قراءات ودراسات

اللاهوت العربي: قراءة في كتاب د. يوسف زيدان.

بقلم: مهندس حسين جبار

إن ما يصدمك (ولا أقول يلفت إنتباهك) للوهلة الأولى في كتاب الدكتور يوسف زيدان هو العنوان ذاته. فنحن نعرف بوجود لاهوت يهودي ومسيحي وإسلامي، ولاهوت لديانات أخرى غير هذه الثلاث؛ لكن لم نعرف من قبل عن لاهوت عربي! وتتساءل هل كانت العربية يوما دينا محددا حتى يكون لها لاهوتها الخاص؟! لكن بعد أن تبدأ قراءتك للكتاب تتبين أن الكلام هو عن “عقلية عربية” محددة طبعت كلا من اللاهوت المسيحي والإسلامي بطابعها الخاص؛ وأن هذه العقلية محددة جغرافيا في منطقة الهلال الخصيب(العراق وبلاد الشام).

ديانات أم تجليات؟

يضع الدكتور يوسف زيدان في البدء أصلا مهما، وهو أن اليهودية و المسيحية و الإسلام هي ((ديانة واحدة ذات تجليات ثلاثة))(ص٢٠). و إذا بدى لنا أن هذه الديانات الثلاث تختلف في تشريعاتها و عقائدها فإنما ذلك عائد، برأي د. زيدان، لإختلاف اللغات و الأماكن و الأزمنة. ((لكن الجوهر الإعتقادي ظل واحدا، و ظل النسيج الأصلي يتم على المنوال ذاته))(ص٢٤). أما جوهر هذه الديانات الثلاث فليس هو في كونها سماوية و ذلك ((أن أي دين، أيا كان، هو بالضرورة سماوي لغة و اصطلاحا!))(ص٢٠). و ليس كذلك في صفة التوحيد حيث ((هناك ديانات أخرى سابقة و لاحقة، نادت بالتوحيد منذ عبادة آتون التي قال بها إخناتون، إلى نِحلة البهائية))(ص٢٥). و إنما ((الجوهر الجامع بين اليهودية و المسيحية و الإسلام، هو تأسيس اللاحق منهم لذاته على السابق، و تأكيد نبوة الأنبياء (الأوائل) في الديانات الثلاث مجتمعة، مع بعض الاختلافات في صورة هؤلاء الأنبياء بين اليهودية و المسيحية من جهة، و الإسلام من جهة أخرى))(ص٢٥). من هنا يرى د. زيدان “عدم صوابية” المقارنة بين هذه الديانات فيما يسمى بـ “علم مقارنة الأديان” و الأقرب عنده، فيما يرى “أن نقرن بين الديانات الرسالية الثلاث (الإبراهيمية) أو نقارب بينها، على اعتبار أنها تجليات ثلاثة لجوهر ديني واحد))(ص٣٠). لكن الأهم من هذا هو “تأصيل الإشكالية” او ما يسميه د.زيدان بـ “المُتَّصَل التراثي” الذي يجمع تلك الديانات الثلاث. يوضح هذا بصورة جميلة في قوله ((حين أنظر إلى التراث الممتد منذ اليهودية المبكرة، حتى الفكر الإسلامي المعاصر، أرى ما أسميه بالمُتَّصَل التراثي، و أستشعر (التساندية) الممتدة بين البنيات الكلية، المؤثرة بتفاعلها التساندي مع بعضها، عبر المراحل التاريخية المتتالية. و هذه التساندية الخفية بين العناصر المؤثرة و البنيات الكلية، تظهر بسببها في الواقع الفعلي تجليات، تنشغل عنها الأذهان بالنظر في تفاصيل الواقع الفعلية، الجزئية، بدلا من النظر في طبيعة البنية العليا، المستترة، التي أبرزت الواقعة))(ص٣٠). من ضمن خطوات التأصيل أيضا يضع د.زيدان فرضيات أساسية:

الأولى:- ((أن التراث العربي/ الإسلامي، لن يمكن فهمه أو الوعي به، من دون النظر المتعمق في الأصول العميقة لهذا التراث الإنساني الهائل))(ص٣٢).

الثانية:- ((أنه في حالة (التزامن) والمعاصرة بين الدوائر التراثية المتداخلة، فإنه لا يشترط بالضرورة، أن يؤثر الأقدم زمنا في الأحدث منه أو التالي عليه))(ص٣٢).

الثالثة:- ((أن اختلاف اللغات المعبر بها عن المفاهيم و الإصطلاحات الدينية، قد يوهم بأن هذا المفهوم أو ذاك المصطلح، مختلف الدلالة بين العرب و السريان و اليونان، مع أن المعنى المراد واحد))(ص٣٤).

جذور الإشكالية ومحاولتا الحل.

تكمن جذور “الإشكالية” في الصورة التي ترسمها التوراة لله و للإنبياء. فالله ((يظهر في سفر التكوين حائرا و ثائرا على البشر جميعا، حسبما نراه في قصة الطوفان))(ص٥٥). و أيضا ((يحب أن يطاع، و يستلذ رائحة الشواء، و يندم على أفعاله السابقة!))(ص٥٦). بل و ((تظهر في النصوص التوراتية، المقدسة، صورة (إنسانية) لله))(ص٥٦). و غيرها من الصفات المستنكرة بحق الله. و ((قد انقلبت في التوراة منظومة القيم الإنسانية، رأسا على عقب، فصار القتل مباحا ما دام يتم باسم الرب، و صار الزنا بالمحارم جائز الإقتراف أو وارد الوقوع، حتى في حق الأنبياء))(ص٦٠-٦١). وأيضا فإن ((الصورة التوراتية للآباء الأوائل والأنبياء ورجال الله، مفزعة))(ص٦١). هذه هي الإشكالات التي أثارتها التوراة اليهودية، و التي وجد فيما بعد، اللاهوت المسيحي، و من بعده علم الكلام الإسلامي، أو ما يسميه د. زيدان باللاهوت العربي؛ وجد هذا نفسه في مواجهتها. و أهم هذه الإشكاليات هي مشكلة صفات الله و أفعاله. و عن فحوى هذا اللاهوت العربي يقول د. زيدان ((أن الديانة المسيحية لم تعرف (اللاهوت) إلا من خلال المحاولات التي أرادت أن تنتقل بالفكر الديني من الاشتغال بحقيقة و طبيعة المسيح (الكريستولوجليا) إلى الانشغال بالذات الإلهية وصفاتها، وما يتعلق بها من موضوعات وعلاقات بين الله والعالم (الثيولوجيا). وهذه المحاولات الكنسية، وتلك المذاهب الدينية، ظهرت في منطقة الهلال الخصيب (الشام، العراق) وهي المنطقة التي سادت فيها الثقافة العربية، من قبل ظهور الإسلام، بل من قبل انتشار المسيحية بقرون من الزمان… وهذه الإجتهادات الهرطوقية العربية، الساعية إلى تأسيس لاهوت مسيحي، مضاد للكريستولوجيا الأرثوذوكسية وهيمنة المؤسسة الكنسية؛ ظهرت كلها في محيط جغرافي محدد، و بين جماعة بعينها من الناس. فكان ذلك المحيط الجغرافي وكانت تلك الجماعة، هما بذاتهما المجال الذي ظهر فيه، بعد ظهور الإسلام، ما سوف يسمى بعلم الكلام))(ص٤٦-٤٧).

كان الحل المسيحي للإشكالية التي أثارتها التوراة حول صفات الله، هو نقل الجدال بتمامه من الله إلى المسيح، ((ولأن كل ما هو إلهي (ثيولوجي) قد أمسى متعلقا بالمسيح، أي صار كريستولوجيا، فإن المشكلة الكبرى في اليهودية (صفات الله) لم تعد مطروحة للنظر، وإنما صار الإيمان القويم (الأورثوذكسي) إيمانا بالمسيح الذي هو الله، وصار التشكيك في ألوهيته التامة يعني الكفر بعينه، أو هو بحسب الإصطلاح المسيحي: هرطقة))(ص٧٧).

((ومن هنا نقول: إن ما يسمى في التراث المسيحي باللاهوت، إنما هو لاهوت لا يتعلق في مجمله بالله ذاته، بل يدور جوهره حول المسيح الذي صار (الله) حين صار الكلمة جسدا، بحسب الفهم الأرثوذكسي لطبيعة يسوع))(ص٩٨).

أما في الإسلام ((فقد قدم القرآن باعتباره لاهوتا عربيا حقيقيا، أو هو التجلي الأخير لهذا اللاهوت؛ حلولا محددة لكل ما كان اليهود و النصارى يختلفون فيه من مشكلات عقائدية. وقد قدم القرآن حلوله، بأن أعاد بناء التصورات الأساسية للألوهية والنبوة))(ص١٣٩-١٤٠). فهو من جانب اعاد رسم صورة مشرقة للأنبياء معاكسة لما تصورهم به التوراة، كما أعاد للاهوت مساحته التي سلبتها منه المسيحية ((و هكذا سطع الله بقوة في القرآن الكريم، حتى لا يكاد اسمه(تعالى)يغيب عن سطر واحد، و لا يكاد حضوره يفارق أي معنى من المعاني القرآنية… أما عن (الصفات) فقد أفاض القرآن في تأكيد علو الله عن العالمين، فهو تعالى المفارق التام… و مفارقته تعالى للمخلوقات والموجودات جميعا، تامة… و على هذا النحو، تم إسلاميا تجاوز أزمتي: صورة النبي، صفات الله))(ص١٤٥-١٤٦). وكذلك ((أعاد القرآن بناء التصورات الخاصة بالمسيح، ثم طرحها من جديد، على نحو جدلي لا جدالي. أي على نحو فيه منطق لتصاعد الوقائع، ولارتباط المقدمات بالنتائج؛ و ليس على نحو اجتهادي سجالي، كفعل المفكرين الكنسيين السابقين))(ص١٤٦).

بين عقليتين: شرقية و غربية.

يرى د. زيدان أنه بعد خروج المسيحية من أرض مهدها الأول فلسطين، و انتشرت في البلدان المجاورة، في القرن الثاني بعد الميلاد، أخذت كل ثقافة تطبعها بطابعها الخاص الممتد إلى قرون سحيقة. و قد حطت المسيحية رحالها وسط ثقافتين أو عقليتين متمايزتين: في الغرب الثقافة المصرية العريقة و اليونانية، و في الشرق الثقافية العربية (العراق، بلاد الشام). يقول: ((و إذا كانت فلسطين هي مهد المسيحية، فإن مصر كانت بمثابة المهاد والتمهيد والوهاد لانتشار هذه الديانة الجديدة، بناءً على الفهم المصري القديم لعالم الآلهة ذي الأبعاد الثلاثة(ثالوث: إيزيس، حورس، اوزيريس) وإمكان تمازج البشر بالآلهة (الفرعون إبن الإله) و أن للحياة مفتاحا (عنخ، الصليب) و جواز قيام الموت و انتظار الحساب (أوزيريس إله الآخرة) و الإنجاب من دون نكاح حسي (إيزيس تحبل من زوجها الميت)…الخ و قريب مما سبق، ما نجده في الديانة اليونانية القديمة… حيث نرى كثيرا من آلهة جبل الأولمب، خاصة كبيرهم زيوس، يغرمون بنساء من بني الإنسان، و يعاشرونهن فيلدن لهم (أنصاف آلهة) مثل سيزيف، هيراكليس، ديونيسوس…))(ص٨٢-٨٣). ((و من هنا لم يكن غريبا على المسيحية في مصر و اليونان، أن تصير أورثوذكسية مؤمنة إيمانا (قويما) بأن المسيح هو الله))(ص٨٤). على العكس من هذا ((كانت الديانات السابقة على المسيحية في منطقة الجزيرة العربية والهلال الخصيب، تعلي من رتبة الآلهة، وتصورهم مفارقين تماما لعالم البشر. و مع أن الناس هناك صوروهم أحيانا على هيئة بشرية في (الأوثان) أو هيئة مجردة في (الأصنام) إلا أنهم بشكل عام، اعتقدوا بوجود مسافة شاسعة بين الله و الإنسان… و لذلك نرى العقلية العربية التي شاعت في هذه المنطقة من العالم، تتلقى المسيحية بفهم آخر يخالف الفهم المصري و اليوناني. و لأن الفهم الأخير هو (القويم) فقد صار الفهم المخالف له، هرطوقيا))(ص٨٤). و هذه الثقافة العربية، كما يرى د. زيدان، تمتاز بأنها: ((ثقافة عملية (براجماتية) لا تنزع إلى التفلسف النظري العميق، و لا تقبل فكرة الإمتزاج و التداخل بين الآلهة و البشر، و تعتقد بوجود كائنات وسيطة بين العالمين الإلهي و الإنساني، كالجن و العفاريت و الكهان و الأنبياء و الملهمين))(ص٨٧). ((و هكذا، فهم المصريون و اليونان في جهة الغرب، من النصوص الدينية و الأناجيل، أن المسيح هو ابن الله، ثم آمنوا بأنه الرب و بأنه الإله…بينما كان من الطبيعي أيضا، أن يفهم العرب و الكلدانيون و الآشوريون و اليهود الذين آمنوا بالمسيح، أنه المخلص أو هو النبي))(ص٩٣-٩٤).

اللاهوت العربي: هراطقة مسيحيين و مبتدعة مسلمين!

((شهد قلب الشام الكبير، و العراق، هرطقات متوالية التوالد يصعب تحديد زمن ظهورها الأول… ومن اللافت للنظر أن الهرطقات الكبرى (الكريستولوجية) ظهر معظمها في منطقة الهلال الخصيب))(ص١٠٣).

من الهرطقات المسيحية:

الإبيونية: ظهرت و عاشت عند نقطة التقاء الجزيرة العربية بالهلال الخصيب، و تحديدا في بادية الشام؛ في القرنين الثاني و الثالث ثم اختفت أواخر القرن الرابع. ((و كان هؤلاء الإبيونيون يرون أن يسوع المسيح، هو ببساطة (الماشيح)أو(الماسيَّا) و بالتالي فهو المخلص أو المهدي اليهودي المتظر))(ص١٠٨-١٠٩).

بولس السمسياطي: عاش في القرن الثالث، و لقبه هو نسبة الى بلدة سمسياط الواقعة على شاطئ نهر الفرات، من الجهة الغربية. وكان يرى ((أن يسوع المسيح بشر مخلوق شأن بقية الخلائق، ولا ألوهية له، وإنما هو نبي من الأنبياء))(ص١١٠-١١١).

لوقيانونس: قسيس أنطاكي، شامي الثقافة و الخدمة الإكليريكية. استشهد سنة ٣١٢م. اتهم بالهرطقة لأنه قرر ((أن الله واحد لا مساوي له، و أن كل ما هو خارج عنه (تعالى) فهو مخلوق))(ص١١٣).

آريوس: يعتبر عدو المسيحية الأول. توفي سنة ٣٣٦. وكان ممن رفض ألوهية المسيح.

نسطور: ولد في قرية مرعش الشامية. و هرطقته كانت هي رفضه تسمية مريم بـ والدة الإله. ص(١٢٠-١٢١).

أما في الإسلام فظهر هناك:

معبد الجهني: عربي من قبيلة جهينة عاش في البصرة في القرن الأول الهجري. تدور بدعته حول نقطة وحيدة هي نفي القدر. و قد أشار المؤرخون إلى نقطة مهمة و هي أن أستاذه كان رجلا مسيحيا. ص١٦٠-١٦٢.

غيلان الدمشقي: و بدعته أنه وافق على مذهب الجهني في تقرير الحرية الإنسانية.ص١٦٣.

الجعد بن درهم: عاش بالشام و بدمشق تحديدا. يتلخص مذهبه في أنه كان يقرر أن الله منزه عن صفات الحدوث، و كان ينكر بعض الصفات الإلهية القديمة، و منها صفة الكلام.ص١٦٦.

الجهم بن الصفوان: ولد سنة ٨٠هـ و مات ميتة مريعة، سنة ١٢٨هـ. يشار إليه على انه مؤسس ما يعرف بالمعطلة، أي منكري الصفات الإلهية. حيث يرونها، كما يراها المعتزلة، عين ذات الله.ص١٦٧-١٦٨.

ومن المثير أن هؤلاء قتلوا جميعهم بطرق مروعة!

يرى د. زيدان بأن هؤلاء هم “الآباء المؤسسين لعلم الكلام الإسلامي. ((و قد عاشوا جميعا في منطقة الشام والعراق، و هي مهد الهرطقات و موئلها… بل يمكننا القول باطمئنان، أن قوام مذهب (أهل السنة) الذي نعرفه اليوم، لم يتحدد إلا باتخاذ مواقف محددة من اجتهادات آباء الكلام. مثلما تحددت الأرثوذكسية من خلال مواقفها (التاريخية) من الهراطقة))(ص١٦٩). حيث ((لم تكن الإرهاصات الأولى لعلم الكلام، إلا دخولا في التراث العربي اللاهوتي، الذي لم يكن من قبل يتحدث اللغة العربية… و هكذا صرتُ اليوم أوقن أن علم الكلام هو من حيث جوهره اللاهوت العربي، و قد بدا في ثوب جديد))(ص١٧٢).

………………

الهوامش:

يوسف زيدان: اللاهوت العربي وأصول العنف الديني، دار الشروق، الطبعة الثالثة ٢٠١٠.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق