الرئيسية | الموقع | ثقافة السرد | حديقة أصابها الجفاف

حديقة أصابها الجفاف

سميرة أصلان بور
ترجمة: زهراء يكانه

راحت المرأة تتجول فی البيت. تفحصت أرجاءه غرفَة بعد غرفة. لا. لم يتبق لديها أي عمل آخر إلا شراء بعض المستلزمات. تذکرت انها لم تصلّ بعد.. توضأت وافترشت سجادة صلاتها ثم جلست علی السجادة وهي تتأوه.. لَکَم کانت تشعر بالوحدة!! لم يکن هنالك أحد فی البيت. زوجها کان في مقر عمله و محمد، ابنها الوحيد كان قد ذهب إلی المدرسة رغم آثار المرض البادية عليه منذ أيام.

نهضت و أماطت ظهرها حتی تقرقعت فقراتها.. بدأت تصلی.. أخذت تستعرض فی مخيلتها ما يترتب عليها ابتياعه. قالت فی نفسها: «ينبغي أن أذهب للتسوق، کعادتی کل يوم، کما أفعل دوماً علی طول الخط! إلهي، لکم هي الحياة رتيبة!»

عندما أنهت صلاتها، استقرت نظراتها علی حديقة الباحة العطشى. قالت: «يجب أن أسقي الحديقة أولاً»

٭٭٭

عندما کانوا جالسين إلی سفرة الطعام، نظرت المرأة إلی وجه محمد.. کان قد خلد إلی النوم لمدة طويلة بعد عودته من المدرسة وهاهو لا ينطق بکلام. کان صمته أکثر من ذي قبل و له صوت مزعج يقلق المرأة.

نظرت إلی وجه زوجها بقلق ثم استدارت نحو محمد وقالت: ألم تتحسن حالتك يا ولدي؟ أما زلت تشعر بألم؟

تسمر محمد فيهما بفتور؛ توجسا منه فزعاً.

قال الرجل: من الأفضل أن لا تذهب إلی المدرسة غداً. و لا أذهب أنا كذلك إلی العمل و سأصطحبك إلی الطبيب.

تساءلت المرأة: أتشعر بألم في جسمك؟

هزَّ محمد رأسه بهدوء و أطرق بنظره.

٭٭٭

ألقی الصمت ظلاله علی ارکان البيت بمالم يسبق له مثيل. حتی بکاء المرأة وهي تشهق لم يبلغ حداً يغلب ذلك الصمت الرهيب.

کان الرجل يحدق باضطراب وأسی في الغرفة التي نام فيها محمد.. سألته المرأة: ألم يتبق أي مخرج آخر؟ أليس هنالك من علاج ودواء ينفع؟! وهل يمکن هذا؟! أبمثل هذه البساطة..؟!..

تحشرج صوتها دالاً علی انها قضت باکية لساعات و ساعات. تنفس الرجل بضيق وأردف: يقول.. لو کنتم، لو کنتم قد راجعتم قبل هذا… ربما کان من المقدور اتخاذ إجراء ما.

استطردت المرأة: وکيف لنا أن نلتفت لذلك. هذا المسکين، حالته تردت هکذا منذ يومين، أو ثلاثة فقط.. لم يکن يشکو شيئاً قبلها.

قال الرجل: «يقول إنه كان يعاني من الألم منذ أمد طويل و قد ظهر منذ يومين، أو ثلاثة.. ولکن هذا الطفل المسکين لا يحدثنا قط عن أموره.

شعرت المرأة شيئاً ما يستعر فی باطنها. ألجمت صوت نحيبها في أعماقها وأسدلت الدموع، بلا هوادة، ستاراً علی وجهها بکامله. کأن نتفاً من کيانها أيل إلی الانفصال عنها. لم تصدّق أن محمداً راحلٌ عنها لم تصدّق.

وهي تهز رأسها بهدوء يميناً ويساراً، راحت تترنم: يا ويلي، يا ويلي.. العتب کله ملقی علی عاتقنا نحن.. کان المسکين شارداً، ساهماً باستمرار.. لم يکن يحدثنا عن شيء أبداً.. لم يکن يحدثنا حتی عن آلامه.

فتحت المرأة المذياع.. کانت تصغي للدعاء لأول مرة. کتاب الأدعية کان مفتوحاً أمامها.. راحت تقرأه متابعة المذياع فی قراءتها و دموعها تنهمر مع کل کلمة تتلفظها. مع هذا، کانت تشعر أن وجودها يکتظ بسائل يجب ان تسرّبه خارجاً. کأن عقلها يطفو فوق مادة سائلة فلم يعد له استقرار.. شيء ما کان يطنطن في رأسها وآخر يضغط علی عينيها ليفقأهما باسرع ما يمکن. انغلقت حنجرتها و تهدجت أنفاسها.. کانت تصرخ في أعماقها فتردد بصمت صرخات تشد عروقها وتشدها حتی کادت تتمزق. لم تعد قادرة علی رؤية الکتاب وحتی سماع الکلمات، بل يتناهی إليها ما يصدر عن قارئ الدعاء من لحن کئيب، فقط لاغير وصوتها، صوتها الخارج من فمها کأنه صدی لذلك الصوت.

ـ إلهي، ما کان ذنبي الذي اتلقی عقابه هکذا؟ ولماذا ولدي المسکين البريء؟.. إلهي، أنزل بي ما تشاء..، ولکن لا بمحمد.

٭٭٭

کان محمد راقداً في المستشفی و أصبح البيت دار الأحزان.

لم تعد المرأة تکف عن الدعاء أبداً. لم يعد لديها رمق لأداء أعمال المنزل ولا للتسوق، أو لأي عمل آخر. كان البيت مشوشاً. کانت تستطلع الغرف أحياناً و كان تمني الأيام الخوالي کحلم واه بعيد المنال. يبعث إلى أن تتأوه من أعماق وجودها. استحال برأيتها عودة تلك الأيام. سأمت حتی البکاء ولکن، رغم ذلك، کانت تشعر أحياناً باستقرار لم تعهده من قبل. لم تكن تعرف کيف يحصل ذلك.. شيء ما کان قد انسلخ منها وآخر كان يحل محله.. إنه استقرار وهدوء يدفعها للنوم.

تذکرت وجه محمد.. محمد الذی ما عاد في بدنه روح، کأنه التفّ بکفن أبيض وها هو ينزلق بهدوء نحو حفرة القبر.

ارتعدت فرائصها. دموعها كانت على وشك الانهمار وارتعدت هي من جديد.

ـ إلهي، أفي هذا رضاك؟

فکرت ملياً وهل يصح الاعتراض علی ما فيه رضا الله. إذاً، عليها الإذعان لرضاه. ولکنها شعرت أنها اسهبت في التغاضي. ومن يرضى بفقد ولده الوحيد؟ شعرت بشدة بالمسکنة، بمسکنتهم جميعاً: هي وزوجها و… محمد.

تأجج کيانها من جديد:

ـ لا، يا إلهي لا تفعل هكذا.. لا تجعل فی ذلك مشيئتك.. لا طاقة لي به.. إلهي، يا ربي الرؤوف الحنان.

لم تکن تنطق عن وعي. انساق علی لسانها کل ما کانت تعرفه من صفات الله. صفات الله؟! أوَ کانت تتحدث مع الله؟! لم تکن قد فعلت ذلك من قبل.. بل کان کل ما نطقت به من کلام، أو دعاء إنما حدث عن تعود واسترسال کما هي صلاتها.. ألم تکن تنادي الله فی صلاتها بصفاته؟ ولکنها الآن، أصبحت تشعر أن جسمها يتلظی. داهمها الخجل من الله. الخجل؟! توقد وجهها. کان الله حتی آنذاك شيء کسائر الأشياء. فالله هو ربنا الأسمی من کل شيء ولکن ربما.. ربما کإطار صورة. وهل يکون للانسان ان يتحدث إلی الصور؟

وهل يخجل الإنسان من الصورة؟ ولکن الآن .. کأن الله كان قد غادر إطار صورته.

تربع الاستقرار علی قلبها و كأنها كانت قد نست محمداً. کأن السرور غلبها، سروراً لا محل له علی أعتاب رحيل محمد. قالت فی نفسها: «السرور؟ السرور ومحمد علی وشك الاحتضار…»

جهدت لتصور مظهر الموت و وجهه ولکن دون طائل.. لم يکن للموت وجهاً. لم يکن ذا اختلاف عن بقية الأمور: «وهل يحدث ذلك بمثل هذه البساطة؟» سألت نفسها هذا السؤال رغم أنها کانت تشعر بشيء يلسعها وتتباطأ نبضات قلبها حتی تکاد تتوقف کلما تفکر بتلك اللحظات.

٭٭٭

ـ لا، لا، لا يصدق… إلهي… ولدي…

ضحك الرجل مقهقها. سلوکه کان متسارعاً مفعماً بالنشاط کما هم الأطفال.

قالت المرأة: وهل يمکن ذلك؟ هل لي أن أصدق؟ ولدي محمد سالم معافی؟! أجاب الرجل: ولم لا تصدقين؟ ألم تسمعي بنفسك ما قاله الطبيب؟

قال ذلك ثم ضحك: بکت المرأة ونظرت إلی وجه محمد ثم أخذت تضحك والدموع تنهمر من مآقيها. کان محمد أيضاً يضحك بدوره مع أنه لا يعرف سر کل هذا الابتهاج.

توافد عليهم الأقارب والمعارف علی مر أيام ثم عادت الأمور رويداً رويداً لمجاريها السالفة: كان محمد يذهب إلی المدرسة والرجل لمقر عمله وتبقی المرأة في البيت منهمکة بالتسوق و…

تجولت المرأة في البيت. انتقلت من غرفة لأخری لئلا يکون هنالك عمل لم تنجزه بعد. لا، لم يتبق أي عمل. الوقت کان حوالي العصر.. تذکرت المرأة، فجأة، أنها لم تؤدِ الصلاة بعد. توضأت ثم راحت تصلي، وهي تفکر بأنها يجب أن تتوجه لشراء الخبز بعد ساعة من ذلك. الجبن أيضاً شارف علی النفاذ. کان عليها أن تتذکر أنها بحاجة لابتياع الجبن أيضاً غداً.

أنهت صلاتها وهي تحدق في حديقة الدارالعطشى.. کانت بحاجة للسقي من جديد.

ولدت في أيلول 1964 بطهران. تخرجت من الجامعة بشهادة مهندسة في البتروكيمياويات لكنها فضلت العمل الثقافي و الإعلامي في الصحافة اليومية و المجلات المتخصصة. فكتبت القصة و المقالة و الدراسات النقدية و التقارير الصحفية و ترأست بعض المهرجانات الأدبية و شاركت في لجان التحكيم للمسابقات الأدبية و الجوائز الثقافية. تبوأت سميرا مسؤولية مستشار وزير الثقافة و الإرشاد الإسلامي في الشؤون النسوية لفترة ما و هي من الأعضاء المؤسسين لرابطة القلم في إيران. صدر لها إلى الآن سبعة عشر كتاباً. كما ترجم لها كتاب بعنوان «تحت ظلام الكروم و السماء» الى العربية و طبع في عام 2007 من قبل دار الهادي للنشر في بيروت.

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

ابن القمامة

عبد المجيد صلبي لا صوت يعلوا فوق صوتي. حظي التعيس أنى لم أتعلم قط على يد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *