الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | ” عذبة” الجزء -3 (رواية المأساة الفلسطينية)

” عذبة” الجزء -3 (رواية المأساة الفلسطينية)

صبحي فحماوي*

على هذا الحال يا عذبة يأتي الصهاينة إلى بلادنا من الغرب، تجدينهم ينزلون على شواطئنا كسياح بريئين،( لا حِسّ ولا نِسّ ) ثم ينسابون بنعومة الأفاعي السامة في غابات بلادنا تحت مظلة الانتداب الإنجليزي، وتزويدهم المالي، ودعمهم القتالي، ابتداء من وعد بلفور عام 1917، وحتى تثبيت دولة لهم بالقوة على جثث المواطنين الفلسطينيين عام 1948. يأتون إلى بلادنا، فتتحوّل الصورة الملونة السعيدة، إلى مسودة قاتمة، وأحيانا تخرج الصورة من الأحماض حمراء تقطر دماً !
ما زلت أذكر أيام كنا نلعب أنا وإياك لعبة (الحبل)، ولعبة (الإكس)، ولعبة (طاق طاق طاقية، رن رن يا جرس، شَمِّر واركب عالفرس)! تُشهِّيني أيتها الحميراء وجنتاك الحمراوين، وثوبك المزركش بالأصفر والأزرق، وعيناك المشتقتان من لون أوراق غابات البلوط الخضراء ، وشعرك الذهبي المسحوب من أشعة الشمس النافذة إلينا من بين أغصان الغابة، وحذاؤك الأحمر، الذي اشتراه لك أبوك، من تاجر الحليب جعفر.
نحن نسمي أطمبيل جعفر، صحّارة، لأن هيكلها مصفح بالخشب البني كالصندوق. وجعفر الحيفاوي يجمع من الفلاحين الحليب والبيض، والسمن والجبن واللبن، وزيت الزيتون، ومخلل رصيع الزيتون، ويبيعهم الأقمشة والأحذية، وأدوات المنزل، ويحضر لهم الشاي والقهوة والسكر، والأدوية البسيطة من حيفا، حسب الطلب، فنقف إلى جوار سيارته المحمّلة بأشياء كثيرة، نشم منها روائح مختلطة من الزيت والزيتون، والقرفة واليانسون والقهوة والعطور النسائية، وعيدان البخور البرِّي، الذي تجففه نساء القرية، وتقايضه بكحل العيون، أوالحناء والشّبِّة، وأشياء غيرها.
وجعفر صحته مثل البغل ، في الثلاثينات من عمره، وشارباه أسودان كثيفان غليظان، يبصق على إصبعيه ويفتِّل طرفيهما إلى أعلى، كقرني استشعار عقرب، ووجهه مستدير،ورأسه كروي كبير، بحجم طنجرة الضغط، وهو ضحوك ومغرور بنفسه، ومع ذلك يلقى من الفلاحين كل حفاوة وترحيب، ويبيع ويشتري بحرِّية، ودون منافسة أحد. أتذكر يوم غازلك، وأعطاك حبّات حلوى راحة الحلقوم المعطرة، وقال لك: “ما رأيك تتزوجيني يا حلوة؟” فضحكتِ وهربتِ إلى بيتكم ! شعرت بغيرة شديدة عليك! كنت أقول لنفسي: إذا وافقت، فسأحرق سيارة ذلك الحيفاوي، وأقلب طناجر الحليب، ومغاطيس اللبن التي بصحّارته، وأكسر البيض الذي بسلاله، وأجعله مثل التاجر جحا . أتعرفين (تجارة جحا بالبيض)؟ عندما أعطاه أبوه عشر بيضات، ليذهب بها إلى الدكان، فيبيعها ويشتري بثمنها قهوة. وراح جحا طوال الطريق يفكر أنه لو باع البيضات العشر، واشترى بثمنها قهوة، ثم غلى القهوة، وباعها كمشروب للناس في السوق، ثم اشترى بثمِن المشروبات عشرين بيضة فباعها، واشترى بثمنها قهوة فباعها، واشترى بثمنها خمسين بيضة، ثم مئة بيضة، ثم ألف، إلى أن يصبح معه مال كثير، يجعله قادراً على شراء سيارة، مثل أطمبيل جعفر الحيفاوي، فيتاجر مع الفلاحين، ويصبح إقطاعياً كبيراً، يتحكم برقاب العباد، فسوف يأمر الفلاحين، ومن سيعصيه منهم، سيضربه هكذا! وما أن ضرب جحا البيض، حتى انكسرت البيضات العشر، التي أرسله أبوه بها، فعاد خالي الوفاض دون قهوة، فضربه أبوه ضرباً مبرحاً !
أحكي لك يا عذبة خُرّافيات فقط لأسليك، لا بل لأسليِّ نفسي حتى توصلني هذه الحافلة إليك! آه لو تعرفين كم أنا مشتاق إليك، وأنك لم تغيبي عن مخيلتي طوال الخمسة وأربعين سنة التي غبتِ فيها عن ناظري، ولكنك لم تغيبي أبداً عن قلبي. لم أستطع الزواج بغيرك، فقررت أن أبقى أعزب، أو عانساً! قولي عني ما شئتِ، فأنا قد تزوجت القضية الفلسطينية. لا تغاري، ولا تصدقي! فأنا لن أتزوج غيرك. كم أنا مشتاق إليك ، ومشتاق إلى الفريديس حيث تعيشين، غير بعيدة عن بلدنا المهبّطة، أُم الزينات!
مشتاق لسهل عكا، ابتداء من أمواج البحر، ومروراً بأسوار عكا التي قاومت نابليون، ومنعته من احتلال الشرق العربي، وجامع الجزار، والحارات القديمة هناك، وقرية الزيب شمالاً، والتي لم يبق منها ، بعدما طخطخوهم كلهم عن صيب -حسبما حدّثنا أبي- غير المسجد الصغير، الذي حوّله المحتلون إلى بار وملهى للسُّكر والعربدة، يُطبِّلون ويرقصون داخله وفي ساحاته الخارجية كل ليلة، ويسكرون ويسهرون بين أرواح الفلسطينيين التي تتمدد مسترخية بهدوء، وتنام حالمة بأمواج البحر، فتفاجئها رائحة رصاص الاحتلال من كل جانب، لتقتل فيها البراءة، ولتصبغ سهولها الخضراء باللون الأحمر! ولشدة اندفاعات الأعاصير الغربية القادمة عبر البحر، والتي يسمونها رياح السموم، يتركون الجهة الشمالية مفتوحة، قائلين لهم: “اهربوا باتجاه بيروت”، فيهرب بعضهم، ويصمد الآخرون ليواجهوا رصاص الريح، وهم متشبثون بتراب وطنهم.
كم هي جميلة ووديعة قرية الزيب، أهلها يصطادون السمك، برائحته السردينية، وأحياناً تطلع لأحدهم عروس البحر، برأسها الأنثوي البهيج، وجسدها الانسيابي الساحر، وذنَبها السمكي المميّز، فيحتضنها صيادها وهو يشم معها رائحة الطحالب البحرية الخضراء، ويلاعبها مع نسيم البحر المالح، ويحاول أن يقبِّلها، فتقفز من حضنه إلى مياه البحر .
يسمع شباب القرى المحيطة بحكاية عروس بحر الزيب، فيأتون لمشاهدتها، ولكنهم يتوهون بين حورية بحر الزيب، وحواري القرية، فلا يعودون إلا بفاردة عرس، دُرّتها عروس من بنات الزيب، ينقلونها من شاطىء البحر، إلى التلال المرتفعة، فتعود من تلالها عطشى لتغسل رجليها في مياه البحر، فلا يعودون يميزون بين تلك الحورية وحورية البحر. وأما أسماك الزيب، فيستبدلونها بزيت زيتون أهل طمرا، وقمح سهل عكا، وبصل وثوم قرية شفا عمر، وصبر وتين قرية صفورية، ومشمش وخوخ ورمان قرية الرينة، وأحياناً يغريهم رمان صدور بنات الرينة، المخلخلات المزركشات، الناضجات نهودهن الدانية بين ثمار أشجارهن اليانعة هناك، فيخطبون إحدى الجميلات منهن، ويزفونها بفاردة عرس بهيج، يبدأ من قرية الرينة، ولا ينتهي عند شاطيء بحر الزيب. قرية الرينة تلك، القاعدة على سفح غابات الجليل، الملتفة على خصر سهل البطّوف، مثل زنّار الحرير الأخضر، مرتفعة شامخة ، داكنة الخضرة، وكأنها غابات سوداء، تلتف مزهٌوّةً فوق سهل البطّوف. نذهب أنا ورفاقي في موسم بطيخ سهل البَطُّوف، المميز بضخامته واحمرار جوفه، وحلاوة طعمه المعطر “قال والدي” فنعمل في قطف البطيخ، وتحميله في السيارات الشاحنة، ونأكل منه حتى ننسطح! ومعنا شباب من قرية الرينة. فنمازحهم ساخرين: “أهلاً شباب الرينة، كل عشرة منكم بقُطِّينة”! لكن ثبت يا عذبة أن شباب الرينة أحسن منا، ولا أعرف كيف تحايلوا على احتلال فلسطين! وكيف استطاعوا أن يبقوا، رغم القتل والذبح، الذي لم يسلم منه شاب! ورغم الإرهاب والتشريد، الذي لم يسلم منه عجوز أو طفل فلسطيني… قد تكون حمتهم دخانيس ومغارات غابات الجليل في تلك المجازر، وحنّت عليهم، فاختبأوا بين ثناياها ..ومن يومها بدأت أفهم جدوى المغارات العميقة المعتمة! كنا نربط مفهوم المغارة بالغولة، وكانت جدتي سعدة تحكي لنا خرّافيات عن عينيّ الغولة، اللتين تخرج منهما نار، تحرق من يقترب منها، وعن أسنانها التي تبرز كالخناجر دامية من فمها، وطول كل منها شبر، فتنهش كلّ من يقترب منها، وعن شعرها الطويل الأشعث!
ولكن المغارات التي حمت بقايا الصامدين في وجه الزلزال الفلسطيني، أثبتت أن غولتها كانت حنونةً، وملجأً وحارساً أميناً لأطفال من شُتِّتوا، فحفظت من بقوا منهم على قيد الحياة، وتشبثت أظافرهم بصخور مغاراتها، حتى عادوا إلى قرية الرينة، فتزاوجوا وتناسلوا وتكاثروا، فتباهت بهم فلسطين إلى يوم القيامة!
* روائي فلسطيني خص المجلة بشرف نشر روايته على أجزاء

لمتابعة الأجزاء السابقة: 

عذبة: رواية المأساة الفلسطينية/ الجزء – 1

عذبة: رواية المأساة الفلسطينية/ الجزء – 2

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

فارس بلا جو اد

مع الاعتزاز بالمسلسل العربي “فارس بلا جواد” قصة:أسعد العزوني ذات يوم تناهى إلى مسامع “محمود …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *