قراءات ودراسات

الحداثة الشعرية وهاجس اللغة

د.عمارة بوجمعة*

لم تعد اللغة في مناخ الحداثة وسيلة، بل هي هدف للخلق وتجليا له. وفي هذه اللغة تبلغ الكثافة حدودها القصية، حيث ينهض صوت الكلمة شكلا صوتيا للمعنى، كما أن صورتها الحسية أو وجوها الفيزيائي يصبح بما فيه من بعثرة أو اكتظاظ أو استطالة صورة مرئية لما تريد التغيير عنه”وهكذا،خلقت اللغة مجرى جديد الشعرية ينهض خارج حدود الوزن والقافية ويفتح عالما جديدا من جمالية الشعر وطراوته في اختراق الواقع وتجاوز سياقات الانفعال المألوفة.
يحرص الشاعر العربي الحديث عبر هذه الروح على اتخاذ الغموض والتفكك عناصر فنية في مواجهة أحادية الشكل الشعري وثباته، وفي صوغ رؤية جديدة للإنسان والعالم، ذلك أن “الخروج على الشكل ليست مجرد خروج تشكيلي، وإنما هو خروج شامل: من حالة وعي معينة إلى حالة أخرى، ومن رؤية إلى رؤية، ومن حساسية إلى حساسية، ومن لغة شعرية إلى لغة شعرية، ومن ثقافة وقيم إلى ثقافة وقيم أخرى، ومثل هذا الخروج ليس سهلا: إنه يستلزم القدرة الخلاقة “. إن قيمة الشعر لا تتحدد في هذا المعنى بمعايير البلاغة الشعرية القديمة القائمة على نظام البيت والوزن، فالقصيدة الشعرية الحديثة لا تخضع لأي شكل أو وزن ثابت “وهي جاهدة أبدا في الهرب من كل أنواع الانحباس في أوزان وإيقاعات محددة، بحيث يتاح لها أن تكشف بشكل أشمل عن الإحساس بتموج العالم والإنسان الذي لا يدرك إدراكا كليا ونهائيا”. إن الشكل الشعري بهذا المعنى هو صيغة مفتوحة على الإمكانات المتعددة للصوغ والتشكيل. وهو صوغ فني يضع في القصد طبيعة التجربة وإيقاعها.

إن تحرير الشعر من قاعدته الشكلية القديمة، هو تحرير للغة، وتعميق لفاعلية الوعي الشعري من أجل أن يكون الشعر كشفا حقيقيا عن الحياة المعاصرة عبر تجاوز المقولات التقليدية في تحديده وكتابته. إن هذا التحول، لا يرتبط بالشعر فقط، ولكنه يرتبط أيضا بالشاعر الحديث، إذ “لا يستطيع الشاعر أن يبني مفهوما شعريا جديدا إلا إذا عانى أولا في داخله انهيار المفاهيم السابقة، ولا يستطيع أن يجدد الحياة والفكر، إذ لم يكن عاش التجدد فصفا من التقليدية وانفتحت في أعماقه الشقوق والمهاوي التي تتردد فيها نداءات الحياة الجديدة، فمن المستحيل الدخول في العالم الآخر الكامن وراء العالم الذي تثور عليه دون الهبوط في هاوية الفوضى والتصدع والنفي”. إن هذه القاعدة تجعل التجديد الشعري مرهونا بطاقة التجربة الإبداعية وفاعليتها من حيث إن هذه التجربة هي الدافع على الحركة والتغير والتخطي، وهي الكاشفة عن غنى التجربة الإنسانية وتنوعها.

وعلى أساس هذه القاعدة الفنية، تميزت التجربة الشعرية الحديثة بثراء أشكالها الشعرية، لأن قصيدة الشعر الحديث تنهض “على فكرة تنظيم العالم عبر شبكة مرايا فيما تعبر عنه بتركيبها الجدلي الرحب وحوارها المرآوي اللانهائي بين هدم الأشكال وبنائها، بما يتيح في النهاية أنموذجا شكليا فائق الخصوصية والتفرد، يفاجئ اللغة ويسهم في إحداث التعبير والتحويل في كيانها”. لقد تمكن الشعر عبر هذا الانفتاح من الانتماء إلى أعماق الشاعر وتجربته. “وربما كان من أولى خصائص الانفتاح في هذا الشكل أن لتجربة الشعرية تتمتع بحرية مطلقة في اختزال شكلها وتأسيس مقترباته في حالة تناسب مثالية بين الحاجة الفنية والضرورة والنتيجة، بحيث يكون لكل نص شعري شكله المختلف” لقد أفضت هذه الحساسية الجديدة في اختراق الشكل الشعري القديم إلى تحصيب إمكانيات الشعر في استثمار طاقة اللغة والاستفادة من التطور الحاصل في الأشكال الفنية الأخرى من أجل تمثيل تحولات المرحلة الشعرية واستيعاب إيقاعاتها الإبداعية المختلفة.

اقترنت الحداثة الشعرية العربية عند روادها باللغة، فقد اعتبر أدونيس أن الحداثة الشعرية “تساؤل جذري يستكشف اللغة الشعرية ويستقصيها” وبهذا تكون قيمة الشعر قائمة أيضا في استحضار لغة تجاوز الأشكال والطرق الشعرية القديمة، ذلك أن الكشف عن الجوانب الجديدة في الحياة تتطلب بالضرورة الكشف عن لغة جديدة تتجاوز الرؤية التقليدية التي لا ترى في اللغة إلا زخرفا وزينة، وهكذا تكون لغة الشعر الحديث وفق هذه الرؤية “هي الوسيط القادر على نقل رؤيا الشاعر، وهي السر الحامل لمفردات الكشف والنبوءة والخلق، واللغة هنا تتجه من العمومية أي أن تكون لغة مشتركة كما في الحياة القديمة لكي تصير لغة خاصة متفردة-تنطبع عليها السمات الشخصية والفريدة للتجربة التي تميز كل شاعر ولروح العصر الجديدة المتجددة عبرها”. وبهذا، تكون مهمة الشاعر قائمة في تحرير اللغة من عادة الاستعمال لتصبح قادرة على حمل انشغالات الشاعر وأحلامه وطموحاته. وبهذا كانت لغة الشعر الحديث هي لغة الخلق الفني. إن بنيتها قائمة في مفارقة بنية التعبير الفني في لغة الشعر القديم، من حيث هي وسيلة استنباط واستكشاف جديد.

ومادام الشعر المعاصر يطمح إلى تجاوز الظواهر ومواجهة الحقيقة الباطنية، فإنه جعل من اللغة أبعادا إشارية، تعتمد الإيحاء أكثر ما تعتمد التصريح، وكان هذا الطموح الفني يعكس في جوهره انسياق الشعراء العرب وراء التأثر بقراءتهم للشعر الأجنبي، فقد ظهر أثر القراءات الأجنبية لدى شعراء الحداثة العربية، “فتجاسروا على اللغة الشعرية من نواح عديدة، بلاغية وإيقاعية ونحوية، وبسبب من ذلك، راح الشعر العربي الحديث يحفل بصيغ وتراكيب غريبة على طبيعة الجملة أو العبارة العربية، كما راح يحفل بكلمات وتعابير من اللغة العامية أو الدارجة تمثلا باستعمالات أجنبية”، غير أن هذا الانسياق وراء التجربة الشعرية الغربية لم يعدم الاستفادة الواعية من المخزون اللغوي التراثي والبحث من داخله عن صيغ شعرية أكثر غنى وأكثر عمقا في تجسيد إحساسات الشاعر وأفكاره، فقد طل التراث اللغوي الحديث معينا مهما للتجربة الشعرية العربية الحديثة.

لقد تطور الوعي بالكتابة الشعرية الحديثة منذ بداية التحولات الشعرية الأولى. إنه من الممكن اليوم أن نلمس ذلك التطور في الرؤية والوجود والزمن، ومعنى ذلك أن الشعر لم يعد بوحا شعوريا أو غناء ساذجا، بل أصبح طاقة معرفية تتجه إلى عمق اللغة والجسد والكون، لذلك أضحى النظر إلى الشعر بأنه في الأساس تجربة لغوية، تتطلب وعيا قادرا على استثمار خصائصها المتعددة، بما يمكن الشعر من تعميق التعبير عن التجربة الوجدانية والمعرفية والشعورية، وبهذا استطاعت التجارب الشعرية الحديثة أن تذهب بالشعر إلى مناطق فنية أكثر عمقا وكثافة. كان هذا التحول في فهم الشعر سببا حاسما في الاستفادة من إمكانات اللغة الشعرية ومن الأشكال الفنية التي انفتح عليها الشعر. وكان من نتيجتها أن تمكنت الكتابة الشعرية أن تقيم وعيها على ضرورة تجاوزها معطيات الشعر العربي القديم استجابة لإيقاع الحياة المعاصرة في أشكالها ومضامينها وإيقاعاتها المختل

*كاتب وناقد أكاديمي. جامعة سيدي بلعباس.

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الحداثة الشعرية وهاجس اللغة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق