكَ ترى في عينيَّ آلهة َالهوى

جمرة ًبين أصابعك تحوَّلت

حقدي سيحصدُ وجهَك

سيحصدُ روحَك

فحاذر ياشهريارَ الليل

بعد انفجار ِسخطي

أنـَّكَ ستكون أولَ قتيل

أنا أحبُّـك

إن شـِئـْتَ ، وإن أبَيـْت

وتأتي هذه الانزياحات؛ لتحقق دلالات جديدة لاتؤديها اللغة العادية، وتحقق إيقاعاً برصف الألفاظ بطريقة تخرج عن القاعدة.

4-الإيقاع

يعد الإيقاع عنصراً مهماً من عناصر الشعرية، ونجده بأشكال مختلفة في هذا النص الأدبي. وقد تحقق الإيقاع في كتاب تراتيل لعينيك بنسبة كبيرة جداً، فلم يفسد نثرية الكتاب، ولم يؤثر في سرده. ويظهر أثر الإيقاع في خطابات الكتاب كلها من عشقي إلى حِكَمِي إلى سياسي إلى ديني. يقول: ” أنا مشتاق إليك، ص37،38″

أنا مشتاقٌ إليكِ

كأن نجومَ السماءِ علـّمتني

ألا ّ أشتاقَ إلا لعينيك ِ

وأمواجُ البحر ِلا ترضى بشراع ٍ

إلا ّ ذراعيك ِ

أنا مشتاق ٌ إليكِ

أسوقُ الريحَ أمامي

ولن أقف إلا في محطات ذراعيك

تعدّدي ما شئتِ ، أنا وطنـُك.. ومنفاكِ

لأني رجلٌ مقـدّرٌ عليك

أسافرُ في أوردَتِك

وأشتهي الغرقَ في بحيرَتي عينيكِ

أراكِ في كلِّ الوجوه

فمتى سترفعينَ السّـتارَ عن وجهـِك

لتدركي أنـَّـك لن تهربي من صهيل ِحبّي

وأنك تقطنينَ في مساحاتِ جسدي

وأني أبحثُ عن جنـَّـتي بين يديكِ

ظهرت جمالية الإيقاع من خلال التكرار: تكرار الحروف، والتشابه بين الألفاظ. وهو مايعرف بالجناس حين تجتمع لفظتان في الحروف، وتختلفان في المعنى، فيحقق هذا الأمر إيقاعاً مائزاً حيث يقول: ” وعدتِ ترقصين، ص85″

عُدْتِ وعاد معكِ القمر

وعقد البرق أعراسه

في احتفال المطر

زهرةً فوَّاحة ًعبقـْتِ في سمائي

فتلوَّن بشذى أحلامي الشعر

ياملاكا ًباتَ قلبي مأواه

من أنتِ ؟ ياسؤالا ً

تاهَ فيه الفكر

عُدْتِ ترقصين ، غيَّرْتِ كلَّ الألوان

أنتِ الفرحُ والشقاءُ

أنتِ الأمنُ والخطر

يجتاحُني إعصارُ حبـِّـك فاحذري

أعشقـُك كما يعشقُ النـَّدى الزهر

رسمْتُ وجهَك على شال ِقصيدتي

فشعَّ من عينيك اللؤلؤُ

فتحْتِ لي حدائقَ المعاني

فتخطت حدودي الشمس والبحر

قطفـْتُ من خفقاتِ قلبي

أزاهير الأمنيات

وعدْتِ ترقصينَ ثانية ً

والنارُ فيَّ تستعر

وثمة جمل متوازنة، ومسجوعة تضفي إيقاعاً خاصاً. وثمة طباق، ومقابلة يضفيان لوناً إيقاعياً جميلاً يشد المتلقي؛ لاحتوائهما الأضداد، ولأن اجتماع الضدين يُحدث خلخلة إيقاعية لافتة.

يقول:”زوبعة فنجان، ص52″

حلمتُ بفتاةٍ تـُحِيْلُ صحراءَ قلبي

نخيلا ً ، وحدائقَ نديَّة

تضيءُ عتمة َشراييني

تبدّلُ في النجوم ِمواقعَها

ترسمُ في مخيّـلتي صورا ًبهيّة

وأسرعتُ لأخبرَ أمّي

أخيرا ًوجدتـُها

وأحْصَيْتُ كلَّ الإشارات

وضاعَتْ حبيبتي في بقية ِالقهوةِ

وبكيتُ أحلامي وخمري ورنينَ كأسي

فبعدَ الأمل ِيأسٌ قاتل ٌ

لا رجاء ولا تأسِّ

ماذا أؤمِّلُ من فنجان ٍ

ومن ليل ٍمظلم ٍتطلُّ من سترهِ المخفيِّ شمسي

يعبر التضاد عن رؤية الكاتب جوهرَ الحياة القائم على توازي الضدين، وعلى قدرة الضد أن يحمل ضده معه، ويخفيه. فالفرح يحمل الألم، والليل المظلم يحمل وجهاً آخر هو الشمس. كما أن طاقة التشكيل الفني تقترن بالتوقيع الإيقاعي، فبدا كأنه يسعى إلى مقاربة القصيدة التشكيلية كأن يغلب شكل الشعر على شكل السرد، فيلجأ إلى الإيقاع، وتقنيات التكرار، فيتآلف الإيقاعي والبلاغي التشكيلي؛ لإثارة مشهد هو معنى وجودي للعناء الإنساني.

4-المفارقة

يهدف الكاتب من خلال المفارقة إلى خلق عوالم متضادة يقدم من خلالها رؤيته الوجودَ بثقافة مغايرة. وللمفارقة علاقة وثيقة بالأضداد التي تشكلها الحيل البلاغية؛ إذ تنحرف الشيفرات الثقافية عن المباشرة في المفارقة اللغوية. وعن طريق المفارقة يتأمل المبدع فيما تقع عينه عليه، وهذا مايسمح للخطاب بالتحول، والتعدد ضمن ما يمكن تسميته “الخطاب النوعي”،فينتقل من الخطاب الواقعي إلى الخطاب التأملي، ويدرك المبدع من خلال المفارقة التناقض فيما حوله، فيبحث في المتشابهات و المتنافرات فيما يقرأ. وقد أفادت المفارقة لدى الصدّي الجمع بين المتضادات في سياق لغوي واحد. يقول: ” أنا مشتاق إليك، ص37-39″

أنا مشتاقٌ إليكِ

كأن نجومَ السماءِ علـّمتني

ألا ّ أشتاقَ إلا لعينيك ِ

وأمواجُ البحر ِلا ترضى بشراع ٍ

إلا ّ ذراعيك ِ

أنا مشتاق ٌ إليكِ

أسوقُ الريحَ أمامي

ولن أقف إلا في محطات ذراعيك

تعدّدي ما شئتِ ، أنا وطنـُك.. ومنفاكِ

لأني رجلٌ مقـدّرٌ عليك

أسافرُ في أوردَتِك

وأشتهي الغرقَ في بحيرَتي عينيكِ

أراكِ في كلِّ الوجوه

فمتى سترفعينَ السّـتارَ عن وجهـِك

لتدركي أنـَّـك لن تهربي من صهيل ِحبّي

وأنك تقطنينَ في مساحاتِ جسدي

وأني أبحثُ عن جنـَّـتي بين يديكِ

أنت روضي فمتى أهطل عليك

ليتكِ البحر لأستعينَ بأشرعةِ الصبر ِ

لأغْرِقَ حزني في هدير ِالموج ِ

وأبحرَ فيك

كوني الوردة َلأكونَ عبيرَها

وعدتُ نفسي بدفئِك في كلِّ الفصول

وعدتـُها برحلةٍ تفضي إلى خمر ِشفتيك

آليتُ أن أبدأ تاريخي من هواكِ

وأشعلَ الليلَ نورا ً

إذا ما بدأتْ ألامي تناديك

أخافُ إن داعبْتِ كفـِّي

أن تـَحْـتـَويني ، وتـُشْعِليني

تـُسْعِديني ، وتـُشـْـقِيني

عاتبتُ أمسي لأنهُ أخفاكِ عن عينيّ

فإن غابَ قلبُك عني أضعتُ شِعْري

وقد تقوم المفارقة على مفاجأة للمتلقي، فيقرأ مالم يتوقعه حين يقدم المبدع موقفاً مفاجئاً.

يقول: “أنشودة إلى القلب، ص26-27”

حبيبتي من الندى

ستنعشُ أزهارَ روحي

ستتعرّى؛ لتستحمَّ في ينبوع ِقصيدتي

ستكون عودَ بخور ٍفي معبدِ حبي

ستكون بداية َ البدءِ، ولن يكون لها نهاية

لاتكوني رياحا ً لا يعقبُها المطر

تتصارعُ الأضّدادُ في داخلي

تقودني لدفءِ حضنِك تارة ً

وأحيانا ً إلى مرفأ الأحزان

أنا في حبِّك أبو نواس

سأتركُ الخيارَ للخمر ِلتشربني

لعلي أصبح ُ سيّدَ الموقفِ

وأقتلعُ أشواك َ الهجران

حبّي عصور تعـَتـّـقتْ في الدنان

5- التصوير

لغة النثر لغة إخبارية، ولغة الشعر تصويرية إيحائية. لكن الأجناس الأدبية تتجاور، ويحدث تبادل في المواقع ” فإذا الشعر نثر إذا كان نظماً، وإذا النثر شعر إذا كان مشبعاً بالصور، مثقلاً بالرؤى الشفافة، محملاً على أجنحة الألفاظ ذات الخصوصية الشعرية.”(8) ويأخذ المجاز لدى سليمان الصدي حيزاً كبير الأهمية؛ لمناسبته الخطاب التأملي الوجداني، وهو مجاز حافل بالدهشة، والطرافة. ” محمد الدرة، ص68″

لم أعرفْ طعمَ الحريق ِ

إلا حين اتـَّـقـَدَ نارُ حُضُورِك

رحلـْتَ ، فنشرْتَ فينا الضياء

فجَّرْتَ فينا كلماتِ حُبِّـك

إذا ما رَمَقـْتـُكَ

سالـَتْ عيوني زيتا ً

على أيقونةِ وجهـِك

ارفعْ للسماءِ قامَتـَك الطفولية َ

فقد سافرْتَ يادُرَّةُ في دمعي

من دون ِتذكرة ٍ، من دون ِإبحار

إن نـَزَفَ البكاءُ دموعَ عيني

فقد فجَّرْتَ أسرارَالطبيعةِ في عينِيك

تنبع جمالية الصور لدى المبدع من التنافر؛ فهو يجعل من المتنافر تماثلاً دالاً على وعي ثقافي تجاه موضوعات الحياة التي يقدمها وطنية كانت، أوعزلية. فيصور عالمه الإبداعي توافقاً، وتضاداً عبر نظام نسقي خاص يجعل هذه الأنساق تشغل وظائف جمالية لا حصر لها، وتحفز المتلقي؛ لتأويلها. فقد سال الزيت من أيقونة وجه محمد الدرة، ونزف البكاء دموع عينيه، وهي صورة تتعالق نصياً وبيتي العباس بن الأحنف:

نزفَ البكاءُ دموعَ عينكَ فاستعرْ فاستعرْ

عيناً لغيرك دمعُها مدرارُ

مَنْ ذا يعيرُكَ عينه تبكي بها؟

أرأيتَ عيناً للدموعِ تُعارُ؟

وأبرز مايميز الصور الشعرية لدى سليمان الصدي خروجها عن المألوف فهي مدهشة، تولّد من اللفظ العادي دلالات مجنحة. يقول: “دمشق، 118”

أنتِ على خارطة روحي

عاصمة ٌ توّجَها عشقي

صلاة تلاها قلبي

أرض الأباةِ … موطن الشهداء

منارة في الظلام ِ..

في عروبتكِ يخضرُّ قلبي

في تاريخكِ تنتشي روحي

في أزقَّتكِ أرى جنـَّـتي

دمشقُ يا معجزة َالخالق

نسجها على مهل ٍ…

فكانت درّة َالختام ِ.

أنت حبيبتي…

فرشتُ قلبي سريراً لعينيكِ

في عينيَّ نامي

وأخيراً: تراتيل لعينيك فضاءات عشق للمرأة والوطن، جرح مبدع يتألم لما يجري على الأرض العربية، يعيش أشواقه الروحية؛ ليشع الأمان، والحلم. فينبثق الضياء، وهو يعي التضاد حين يندغم الموت بالحياة، وتمتزج مرارة الواقع بحلاوة الخيال.

6-حواشي الدراسة

1-تزفيتان تودوروف، الشعرية،ص5

2-رومان جاكبسون، قضايا الشعرية، ص9

3-أدونيس، صدمة الحداثة، ص209

4- ابن الأثير،المثل السائر،  2/12

5-جان كوهن، بنية اللغة الشعرية، ص23

6- عبد الملك مرتاض، الكتابة من موقع العدم، ص53

7-ابن حزم، طوق الحمامة، تحقيق : حسن الصيرفي، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة .

8-عبد الملك مرتاض، النص الأدبي من أين وإلى أين، ص26

7- المصادر والمراجع

1-ابن الأثير، ضياء الدين: 1995، المثل السائر، تح: محمد محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت

2- أدونيس: 1983، صدمة الحداثة، ط4، دار العودة، بيروت، ص209

3- الأندلسي، ابن حزم، 1964، طوق الحمامة . ت : حسن الصيرفي، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة .

4-تودوروف، تزفيتان: 1999، الشعرية، تر: عثمان الميلودي، ط1، دار قرطبة، الدار البيضاء.

5-جاكبسون، رومان: 1988، قضايا الشعرية، ط1، تر: محمد الولي، مبارك حنور، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.

6-الصدي، سليمان: 2010، تراتيل لعينيك- خواطر اغترابية، ط1، منشورات دار الينابيع، دمشق

7- كوهن، جان: 1986، بنية اللغة الشعرية، ترجمة: محمد الولي، ومحمد العمري، ط1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء.

8-مرتاض، عبد الملك: 2003، الكتابة من موقع العدم، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران.

9-مرتاض، عبد الملك: 1983، النص الأدبي من أين وإلى أين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.

*سورية، حمص، جامعة البعث

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق