ثقافة المقال

في ذكرى سقوط غرناطة هل لنا من أوبة إلى الفردوس المفقود ؟

سمير خلف الله*

خرج الإسلام والعربية من اسبانيا والبرتغال أي من الأندلس التاريخية ، وهذا نتيجة لسيادة روح التعصب والكراهية بين الإسبان . ولكن هذه الفلسفة والقائمة على مقولة : ” أجبروهم على الدخول في حظيرتكم ” والواردة في الانجيل ، قد هدّمتها فلسفة عصر الأنوار ، وهذه الأخيرة قائمة على حرية الفكر والضمير . ولا تقبل بأي فرض لأي دين ومعتقد بالقوة ، وإنما الحرية هي أساس التدين ، وكل تدين مفروض بالقوة فلا قيمة له .
ولهذا فإسبانيا المتعصبة والرافضة للآخر ، قد اختفت ، وهذا منذ وفاة الجنيرال فرانكو . لنرى ميلاد إسبانيا جديدة مبنية على التعددية الدينية واللغوية ، وعلى فكرة تقبل الآخر ، ففي التنوع ثراء كما يراه الغرب عامة والأوروبيون بصورة خاصة ، ولهذا فقد قفز عدد المسلمين في إسبانيا إلى مليوني مسلم في فترة قصيرة جدا .
وما دامت إسبانيا الملكين الكاثولكيين إيزابيلا وفرديناند ، وإسبانيا محاكم التفتيش هي الأخرى قد اختفت وإلى الأبد . وأصبحت هناك حرية في اختيار المعتقد والدين ، فهل يمكن للمسلمين أن يستفيدوا من هذا الجو الجديد لاستعادة فردوسهم المفقود ؟ . وهذا عبر إعادة نشر الإسلام من جديد بين الأندلسيين ، والذين تنصروا قهرا . خاصة وأن التجربة التاريخية تشهد لهذا الطرح ، فالمسلمون لم يغزوا إسبانيا أبدا ، وإنما فتحوها فكريا كما يخبرنا بذلك كتاب الثورة الإسلامية في الغرب لصاحبه اغناسيو اولاغي .

نعم يمكن للمسلمين اليوم أن يستفيدوا من الوضع القائم في إسبانيا ، ومن المناخ العام الاجتماعي السائد هناك . وهذا لاسترجاع الأندلس ، فالفرد الأوروبي اليوم يؤمن بما هو تجريبي ، لا بما يقوله رجل الدين . وهذا كما كان عليه الحال قبل 1609 ، وكما هو الحال إبان عهد محاكم التفتيش ، وهذا الوضع يمكن أن يخدم القضية الأندلسية في يومنا هذا .
نعم إننا نجد اليوم الجو جدّ مناسب لإعادة طرح القضية الأندلسية من جديد ، وهذا خاصة في ظل هدم الأسس التي أقيمت عليها ما يسمى بحروب الاسترداد Reconquista والتي تخبرنا أبجدياتها ، بأن العرب قد قاموا بعزو إسبانيا . وأن الإسبان لم يفعلوا شيئا سوى طرد الغزاة ، واسترجاع أرضيهم من جديد . وهذا المبرر قد تجاوزه الزمن ، ولم يعد اليوم مقبولا ، ولا يمكن الاحتجاج به أبدا . فلا العرب غزوا إسبانيا ، ولا الإسلام هو الآخر قد عزاها .

ولكن كل ما في الأمر وكما تقول الحفريات والفتوحات التاريخية الحديثة ، هو أن الإسبان هم أنفسهم من استنجدوا بالعرب نقولها بكل تحفظ ، والأفضل أن نقول بالمسلمين ممن كانوا مع طارق بن زياد . وأن مسلمي الأندلس ما هم إلا أريوسيون جرمان وإسبان إيبيريون تحولوا إلى الإسلام ، ولا علاقة لهم لا بالعرب ولا بالبربر المسلمين . وحتى أمراء وخلفاء الأندلس ، فإن الدماء الاسبانية هي من تجرى في عروقهم ، وهذا من جهة أمهاتهم وجداتهم . وأما القول بأن العرب فتحوا اسبانيا فهذا الطرح له علاقة بفترة القومية العربية ، لتوظف الفترة الأندلسية الزاهية ضد خصومها وتجعل منها أداة من جملة أدواتها المستعملة في معركتها مع الآخر المعارض لها والساعي لهدمها . وأمّا تلك الأنساب العربية التي انتحلها الأندلسيون ، فهي قد وضعت وفقا لمقتضيات العصر ومتطلبات تلك الحقبة الزمنية . فهم إسبان أسلموا ، كما هو حال مسلمي أندونيسيا وإفريقيا السوداء والهنود الحمر اليوم والمكسيكيين والبرازيليين ، فلا هم من أصول عربية أو بربرية أو تركية ، وهذه هي الحقيقة ولا شيء آخر سواها .
وفي حقيقة الأمر فإن الغزاة لأرض الأندلس التاريخية لهم الكاثوليك الذين تحالفوا مع الصليبيين في فرنسا وإنجلترا ، ومع البابا في روما ، لغزو أراضي الأندلس . وهذا لاعتبارات اقتصادية في المقام الأول ، واستغلوا الدين لتبرير عملية الغزو . وحال الأندلس يطابق ويماثل لحال الإسلام في البلقان . ألم تقلها الأم تريزا ، من أن الألبان ما هم إلا كاثوليك أسلموا ، وعليهم أن يعودوا وحسبها هي طبعا عن الإسلام إلى الكاثوليكية . وهذا هو عين منطق الملكة إيزابيلا في تعاملها مع الموريسكيين ، والفرق بين المرأتين بسيط للغاية ، فإيزابيلا ساعدتها الظروف الدولية حينها على تجسيد مشروع تنصير المسلمين الذين يعيشون في ظل حكمها بالقوة ، ولكن الأم تيريزا لا يمكن لها أن تُـنَصّرَهم بالقوة ، ولو استطاعت لمَا توانت لحظة واحدة في سلوك درب سابقتها إيزابيلا بعد سقوط غرناطة .
ولهذا فعلى الموريسكيين أن يكونوا حذقين وحذرين أثناء عملية التسويق لقضيتهم وأن يهدموا الأسس التي قوضت دولتهم وأعطت الشرعية لدولة القشتالي والأرغوني والبرتغالي الغازي لأرضهم . وعندما يكتشف العالم حجم التضليل والتزوير الممنهج ، والذي مورس من قبل نصارى شمال إسبانيا . وعندما يكتشف العالم حقيقة ما جرى ، ومعهم الإسبان ، هنا فقط ستصبح مسألة عودة موريسكيي المنفى أو الشتات إلى وطنهم ، مسألة وقت ، طال أو قصر هذا الأخير ، وعليهم أن يعرفوا كيف يفككوا جملة الأكاذيب التي أعطت للغزاة شرعية غزو بلادهم وتنصيرهم قصرا . ثم نفيهم من أرضهم بعد العام 1609 م .
كما أنه يتوجب عليهم أن يسلكوا طريقا علميا لإثبات شرعية مطلب عودتهم لأرض آبائهم وأجدادهم ، وهذا كما فعل رجاء جارودي في كتاباته المختلفة والتي فكك فيها الأساطير التوراتية المؤسسة لدولة إسرائيل . أو كما فعل المؤرخ شلومو ساند في كتابيه اختلاق إسرائيل واختلاق الشعب اليهودي . فهكذا فعل القشتاليون ، وهذا عندما اختلقوا تاريخا مزيفا ، وبموجبه أصبح أخيهم في الدم والعرق والجنس وهنا نقصد العنصر الأندلسي ، غازي يجب طرده . لأن الأسطورة تقول بأنه قد غزا إسبانيا وقهرهم بعد عملية الغزو المزعومة .
إن الذي حدث في الأندلس لهو عين ما حدث في فلسطين بعد العام 1948 م ، غزاة أجانب جاؤوا عبر البحر ، وطروا أهلها الحقيقيين . وهذا تحت ذريعة مزيفة ، تقول بأنهم هم أصحاب الأرض الحقيقيون . ولكن الغزاة وسواء كانوا قشتاليين أو أرغونيين لم يأتوا عبر البحر ، وإنما أتوا برا من الشمال ، واحتلوا الأندلس الواقعة في جنوبهم . إننا نرى بأنه على الموريسكيين أن يجعلوا من قضيتهم ، قضية حية في ضمائر كل أحرار العالم . خاصة وأننا نعيش في عصر الحرية الفردية ، وهذه الحرية يمكن أن يستفيدوا منها للعودة مجددا إلى أرضهم . فهم ومن بعد سقوط غرناطة ، ونفيهم إلى مختلف الأصقاع ، نجد بأن البعض منهم قد استقر في مدينة شفشاون المغربية . وكانوا يعتقدون بأنها مسألة وقت ، وما هي إلا مدة قصيرة ويرجعوا إلى ديارهم ، والتي لا يزالون يحملون مفاتيحها وإلى يوم الناس هذا . ولكن نفيهم وتغربهم ، قد طال وإلى هذه اللحظة ، ولئن عملت ظروف الأمس ضدهم ، فظروف اليوم هي حتما تعمل لصالحهم .
ومن جهة أخرى فإننا نجد بأن الغرب لن يقبل بعودة الموريسكييين اليوم ، طالما هم يثيرون رعبه . وهذا عبر اعتناق البعض منهم للفكر الأصولي المتطرف ، والمعادي لقيم الحداثة ولفكر عصر التنوير وفلسفته . وما داموا يعتنقون هذا الفكر ، ويتغافلون عن إسلام الأندلس الذي أنتج حضارة ، تتباهى بها اليوم إسبانيا وجزء من شعبها يعتاش على ما خلفته على أرضها ، فلا عودة لهم إلى الأندلس كما أنه يتوجب عليهم أولا أن يبددوا مخاوف الإسبان ، ويعطونهم البرهان الجلي من أنهم ليسوا خطرا ، لا على وجودهم ولا على هويتهم وقيمهم ، ولا على حاضرهم أو مستقبلهم .
ونحن في هذا المقال لا نؤمن بفكرة استخدام القوة لاستعادة الأندلس ، ذلك أنه وكما يقول السيد المسيح فالذين يحملون السيف فبالسيف يهلكون ، وتجربة الصليبيين والاستعمار الفرنسي في الجزائر تشهدان لصالح هذا الحكم . ذلك أن الفتح الحقيقي لهو فتح القلوب والعقول ، كما تفعل أفكار عصر التنوير اليوم ، لا فتح الأجساد كما هو الحال مع محاكم التفتيش وجهاز الكا جي بي والأصولية المسيحية أو الإسلامية أو الماركسية أو أية أصولية أخرى .
ومع كل أسف شديد ، فهناك بعض المدعين ممن يريدون اختطاف القضية الأندلسية من أصحابها الحقيقيين . ولذلك فإننا نراهم يثيرون الكثير من الضجيج على صفحات الإنترنيت ، وهم أسوأ سفراء للقضية الأندلسية . ولهذا يجب عليهم أن يرفعوا عنها أيديهم وفى الحال ، فما هم إلا الورثة الحقيقيون لكل منظومة منغلقة ومنتحرة تمجد الموت وتعادي الحياة ، وإن ارتدوا ثوبا إسلاميا . ذلك أننا نريد إحياء أندلس ابن رشد وابن طفيل وابن عربي وابن الصائغ وابن زهر ، أندلس ابن بسام والمعتمد بن عباد الأديب ، أندلس لسان الدين بن الخطيب ، أندلس الزمن الجميل ، أندلس الفكر والحضارة لا أندلس التعصب والتطرف والتي تأكل أبنائها كما هو الحال مع ابن رشد ومحنته .
كما أنه يتوجب على بعض رجال الدين الذين يتميزون بالجهل والسذاجة في الطرح ، أن يعتذروا للأندلسيين عمّا يرتكبونه في حقهم من أخطاء لا تغتفر . فها هو رجل دين سوري يعتذر ، للإسبان ، بحجة أن المسلمين قد غزو بلادهم . وحتى ولئن كانت نيته طيبة ، فإن النوايا الحسنة هنا لا تنفع في شيء ، وهي تضر أكثر مما تنفع . ولا يُعذر الجاهل بجهله في مثل هذه المواقف . فالضرر هنا قد كان كبيرا جدا ، بحيث نجده قد أعطى للإسبان صك على بياض بشرعية ما فعلوه في الأندلس من جرائم في حق الموريسكيين يندى لها جبين الإنسانية . سيدي الكريم أنتَ رجل دين ، وعليك أن تلزم حدّك ، وأن لا تحشر أنفك فيما لا تفقه فيه شيئا .

فهذه قضية يفصل فيها المؤرخون وعلماء الأجناس والاجتماع والآثار ومن تلامس تخصصاتهم للموضوع ، ولا علاقة لك أنت بهذا الأمر . وهذا هو سبب تخلفنا ، وإفلاسنا ، والمتمثل في كون الأمور توكل إلى غير أهلها ، فيكون في مسلكه هذا ضياعنا وخرابنا ، ونصبح أضحوكة للعالم أجمع . أما قياسك للوجود العربي بإسبانيا على الغزو الصليبي لبلاد الشام ومصر والمغرب العربي ، وتبنيك للادعاء الزائف وعن جهل ، والقائل بأن المسلمين قد غزوا إسبانيا مثلهم ، فهو قياس خاطئ ، وقعت فيها لعدم إلمامك بالموضوع وتمكنك منه ، ومن المعلومات المشوهة والمزيفة التي انطلقت منها . وعليه فمقدماتك خاطئة ، فكانت النتيجة بالضرورة باطلة هي الأخرى . أمّا إذا كنتَ تجامل البابا والكنيسة فهذه كارثة الكوارث وعليك أن تتوب منها فورا ، وربما هذه المجاملات القاتلة ، قد كانت تنازلا منك لتتقرب منهما عن حسن نية ، وهذا لتنال منهم شرف الاعتذار للمسلمين عمّا لحقهم من أذى تسبب فيه الصليبيون . نقول لك إن الأمور لا تأتي بهذا الشكل ، لأن الاعتذار عن الذنب يأتي نتيجة الاقتناع بالخطأ وليس هو بالصفقة التي تعقد بين طرفين .

إن رجل الدين ذاك وبعمله هذا يكون قد ظلم الحقيقة ووأدها ، طمعا في شرف زائف ، كأن يقال عنه بأنه رجل سلام ، أو أنه هو من صنع الحوار المسيحي الإسلامي ، وهذا الحوار برمته عليه علامات استفهام كبيرة . كما أنه يكون قد ضحى بالحقيقة عن جهل ، وكان الأصح أن يقول للظالم أنت ظالم لا أن يساوى بين الضحية والجلاد تحت حجة عفا الله عما سلف أو حجة الكاظمين للغيظ . نعم عفا الله عمّا سلف ، ولكن من بعد أن يعترف المذنب بخطئه . وهذا لكي لا يغرى الباطل غيره في المستقبل أبدا ، وتكون هناك ضحية جديدة له ، طالما أن قاعدة عفا الله عمّا سلف تجُـبُّ ما قبلها ، فتكون الأخيرة مبررا في قادم الأيام لشرور لا حصر لها .

إن من يطالب العرب اليوم بأن يعتذروا للغرب عن الغزو المفترض للأندلس ، لهو منحاز في طرحه هذا ، ذلك أنه مثل الذي يطالب الجزائريين بأن يعتذروا لفرنسا الاستعمارية على احتلالها للجزائر ، إنه حقا لمنطق أخرق يصيب الواحد منا بالغثيان . ففرنسا هي من عزت أرضهم ، وعليها هي من يقع واجب الاعتذار . أو هو كمن يطالب الفلسطينيين بأن يعتذروا للصهاينة ، وكأنهم هم من أوقعوا كل تلك المظالم بهم . نعم إن الاسبان هم من غزو أراضي الأندلس ، وعليهم هم من يقوم واجب الاعتذار للأندلسيين عموما وللموريسكيين خصوصا .

حتى ولئن جدلا كان هناك عزوا عربيا لإسبانيا ، فالإسبان قد رحبوا به . وهذا ما تقوله الدراسات الحديثة وذلك بسبب ، عدم قدرتهم على العيش في ظل النظام القوطي المستبد والذي قد ملوه وسئموا منه . تماما كما هو الحال في بلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا ، فالعرب كانوا مخلصين لشعوب هذه المناطق ، وما كانوا أبدا غزاة لأرضهم .
ومن الاسبان أنفسهم من يكذب أسطورة الغزو العربي لإسبانيا ، ويراها مجرد أكذوبة لتبرير سيل الحملات الصليبية اللاحقة والمتلاحقة على بلاد الأندلس . كالمؤرخة القطالونية دولورس برامون Dolors Bramon فهي ترى بأنه ما من فتح عسكري حدث في الأندلس ، وإنما الأمر قد كان مجرد ثقافة متفوقة وفدت إلى شبه جزيرة إيبيريا وانخرط فيها السكان ، وكانوا هم حاضنتها الأساسية ، أمّا فيما يخص الأندلسيين فهم قوط وجرمان وإيبريين ، ولا علاقة لهم بالعرق العربي وهذا حسبها هي دوما ، لأن العرب قد جاؤوا إلى إسبانيا بأعداد قليلة وسرعان ما ذابوا في الكتلة الإيبيرية المهيمنة إثنيا .

أمّا الروائي والشاعر أنطونيو غالا فهو يعتبر نفسه أندلسيا ، ويستخدم تعبير الحرب الأهلية ، وهذا عندما يتحدث عمّا يسمى بحروب الاسترداد ، أي أنها حرب إسبان ضد إسبان ، تماما كما حدث في الحرب الأهلية الإسبانية الأخيرة ، والتي انتصر فيها حزب فرانكو . وهذا هو حال حروب الاسترداد والتي انتهت بانتصار الملكين الكاثوليكيين ، وحسب وجهة نظره فما من غزو عسكري قد حدث ، وإنما هو فتح ثقافي ، وهو هنا يلتقي مع مؤلف كتاب الثورة الإسلامية في الغرب اغناسيو اولاغي . وهذا الأخير يذهب بعيدا جدا ، وذلك حينما يخبرنا بأن طارق بن زياد نفسه قد كان جرمانيا عينه حكام طليطلة على طنجة . وما اجتيازه لمضيق جبل طارق ، إلا تلبية لنداء الاستغاثة الذي وجهه له أحد أطراف الحرب الأهلية الإسبانية حول العرش وهذا بعد اغتصاب لذريق له . فعبر المضيق مع جنوده المغاربة البربر المستعربين ، ومن هنا وكما يخبرنا اكناسيو أولاغي دوما ، تأتي أسطورة الفتح العسكري العربي للأندلس.

أمّا عندليب الأندلس فيدريكو لوركا فيتحسر على ما حدث ، شأنه في هذا الأمر شأن الكثير من مواطنيه ، فالكل هائم بزمان الوصل الأندلسي . فها هو لوركا ، يرجع إلى الأندلس التاريخية ، مسرعا وهاربا من نيويورك التي بدت له موحشة ومتوحشة . لا لشيء سوى لكونه ابن غرناطة وابن الأندلس ، وكما يقول فهو ينتمي : ” لغرناطة التسامح. غرناطة ما قبل السقوط في يد الكاثوليك ” ، ولهذا فهو يقتفي أثر ملهميه الذين سبقوه ، وينسج قصائده على منوالهم كابن الزقاق البلنسي وابن شهيد ، كما يخبرنا بهذا دارسو شعره . نعم إنه يهرب من اسبانيا يومه إلى اسبانيا زمان الوصل الجميل ، زمان قرطبة وابن زيدون واشبيلية والمعتمد بن عباد . لا لشيء سوى لكونه لا يرى في سقوط الأندلس سوى نكبة فها هو يعبر عن تلك اللحظة بقوله : ” إنها لحظة مشئومة ، كانت نكبة ، على الرغم من أنّهم يلقنوننا العكس في المدارس · حضارة رائعةٌ، وشعرٌ ، وفلكٌ، وعمران ، ورقةُ شعور فريدةٌ في العالم . ضاعت كلّها لتقوم محلّها مدينة فقيرة هي – جنّة البخلاء – ، والتي يلعب بمقدراتها الآن أرذل البرجوازيين في إسبانيا ” . ومن يدري فلعل القدر لو أمهله بعض الوقت ، لعاد اندلسيا كما هو الحال مع مواطنه بلاس إنفنتي . خاصة ، وأنه وكما يقول دارسوه كان يقيم في تراث آخر غير تراث بيئته ، في تراث الأندلس الشامخ .
وها هو شاعر الشيلي الأكبر بابلو نيرودا يقول عنه : ” كان خلاصة أعمار إسبانيا وعهودها ، صفوة الازدهار الشعبي ، نتاجاً عربياً أندلسياً ينير ويفوح مثل أيكة ياسمين على مسارح إسبانيا ، كان كل هذا ، يا ويلتي لقد اختفى فأواه وأواه ” . وقيل عنه أيضا : ” إن لحن صوته ذا النبرة الأندلسية القوية العذبة تبعث في النفس الذهول . لوركا يؤمن بالعروبة ، إنه عربي لا أندلسي وحسب . ” ، وكم من لوركا يوجد اليوم في إسبانيا وعلينا أن نمد أيدينا إليه ، ونوصل معه حبال الود والوصال .

وهناك من الإسبان من يعيش حلما آخرا غير حلم إسبانيا اليوم ، وهو ليس منفى وإنما هو اختيار طوعي نابع من الحب ، ذلك أن الإنسان عندما يحب فلا يجد غير الاستسلام لما هو فيه . وهذا هو حال الروائي والشاعر الاسباني أنطونيو غالا والذي مرّ ذكره أعلاه ، والذي يعتبر الأندلس التاريخية الهواء الذي يستنشقه ، فطبع هويته بالطابع الأندلسي وإلى الأبد . فهو ينفر من قرطبة اليوم ، لصالح قرطبة زمان الوصل الجميل ، زمان قرطبة الأمويين .

نعم إن ما حدث في الأندلس لهو عين ما حدث في المكسيك والفلبين ، وفي كل شبر وطأته أقدام الغزاة الاسبان . فيما يسمي بعصر الكشوف الجغرافية ، فكما احتلوا المكسيك ودمروا حضارة ومدنية كل من الأزتك والإنكا ، فإنهم كذلك قد قضوا على حضارات ولغات وديانات شعوب بأكملها في العالم الجديد . وهو عين ما حدث في غرناطة ، وقبلها في كل شبر سقط بيدهم من أرض الأندلس التاريخية . وفي باقي أرجاء أوروبا ، في تلك الحقبة المظلمة ، أين ساد منطق ، لا للتعدد ولا للتنوع ، وإنما وجب أن يُسمع صوت واحد فقط ، ألا وهو صوت المسيحية الكاثوليكية . فأين هم الأريويسيون وأين هم الكاثار الذين تواجدوا في عموم أوروبا الغربية ، وأين هم البروتستنانت في فرنسا ؟ . وكل الذي حدث للموريسكيين كان لأجل الذهب والفضة والعبيد والتي توجد كلها تحت سماء الأندلس ، أولا ثم تحت سماء غرناطة ثانية ، ولا علاقة لها لا بالغزو العربي ولا بطارق بن زياد .

واليوم علينا أن نتجاوز تلك المرحلة المظلمة ، والمتمثلة في مرحلة عذابات محاكم التفتيش الرهيبة والمرعبة . إن المسيحيين أيضا قد اكتووا بنارها ، بروتستانت كانوا أو كاثار ، أو مصلحين متنورين . فمثلا فعند قراءتنا لكتاب معارك التنويريين والأصوليين ، فإننا نصاب بالرعب ، من هول تلك الكوارث التي كانت تحدث باسم الدين المسيحي . صحيح أنه يجب على من أخطأ أن يقرّ بخطئه ، حتى لا تتكرر المأساة . ولكن لا يمكن محاسبة الأحفاد على جرائم لم يرتكبوها ، ومتى فعلنا هذا يكون عملنا الذي
جئناه لهو توأم للانتقام ولتصفية الحسابات ، ولا علاقة له مطلقا بالعدالة ، أو هو ابتزاز لا توخي للحقيقة .

علينا أن نتعلم كيف نتعايش في إسبانيا اليوم ، كما تعايش فيها من سبقونا في العهد الأندلسي المأمول . وهذا سواء كنا مسلمين أو مسيحيين أو يهود أو ملحدين ، ولا يجب أن يقصي أي طرف للطرف الآخر ومهما كانت المبررات . ولا أن نتماهى مع ألبير كامو ، ولا مع من لف لفه من غلاة المستوطنين في الجزائر . ذلك أنه كان يحب الجزائر وشمسها ، وهذا حسب ما يدعيه ، ولكنها جزائر من دون الجزائريين ، وخالية من سكانها الأصليين ، وهذه هي قمة العنصرية والاقصاء ، ومفرخة لكل شرور محاكم التفتيش الملعونة . ذلك أن اقصاء أي طرف ، للطرف الآخر ، يجعل كل منهما يشحذ أسلحته ، وبهذا نعود إلى نقطة الصفر ، نقطة القتل على الهوية ، وهو أمر مرفوض ولا مجال للحديث عنه لا اليوم ولا غدا .

كما أننا نجد بأن الموريسكيين والذين لا يزالون ، وإلى يومنا هذا يحملون هويتهم الأندلسية ، ويتشوقون للعودة إلى أرض آبائهم وأجدادهم . وهم اليوم يطالبون بالجنسية الاسبانية ، أسوة باليهود السفارديم وفي حال تحقق مطلبهم هذا ، فإنه يصبح من حقهم العودة إلى أرض الأندلس التاريخية ، وهذا ما تتخوف منه الكنيسة الكاثوليكية . ويرعبها هي ومن يتخذ معها ، نفس الموقف من المسألة الموريسكية . وهذا لكونهما يتخوفان من التفوق العددي للمسلمين ، من جديد في أرض الأندلس وخصوصا في جنوب إسبانيا ، أين توجد معاقلهم التاريخية ، وهذه الأجزاء من اسبانيا وباعتراف الاسبان أنفسهم لهي للمسلمين أكثر مما هي للمسيحيين .

ولكن الأمر اليوم لهو صعب جدا إن لم يكن من المستحيل عودة الأندلسيين إلى بلادهم ، وذلك لأن بعض مسلمي اليوم لهم أسوء رُسُل للإسلام ، وهذا على عكس أيام طارق بن زيان ومن معه . فلا ننتظر من أحفاد الأندلسيين المتنصرين اليوم في إسبانيا ، وعلى الرغم من معرفتهم لجذورهم الأندلسية الموريسكية ، أن يعودوا وبسهولة إلى هوية أسلافهم وهم المتشبعون بالثقافة الغربية المتفوقة ، وأن يتقبلوا فكرة العودة إلى هويتهم التاريخية ، وهم يرون وبأم أعينهم ما يحدث باسم دين هؤلاء الأسلاف .

ولهذا ولكي يُـرْجع المسلمون الفردوس المفقود ، فعليهم أولا أن يعودوا هم إلى إسلام الأندلس التاريخية ، والذي كان قائما على مبدأ التعايش المشترك ، وعلى فكرة تقبل الآخر . أندلس كما هي موجودة في كتاب الأندلس العربية إسلام الحضارة وثقافة التسامح للأكاديمية الأمريكية روزا مينوكال . كما وأننا كلنا ننشد الأندلس التي ينتمي إليها لوركا ، أندلس التسامح والتي قال بحقها : ” أنتمي لغرناطة التسامح ، غرناطة ما قبل السقوط في يد الكاثوليك ” . وما يحزن بالفعل لهو انقلاب الوضع ، فبالأمس كان المسلمون متسامحين ومتنورين ، في حين كان الاسبان متعصبين ، فكيف يمكن للدواعش ولبوكو حرام ولطالبان ، بأن يكونوا رسل سلام تحمل الخير والعافية للأندلس من جديد ؟ . إن الأندلس التي نريدها لهي أندلس بعيدة عن المتعصبين ، ومن الجهتين وعلى كل منهما أن يقدم رسالة طمأنة للطرف الآخر . إنها أندلس يحلم ونحلم بها جميعا مع الشاعر والروائي أنطونيو غالا ، أندلس التعايش ، أندلس لوركا ذات الهوية الأندلسية وفقط .

 

*شاعر وكاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق