قراءات ودراسات

التفكير في الرواية المغربية

عثماني الميلود

1- تمهيد: يعتبر كتاب الباحث المغربي الدكتور عبد الله المدغري العلوي(يكتب بالفرنسية(بعض ملامح الرواية المغربية 1950-2003))، انتقالا نوعيا في الكتابة النقدية والبحث الأكاديمي لصاحبه؛ فقد اشتهر الرجل كأول باحث في السرديات مع كتابه المتميز الصادر بالفرنسية(السرديات: نظريات وتحليلات تلفظية للمحكي(1989)) والذي لايخفي إندراجه ضمن البحوث في السرديات من الزاوية التلفظية. وفيه عرفه القراء المختصون منظرا وقارئا ومطبقا على متن سردي مغربي ومغاربي، يستطيع القارئ المنصف، أن يصنفه بأنه من أكثر البحوث انسجاما، من حيث إطاره النظري والإبستميمي، وأكثرها تدقيقا في المحافل السردية، لدرجة يمكن القول معها أن لا أحد من الباحثين المغاربة، قد أنجز بحثا متكاملا ومنسجما وشاملا؛ في حين يشكل هذا الكتاب الصادر سنة 2006، عن منشورات الزاوية، والمترجم إلى العربية، سنة 2013(ترجمة إبراهيم أولحيان، ضمن منشورات دال السورية) رصدا وتتبعا لحياة الرواية المغربية (باللغتين الفرنسية والعربية) من ثلاث زوايا متكاملة(التاريخية والتيماتية والإسططيقية). وإذا كان الكتاب، في نسخته الفرنسية، قد وجد له صدى كبيرا، لدى الباحثين والصحافة الثقافية ، بفرنسا والمغرب، فإنه يرجى أن تنال الترجمة العربية نفس العناية والاهتمام. ولهذا يرجى من هذه الورقة أن يعرف القارئ المغربي باحثا مغربيا، قرر إلى جانب البحث العلمي أن يخوض تجربة الكتابة الروائية في روايته الصادرة ضمن منشورات أبو رقراق تحت عنوان يصعب ترجمة جزئه الثاني(Une Enfance métissée,à l’aube du Maroc nouveau) طفولة مهجنة أو مخضرمة مع فجر مغرب جديد)(2017). وهي رواية تجمع بين التأملي والتخييلي والسيري.

2ملامح الرواية المغربية على مدى نصف قرن:
ينفي الدكتور عبد الله المدغري العلوي، أن يكون هذا الكتاب موجهاً للباحثين، ويقر بأنه موجه إلى الجمهور العريض(طلبة مبتدئين أو قراء يرغبون في تحصيل معارف أولية عن هذه الرواية المغربية). ومثل هذا المؤلف تفتقر إليه المكتبة المغربية افتقاراً شديداً؛ ذلك أنه يركز على الأعمال الروائية البارزة التي بصمت الحياة الأدبية بالعربية والفرنسية. فهو إذاً من المؤلفات التي ترصدُ الأعمال الأدبية بطريقة تركيبية وبانورامية. ومن مزايا الكتاب أنه يجعلنا قادرين على رؤية التيارات الدينامية والتداخلات الجديدة التيماتية والبويطيقية. ليس هناك زعم بالشمولية، ولكن هناك، في المقابل، مؤلفات ذات تمثيلية كبيرة. إن مؤلف عبد الله المدغري العلوي يضيء لنا أعمالاً نالتْ حظها من البحث والدراسة، نقصد أعمال الطاهر بن جلون ومحمد خير الدين، دون أن يكون هذا تلميحاً إلى التقليل من مساهمة هذا الكتاب. فهناك ، لدى الباحث، رغبة في عدم إهمال هذه الأعمال، مع اهتمام أكبر بالأعمال الأقل شهرة من زاوية بين- لسانية للرواية المغربية بالعربية والفرنسية.
يستنتج الباحث تقسيماً تاريخيا من خمسة عصور(خمسة فصول). فقد خصص الفصل الأول(1950-1960)، بشكل تام، لأحمد الصفريوي، حيث أفصح عن تقدير واضح ومتجدد، وصاغ منظوراً جديداً لمؤلف إدريس الشرايبي(الماضي البسيط). في حين خصص الصفحات الأولى، من الفصل الثاني(1960-1975) لمقاربة ما بعد كولونيالية. وجاء تعريفه لها باعتبارها خاصية زمنية، أكثر مما تدل عليه حينما توضع عارضة(Post-Colonialisme). ولعل تخصيص صفحتين(صص23-25)، لهذا التيار يعود الفضل في إرسائه إلى إدوارد سعيد وبهابها وسبيفاك. وقد مال الدكتور عبد الله المدغري العلوي إلى الاعتماد على النقاد المغاربيين والمغاربة، بدل العودة إلى منظري ما بعد الكولونيالية، متبنيا الموقف الذي اتخذه النقد الفرنسي بإزاء الإنتاجات الأدبية للكتاب المغاربيين الذين يكتبون باللغة الفرنسية. وهو نقد بقي متحفظا من نظرية مابعد الكولونيالية لأسباب نفسية وتاريخية. ومع ذلك، وفي الفصل نفسه، فقد عالج الباحث قضية الاستعمار في الرواية، ثم القطيعة مع مجلة أنفاس، مفضلاً الاصطفاف إلى جانب موقف عبد الكبير الخطيبي الذي كان له موقف خاص من العلاقة مع الفرنسية(صص35-40). وموقف الخطيبي هو الموقف الذي ما يزال يغذي مواقف الكثير من المثقفين، والكتاب المغاربيين من قضية الفرنكفونية.
وفي الفصل الموالي الذي يرصد الفترة الثالثة(1975-1990)، ركز الباحث على كل من عبد الله العروي ومحمد زفزاف ومحمد شكري وعز الدين التازي وأحمد المديني الذين لم يفصلوا سؤال الكتابة عن سؤال مأزق المجتمع المغربي؛ غير أن خيبة الدكتور عبد الله المدغري العلوي كانت كبيرة حينما وجد أن هذه النصوص، من الناجية الجمالية، محدودة وبناؤها تقليدي واللغة المهيمنة عليها ذات طابع كلاسيكي؛ لكن مع بعض الخصوصيات التي تميز هذا الكاتب أو ذاك:
– النضج الفكري لدى العروي؛
– السخرية لدى محمد زفزاف؛
– الخطاب التلقائي والنقدي لدى محمد شكري؛
– الاستفهام الرمزي والأسطوري عند محمد عز الدين التازي؛
– النفس الباروكي عند أحمد المديني.
غير أن ميلاد رواية مغربية بالفرنسية، كان أمرا مثيرا للاهتمام لدى جيل متفرد من الكتاب أمثال إدمون عمران وعبد الحق سرحان، مع ملاحظة أن جلَّ نصوص هؤلاء هي عبارة عن أوطبيوغرافيات تخييلية، بهذه الكيفية أو تلك، حيث الشخصيات هي لمثقفين فرنسيين ذوي أصول مغاربية، غير مندمجين، بشكل تام؛ غير أن أسلوبهم يتجنب الغموض ما أمكن، مع جعل بناء الحكاية موازيا لبناء وجودي. وقد أنهى الباحث فصله، بالوقوف عند ما سمي برواية(Boeur)، في الأدب الذي تداخلت فيه الثقافات، وهي رواية ذات أصول جزائرية. وفي هذا السياق أنجز الباحث تحليلاً لرواية(Zeida de nulle part) للكاتبة ليلى هواري، التي وجد أن أدبها ينبع من حياتها، بشكل انفعاليٍّ.
وخلال الفصل الثالث، وعلى مدار عشر سنوات(1990-2000) رسم الدكتور عبد الله المدغري العلوي إطاراً سوسيو-تاريخيا وثقافيا وبانوراميا يجمع ثلة من النصوص بالفرنسية والعربية، مع تحليل مختزل، خاصة نصوص الخطيبي. وقد ميّزَ الباحث ، في هذه العشرية، مجموعة من التيارات، منها:
– سرد تجارب غميسة؛
– رؤى جديدة ونسبية للعلاقة بالمجتمع، بعامة، والمرأة، على وجه الخصوص؛
– توسيع المضمون المرجعي ومَثل لها بمجموعة نصوص روائية بالفرنسية (أسنان الطوبوغرافي) لفؤاد العروي، وثلاثية الرباط للخطيبي، والرجل المنكسر للطاهر بن جلون وامرأة بكل بساطة لبهاء طرابلسي، ياسمينة والتميمة لأنيسة بلفقيه)، ونصوص أخرى بالعربية(الضوء الهارب) لمحمد برادة؛
– الميل إلى العودة إلى التاريخ واقعيا أو تخييليا(إنسان الكتاب للشرايبي، جارات أبي موسى لأحمد التوفيق، مدينة براقش لأحمد المديني، وروايات أخرى لكل من عبد الله العروي وشعيب حليفي)؛
– تجدد الرواية الإثنوغرافية مع ضريح عبد الغني أبو العزم، وصراع الصور لعبد الفتاح كليطو؛
– احتواء الرواية الواحدة على إشكالات مختلفة، مثال روايات الشرايبي أو أحلام النساء لفاطمة المرنيسي؛
وعلى إثر ذلك، حلل الباحث، مجموعة من الروايات المغربية المكتوبة بالفرنسية ، غير أن الجديد هو تحليل مجموعة روايات مغربية(بالعربية)، ميز بينها على أساس تيارها الأدبي:
– الرواية التاريخية مع (العلامة) لنسالم حميش، و(جارات أبي موسى) لأحمد التوفيق؛
– الرواية”الشكلانية” أو”الرواية التجريبية” مع محمد عز الدين التازي وأحمد المديني ومحمد برادة؛
ولم تفت الباحث، مع ذلك، الإشارة إلى بروز موضوعة جديدة في الرواية المغربية(صص73-80)، تتعلق بما سماه تيمة “المهاجرون السريون” أو ما ننعته بالعامية بـ”الحراكة”. وهي تيمة سمحت للرواية المغربية بالانتقال من القرن 20 إلى القرن 21. ومن أمثلة هذه الروايات رواية”أكلة اللحوم” للماحي بنبين، ورواية”الحراكة” ليوسف أمين العلمي. وهما روايتان تلتقيان في رصد البعد التراجيدي لرحلة “الحراكة” التي تنتهي، غالبا، بالفشل أو الغرق. ومما يعمق صورة”الحراكة” هيمنة الفضاء البحري واختزال البعد الزمني(ليلة، ص.73). والعجيب أن التركيز لا يتمُّ هنا على موت”الحراكة” بل على الأخطار المصاحبة والمشاعر الناشئة. ولعل ذلك ما أسهم في بروز تيمة البحر وهيمنتها، ونشوء تيمات صغرى(البحر معيقا، البحر مساعدا، البحر كاشفا).
ولعل ما شهدته الرواية المغربية(بالفرنسية والعربية) لم يقف عند هذه الحدود ، بل تعداها ليسمح بظهور روايات ومحكيات نسائية(1980-2000). لم يكتف الدكتور عبد الله المدغري العلوي بالإشارة ، بل قرر فتح الموضوع من جديد، قصد تبين بعده المجدد. ولعل سعي الباحث إلى نمذجة هذه النصوص بين نزعة تقليدية، وأخرى حداثية، بطرائق وأصوات نسائية إنما قصد به إبراز أوجه الاختلاف. ومن هنا ندركُ الأهمية التي أولاها الباحث لثلاثة نصوص؛ أحلام النساء لفاطمة المرنيسي، و(Zeida nulle part) لليلى هواري، و(Cérémonie) لياسمين كتاني.
وفي الجزء السادس والأخير، لمستهل القرن 21(2000-2003)، تساءل الباحث عن الآفاق التي يمكن استخلاصها الآن؟ ليخلص إلى أن “تناسل” النصوص السردية التخييلية، وغير التخييلية، التي نشرت في بلدان عدة؛ فرنسا، المغرب، كندا، بلجيكا وسويسرا، بالإضافة إلى نصوص كتبت بلغات أخرى(الإسبانية، الإنجليزية، الألمانية، الهولندية) تعكس أوجه تطور هذه الرواية المغربية التي يجب أن تدرك في تعدديتها هذه. وسجّل الباحث أن ليس هناك اختلاف كبير بين الكتاب المكرسين والكتاب الجدد. ومن الخلاصات المهمة التي انتهى إليها الباحث، من خلال هذا الفصل الأخير، قوله بهيمنة الطابع السيري أو السير ذاتي، التخييلي أو الواقعي. وجمع الباحث كل هذه التنويعات الأطوبيوغرافية في مفهوم( محكي الحياة).
لقد كانت الحاجة، وما تزال، ماسةً إلى مثل هذه الدراسات الإجمالية لتاريخ الرواية المغربية، لأنها تسعفنا، قراء أو مختصين، على تكوين صورة محددة وتقريبية عن هذا الاقتصاد الروائي المغربي، كما أن اختتام هذا العرض بأهم الخلاصات التي انتهى إليها الدكتور عبد الله المدغري العلوي يضفي طابعا إشكاليا على جنس سردي موعود بالتطور والتغير والإبتكار:
– هناك تطور كمي متواتر لعدد الروايات المغربية نظرا لتراجع الأمية ونمو عدد السكان؛
– التطور التاريخي للرواية المغربية (بالعربية أو الفرنسية) لا يتطابق وما شهدته الرواية الغربية ، رغم أن هذه الأخيرة هي من ألهمتها؛
– عمومية الرواية في الرواية المغربية(فرنسية كانت أو عربية)؛
– بداية تأثر الرواية المغربية بوسائل الإعلام والتكنولوجيات الجديدة؛
– ضعف الروايات المغربية ، في الخيال العلمي والرواية البوليسية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق