ثقافة السرد

وسط المدينة

د.فراس ميهوب*

صديق سوري خرج من البلد بعد الحرب، وتوجه إلى القاهرة لأن لديه أقارب يعيشون فيها قبل هجرته النهائية إلى فرنسا، روى لي حكايته العجيبة :
سكنت بعد وصولي إلى القاهرة في حي شعبي،كان السير ليلا فيه يعرض للخطر المحقق لوجود البلطجية واللصوص ،وكنت مضطرا للعودة بوقت متأخر في أغلب الأحيان.
قررت بعد نصيحة أحد أقاربي وبمساعدته المادية أن أشتري سيارةً قديمةً يعود تاريخ ولادتها إلى أربعين عامٍ خلت، ولكنها ماتزال تحتفظ بعجلاتها الأربع وتسير ما يسر لها الله ذلك وبسرعةٍ معقولةٍ تصل إلى أربعين كيلومتراً بالساعة، فكانت سعادتي بها لا توصف.
لكن و يا للأسف فأن السعادة في أي بلد عربي عادةً ما تكون قصيرةً قصر شجيرة البلّان، وعلى الرغم من أنّ سيارتي لم تصب بأي عطل ولم تخرج من الخدمة بعد ثلاثة أيامٍ من شرائها، لكن ما حدث أنَّي لم أك أجيد التحرك في شوارع القاهرة شديدة الازدحام، وذلك لم يكن نهاية أحزاني، فقد تجاوزت الإشارة الحمراء، ولم أتسبب بحادث يذكر، ولكن المأساة كانت وجود شرطي مرور قام بإخراج دفتره المطوي ثلاثاً على الأقل وقام بعد النظر إلى رقم سيارتي بتسجيل شيءٍ ما، ولكنه لم يصفر، فأكملت مسيري بمزيجٍ من القلق والتردد، فهل كان يجب أن أتوقف جانب الطريق، وأتوجه إليه طالباً منه الصفح، وأن يتراجع عن مخالفتي، أم أنَّ تجاهلي للتوقف كان بمحله طالما أنَّه لم يصفر صفرة الشرطي العربي المتقطعة المعروفة.
المهم أنّي تابعت سيري وذهبت إلى بيتي، وأنا بغاية الانزعاج من الموقف، ولم أنم تلك الليلة بسبب التفكير الممزوج بالندم، فقد لمت نفسي أولاً على شراء السيارة وتكلفتها غير الزهيدة، وثانياً على تهوري بالقيادة في مدينة وصلت إليها منذ أسابيع قليلة، وثالثاً وليس أخيراً على عدم التحدث مع الشرطي ومحاولة إقناعه بإلغاء المخالفة، والأهم هو أنَّ فكرة التعرض لمخالفة سير أمر مزعج جداً بحد ذاته.
وبعد أخذ ورد مع نفسي، قررت الذهاب فور انبلاج الصباح إلى مكتب نيابة المرور الموجود في مكان ما في وسط مدينة القاهرة، وقررت الذهاب مشياً على الأقدام مع استخدام وسائل النقل العامة ان احتاج الأمر.
اهتديت بعد جهد إلى مكتب نيابة المرور وكان موجوداً بالطابق التاسع عشر من بناية من عشرين طابقٍ بشارع طلعت حرب.
دلني مصريٌ طيبٌ إلى مكان العمارة بتفصيلٍ شديدٍ، ولكنه قال لي قبل أواصل مشيي إليها عباراتٍ غريبةً :(بالسلامة يا بني، ربي يسلمك لأهلك ، تروح وترجع بالسلامة).
لم استغرب تهذيب الرجل بقدر استغرابي من نهاية حديثه فأنا ذاهب للمصالحة على مخالفة مرورية وليس إلى محاولة تحرير القدس لوحدي من ترامب ونتنياهو وجنودهما الكثر و المدججين بالسلاح، إلّا أنَّ ذلك لم يمنعني من إكمال طريقي إلى بناية السعادة.
وبالفعل كان ممكناً رؤية العمارة من بعيد، وهي مازالت غير مكسوةٍ جيّداً، وليست مدهونةً من الخارج رغم أنَّ بناؤها منتهٍ منذ زمن يقارب العشرين عاماً حسب ظني.
وصلت إلى قرب البناية، وهالني مظهر اهتزازها الواضح للعيان، حيث كانت الريح ذلك اليوم قويةً بما يكفي لكي ألاحظ أنَّها تهتز بكاملها بشكل واضحٍ ، و الأنكى من ذلك وجود بنايةٍ آخرى قريبةٌ منها كثيراً، حديثةٌ ومبنيةٌ بمعظمها من الحديد ولها واجهةٌ زجاجيةٌ جميلةٌ.
كانت البنايتان ترتطمان معاً بعنفٍ نسبي، مع صوتٍ تسمعه الآذان بسهولةٍ.
ظننت للوهلة الأولى أنني وصلت بتوقيتٍ خاطئ وأنَّ سوء حظي المستمر قادني لأشهد حادثة السقوط لبنايةٍ وربما اثنتين في وسط القاهرة .
حاولت مع ذلك استعادة شجاعتي، وكل همّي الاهتداء إلى مكتب نيابة المرور، وموضوع المصالحة على المخالفة.
اقتربت بحذر شديد من مدخل البناية، وسألت حارسها عما يحدث فقال لي :
(يا بني ماتخافش ولا حاجة دي هي كدا من يوم ماتبنت يعني من عشرين سنة ويمكن أكتر).
كلام الحارس طمأنني نسبياً، وقلت في نفسي: ربما كان المهندس قد بناها هكذا معلماً هندسياً جميلاً فريداً ،فقد كانت فعلاً تشبه برج بيزا بل أنَّها تزيده ميلاناً لايقل عن٤٥ درجةٍ مع ارتطامها المستمر ببنايةٍ آخرى.
كانت حركة الناس في العمارتين مستمرةً بلا توقف ،وأعدادهم بالعشرات وربما المئات ولا يبدو عليهم مظهر القلق أو الخوف.
لمت نفسي على قلقي المبالغ به، ولكني عزوت ذلك إلى ما عشته وشاهدته في سوريا من حرب وموت ودمار.
وبدون مفاجأة كبرى لم يكن المصعد يعمل، ولكن ذلك كان مصدراً لتهدئة روعي، لأنه من غير المطمئن تماماً استخدام المصعد في هذه البناية العجيبة المتأرجحة.
صعدت الأدراج، كاد نفسي ينقطع حين وصلت إلى الطابق التاسع عشر حيث يوجد مكتب نيابة المرور.
تجلس شرطيةٌ خمسينيةٌ خلف مكتب صغير في زاوية صالةٍ ينتظر دورهم فيها عشرات الناس المخالفين.
سندت رأسي إلى الحائط وغرقت في بحر نوم عميق، ولم أصحو إلّا على صوت شخصٍ يوقظني منبهاً على اقتراب دوري حيث كان قبلنا ثلاثة أشخاصٍ فقط .
بدأ جار الانتظار يحدثني عن نفسه، وأنَّه يعمل في بيع بدائل سمعية للأشخاص الذين يعانون من مشاكل بالسمع، وأنَّه يسافر إلى أوربا من وقتٍ لآخر لشراء معدات تخص عمله.
كان حديثه شيقاً، وأثار فضولي أكثر حين علمت أنّ مكتبه يقع في بناية الحديد والزجاج التي لا تكف عن تلقي صدمات بناية السعادة هذه.
قال لي أنَّ كل القاهرة تعلم أنَّ هذه البناية آيلةٌ للسقوط بمن فيها، لكن أحداً لا يحرك ساكناً، فأغلب المكاتب الموجودة بها تعمل بتجارة العقارات و لا تريد التوقف عن العمل ولو ليومٍ واحدٍ أو الانتقال إلى مكان آخر، وأنَّ اخلاء العمارة سيفتح الباب أيضاً على تحقيقٍ لا يريده من بناها وهو مقاول ذو نفوذ كبير ومسنودٍ جيداً، ثمَّ قال: حتى أنَّ الحكومة لا تهتم كثيراً، ألا ترى مكاتب تابعةٍ لها هنا، ونحن في أحدها.
كان حديث جاري المنتظر مقنعاً، ولكن اهتمامي بدأ يذهب بعيداً باتجاه الورقة التي تمسك بها الشرطية والتي توجد بها قائمة بأسماء المخالفين ،حاولت مدَّ نظري إليها لمشاهدة اسمي كما يفعل طالب مدرسة في امتحان يقرر مصيره باستراق النظر إلى ورقة زميله.
كان اهتزاز البناية عنيفاً جداً هذه المرة فأنساني المخالفة والسيارة وأي شيءٍ آخر، وأحسست بصدمةٍ هائلةٍ تجتاح جسدي المتعب.
بعد وقتٍ ليس بالقصير، أيقظني من سباتي ألمٌ هائلٌ وأنا أحاول سحب قدميَّ من تحت قطعةٍ اسمنتيةٍ ضخمةٍ والدّم يخرج منهما بغزارة نهري دجلة والفرات.
بدأ وعيي يعود إليَّ شيئاً فشيئاَ حين وجدت نفسي بين الأنقاض، والماء الآسن يتدفق حولي بعنف، أحاول تلمس طريق الخروج بعيداً عن حطام بناية السعادة.

*كاتب سوري مقيم  بفرنسا.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق