حوارات المجلة

الشاعرة الفلسطينية فاطمة نزال للمجلة الثقافية الجزائرية: المرأة الفلسطينية ليست منفصلة عن محيطها، ووعد ترامب لن يغير من الحقيقة شيء

فاطمة نزال شاعرة فلسطينية واعدة بدأت تشق طريقها الإبداعي بعد غربة طويلة وتجربة إنسانية ومهنية حافلة تنوعت بين علم الاجتماع والتجميل والتنمية البشرية والترجمة والقصة والمقالة. وشاعرتنا الجميلة كغيرها من النساء الفلسطينيات ملتصقة بجذورها وتنتمي لفلسطين الوطن والقضية والشعب، وصوتها الوطني كان عالياً وملحوظاً خلال مشاركتها في مهرجان (حدود الملح ومشاكل اللجوء) الذي أقيم في اسطنبول مؤخراً. في هذا الحوار الخاص بالمجلة الثقافية الجزائرية تتحدث الشاعرة نزال عن الكتابة، عن هموم الشاعر وهموم المبدع، وهموم الوطن  

المجلة الثقافية الجزائرية: عندما تضطر الشاعرة والإنسانة فاطمة نزال للإجابة عن السؤال المحّير: من أنت؟ ماذا تقول؟
فاطمة نزال: دائماً ما اسأل هذا السؤال لنفسي من أنا؟ هل حددت هويتي ؟ عرفت طريقي؟
صنعت فكرتي وآمنت بها؟ قد تجيبك عن هذا السؤال مقدمة ديواني الأول الذي صدر مطلع العام 2017 حيث أقول: أربعون عاماً من التيه لم أطلب مائدة من السماء ولم يكُ لي فيها مأرب
الآن أحصيها الآن أطيرها قصائد.. أنا روح قصيدتي وقصيدتي صنو ذاتي وما زلت في طور البحث الذي لا ينتهي.

المجلة الثقافية الجزائرية: حدثينا عن مشاركتك في مهرجان شعر المرأة المعنون بـ(حدود الملح ومشاكل اللجوء) الذي أقيم في اسطنبول مؤخراً؟
فاطمة نزال: مهرجان شعر المرأة هو مهرجان سنوي يقام في اسطنبول ويقام كل عام بعنوان وموضوع مختلف كانت مشاركتي الأولى فيه في العام 2016 وهذا العام كان بعنوان حدود الملح ومشاكل اللجوء. كان هناك مشاركون شعراء من الهند والبيرو وإيطاليا والسعودية وفلسطين بالإضافة إلى مشاركين من نواحي ومدن تركيا. من ضمن أنشطة المهرجان الأولى أوراق عمل عن اللجوء والحروب وما تتركه من ويلات على الدول المنكوبة، وقد تحدثت في مداخلتي عن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين يقيمون في مخيمات في مدن الصفة الغربية وقطاع غزة، ولم يكن مفهوماً لدى المتلقين كيف يكون الفلسطيني لاجئاً في وطنه وكان علي أن أوضح التركيبة الديمغرافية للشعب الفلسطيني وتقسيمات الاحتلال والحربين 48 و67 وما خلفته من أوضاع شائكة للحياة لشعب ضمن كانتونات مقسمة بين ضفة وغزة وفلسطينيين يقيمون تحت إدارة الاحتلال بمسمى “عرب إسرائيل” ولاجئين من هذه المناطق يسكتون مخيمات في مناطق الضفة وغزة ومخيمات خارج فلسطين في دول الجوار كالأردن وسوريا ولبنان.
وقد كانت هذه المشاركة مهمة لتعريف العالم مدى تعقيد حياة الفلسطيني تحت الاحتلال ثم كان هناك مشاركات بأمسيات أدبية وشعرية في مناطق مختلفة من اسطنبول اختتمتها بتوقيع ديواني “اصعد إلى عليائك فيّ” المترجم للتركية.

المجلة الثقافية الجزائرية: في ديوانك الأول :(اصعد إلى عليائك فيّ) كان صوت الأنثى عالياً وجريئاً ومتمرداً.. كيف تلقف المتلقي(العادي والناقد) ثنائية الحسّ والروح لدى المرأة الشاعرة؟
فاطمة نزال: تقصدين صوت المرأة فهي أشمل من أنوثتها والمعنى أعمق من اختزالها في هذا الجانب، نعم كان صوتاً مختلفاً عن السائد والمألوف ربما فقد وردت قراءات عديدة عميقة ومتنوعة للديوان وآخرها كان بالأمس إثر مناقشة للديوان في ندوة اليوم السابع المقدسية وقد أجمعت بمعظمها على أن هذا الصوت مختلف في طرحه لقضايا المرأة وهمومها ومشاعرها وفهمها لذاتها كما هي لا كما يريدها الآخر وليس كما يقولبها الموروث أو البيئة المحيطة .
أما المتلقي العادي فقد تنوعت ردود الفعل بين الجرأة بالطرح من حيث الفهم السطحي للنص أو تسطيحه وبين الشغف بالصورة البسيطة السهلة الممتنعة حقيقة تسعدني هذه التباينات وتثري القصيدة والديوان

المجلة الثقافية الجزائرية: ولماذا تُركت بعض قصائد الديوان دون عناوين؟
فاطمة نزال:
نعم الباب الثالث كان عنواناً جامعاً لما يحويه “لا مستور بين طيات الكلام” وكأنني بذلك أحاول أن اجعل مخيال المتلقي براحاً تصهل فيه أفكاره وتسقط عليه كيف يريدها.العنوان أحياناً يُحد خيال المتلقي فيحصره في معنى أراده الشاعر بينما الصورة العامة اشمل كاللوحة السريالية تحمل أكثر من رؤيا وأكثر من معنى.

المجلة الثقافية الجزائرية: قلت مرة :”أنا وقضيتي قصيدة وقافية”.. دعيني أسألك: كيف تواكبين اليوم ما يحدث في فلسطين والمنطقة بعد وعد ترامب حول القدس؟ وماذا عن دور المرأة الفلسطينية المبدعة في هذا المنعطف التاريخي لدعم المقاومة؟
فاطمة نزال:
ما حدث ويحدث في فلسطين هو إرهاصات استعمار وبعده احتلال عمره 69 عام وعلى مدى هذه الحقبة كانت مشاركة المرأة الفلسطينية فاعلة ومؤثرة مروراً بالنكبة والنكسة ومن ثم الانتفاضة المباركة الأولى والثانية إلى انتفاضة الأقصى والهبة الأخيرة والمرابطة على بوابات القدس حارسات للذاكرة ومنشآت لأجيال يرضعون المقاومة. المرأة الفلسطينية لم تكن بمنأى عما يحدث وقد حملت المشعل تنير الطريق جنباً إلى جنب مع أخيها وزوجها وابنها.
وعد ترامب ليس شيئاً ولا يعنينا ولن يغير من الحقيقة شيء فأسوار القدس وحاراتها المرصوفة، حجارتها خاناتها وبواباتها، أقصاها ومسراها، قيامتها معالمها الكنعانية اليبوسية تاريخها سيلفظ الغرباء مهما علوا ومهما طغوا. المرأة الفلسطينية ليست منفصلة عن محيطها فهي ذاتها في حقلها في مدرستها في عملها في جامعتها على بسطات النعناع والزعتر والميرمية الطازجة وعلى منصات المؤتمرات الحقوقية النسوية والوطنية هي ذاتها تلك المرأة الإنسانة التي صنعت المقاوم والأكاديمي، وهي ذاتها من تقف اليوم في خط المواجهة طفلة وشابة وامرأة.

المجلة الثقافية الجزائرية: في رصيدك الإبداعي مسارات متنوعة: علم الاجتماع، التجميل، التنمية البشرية، الترجمة، القصة القصيرة والقصيرة جداً والشعر والمقالة والخاطرة.. أين تلتقي هذه المسارات برأيك؟ وأين تجدين نفسك أكثر؟ وهل أنت جريئة بما يكفي لاقتحام عالم الرواية؟
فاطمة نزال:
دراستي الأكاديمية التي لم أكملها لظروف مررت بها مواكبة للتجميل الذي امتهنته في بلاد الغربة للدورات في التنمية البشرية والتي ساعدتني في التغلب على الكثير من المتاعب التي واجهتني صنعت مني إنسانة ثرية برصيد لا بأس به من الخبرات مكنتني من خوض غمار الحياة بإرادة قوية جهلت مني شخصية ديناميكية لا تعرف الهزيمة ولا تؤمن بوجودها إلا بداخلنا ننهزم من الداخل فتعكس ذلك على محيطنا والعكس صحيح.
كل ما يختلج في صدورنا دون تصنيف هو ثورة نواتها في ذواتنا. منذ صغري كانت لي محاولات خجولة قبل انقطاعي فترة طويلة عن الكتابة وأعتقد هذا الرصيد الذي يشكل شخصيتي منحها الكثير من التنوع والثراء، يتمي المبكر ظروف العائلة التي تعرضت لويلات الفقد بين استشهاد واعتقال وإبعاد، الاغتراب أيضاً ومغادرة هذا العالم الحافل بالأحداث إلى حياة رتيبة بين عمل ومسؤولية عائلة وبيئة مختلفة تماماً فكراً وثقافة .
أجد نفسي بها جميعاً وان كنت أميل للشعر فهو الأقرب لروحي أما السرد فيستنزف كل قواي لأنني أتقمص الحالة وأدخل الشخصية فلا أكاد أميز بين شخصي وشخص سرديتي
عالم الرواية مرعب حقيقة ويحتاج تقنيات عالية وليس بالسهولة خوض غماره، الرواية ليست حكاية هي بناء درامي متكامل وبالتالي قد أخوضه يوماً لكن لا أظنه قريباً.

المجلة الثقافية الجزائرية: استوقفتني عبارة لك جاء فيها :”أبحث عن ذاتي التي جرفها تيار الغربة”..؟
فاطمة نزال: عشت عقدين من الزمن بعيدة عن وطني وعن ذاتي فالغربة ليست بالمكان وحسب وإنما غربة الذات اشد وأبلى، يحدث أن تعيش مغترباً لسبب ما تفرضه عليك ظروف الحياة وتصاريف الدهر لكن أن تعيش مغترباً عن ذاتك فتلك غربة مضاعفة. عشت في بلد خليجي أو بالأحرى عايشت واقعها حققت ذاتي مهنيا لكنني بقيت منكفئة على نفسي وفكري وروحي إلى أن عدت لأستقر في بلادي مؤخراً رحت أبحث عني حيث تركتني وصدقاً للآن أدرك أنني بترت تلك السنوات من عمري وعدت أواصل حياتي التي توقفت عند ذاك الرحيل.

المجلة الثقافية الجزائرية: اللغة السردية –كما تعلمين- تختلف عن لغة الشعر على المستوى البناء والتقنيات والصور.. لكن يبدو لي بعد قراءتي لمجموعة من قصصك المنشورة أن حسّك الشعري يرافقك إلى عالم القصة بدرجة معينة رغم محاولاتك الفكاك منه.. ما رأيك؟
فاطمة نزال:
نعم صحيح هذا في تصنيفات الكتابة التقليدية لكن باعتقادي الآن أن الأجناس الأدبية تداخلت وان كان للرواية والسرد ما يميز هويته من حيث البناء إلا أن ذلك لا ينفي أو يعيب وجود لغة شعرية ما دامت تخدم الصورة أو الفكرة في كليهما قد تحمل قصيدة قصة وقد تحتمل السردية لغة شعرية لم لا وما الضير ما دمنا نقدم أدباً راقياً مبدعاً.

المجلة الثقافية الجزائرية: حدثينا عن مخاض الشعر لديك.. كيف تولد القصيدة؟ كيف تكتبينها؟ هل لديك طقوس خاصة قبل وأثناء وبعد الكتابة؟
فاطمة نزال:
صدقاً لا طقوس للقصيدة لدي فقد تنتابني حالة من الهذيان في الشارع أو في مكان عملي أو في السرير، أمام التلفاز أو في المطبخ .تأتي ومضتها وتختفي فإن لاحقتها لقحتها مخيلتي وحملتها في رحم الوقت لتولد بعض مخاض قصيدة، وإن هربت فقد دخلت في سبات اللحظة وداهمها النسيان، لذلك إن فاجأتني أنّا كنت التقطها في جعبة الذاكرة وأتركها لتختمر في اللاوعي، ثم أعمل على تهذيبها وتكثيفها وصياغتها فصناعة القصيدة دون المساس بفكرتها البكر أمر في غاية الصعوبة، فأصدق الشعر ما تمخض تواً وأبعده عن ذلك ما خلت فيه الصنعة فسطحته وبهتته.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تكتبين حالياً؟
فاطمة نزال:
حالياً أنا عاكفة على مجموعة سردية تستنزفني وأخالها مختلفة عما كتبته سابقاً وأتمناها كذلك.

المجلة الثقافية الجزائرية: ماذا تقرأين؟
فاطمة نزال:
اقرأ شيء من كل شيء ، فكل ما يستهويني في لحظة أتصفحه قد تجدين أمامي في وقت واحد رواية وديوان شعر وكتاب نقد وجريدة.
الآن أقرا في كتاب “ذاكرة المغلوبين الهزيمة والصهيونية في الخطاب الثقافي الفلسطيني” للدكتور فيصل دراج حصلت على هذه النسخة ممهورة بتوقيعه من معرض عمان الدولي للكتاب في مستهل أكتوبر المنصرم.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق