ثقافة المقال

كيف تنقذ نفسك من المرض النفسي؟

​​​​​​​​​​د. ماجدة حمود

(خاص): تنتشر هذه الأيام الأمراض النفسية، نتيجة ما يعانيه الإنسان من قلق وفقدان الأمن وضغوطات الحياة الاقتصادية…الخ مما يدفعه إلى اللجوء إلى الطبيب النفسي، لكن المشكلة في بلادنا، أن ذلك لن يجدي نفعا، في أغلب الأحيان؛ لأننا كما لاحظنا، في عدة حالات قريبة منا، أن هذا الطبيب يلجأ إلى العقاقير، التي تسلب الإنسان حيويته، فتجعله شبه مخدّر، فتضيع ذاته، التي من المفروض أن يعوّل عليها؛ ليتجاوز أزمته.
يحاول هذا المقال أن يخاطب المتلقي قبل أن تتفاقم حالته، فيضطر إلى استشارة الطبيب، إذ يركز على كيفية إنقاذ نفسه من المرض، ويبين أن مسؤولية تغيير حالته النفسية تقع على عاتقه، فهو ابن أفكاره، فإذا ردّد بينه وبين نفسه أفكارا إيجابية (أنا قوي، أنا قادر على الفعل …) أنقذها، وإذا ردّد أفكارا سلبية (أنا مريض، أنا عاجز عن الفعل…) تغلب عليه المرض؛ وبذلك عليك أن تؤمن أن لا أحد يستطيع تغييرك، وأنت في المقابل لا تستطيع تغيير أحد، لأن التغيير ينبع من ذاتك أنت. عليك أن تركـّز تفكيرك حول نفسك؛ لأن التغيير يحتاج وقتا وطاقة.
إذا عليك أن تعيد تربية ذاتك، وفق اقتراحات إليك بعضها:

الإيمان بالله
حين يملأ قلبك الإيمان بالله، تشع حياتك بمعاني الخير والرحمة، تحسّ بأن ثمة قوة مطلقة إلى جانبك، تساعدك في لحظة الضعف والشدة، فتمتلئ قوة وثقة بأنك قادر على مواجهة ضعفك وتغيير نفسك، دون أن يعني ذلك إخضاع الآخرين لمعتقداتك أو إكراههم على الإيمان.
تقول سوزانا مكماهون: إنني إلى زمن كنت أشك فيه بوجود الله. حالياً، لدي إيمان لا يتزعزع به. بالنسبة إلي، ينتمي الله والخير إلى المجال نفسه. من هنا كانت طبيعتنا الداخلية خيرة لأنها إلهية، إنني أدعو غير المؤمنين بأن يستبدلوا مفهوم الله بالطيبة، التي تعني امتلاء القلب بمشاعر الحب والرغبة في فعل الخير، فتتكافأ مع مشاعر إيمانية تبث نقاء داخليا، ينشر الحب والتسامح والخير فيما حوله.

تنمية مشاعر الحب
إن الحب هو حاجة إنسانية أساسية، يؤدي الحرمان منه في الطفولة إلى خلل في الشخصية، إنها حاجة كامنة في أعماقنا، ترافقنا في مراحل حياتنا كلها، وبذلك لن نستطيع تأكيد ذواتنا إلا ضمن علاقات حب تنفتح على آبائنا، ومعلمينا وأصدقائنا، لكننا اليوم نضيّع ذواتنا، فنفضل على الحب حسابات مادية، وقيم استهلاكية.
إن تطوير تقدير الذات يكون ببناء حريتنا الداخلية، التي لن تهتم بالمظاهر الجوفاء، وإنما يقيم عليا، يؤسسها الحب، الذي لا يتمحور حول شخص واحد، وإنما يشمل الإنسانية جمعاء، فنزداد قناعة أن هذا هو الجمال الذي سينقذ العالم، على حد قول دوستويفسكي، فنندفع لنشر الحب، الذي يتجلى بعطاء، لا ينتظر مقابلا، مثلما نندفع لمقاومة مشاعر الكراهية والحقد، التي تسمم حياتنا وحياة الآخرين، كما حصل مع بطل شكسبير (ياغو) في مسرحية عطيل.
محاولة تحقيق النجاح الحقيقي
إننا نشوّه ذاتنا اليوم، حين نسعى إلى تحقيق نجاح مادي واجتماعي، مرتبط بـ”المظهر” لا بحقيقتنا، كم هو غريب أن تكون محترما في يوم ما لأبعد حد وفي اليوم التالي محتقر، حين تفقد كل ما تملك بسبب الحرب، أو كارثة طبيعية أو انهيار سوق الأسهم!
ثمة أناس _عديدون_ يطبقون بحرارة وصفة النجاح: يدرسون بحماسة، يعملون بكل قواهم، يلتقون بأناس من ذوي المكانة الاجتماعية …الخ لكنهم لا ينجحون؛ لأنهم انطلقوا من مظاهر خارجية، ولم ينظروا إلى أعماق نفوسهم، وما يرغبون هم بتحقيقه، بعيدا عن الصورة النمطية للنجاح.
إن الطريقة الوحيدة لقياس نجاحك بحسب هذا النموذج، سيكون بمعرفة أي رأي تملكه عن ذاتك. إذا أحببت نفسك وحتى إذا انهار محيطك، فأنت ناجح، فإن لم تستطع أن تحب نفسك، فأنت لست فاشلا. ببساطة، لم تتعلم بعد أن تحب نفسك. هذا التعريف للنجاح هو داخلي، وكل منا يستطيع تحقيقه.

تقبّل ضعفك أو خطئك
حين تخطئ لا تعاقب نفسك. لا تهنها، قرّر أن تتصرف بشكل مختلف في المرة القادمة، وأن تفكّر بطريقة أخرى.
عليك أن نتذكر أن الإنسان يصبح خبيرا بالممارسة، وأن كل ابن آدم خطاء، لكن المهم أن تتعلم من أخطائك، عندئذ ستحسـّن مهاراتك في استخدام قدراتك الجديدة.
إذاً بما أنك إنسان، فلديك الحق بارتكاب أخطاء. المهم ألا تفقد تقديرك لذاتك، وأن تعفو عن أخطائك، وتقدّم لنفسك أعذارا، وتبدأ صفحة جديدة متابعا دروس حياتك على حدّ قول سوزانا مكماهون.

عليك أن تستسلم للعجز، أحيانا
إننا نرغب في التحكم بحياتنا بشكل مطلق، حتى لو كان ذلك محض خيال. فنحن نفكر طوال الوقت، ونحلل الماضي محاولين القضاء على العقبات؛ كي نخطط بشكل أفضل للمستقبل، ونحاول السيطرة عليه؛ وبذلك نرفض أن تهرب منا ولو ثانية واحدة من زمننا الحاضر. إن نقيض هذا السلوك هو “العجز”. إنه يحدث عندما ندرك أننا لا نستطيع تعديل مسار حدث ما، وأن علينا أن نقبله بدل أن نتصرف أمامه بغضب، أو نكرر الندم دون انقطاع، فلا نسمح للمشاعر السلبية أن تجتاحنا، بل نستسلم للقضاء والقدر، وهذا ما يؤكده (فردريك لو نوار) في كتابه “قوة الفرح” فالعجز، في رأيه، أخذ مسافة ما، إنه شكل من أشكال التحرر، وقبول الحياة كما هي. وكذلك عندما نواجه صعوبة لا نستطيع حلّها علينا تقبّلها كما هي، مادمنا لا نستطيع تغييرها، عندئذ نربح راحة نفسية.
كما يبيّن لنا (لو نوار) أن علينا ألا نعيش وساوس امتلاك كل شيء، عندئذ نستطيع أن نضع أنفسنا في حالة انشراح داخلي، وفي حالة فراغ ذهني مناسب لمجيء الفرح.
أما حين تهاجمنا في حياتنا تيارات معاكسة لطموحنا، فعلينا ألا نتخبط، لنستسلم للتيار ولننتظر اللحظة الملائمة لنباشر الفعل، الذي سيسمح لنا بالوصول إلى هدفنا. علينا الانتظار، فأحيانا يعود إلينا التيار بشكل يناسبنا.
إننا بحاجة إلى التعلّم من الفكر الطاوي، الذي هو فلسفة التلاؤم. إن “عدم رد الفعل” الذي يمتدحه ذلك الفكر لا يقوم على عدم رد الفعل بشكل مطلق، لكن على الفعل مرتبطا بحركة الحياة، فإذا عارضتنا فلنستسلم لأمواجها. عندئذ نصل إلى هذا الهدف بشكل متأخر وقد لا نصل إليه أبدا، فنغيّر الهدف بين الحين والآخر.
علينا أن نقبل مرافقة حركة الحياة، والارتباط بأشكالها المنبثقة، والمذهلة أحيانا، فنتقبل المخاطرة بالعيش بشكل غير مستقر دائما. هل ثمة رسالة يمكن أن نتعلمها، إذا لم تسر الحياة كما نشتهي؟ هل يمكن لتغيراتها المفروضة علينا، أن نواجهها بوهم المثابرة من أجل الحصول على الهدف، التي كرّسنا أنفسنا له؟ علينا أن نردد: ربما سيتحقق في يوم من الأيام ما نبغيه، وستتحسن الأمور.
إن الاستسلام يقودنا لشكل من أشكال الرضى بالأمور التافهة في الحياة اليومية كما الأمور العظيمة. لا حاجة لتكون بطلا في الحكمة لتصل إلى ذلك. لنترجم هذه الـ “نعم” للحياة اليومية عبر تجارب صغيرة نستطيع الوصول إليها، من الآن وصاعدا، في وجه القلق اليومي. لنتعلّم تحويل الضيق والقلق إلى تقبـّل إيجابي … وإلى فرح أيضا، شرط أن نمتلك القدرة على التعلّم على حد قول (فردريك لو نوار).
إن الخطوات السابقة لا تنتمي إلى عالم المثل، كما قد يظن بعض الناس، لا يمكن الوصول إليها، بل يستطيع كل منا تجسيدها في حياته، حين يدرّب نفسه عليها، ويحاول ممارستها رغم كل الصعوبات، التي تعترضه، عندئذ ينقذ روحه من التعب، ويبني ذاتا قوية، تمتلك الإرادة والثقة، فيعالج نفسه بنفسه بعيدا عن الطبيب النفسي.
المراجع
كتاب psy de poche للكاتبة Susanna Mcmahon
كتاب La puissance de la joie للكاتب Frederic Lenoire

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “كيف تنقذ نفسك من المرض النفسي؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق