ثقافة المقال

محمد صلى الله عليه وسلم في مرآة الغرب بين الجور والإنصاف

إبراهيم الباش

رأى الغرب في الإسلام ديناً يحمل في جوهره روحاً وثّابة وقدرة خارقة على الامتداد جغرافياً واكتساح القلوب التي تقبل على اعتناقه بصورة منقطعة النظير، لذا سعى الغرب بكل وسائله لمجابهة هذا المد بشتى الوسائل والطرق التي تكفل الحد من بروز الإسلام كقوة هائلة لها ثقلها على الساحة الدولية والعالمية في أكبر تحد حضاري وديني شهدته أوروبا وأمريكا، ولا سيما في العقود الأخيرة من القرن العشرين، فكان أن وُجدت سياسة تسعى على قدم وساق للإساءة للإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بيد أن الحقيقة عصية عن أن يحجبها ظلام الحقد الأعمى حيث نهض عدد كبير جداً من علماء الغرب يفندون الآراء ويردون على أبناء جلدتهم ومنهم عدد من المستشرقين المنصفين أقروا بعظمة الإسلام وقرآنه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم والفضل ما شهدت به الأعداء..

أولاً: الغرب بين العمى والعمه قديماً وحديثاً

إذا أراد الطفل الأوروبي أن ينام فإن أمه أو مربيته تهز له أرجوحته وهي تغني له أو تقص عليه بعض الأساطير عن (محمد صلى الله عليه وسلم) الذي ادعى النبوة وأنه خرج من أرض النار واللصوص.

هذا جزء من صورة محمد صلى الله عليه وسلم في الغرب إبان العصور الوسطى، ولو رجعنا إلى الوراء لنبحث في بعض الكتابات والنصوص القديمة عند الغرب والتي تناولت شخصية محمد صلى الله عليه وسلم وبخاصة إبان العصر الوسيط لرأينا أن تلك النصوص والكتابات انطلقت في معظمها من خلفية واضحة وهي العداء المعلن ضد محمد صلى الله عليه وسلم كإنسان ومحمد صلى الله عليه وسلم باعتباره صاحب الدعوة حيث كرست الأساطير التي حيكت حول شخصيته لتأخذ مسارها في توتر مأساوي صعوداً وهبوطاً لتشكل عقلية الأوروبي الذي ورث تراكماته الثقافية عبر منحنى الزمن وعدّها مسلمات لا يرقى إليها الشك.

هذا وقد تبدت للغرب صورة محمد صلى الله عليه وسلم نبي الإسلام كخطر دائم يجب فهمه والاحتراز منه لأنه لغز من ألغاز الشرق المثير، وتضخمت هذه الصورة على مر الزمن بحيث أصبح العرب أو الشرق بصفة عامة هو (الآخر) المثير الذي يجب أن يحسب حسابه وكان الخطر الإسلامي ماثلاً على الدوام في مخيلة كل بيزنطي، وكان مجرد وجود الدولة الإسلامية يضطر بيزنطة إلى التزام خط التيقظ الدائم. ومن التخرصات والافتراءات على نبي الإسلام ما كتبه بطرس بلومان ووليام دينا المتوفى 1520م، وكذلك يوليوجيوس القرطبي وهو من أشد العلماء والقساوسة كراهة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ولم يكتف علماء الغرب بإنكار نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ورفضها جملة وتفصيلاً بل إنهم اعتبروا أنه من المستحيل الذي لا يقبل الجدل أن يظهر نبي من العرب ثم إن خيالهم تمادى في تخرصات لا يمكن أن ترقى إلى مستوى العلم وامتلأت كتبهم بشتى الصور البشعة (لمحمد) قائد الإبل ومحمد راعي الغنم ومحمد المصاب بالأمراض العصبية ومحمد الفقير البائس الذي أنقذه مال خديجة كما قال الحاقد جون بيجوت غلوب باشا، ثم (محمد) الذي تستهويه النساء ومحمد الذي لفق سياقاً عربياً جمعه من التوراة والإنجيل وأطلق عليه (القرآن). ومن هنا فإن حصيلة الفكر الأوروبي وكتابات القرون الوسطى حول شخصية محمد صلى الله عليه وسلم اتسمت بالجهل والابتعاد عن الموضوعية ولا يقودها سوى الحقد الأعمى. هذا وإن الحملات المسعورة ضد نبي الإسلام متصلة الحلقات منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام، وتوِّجت في نهاية المطاف بنشر الصور المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم في الصحف الغربية، كما سار عدد من المفكرين الغربيين المحدثين والمستشرقين على نهج من سبقوهم في العصور الوسطى حيث جاءت أفكارهم ترداداً وتكراراً لمطاعن أولئك السابقين دون فهم دقيق لسيرة محمد صلى الله عليه وسلم معتمدين في كتابة نقدهم وتاريخهم على المصادر الرومانية التي امتلأت بالتشويهات والأساطير والعداء المستحكم لنبي الرحمة والإسلام بصورة عامة ومن هؤلاء غولدزيهر وبروكلمان ونولدكه. ولاشك أن الثقافة الانحلالية تدفع الغرب دوماً إلى مزيد من القطيعة بين الإنسان والدين ومن نتائج هذه القطيعة الاستهزاء بكل ما هو مقدس دون أن يفهم ذلك الغربي المشوه أن هناك فرقاً جوهرياً بين الإنسان الغربي البعيد عن الدين والإنسان المسلم الذي لا يرى قيمة لحضارته الإنسانية من دون الإسلام الذي يمثل النبي محمد صلى الله عليه وسلم المصدر الثاني لهذا الدين. ولا يخفى دور القنوات الإعلامية الغربية اليوم في تقديم الصورة النمطية المشوهة والمحرفة للإسلام، والطامة أن شريحة كبرى من المجتمع الأوروبي لا تعرف شيئاً عن الإسلام إلا عبر ما تنقله تلك الوسائل الإعلامية، حيث استطاعت هذه القنوات الإعلامية على نحو ما أن تكوّن الصورة الذهنية في المتخيل الجماعي عن الإسلام ونبيه في أوروبا، وقوام هذه الصورة ترديد لما كان شائعاً عند الغرب قديماً إبان العصور الوسطى من أن محمداً صلى الله عليه وسلم نشر الإسلام بالسيف وأن الفتوحات الإسلامية هي توسعات استعمارية وأن محمداً هو مخترع القرآن ومؤلفه، وأنه رجل شهواني، وأن المسلمين لا يؤمنون بعيسى عليه السلام إلى غير ذلك من الأنماط الإعلامية التي دأبت على تشويه شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعلى رأسها الأفلام الأميركية الهوليودية التي تحمل مسؤولية الصورة النمطية المشوهة للعربي والمسلم وتعززت هذه الحملة الغربية بعد أحداث ا لحادي عشر من أيلول لترسخ في عقلية الغربي أن الإسلام دين ترويع وعنف، وهذا الضخ الإعلامي ضد الإسلام ونبيه سعى لترسيخ ما يسمى (الإسلاموفوبيا) أو ما يعني العداء للإسلام على أنه أمر طبيعي ليس فيه أي غضاضة ومن ثمة ليس فيه أي تورّع في الاستهزاء بأهم من حمل لواء هذا الدين وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: شهادات منصفة

على الرغم من مطاعن المشركين بالنبي والإسلام زمن النبوة إلا أنه وجد من الكافرين والمشركين وأهل الكتاب من أقر بهذا الدين وصدق نبيه وعظمته، ألم يقل المقوقس كلمته بتجرد وإنصاف بعدما سمع رسالة النبي صلى الله عليه وسلم التي حملها حاطب الصحابي: «إني نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهودٍ منه ولا ينهى عن مرغوب فيه ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب وجدت معه آية النبوة». وهرقل الذي قال عندما سمع كتاب رسول الله: «إن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين». وفي هذا العصر ظهر فريق من علماء الغرب ومفكريه ومستشرقيه وقفوا وقفة إنصاف وموضوعية في بعض ما كتبوا فكان هذا جانباً مضيئاً في نتاجهم على الرغم من أنهم جانبوا الصواب في مواقف أخرى، وعلى أي حال فما كتبوه من شهادات منصفة حجة عليهم وشهادة يشهد بها هؤلاء على أنفسهم وعلى مجتمعاتهم بعظمة هذا الإسلام وقرآنه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وبين أيدينا آراء كثير منهم أنصفوا فيما قالوا، فمنهم من قال كلمته ملتزماً الموضوعية في الغالب ومنهم من جاء قوله بعد دراسة وتمحيص لسيرة محمد صلى الله عليه وسلم فكان لدراستهم قيمة علمية رفيعة، ومنهم من هو حديث عهد بالإسلام، ومن هنا فلا يمكن أن يتهم أحد منهم بالتعصب للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولدينه.

فمن ذلك إنصاف عدد من مفكري الغرب للنبي صلى الله عليه وسلم في وصف جوانب من شخصيته ومنهم برناردشو وتوماس كارليل، حيث محصا في دراسة البيئة العربية في مهدها مكة والمدينة والطائف وما ساد فيها من أحداث وقيم معتمدين على الأخبار الصحيحة التي رواها المسلمون الثقات والمصادر الموثوقة التي تعنى بهذا الشأن فكان كلامهما في شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم قريباً من الموضوعية والإنصاف. فتوماس كارليل رأى أن النبي كان له شخصية متكاملة بجوانبها الثلاثة الجانب الخَلقي والجانب الخُلقي والجانب العقلي، ويكفي الغرب شهادة ما قاله كارليل في الرد على من زعموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم مزور مخادع حيث قال في كتابه «الأبطال وعبادة البطل»: «لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يُظن من أن دين الإسلام كذب وأن محمداً خداع مزور، وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فإن الرسالة التي أداها مازالت السراج المنير مدى اثني عشر قرناً، لنحو مئتي مليون من الناس أمثالنا خلقهم الله الذي خلقنا، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاشت بها وماتت عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء كذبة وخدعة». وها هو غوستاف لوبون يرى أنه «إذا ما قيست قيمة الرجال بجليل الأعمال كان محمد من أعظم من عرفهم التاريخ». ومن جهة أخرى فإن دراسة السيرة النبوية التي تعد الركيزة الأساسية لحركة التاريخ الإسلامي دفعت القس لوزون إلى القول: «إن محمداً صلى الله عليه وسلم وبلا التباس ولا نكران من النبيين الصديقين بل إنه نبي عظيم جليل القدر والشأن». أما الفيلسوف تولستوي فقد أعجب بحكم النبي وساق في كتابه (حِكَم النبي) اثنين وستين حديثاً سماها حكماً اختارها من كتاب عبد الله السهروردي نقلها من الإنجليزية إلى الروسية، وكان هذا شهادة تقدير على جبين الإسلام من رجل مسيحي، وهي شهادة مملاة من عقله وقلبه وضميره، وهو القائل في النبي محمد صلى الله عليه وسلم:

«ومما لا ريب فيه أن النبي محمداً من أعاظم الرجال المصلحين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمة جليلة ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق وجعلها تجنح للسكينة والسلام وتفضل عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء، وتقديم الضحايا البشرية وفتح لها طريق الرقي والمدنية وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام». وإذا كان بروكلمان يرى أن الإسلام قد أبلته الأيام وانقضى إلى غير رجعة فإن الفيلسوف الإنجليزي برناردشو أعلن عن تعشق أوروبا لدين محمد صلى الله عليه وسلم حيث يقول: «إن أوروبا الآن بدأت تحس بحكمة محمد وتعشق دينه كما أنها ستبرئ العقيدة الإسلامية مما اتهمتها به من أراجيف رجال أوروبا في العصور الوسطى». وهذا غيض من فيض تلك الشهادات المنصفة التي تدل على أن الحقيقة يمكن أن تشوه زمناً ولكن لا يمكن طمسها إلى الأبد وكذلك حقائق الإسلام الذي تكفل الله بحفظها لا يمكن حجبها «فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض».

ثالثاً: «إنا كفيناك المستهزئين» الحجر الآية (95)

جاء في أسباب نزول الآية السابقة أن نفراً من قريش استهزؤوا برسول الله وبدينه فدعا النبي على كل واحد منهم فهلك كل واحد بحسب دعوة النبي، فمنهم من مات من أخمص قدمه لجرح أصابه، ذلك أن النبي أشار إلى قدمه ومنهم من مات لقيح في رأسه، ذلك أن النبي أشار إلى رأسه ومنهم من هلك من بطنه لأن النبي أشار إلى بطنه، وقد جاء سياق الآية السابقة بعد أمر الله تعالى نبيه بقوله:

«فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين» الحجر الآية: 94.

وجاءت كفاية الله لنبيه في سياق توكيدي (إنّا) واستعمال ضمير العظمة (كفيناك) فالله الذي تكفل بحفظ نبيه من لوثات الاستهزاء في بواكير الدعوة هو الذي يتكفل بحفظ نبيه في كل زمان ومكان فالعبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإذا كان الغرب اليوم يسعى، وعلى الرغم من الأصوات المنصفة فيه، إلى النيل من نبي الإسلام دون تورع ولا احترام للخصوصيات، فإن الله عز وجل هو القادر على رد كيدهم في نحورهم، وكان للحدث الأخير في الدنمارك وما نشر من رسوم مسيئة لنبينا أثر عظيم في تنبيه المسلمين في أصقاع العالم الإسلامي إلى عمق المكر الذي يدبر ويخطط للنيل من الإسلام ونبيه وأن ذلك ما هو إلا حلقة من سلسلة متصلة مع ذاكرة الحروب الصليبية في الماضي. ولعل من السطحية والسذاجة النظر إلى الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم في الصحف الدنماركية على أنها نابعة عن الجهل بحقائق الإسلام وسيرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم كما يحلو للبعض أن يرى المسألة فهذه الإساءة دلت وبما لا يتطرق إليه الشك، أن ما قيل وما يقال من تطور المجتمعات الغربية وانتقالها إلى عصر الحداثة وما بعد الحداثة وما يطرح من تقريب المسافات بين الشرق الإسلامي والغرب ما هو إلا اصطياد في الماء العكر، فالاستهزاء بالنبي ما هو إلا صدىً لحقد قديم جديد، تفوح رائحته وما زال يشكل حضوراً في المتخيل الجمعي عند الغرب مما يعكس دوافع صراعية استعدائية لا مجال لنزعها. ومن جهة أخرى فقد أبرز الحدث عمق ارتباط المسلمين بدينهم ونبيهم فكان ذلك رسالة موجهة إلى الغرب الذي يسير نحو الثقافة الانحلالية من كل شيء مقدس، وبهذه الرسالة أدرك الغرب أهمية مراعاة خصوصية التركيبة الثقافية للأجيال المسلمة الجديدة في أوروبا وضرورة إعادة النظر في كل ما يكتب عن الإسلام ونبي الإسلام من تنقص واستهزاء وعداء وضرورة الاستماع لما تقوله الأصوات الغربية المنصفة عن الإسلام ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق