ثقافة السرد

عذبة: رواية فلسطينية. الجزء -5-

صبحي فحماوي*

كان الطريق طويلاً، وكلما تتجه الحافلة إلى الغرب، تزداد الخضرة والأشجار، والرطوبة التي تجففها الصحاري العربية.
وعند الحدود توقفت الحافلة، ونزل الركاب منها يتابعون أوراق وأختام الحدود والمعابر، وجرى تفتيش الحافلة من بطنها وظهرها، وتحت إبطيها، وخلف أذنيها، وتم إدخال الحافلة إلى قاعة مغلقة لعمل تخطيط للقلب.. وداخل شباك الأمن الإسرائيلي تجلس مجندة سوداء، يبدو أنها قد هاجرت من الفلاشا الأفارقة إلى فلسطين. سألته الفلاشية:
“اسمك”؟ نظر إلى شعرها المجعد، وقال لها:
“مكتوب عندك في الورقة”. قرأت الورقة ثم سألته:
“أنت من مواليد إسرائيل”؟ كان يراقب أسنانها التي تلمع بياضاً، وهو يجيب:
“أنا من مواليد فلسطين”. تركت الورقة ونظرت إليه قائلة:
“لا تقل فلسطين، قل إسرائيل”. حدق بعينيها السوداوين وهو يجيب:
“ما دمت تقولين أنني من مواليد إسرائيل، فلماذا تمنعونني من العودة إلى مكان ولادتي”؟ فقذفت الورقة في وجهه وهي تأمره بصرامة:
“هذا ليس شغلي. عبىء الورقة وانصرف”! عبأ الخانات الفارغة في الورقة، وكتب إنه من مواليد أم الزينات. شاهدت المجندة كلمة أم.. فكتبت بجوارها بخط يدها، كلمة اسرائيل. شاهد عماد ما كتبته المجندة، فقال لنفسه:
” فلسطين، اسرائيل، خديجة، خيشة، ضعوا عليها أيّ اسم. المهم أن أعود إلى وطني، وبعد ذلك يحلها ربنا” !
انطلقت الحافلة من جديد، فصار عماد داخل فلسطين. الأرض تغيرت. التراب أحمر. السهول والجبال اخضرّت! النظافة! رائحة الهواء النقي المشبع بالأكسجين، حتى السماء تغيرت، وصارت زرقاء صافية، تتخللها بعض غيمات قطنية منفوشة بيضاء!
الله ما أبهى سماءك يا فلسطين!
يبدو أن الطريق طويلة يا عذبة، والحافلة تقطع المسافات البعيدة، للوصول إليك يا ملاذي الأخير! ما أزال أذكر تلك البقاع، وكأنني بالأمس! وكثيراً ما حدثني والدي عن بدايات الاحتلال الصهيوني لفلسطين حيث قال:
” أصبح لليهود في ضواحي حيفا بيوت وعمارات، وشركات يسمونها (كوبّنِيّات)، ثم أصبح لهم مستعمرات، وبالتخطيط والنقود والعلوم والجنس، والأسلحة الغربية، التي كانت تقدم لهم كدعم، مع التدريب المجاني على استعمالها في القتل، استطاع المُنتدَبون الإنجليز، ولا أعرف من الذي انتدبهم، ولماذا انتدبهم؟ وإذا كان لا بد من الانتداب، فلماذا لا يُنتَدبون على الموزنبيق أو روسيا أو بلاد الواقواق؟ لماذا على بلادنا بالذات؟”
قام البريطانيون بتسمين يهودهم، وجعلوهم يتغلبون على أولاد عمهم العرب، عادة لا هم أولاد عمنا ولا شيء! فكيف تقنعيني أن البيض مثل الشحم، القادمين من بولندا الفايكنج، والسود مثل الفحم، القادمين من إثيوبيا، هم أولاد عمي؟ الا إذا كان في القصة أولاد حرام! يقولون إنهم في الآخرة ينادون كل شخص باسم أمه، وليس باسم أبيه، لأنه …!
ليس هذا بيت القصيد، المهم أنه صار عندهم أسلحة في “الكوبّنيات” مهداة من الغرب، وبدأت التدريبات المكثّفَة على تلك الأسلحة. كانوا يدَّعون أن تلك الأسلحة للدفاع فقط، ومنها أخذوا اسم “جيش الدفاع” وليس جيش الهجوم، ولذلك فالمجنّد يدير رأسه باتجاه البحر، وهو يطلق النار من الرشاش، من بين رجليه إلى الخلف، فيقتل ما يقتل من الفلسطينيين العُزل من السلاح! ولكن لماذا هذه الحركات القرعاء؟ قال على شان يقولوا:
“نحن ندافع مدافعة!”وهكذا استمر جيش الدفاع بالرجوع إلى الوراء يا حبيبتي، والرشاشات تتقدم إلى الأمام، حتى وصلوا إلى البحر الميت، ومن هناك أخذوا يستعدون للمرحلة القادمة!
*رواية ننشرها على أجزاء بالاتفاق مع الروائي اافلسطيني صبحي فحماوي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق