ثقافة السرد

Visited me again in Amman

نازك ضمرة*

تمكن الأديب العراقي أن يزورني في عمان للمرة الثانية، أنسنته الأيام والثقافة والفن والأدب. يقاربني في العمر، وربما أصغر قليلاً لكن لاشك أنه على أبواب السبعينيات، تركته يستريح في اليوم الأول من زيارته لمنزلنا دون أن نتطرق إلى حال العراق، حاول أن يقيم في إحدى فنادق عمان المتوسطة، وما أكثر الفنادق فيها، وكأن عمان خلقت للفنادق والسياحة، خصوصاً في العقود الأخيرة، وبعض فنادقها رخيصة أو مقبولة التكاليف للفقراء والعاديين… أما المتوسطة فلرجال الأعمال، وما أكثر الزائرين العاديين من العراق، أما عن رجال الأعمال العراقيين فلا  تسأل، تجدهم أمامك وخلفك وحولك في الأسواق والساحات، في المدن الصناعية أو قاعة البورصة، لم يقاوم رغبتي في استضافته بمنزلنا، مع ان ذلك أقل راحة له، قال إنه عانى كثيراً حتى تمكن من ضمان الخروج والوصول سالماً، يكرر أنه تعب كثيراً وربما في حياته، تنهد بنغمة عالية مريرة ثم قال: أخيراً عدنا إلى عمان بعد تزاحم الأحداث الجسام، والأردنيون أكثر الناس معرفة  بالعراق وحتى بمشاكل أهله، ثم أضاف قائلاً وكنا على انفراد، وفي نغمة بين الهمس والهمهمة

الوضع اختلف ايها الصديق العزيز، اعلم أنني أستطيع تحمل تكاليف الإقامة في فندق متوسط  في عمان، وتعرف أن كل العراقيين وأنا منهم يحبون قاع المدينة، ولنا أو لمعظمنا تاريخ وتواصل مع الأردن وأهله.

أفهم ما تقول، لكنك ما دمت في عمان فلتنس الأمس، ولنحاول أن تستمتع وربما تغير نظرتك لعماننا، نستطلع أخبارها وأدباءها وأماكنها وحالها وآثارها من جديد. وسيارتي العجوز ستتكفل بتنقلاتنا وتحركاتنا، وهل تعلم أنني ما زلت قادراً على قيادتها، أعرف طرق عمان السريعة الجديدة والدائرية واللولبية، وطرق النجاة والهرب من الزحام.

أقيم عندكم بشرط أن تعطيني الحق في الانتقال لأي فندق أو مدينة أخرى في الأردن أي وقت أشاء، والأردن بلد عزيز على كل العراقيين.

أوافق مبدئياً على رغبتك، لكن ألا توافقني على أن صحتك هذه المرة أفضل مما كانت عليه قبل سبع سنوات، ربما لأنك مطمئن على أهلك في بغداد على الأقل في الغذاء والكساء، ولم تعد بحاجة لأي مساعدة من أحد هناك أو في عمان.

كان مجيد يجلس بجانبي في السيارة، يستنشق أنفاساً طويلة وعميقة مستمتعاً بهواء عمان اللطيف في أواخر أسابيع فصل الربيع، مقارنة بجو بغداد في السنوات الأخيرة، لا أدري لماذا خطر ببالي أن أريه مكاناً قد يعجبه، فكانت مباني إحدى المؤسسات التجارية الكبرى في عمان نموذجاً لما وصلنا إليه من تطور، اقترحت عليه أن نقوم بزيارة  المبنى وبعض المكاتب، صارحت صديقي أنني لم أعد أعرف أحداً في ذلك المكان بعد انقطاع لقائي مع زميلة عملنا معاً قبل سنوات عديدة، لأنني تقاعدت منذ عشرة أعوام، تواصل لقاؤنا بعد توقفي عن العمل، وهي تمثل المرأة العمانية الحديثة، تحب الحرية والديمقراطية والسلام والتمتع بالحياة، وجمال ملابسها وحسن قوامها يظهرها أصغر بكثير من عمرها، المبنى حديث وتصاميمه فاخرة، به مناظر واقسام مثيرة للزائر. يقاطعني قائلاً

–  هل تستطيع أن تحدثني عن صديقتك تلك؟ إن المرأة العراقية في الغالب انطوت على نفسها خلال السنوات الثلاثين الماضيات. وبدأت تتململ بعد دخول الأجانب لبلادنا.

بعد الغداء في اليوم الرابع لزيارته كنا أمام مبنى المؤسسة الساحر، أشجار مقزمة وفازات ضخمة  نصبت في الزوايا  والأركان أمام المبنى وفي مدخلها، وحتى إن الشارع الذي تقع فيه، تزيّن بأجمل ما وجد على وجه الأرض من نباتات وأشجار، بإمكانها العيش في جو الأردن الطبيعي، لم يصدف أن شاهدتها من قبل في عمان، وربما لمحدودية علاقتي بالناس وبالموسرين فيها، صديقي مجيد يتنفس بعمق حين وجد نفسه أمام المبنى العتيد، ووسط جماليات طبيعية، قال عنها إنها محمية  نادرة الوجود، وتمنى أخذ صور تذكارية، ولم يكن معنا كاميرا، لكنه رغب أن يتوقف عند كل نبتة أو إناء، شاهدنا رسومات فنية من فنانين أردنيين ومهندسين، وقليل من عراقيين، قال ليت أمانة عمان تخصص هذا الشارع للفنانين من كل الأقاليم العربية، ثم تساءل: لماذا نفتقد الفنانين المصريين والليبيين والسعوديين؟ لم أستطع إجابته على سؤاله، وربما حاولت القفز عن هذا الموضوع. لكننا قرأنا: مصمم المشروع المهندس صفوان، صفوان من لا أذكر هذه اللحظة، نقف على البسطة الأولى التي تقود للمدخل الرئيس، أقول له: هنا، كنت أقف حتى تراني فأؤشر لها، أرفع يدي بتحية حيية، وعادة ماتوقف سيارتها  في جانب قصي من المرأب المقابل، حتى تتمكن من المغادرة أي وقت تشاء، وبعد أن تستأذن وتأخذ ساعة الاستراحة وقتها، تقترب محيية من بعد، لا تتوقف معي ولا تحادثني، تصعد الدرج للطابق الثاني، لا تستعمل المصاعد الكثيرة والسريعة المصفوفة أمام زوار المبنى، أتبعها إلى حيث اعتدنا الجلوس، أدخل فأجدها وحدها، أو تفهم صديقتها، وربما لتفاهم بينهما، تتركنا وحدنا لنصف ساعة، تقطع سيدتي الجلسة قبل عودة صديقتها، قلت لها مرة، ربما تذهب لمكتبك هي الأخرى؟ ضحكت وأدارت وجهها صوب الأبراج الجديدة العالية في عمان، قالت إنها متزوجة وعندها طفلان، هي أم تحب أطفالها وتحرص على منزلها ووظيفتها وشخصيتها وحريتها وعلى اقتناء زوجها. يقول ضيفنا مجيد

قد تكون إحداهما عراقية الأصل، أو درست في بغداد، أو في بلد غربي.

لم ندخل في تفاصيل ذلك، لكن حسب علمي هي امرأة مثقفة ومن طبقة اجتماعية راقية، تفهم جيداً ما عليها وما لها، يقول مجيد وعلى شفتيه آثار ابتسامة خبيثة

أفهم أمثال هؤلاء الناس، العالم كله يسير بخطوط معلنة وبخطوط خفية بالتوازي وفي نفس الوقت على مدى العصور بغض النظر عن المقرر والمألوف ، والمحبب والمكروه، تحسّ بسعادة وبأهمية وجودك حين تكون بصحبة امرأة ودود، وخاصة إن أمسكتما خطوطاً لقراءة تفاصيل فكر الآخر.

روحها الخلاقة، وعقلها المنفتح، جعلاها تحتويني مع انني حاولت أن أكون وعاءها، تدخلني إلى مرافق وموانئ لم أتوقع أن أجدها في أي امرأة أخرى.

في اليوم الثالث وبعد جولة في جبل القلعة عدنا لنلعب طاولة النرد أنا ومجيد على شرفة منزلنا، كنا نتذكرأموراً كثيرة حصلت في بغداد، والواقع نسينا أموراً أخرى أكثر، لكنه مازال مسحوراً ومندهشاً من كل ما يشاهد من مناظر حداثية، ومواقع أثرية في الأردن، يقول إنها تدلل على تقدم الأردن الفقير عن بعض الدول العربية الغنية بثرواتها، ثقافة وزراعة ونمواً وإبداعاً، يهمهم أثناء سيره كخرف أو ثمل، وسمعت بعض اقواله “يا إلهي هل يمكن أن  تتطور بلد ما بهذه السرعة؟،

يتنهد بعمق وبصوت مرتفع كعادته، فانطلق يخبرني عما حدث معه في اليوم السابق، بعد أن أصرّ على دخول المدينة وحده، ضل طريقه فقرر أن يسأل أهل الفيلاّ  الصغيرة التي خلفه، يقول إنه اتجه صوب الفيلا العريقة الجميلة المجاورة، فيرى امرأة، ومجيد يحب التحدث مع النساء، سألها عن طريقة الوصول للطريق الرئيس، أشارت له بالاقتراب، وقفا طويلاً ويبدو أنه نسي غرضه.

عرف أنها امرأة عراقية ثرية تقيم في عمان الغربية، بعد أن أنهينا لعبة طاولة النرد، ركبنا السيارة صوب منتزه عمان القومي، قلت لضيفي

تذكر أن لا ترتبط غداً، حتى نتناول طعام الغداء معاً في منزلنا حسب استعدادات زوجتي، واتصالها المتكرر على الهاتف النقال لتذكيرك عن هذا الأمر.  فأجاب

أعطتني المرأة العراقية رقم هاتفها.

لم أشأ أن أسأله عن مدى المساعدة التي يتوقعها من امرأة عراقية،  وهنّ كثر في عمان. كنت أخطط لأريه مفاجآت إضافية في مدينتي عمان، لكنه اصرّ على التحرر والانتقال لفندق لمتوسطي الدخل ليلتها.

*كاتب فلسطيني مقيم في أمريكا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق