الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | عذبة: رواية المأساة الفلسطينية- الجزء-4

عذبة: رواية المأساة الفلسطينية- الجزء-4

صبحي فحماوي*

السكون يخيم داخل الحافة المنطلقة ضمن جو خارجي سرابي صحراوي، وجبال جرداء تهيمن على المكان من جميع الجهات، وعماد المنذر لا يرى من هذا شيئاً بل يتابع حديثه الصامت إلى عذبة قائلاً: حدثنا خالي أبو هاشم، أثناء زيارته لنا ذات مرّة، فقال: كانت رائحة زهر الحمضيات، تعبق يافا، وتعطر شاطيء بحر فلسطين. وعندما عينت أمريكا قنصلاً لأول مرة في يافا، قام أخي الحاج حسن؛ رحِمهُ الله، صاحب محلات الحاج حسن للمواد التموينية المشهورة، قرب الميناء في حارة المنشية ، فعزم القنصل على داره القريبة من بيارات البرتقال، وبعدما استراح الكولونيل روك ، ووضع رجلاً فوق رجل ، وانشرح صدره في ذاك البيت، الذي قعدَته تفتح النفس، قال للحاج حسن يومها: لماذا تكلِّف نفسك يا حاج حسن، وترشّ البيت بعطور الحمضيات؟ فقال الحاج: نحن لم نرش البيت بالعطور يا كولونيل روك! هذه روائح برتقال يافا، تهب على بيتنا مع نسيم البحر. هكذا هي يافا يا كولونيل روك! معطرة برائحة زهر البرتقال، مغسولة بأمواج البحر. ولكن الأمريكي الذي كان يعتقد أنه يعرف كل شيء في المنطقة، لَبَد، وانكمش أمام عطور يافا البرتقالية.
استشهد الحاج حسن هناك! قتلوه داخل دكانه الذي بدأ العمل فيه طفلاً صغيراً، حيث كان أبي رحمه الله قد وضعه عند صديقه الحاج جمال، صاحب الدكان، ليعمل مساعداً له في أعمال السمانة والتموين، وكان الولد متحفزاًً للعمل في يافا الجميلة، ولما كبر وصار يشاهد سينمات ومسارح يافا. وعندما استفسرت من أخي ذات مرّة قال لي: أخذني عمي الحاج جمال معه ذات ليلة، لنحضر حفل المغنية أم كلثوم، الذي أحيته في سينما الحمراء هناك!
وعندما كبر حسن، تزوج ابنتهم رقية، وخلّف منها صبية وبنات. واستطاع بلباقته وحسن تصرفه أن يصير شريكاً لعمِّه؛ الذي لم ينجب أولاداً. وعندما كبر الرجل، استلم حسن المسؤولية، وصار هو الإداري في المحل، وحج إلى بيت الله الحرام، وبعد أن رجع، قويت تجارته، فوسّع باب الدكان إلى ثلاثة أبواب ، وبعد وفاة عمه، سماها (محلات الحاج حسن) بدل (دكان الحاج جمال)، وصار ينفق على عائلة عمه، تماماً كما ينفق على أهل بيته.. وعندما قويت شوكة المحتلين، بدعم غربي مطلق، اشتدت القلاقل في يافا.. وفي 16 حزيران عام ستة وأربعين، دخل أحدهم إلى دكانه، وهو يحمل كرتونة مغلقة، فيها شيء ثقيل، وقال له:- أرجوك يا (خاج)، تخلي هذا الكيس أمانة عندك، (لخين) ما أرجع، أريد (أروخ) مشوار صغير وأرجع آخذه – وكان الحاج طيب القلب، وحسن النية رحمه الله ، ولم يشم رائحة البارود الكامن داخل العلبة- فقال له: “خلِّيه يا عمي عندك، وروح”. وراح إرهابي إتسل..كانوا يعرفون أن باخرة التموين قد وصلت، والناس عندما تسمع أن باخرة وصلت، تهجم على محلات الحاج حسن، لشراء المواد التموينية! يا عمي الدنيا حرب “تنهّد خالي ونفخ زفيراً حاراً ثم قال” والتموين ضروري للعائلات! هجم الناس على الدكان للتمَوُّن، وفوراً ثار لغم الكرتونة الموقوت وانفجر، ففتفت ثلاثة عشر رجلاً وامرأة وطفلاً داخل المحلات،عملوهم كفتة! فلم نتعرف على جثة المرحوم وأشلائه المختلطة مع لحومهم المفتتة، وروائح الدماء والبارود والفضلات تختلط بالتموين، وتصبغ أكياس الحبوب والطحين المتناثرة داخل المحل! وفي نفس اليوم انفجرت ستة ألغام؛ في سوق الدير، وفي حسبة الخضار الشعبية، وعند باب باخرة التموين، قتلوا ثلاثة وخمسين متسوقاً من أهالي يافا !
ليلتها عملت عصابة إتسل احتفالات للسماء، للنجاحات التي حققتها، ولعدد الشهداء الفلسطينيين الذي لم يسبق له مثيل! وهكذا توالت التفجيرات، فصرنا نشاهد عشرات الجثث ملقاة على رصيف الميناء، أو على رمال الشاطيء، ورائحتها الفائحة، تبث الرعب والخوف والآلام في قلوب اليافاويين، وتحل عقد المجندين الهاربين من رعب جيتوهات أوروبا، الكامن في صدورهم خلال مئآت أو آلاف السنين، فلا تجد جثثنا من يحملها، فيضطر عدد من أهالي الحارة لجمعها، ودفنها في قبور سطحية جماعية، لسرعة الإنجاز، والهرب بأرواحهم من رعب المناظر المذهلة، والروائح الكريهة التي أخذت تنتشر انتشار النار في الهشيم، والتي لا تجد أحداً يردع تماديها في الانتشار! وبدأت بعض العائلات الثكلى تجمع أوصالها المقطّعة، وتفكر في مغادرة يافا إلى اللد أو الرملة، أو القدس، وصار بعضهم يفكر في المغادرة بنفس البواخر القادمة بالتموين، لتعود محمّلةً بالمهاجرين الفلسطينيين باتجاه الشمال أو الجنوب أو الغرب، بينما في ميناء تل أبيب المجاور، والذي أنشأته حكومة الانتداب الإنجليزية لليهود، كانت البواخر ترسو فيه، لتفرغ الصهاينة القادمين من أوروبا، مدججين بأحدث الأسلحة، المزودين بها مجاناً ، فيهاجمون أهل يافا الممنوعين من حمل السلاح، ويقتلونهم ويرمونهم بالعشرات على شاطىء يافا، ليتعفنوا ويراهم الناس، فيدب الذعر في قلوبهم، فيهجرون يافا، وروائح زهور برتقالها، التي أخذت تمتزج تدريجياً بروائح عفونة جثث القتلى.. صاروا يلُمُّون روائح جثث قتلاهم، بينما يضع بعضهم شرحة ليمون في أنفه، والبعض الآخر يسد أنفه بإصبعيه، ثم يلمّون بعض حوائجهم، ويغادرون المكان! نتضاحك ونلعب؛ أنتِ وأنا وابن عمك عدنان، في خربة أم الدرج. نُحرِّك لك الحبل، وأنت تَنُطِّين كالأرنب فوق وتحت الحبل. نحن نذهب إلى هناك، لأن بائع (كسبة السمسم) يمر حاملاً على ظهر جحشه أشياء كثيرة، فنذهب لملاقاته، ونحن نشمّ رائحتها الشهية من بعيد، فنشتري منه الكسبة التي كان يدللها باسم (كسيبة)، ويبادلها بثمار الزيتون أو البيض البلدي، وكانت أمي تمزجها مع (الدبس)، فتحولها إلى حلوى لذيذة ممتعة! هل تذكرين؟ كان طعمها أشهى من كل شوكولاتات العالم ! أتذكُرين الإسكافيين التوأمين حمد وحميد، الذين كانا يصلحان الأحذية في قاع القرية، قرب بيت الحاج عبد القادر، وكيف كانا ملتصقين ببعضهما البعض، وبعمود فقري واحد، وكل منهما متجه بجسمه بشكل معاكس للآخر، وكأنهما يسندان ظهريهما، كلٌّ على الآخر. كانا يعملان طوال النهار تحت شجرة الخروب وارفة الظلال، بجوار معصرة الزيتون، وعندما يتضايقان من بعضهما لدرجة الزعل، يأخذان بضرب بعضيهما. هه! هه! هه! يقهقه عماد ضاحكا على سيرة التوأمين، فينتبه ركاب الحافلة له وهو يضحك، فيعتقد البعض أن به مساً، ولكنهم لم يعلِّقوا على ذلك بشيء! أما هو فينتبه إلى أنه قد خرج على المألوف بضحكته المفاجئة هذه، فيضطر للصمت، والحديث مع نفسه بصوت لا يسمعه سوى قلبه المتناغم مع قلبها، ويستمر صامتاً، يحكي لنفسه، لا بل لعذبة، حكاية حمد وحميد قائلاً: كانا يضربان بعضهما البعض، كلٌّ بكوعه الأيسر والأيمن، إلى أن يهلكا من الضرب، ويثار الغبار من حولهما لكثرة المدافشة، ثم تسكن أطرافهما. ولكنهما سرعان ما يتصالحان، ويعودان لإصلاح الأحذية من جديد.
حكى لنا والدي عن انهيار الدولة العثمانية، ثم دخول الإنجليز كمستعمرين جدد قائلاً: بين العمل والنكد واللعب والضحك، وبين الشقاء والرخاء، الذي كنا نعيشه، جاء الإنجليز إلى بلادنا، على شكل تجمُّعات عسكرية مؤللة، ومدججة بالسلاح! كانوا يأتون بلباسهم العسكري من حيفا، قالوا إنهم الحكام الجدد لبلادنا، بعد انهيار الدولة العثمانية. لا أعرف لماذا يستبدلون لنا حكاماً عثمانيين، بحكام إنجليز؟ ألا يوجد في بلادنا ابن آدم واحد، يصلح أن يكون حاكماً ؟ أخذ الإنجليز يحضرون معهم يهوداً بلباسهم الأوروبي المدني. نحن لم نشعر في يوم من الأيام بالفروق بين الأديان (لكم دينكم، ولي دين) ولكن لماذا يجلبون يهود أوروبا إلى فلسطين؟ قالوا: إنهم مساكين، هاربون من بطش “هترل”! هكذا كانوا يلفظون اسم “هتلر”! فيجلبونهم إلى فلسطين، ليبطشوا بنا! نحن لم نفهم يومها ما هي الحكاية. وأهل قريتنا كانوا بسطاء، وما باليد حيلة! ولكنهم لم يستطيعوا أن يقفوا مكتوفي الأيدي، يتفرجون على من يحتلون بلادهم، وكان لا بد من المقاومة!
ذهب والدي إلى سوريا على ظهر بغل، وفي خرجه بعض الطعام، فعاد من هناك وبغله محمّل بالأسلحة “العُصملِّية” فوزّعها على المجاهدين. وتناقل الناس الخبر، وعلم الإنجليز بقصة البغل وصاحبه، ففتشوا بيتنا، وكل الثقوب المحيطة بالمنزل، ولكنهم لم يجدوا عندنا أسلحة، فنقلوا أبي إلى الحجز الاحترازي، لحين التحقيق. كان معنا في الحجز مئات المعتقلين، في أرض خلاء ، تحت أشعة الشمس “قال والدي” يعملون لنا (تشميسة) طوال النهار، كي يذيبوا أدمغتنا تحت حرِّ الشمس القاتل! واليوم يا عذبة، صرنا نعرف أن ضربة الشمس تُفقد الإنسان حيويته، وتتلف عمل الساعة البيولوجية في الجسم! كانت حولنا أسلاك شائكة، لا يستطيع أحد الاقتراب منها “يتابع أبي قوله” وقال الشاويش الإنجليزي للموقوفين رهن التحقيق، ومعه مترجم يصدر تعليماته لنا بالعربية: يستطيع أي منكم أن يشرب من صنبور الماء، متى شاء، وبقدر ما يستطيع، ولكن التبول ممنوع، إلا مرة واحدة في الأسبوع. كان ذلك عذاباً لم يسبق له مثيل! لم أعرف كيف اخترع الإنجليز هذا العذاب! نمنا على بلاط أرض داخل الحجز، تحيطنا لفافات أسلاك شائكة تعيق اختراق دبابة مصفحة. لا فراش تحتنا، ولا غطاء فوقنا.
وفي الليلة التالية- حيث كانت رطوبة الجو باردة- فلت صنبور التبول من الرجل النائم إلى جواري، فبال على سرواله وهو نائم، وسرى بوله- يا حرام- على الأرض، فشاهده الجندي الإنجليزي، فقلبه على ظهره، فإذا بسرواله مبلّل، فتظاهر الرجل بالنوم، لخجله من البول، فقلبه على بطنه مرة أخرى، وحسب النظام والقانون، رفع حربة البندقية وطعنه في ظهره، فجعر المسكين بصوت عال، ثم مات بيننا! هكذا كان الموقوفون المتهمون بحيازة بندقية أو مسدس أو حتى شفرة، يموتون، قبل أن يُقدّموا إلى المحاكمة، وكان أصحاب البدل الجيشية المسلحة، يوقفونهم من شهر إلى عِدّة سنوات، قبل المحاكمة، إلى أن يموت أحدهم (ومن لم يمت بالبول مات بغيره، تعددت ال..)
كان والدي يحب امرأة مسيحية، اسمها سلمى جورجي، وكانت سلمى الفلسطينية، زوجة ضابط إنجليزي، تعيش في وادي الصليب في حيفا، ولكن انتماءها كان فلسطينياً. قالت أمي: كان أبوكم يعرفها من زمان، وكان يشتري لها اللبن والبيض والجبن والعسل البلدي من أم الزينات، ويحضر لها الزعتر والشومر، فتجن بتلك الأشياء التي لا تراها في المدينة، ومن يومها، سعت له، فعينته عاملاً في ميناء حيفا “البور”، وبعد الدوام..! كنت أسمع عنها، ولم أشاهدها إلا بعد حادث الاعتقال، لم يكن لنا إلا الله وسلمى، أخذني عمك أبو الخناجر معه إلى بيتها، فأبلغها بالخبر، فجنّ جنونها.. كانت سلمى امرأة صغيرة العمر – من جيلي – شقراء زهرية مثل الشِّمّامة، وعندما سلمتْ علي وقبلتني، شممت رائحتها المعطرة؛ طولها فارع، وجسدها نحيل ممتليء، وعيناها زرقاوان، جميلة المظهر، نشيطة الأداء، حلوة اللسان، تلبس فستاناً قصيراً مثل الإنجليزيات، فيظهر فخذاها الزهريتان الممتلئتان، خاصة عندما تجلس، وتضع ساقاً فوق ساق، فإنها تبرز كل شيء !
كنت أضحك على أمي التي تعرض لنا هذه الصور الجمالية المثيرة! وأقول في نفسي: هل أمي ساذجة إلى هذه الدرجة، كي تتغزل بجمال منافستها؟ أم إن اعتقال أبي، ودورها في إنقاذه من الموت المؤكد، جعلها تغفر للمسيحية؟ أم إن سطوة والدي على أمي، وعدم السماح لها بأن تتنفس في مثل هذه الموضوعات، قد أخرستها، وجعلتها تستسلم، وتقبل الأمر الواقع؟ أم.. ؟
وعلى ذمة أبي فليس شكل سلمى الأخّاذ فقط، هو الذي جعله يتعلّق بها، بل إن قلبها أيضاً كان طيباًً، وحنانها ورقتها كانت آسرة، وكان لسانها يقطر عسلاً، ودفؤها يمحو برد شتاء غابات الكرمل المتوحش، وكانت مستعدة للتضحية بأي شيء في سبيله. كانت لا تأكل في حضرته، إلا بعد أن تقدم له أفضل ما عندها، وكان وجهها يضحك، وقفاها يضحك، ولم أفهم ماذا قصد أبي بقفاها، وأي قفى يقصد! وبصراحة مختصرة كانت تحبه، وكان أبي يحبها، كيف ولماذا؟ ليس عندي تفاصيل. طبعاً أنا أسرد عليك هذه الأحداث مثل كل كاتب أو حكواتي عربي يتفاخر بقصص غرام أبيه، ولكنه يبرز عِفّةَ أمه. كلهم أمهاتهم مثل أمي عفيفات، وكلهم آباؤهم دونجوانيون مثل أبي ! لا أفهم مدى مصداقية ذلك الكاتب الشرقيُّ، الذي يصوِّر أمه دائماً بأنها ملاك طاهر، وأن أباه لا يختلف في سلوكه الجنسي عن ديك الدجاجات التسع! مع أن الرجل الشرقيّ، حينما يمارس الجنس خارج (بيت الطاعة)، فإنه لا ينام مع حائط، وإنما مع زوجة رجل آخر، أو أمٌّ لشرقيٍّ آخر مثل أمي! لكن صدقيني يا عذبة إنها المصادفة، فأمي المسكينة كانت كما يقولون “لا تشبع فَتّ قدر اللّط”! للأسف كان أبي يضربها، ويشغِّلها من أذان الفجر، وحتى بعد منتصف الليل! طبعاً أنت تخجلين أن تسأليني؛ ما هي الأعمال التي كانت تتم بعد منتصف الليل؟ وبعد معرفتها بسجنه، فعلت سلمى المستحيل، ولا أعرف ما هو المستحيل الذي فعلته، فأخرجته من المعتقل، وهكذا كتبت لوالدي الحياة، على يديها. وعندما سمعت لاحقاً، قصة خروجه من المعتقل، غنيت بعكس أغنية محمد عبد الوهاب “ومن الحب ما قتل”، فقلت: “ومن الحب ما أحيا!”

*روائي فلسطيني

**عذبة: رواية ننشرها على حلقات بالاتفاق مع الروائي

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

ابن القمامة

عبد المجيد صلبي لا صوت يعلوا فوق صوتي. حظي التعيس أنى لم أتعلم قط على يد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *