ثقافة السرد

أمرٌ قضائيّ

ً* بقلم: سماح الشريف

“أخدتِ بخت أمك”..

كوخز الضمير آلمت تلك العبارةُ “منى” وهي تجلس متأففة مترقبة مجيء “أيمن” طليقها داخل قاعة في أحد مراكز الشباب، تنفيذًا لحكم رؤيةٍ قضت به المحكمة. مضى من الوقت الكثير، بصحبة محاميها وطفلتها التي راحت تلهو في أحد الأركان.

أبغضُ شيء إلى نفسها الانتظار، إنه يعرف ذلك، لهذا تعمَّدَ التلكُّؤَ ليثير أعصابها كما تعود، ثم ينكر ويتهمها بالمبالغة واختلاق المشاحنات.

فكرت أن ترحل، لكن المحامي سبق وساقَ لها العواقب، في كل مرة تحضر وابنتها، ويمضي الوقت ولا ياتي، فعليها أن تثبت حضورَها، إذ ربما كان ينتوي غدرًا ما، ويجد في عدم حضورها مبررًا.

رمت ببصرها نحو ابنتها، بدت صغيرةً وضئيلةً، تبدو كملاك في ثوبها الورديّ المزركش، تشبهها إلى حدٍّ كبير، ذات ملامح دقيقة متناسقة، لا أحد يصدق أنها تزوجت وأنجبت وطُلِّقت.

_لسه صغيرة، والنبي حرام!

_خدتِ بخت أمك!

أطلقت ضحكة استنكار، من أنفها بالطبع!

لن تكون مثل أمها.

ثم تحولت إلى محاميها الجالس على مقربةٍ منها، فألفتْه يدق الأرض بقدمه بضيق، بدا ضخمَ الجثة، يخط الشيب رأسه، فلم تلبث أن أشاحت بوجهها بعيدًا عنه، والتوتر يتملكها.

وتاهت في فضاء القاعة المتهالكة التي تحوي عدة مقاعد بلاستيكية متناثرة، بالكاد وجدا بينها كرسيين يصالحان للجلوس.

ألا يحق لنا أن نواجه أوجاعنا.. في مكانٍ يتمتَّع بشيءٍ -ولو قليل- من الترف؟! بدلًا من هذا المكان الرديء الكئيب الذي تفوح منه رائحة عطنة، تثير في النفس التقزز والاكتئاب والذكريات المريرة.

يعيد الماضي نفسه، كانت تذهب للقاء أبيها بأمر من المحكمة، في مكان يشبه هذا!

ضاقت ملامح وجهها، مرددة بينها وبين نفسها كأنها لافتة تحذير تضعها نصب عينيها: “لن أكون مثل أمي” حادة وقاسية وتنفجر فجأةً بلا مقدمات!

وليل نهار.. تسرد منتحبة مأساتها مع أبيها، وكيف أنها تحملت الأمرَّينِ وأعرضت عن الزواج كي لا تأتيها بزوج أمٍّ…

وبينما “منى” على ذلك.. دنا منها المحامي قائلًا:

– اتأخَّر قوي.. أنا ورايا قضايا أهمّ!

اِرْبَدَّ وجهُها من فرْط حنقها، وقالت: هو كدا!

ثم شردت بذهنها، كمنْ يبحث عمّا يدعم شهادته!

وأردفَت غاضبةً:

_كلهم كدا.. كلهم زي بعض!

زفر المحامي ساخطًا دون أن يلقي بالًا لكلماتها، وألقى نظرةً إلى ساعةِ يده:

_طيب.. أنا هاطلع بَرّا شوية!

ودلف من الباب مسرعًا!

حدثت نفسها:

ماذا ستفعلين الآن؟! بل دائـمـًا؟!!

نظرت إلى ابنتها بإمعانٍ:

_ستصبح أفضلَ حالًا بلا أبٍ!

وهل كنتِ أنتِ كذلك؟! ماذا حققتِ قبل زواجك، وبعد طلاقك؟!

زفرت بصوت مسموع مِلْؤه الحسرة:

_لا شيء! تسربتُ من التعليم، وكان عليَّ أن أتزوج لأهرب من سخطٍ لا ينتهي، إلى أول مَن اهتمَّ بي!

_ستصبح هبة نسخة جديدة منك!

_وهل كنتُ أنا نسخةً من أمي؟!

انتفضت “منى” كمنْ لدغه شىء سام، وهمت تحمل ابنتها وترحل، فلاحت لها العواقب، والمحامى يكيلها لها في حزم:

_تبًّا! يأمر ولا يشعر! لنْ يُفيدَ ابنتي لقاءٌ عابر!

اِسألْ مجرب!

لقاء أسبوعي يأتي برجل في كامل زينته، مبتسمًا ابتسامةً تنُمُّ عن نشوى انتصار أمام غريم بائسٍ، و يبدوان كأنهما عَقَدا اتفاقًا ضمنيًّا، حيث يتباهى هو في حُلّته المنمقة، وتقذف طليقته -بين الحين والآخر- كلمةً أو ضحكةً لا معنى لها إلا إعلان عن عدم هزيمتها بَعدُ!

والمُشاهد الوحيد يحظى بعناق بارد لا روح فيه ولا لهفة!و بعض الحلوى!

كم ودَّتْ لو أنها قفزَت يومًا في الهواء فرحًا وابتهاجًا بعودته…

لو أنها نامت على حلمٍ بالحلوى والدُّمَى الصغيرة.. ثم استيقظت لتجد مزيدًا من الدمى مُغلفةً بحلاوة ابتسامتِه!

كم اشتاقت إلى صدره الواسع الحنون، ويديه تحتويانها وتَضُمّانٍها إليه، وأذنيها تنصت لخفقات قلبه العطوف، وهي تخبرها أنِ اطمئنّي يا صغيرتي، فأنا هنا!

لو أنها تعلقت في كفه الرحبة، في أثناء رحلتهما في تلك الغابات الأسطورية، وراحت تتقافز في ثوبها الدائري الأطراف، وهو يحكي لها قصة المكان والأشياء.

بينما تفترش الأمُّ العشبَ، وتعلو وجهها ابتسامةٌ حانيةٌ، وقد أعدت طعامَ الغداء في انتظار عودتهما، فيطبع الأب قُبْلةً حانيةً فوق جبينها، وتدنو الطفلة من قلب أمها، وتروي لها ما عرفته من أبيها، وتُمضي النهارَ والأيامَ والسنينَ، في نزهةٍ عائليةٍ… تمنَّتْ لو أنها عاشت فيها إلى الأبد، وودَّت لو أنها بقيت طفلةً تشتاقه، ولم تكبر وتعرف أنه لن يأتي، ولن يتجسد في هيئةِ أحدٍ!

حُكْمُ الرؤية كان عندها بمثابةِ استعراضٍ بين والدَيها، مع بعض فُضولٍ بما صنع بهما الفراق، فحسب!

حتى تزوج الأب، وأمسى لقاؤهم شهريًّا ثم سنويًّا، أو عند الضرورة المُلِحّة!

وجاءَها أيمن وكأنه قد قرأ منذ وقعت عيناه عليها أنها بكْرُ المشاعر، وحافَظَ خوفُها الدفينُ على جسدِها من كل رجُل، رغم ما تبديه من حدة طباعٍ تسلَّل إلى تشقُّقات مشاعرها في حِرفيّةٍ تامّةٍ، فألْقاها النهَمُ الشديدُ بين ذراعيه، تعلقت به، فأغدق عليها منتشيًا فرِحًا بكونه الأول.

لَمْ تعِ متى تُقال “لا”، لم تنطقها قَطُّ، كانتْ دُميتَه التي تبقى حيثُ وضَعَها! أو بالاحرى كانت له جسدًا بلا رأسٍ.. حتى ملَّ التصاقَها الشديدَ به! وتنازلَتْ أكثر، حتى عدمَت ما تقدمه لتُثير فضوله وشهيَّته، ليبقى!

أصرَّ على الطلاق، قائلًا: “دي علّة في ضهري، لازم أتخلَّص منها”!

بعض الأدوار تبقى كأخدود غائرٍ، لا يقوى على مَلْئِه أحدٌ، متى فشل المعهود إليهم في القيام بها!

انتفضت “منى”، و لمحت المحامي مُقبِلًا، فتصنَّعَت أنها تعتدل في جلستها، وأخفت الدموع المترقرقة في مآقيها:

– لسه ما جاش؟! أنا مش فاضي، وقتي من دهب! أنا جيت علشان الست والدتك مريضة، لكن مش هينفع كدا! إحنا نروح على القسم، ونثبت إننا جينا، وهو اللي ما جاش زيّ كل مرة!

رفعت عينيها إليه، وقد حجبت نظّارته الشمسيه عينيه، فلم تلبث أن أطرقت في خشوع، وتحولت إلى ابنتها، نادتْها فلم تجِبْ، إذ شغَلَها طابور من النمل راحَت تعبث بانتظامه!

عادت تنادي بصوت أكثر حِدّةً واختناقًا، وقد أتى التوتر والضيق على أعصابها، وحاصرها رجل القانون بجسده القويِّ البِنية، فحجب عنها نسائم عليلة كانت تتسلل من خلال باب القاعة بين الآن والآخر، فتخفف من كآبةِ المكان ورائحته الكريهة.

فأسرعت جاذبةً ابنتها، وصفعتها على صُدْغِها، فانفجرت الطفلة باكيةً، دوّي صوتُها في جنبات القاعةِ، مُحْدِثًا صدًى لم يصل إلا إلى مسامع بعض العاملين في المركز، وقليلٍ من الرواد، بعضهم التفت، وكثيرٌ منهم لم يكترث!

بينما هرول المحامي خارج القاعة، ليستقبل مكالمة هاتفية من أحد زبائنه، بعيدًا عن ضجيج الأم وابنتها.

 

*كاتبة من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “أمرٌ قضائيّ”

  1. راىعة ومعبرة .. فيها صدق مشاعر كبير وقوة في الاحساس الموجود… المطلقة قلب مجروح لا يحس به المجتمع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق