الثلاثاء , ديسمبر 12 2017
الرئيسية | الموقع | قراءات ودراسات | رواية “أرض الخرابة” واحتضان الأفق الأسطورى للشخصية الصعيدية

رواية “أرض الخرابة” واحتضان الأفق الأسطورى للشخصية الصعيدية

بقلم: محمود سليمان

عبدالجواد خفاجي وبعد أن خسر في الجولة الأخيرة من جائزة الدولة التشجيعية، وبعد يأسه من المؤسسة الرسمية وما يمكن أن تقدمه له كروائي جنوبي صاحب مشروع روائي متميز، قرر أن يقتحم مجال النشر الخاص، ودفع بروايتين دفعة واحدة إلى النشر. هذا الشهر صدرت له عن دار “سندباد” بالقاهرة روايته “أرض الخرابة”.. لنقرأ عالمه الروائي المتسم بالخصوصية والغائص في البيئة الجنوبية التي يعشقها، عشقاً ينضح به قلمه الروائي… إذ يجسد الشخصية الصعيدية بكل موروثها الحضاري والثقافي أصدق تمثيل، كما أنه لا يهمل البعد التاريخي للصعيد وإنسانه، لذلك تأتي الرواية مترعة بالأسطورة ، وبالعادات والتقاليد الجنوبية، في سياق التعاطف مع تاريخ هذه الشخصية ووضعيتها في واقع معاصر لا يرحمها.

رواية “أرض الخرابة” تتميز برشاقة الأسلوب وسرعة النقلات وروح الفاكاهة، والتركيز على الغرائبي والأسطوري، والبناء الروائي المتميز الذي يعطي الشخصية حيزاً أكبر للتواجد؛ ليتركز السرد حولها، وحول تاريخها وما دار حولها من أقاويل وما صدر منها من أفعال تحفظها ذاكرة السارد الذي كثيرًا ما كان يستعين بأقوال الآخرين وذاكرتهم، وبالذاكرة الجمعية أحيانا ، وكثيرا ما يضطر إلى تمحيص ما ينقله، وأحيانا يواجه الأقاويل ببعضها كما لو كان مؤرخاً يمارس الحكاية، أو كما لو كان حكاءً يستشهد بتاريخ مجهول لشخصيات مجهولة، ربما لهذا يبدو الأمر اكتشافاً ، وربما كشفاً عن غرائبية جديدة إذ تتكئ على التاريخ ليس باعتباره وثيقة أو حقيقة بل باعتباره عاملا أساسيا من عوامل تغييب الشخصية عن الحياة بمعناها الحقيقي، في واقع معني أيضاً بتغييب الشخصية واستغلالها سياسيا رغم هذا.. ربما لهذا كان السارد ثوريا رغم روحه الفكهة، التي تعتنق الفكاهة كسمة تؤكد وعيه بطبيعة وغرائبية ما ينقله من أحداث، لهذا أتت الفكاهة متلبسة بروح النص والأحداث والشخصية دون أدنى تصنُّع ، كل شيء يأتي فطريا وطازجاً بما فيه أسلوب السارد نفسه، ربما لهذا أتى السارد أيضاً  أقرب إلى روح المؤرخ الذي ينقل أحداثاُ غرائبية كما لو كانت حقائق تاريخية، فيما يتحول الشخوص أنفسهم إلى أبطال تاريخيين، كما لو كانوا صُنَّاع تاريخٍ سريٍّ مجهولٍ تحاول الرواية أن تسجله كما لو كان هو نفسه تاريخ الصعيد وإنسانه.

تأتي رواية “أرض الخرابة”  في إطار مشروع عبدالجواد خفاجي الروائي الذي يركز فيه على المعطى البيئي الجمالي والحضاري للشخصية الصعيدية بما تمتلكه من موروث مترع بالخرافة والأسطورة، وتاريخ ينحدر بها إلى أسفل .. محاولا رسم صورة بانورامية للواقع الصعيدي من خلال حياة شخوص يقعون تحت خط الفقر، وعند مستوى الغريزة والفطرة، فاضحًا ما يعتمل في واقع هؤلاء الشخوص من قرصنة روحية وسياسية وقبلية تسطو على حياتهم وتتجه بهم نحو عصر متخم بالتغيرات والإنهيارات العظمي .. الأمر الذي يدعو إلى الشفقة على حياة الشخوص في ظل سياسة الاستجهال الرسمي التي يعانون منها، وتحت ضغط الجهات الأمنية الغاشمة التي لا يهمها غير نبش البيوت والطرقات بحثا عن مطلوبين تتوهم أنهم خطر على النظام. .. الرواية متخمة بالمفارقات ومتناقضات الواقع بأسلوب رشيق ساخر مثير للدهشة. لا يمكننا بأي حالة ـ ونحن نقرأ الرواية ـ إلا أن ننجذب لهذا العالم الأسطوري، بشخصياته ذات السمات الخاصة التي تتواءم مع محددات البئية الغرائبية ومفرداتها .

إن روايات عبدالجواد خفاجي سجل لعالم أسطوري طازج لا يشاركه أحد في طزاجته، ومهما قيل أن كثيرين اقتربوا من هذا العالم ، لنقرأ هذا المقطع من الرواية لنكتشف أننا أمام الروعة والطزاجة والغرائبية والتفرد الأسلوبي في آن واحد: ” وشاهدنا عبدالفضيل لأول مرة يلبس جلباباً أبيض نظيفاً يهفهف فوق قدمٍ حافية، وأخرى مغروسة في فردة الحذاء الشنيعة.

ويقال إن تاريخ زواج عبدالفضيل بأم إسماعين هو نفسه تاريخ انتقال ملكية حمارة عبدالفضيل السوداء إلى حيازة “قُرني اليابس” الذي دفع – حسب أسعار تلك الأيام – ثلاثة جنيهات وسبعين قرشاً مقابل امتلاك الحمارة، ويقال إن عبدالفضيل دفع من هذا المبلغ جنيهان ونصف الجنيه مهراً لأم إسماعين، وباقي المبلغ اشترى به أشياء تلزم البيت والزواج، وشاهدناه وهو يدخل بيته على أم إسماعين – رغم الظلام – رأيناه يمشى بجلبابه الأبيض مهرولاً، يدك الأرض بفردة حذائه التي  كانت تصدر صوتاً أشبه بالضراط.

وكنا بعد العشاء نتسحب تحت الحوائط حتى نصل إلى بوابة بيته نقترب بآذاننا من أي فتحة في خشب البوابة المخرَّم .. نتسمع ما يدور بالداخل.

أحياناً كان يأتينا صوت أم إسماعين متقطعاً مستغيثاً: حاسب .. حاسب، وكثيرًا  ما كنا نسمعها وهي تتأوه، وأحياناً كنا نسمع نشيجاً وبكاءً، وأحياناً صراخاً ما يلبث أن يخفت؛ ليبدأ صوت عبدالفضيل وهو يردد موالاً يحفظه: “يا حلو .. ياللي قميص النوم شكى منك . خشمك ينقِّط عسل .. تلف الهدوم منك .”

وفي مقطع أخر نقرأ: ” إلى اليوم كلما ذهبت إلى الجبانة أتوقف عند شاهد قبر عبدالفضيل وأقرأ ما عليه من كتابة : ” هنا يرقد المرحوم عبدالفضيل وكلبته وفردة حذائه الوحيدة في انتظار الآخرة”.

أغرب ما سمعنا بعد دفنه من نوادر وحكايات أن الرجلين اللذين غسَّلاه ـ يوم وفاته ـ قالا إنهما وعندما وضعا القطنة في شرجه لاحظا أنه كحَّ .. كحَّ وهو الميت ! ، وقيل عطس ، وفتح عينيه على آخرهما ، وحدق في الرجلين للحظة ، ثم بصق على وجهيهما ، وأغمض عينيه ثانية مستأنفاً موته .

كثيرون حاولوا تفسير هذا المشهد ، بيْدَ أن أحدًا لم يقل كلاماً مقنعاً غير الشيخ متولي الذي قال إن كل ما حدث منذ البداية يؤكد أن القيامة ستقوم ، و إلا لما اختار عبدالفضيل الخرابة ليُصَلىَّ عليه فيها .. إن اجتماع كلمتي جنازة وخرابة في مشهد واحد يؤكد أن الدنيا خربت وانتهت .

وغير ذلك يؤكد الشيخ متولي أنه رأى في المنام ليلة وفاة المرحوم عبدالفضيل إحدى علامات الساعة الكبرى تتحقق .. سمعته يقول إنه رأى قرص الشمس يطلع من الغرب، وإن المسلمين هجموا على إسرائيل وأبادوها نفرًا نفرًا. “

في مثل هذا الطقس المترع بالخرافة والأسطورة والانجذاب نحو الغيبي، والمحاصر بالفقر المادي والعوز الشديد، يأتي البوليسيون للبحث عن عبدالفضيل الذي مات ودفن وتحللت رفاته، ليثير بحثهم الأسئلة كثيرة في واقع لا يملك غير أسئلة لا تريم ، لماذا يبحث البوليسيون عن  عن رجل مثل عبدالفصيل، لم يكن يملك غير كلبة سوداء وفردة حذاء وحيدة سوداء، مات منطويا وحيدا مهملا .. لماذا يبحث عنه البوليسيون الآن ؟

لتجيب الرواية فيما يشبه الإدانة للواقع البوليسي المحاصر للشخصية طارحة الكثير من الأراء المثيرة للغرابة والدهشة، تلك التي تحاول تفسير الأمر في ضوء عجزها عن معرفة الحقيقة ، وبما يؤكد انفتاحها على الغيبي والأسطوري، وبما يؤكد عماءها عن إدراك المرامي السياسية لهذا الواقع الذي ينحدر بها إلى أسفل:

“هذا …. وثمة من رجح أن رجال البوليس الذين يحضرون إلى البلد بين الحين والحين ليسوا آدميين ، وأنهم في الحقيقة عفاريت من السفليين ، كان عبدالفضيل على علاقة بهم قبل وفاته ، والأمر ليس خافياً ، بل هو الشائع والمعلوم أن عبدالفضيل على علاقة بالجن .

وأيًّا كانت الأقاويل ، ومهما تكن صحيحة أو مجافيه ، فالثابت لدينا هو المداهمات البوليسية المتكررة منذ ذلك التاريخ وحتى الآن ، ونحن نفاجأ ـ رغم مرور ما يزيد عن أربعين عامًا على وفاة عبدالفضيل ـ بحملات من هذا النوع ، تتكرر بين الحين والحين ليلاً أو فجرًا أو في وضح النهار .. يأتون كيفما يشاءون ، ووقتما يشاءون .. يفتشون البلد ركنًا ركنًا ، ونجعاً نجعاً ، وبيتاً بيتاً بحثاً عن المدعو / عبدالفضيل أحمد القرنيب .

عن المحرر

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

شاهد أيضاً

موضوعات “الموسوعة المختارية في مصنفات الأعلام الجزائرية عبر القرون”

أ.د شميسة غربي* آثرتُ في هذه المداخلة المُوجَزة؛ الحديثَ عن أحد المُصنّفاتِ التي شَيّدَ مُؤلّفُها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *